«نور المسيح مضيء للجميع»، هذه العبارة التي نقولها في القداس السابق تقديسه تملأ بدايات هذا المقطع الذي يستهلّ فيه بولس كلامه، وهو بلا ريب يشير الى نور السيد الذي ظهر له في طريقه الى دمشق ليُلقي القبض على المسيحيين. الذي صار له أن يشرق من الظلمة التي كان فيها الرسول نور ينيرنا على وجه يسوع المسيح. بعد التجسد الإلهي صرنا نرى نور الله على وجه يسوع الذي هو الطريق الوحيد اليه.
ومع أن الرسول يرى جلال مجد الله، بقي يرى الضعف البشري، فقال «لنا هذا الكنز في آنية خزفية ليكون فضلُ القوة لله لا منا». «كل موهبة كاملة منحدرة من أبي الأنوار». هذه الخزفيّة التي نحن عليها تجعلنا «متضايقين في كل شيء» ولكن بسبب من النعمة نحن غير منحصرين. النعمة تُحرّرنا من خزفيّتنا، من معطوبيّتنا. كذلك نحن متحيّرون نتماوج بين ما هو لله وما هو لغير الله، ولكنا «غير يائسين»، «مضطهَدين ولكن غير مخذولين». الاضطهاد هو الوضع الذي قال عنه يسوع انه ينتظرنا. لماذا الاضطهاد؟ لأن أهل الظلمة لا يقبلون النور، لأن الأشرار يوبّخهم الأخيار طبيعيّا دون أن يتكلّموا. «حاملين في الجسد كل حينٍ إماتةَ الرب يسوع». آلامه ترتسم في أجسادنا بالاضطهاد وفي نفوسنا. واذا احتملنا الموت تظهر حياة يسوع فينا. هذا الذي حصل للسيد، أي الموت والقيامة، يرتسم في وجودنا نحن. فإن تعذّبنا يأتينا السلام. وإن متنا موت الخطيئة نتوب.
ثم يؤكّد فكرته هذه مرة أُخرى «نُسلّم الى الموت من أجل يسوع لتظهر حياةُ يسوع أيضا في أجسادنا». دائما عند بولس ثنائية الموت من أجل المسيح والحياة في المسيح. هذا هو الإيمان. هنا يذكر بولس ما جاء في المزامير: «آمنتُ لذلك تكلّمتّ». الشهادة بالكلمة، البشارة ثمرة الإيمان. واذا شهدنا وتكلّمنا يكون يسوع قد زرع حياته فينا لأنها هي التي تتكلّم. وفي الأخير سيُقيمنا الآب كما أقام مسيحه من بين الأموات. ونحن نقوم من أجلكم. هذه هي شركة القديسين. نقوم معا لنحيا معا في ملكوت الله. انتظارا لهذا تتكاثر النعمة التي تهيّء قيامتنا. وتتكاثر النعمة بشكر الأكثرين. وقمّة الشكر هي في القداس الإلهي الذي تزداد فيه النعمة لمحبة الله.
بولس متّجه دائمًا الى الله بنور المسيح وبقوّة النعمة. هذا كثيرًا ما كلّفنا اضطهادا ومضايقات يوميّة وأتعابًا كثيرة. لا قيامة بلا صليب. ولكن لك أن تقبل الصليب برضاءٍ مُشاركا آلام السيد فتنال محبة الله وتُوزّعها على الإخوة بالمحبة وترفع عنهم الضيق بتوجيههم الى الصبر واحتمال المشقّات.
في وسط المصاعب ترى نورَ المسيح على وجوههم. نحن الذن نؤمن بيسوع قاماتٌ من نور. إنْ كنّا فعلا له فليس فينا إلا النور. يسقط التراب عنّا. تتلاشى الصعوبات اذ تحلّ محلّها التعزية. كل ضرر ومشقّة وحزن في النهاية تقودنا الى المسيح يسوع، الى حنانه ورقّته ودفئه فلا يبقى فينا سواه، ونصير إياه، ويصير إيانا بالحب الذي يسكُبه علينا.
