هذا مُقام شكرٍ للذي تليق به وحده الكرامة. إنه شكر لِما أعطى ولِما حرم. ذلك أنه أعطاكم انتم. فحاولت أن أستمع إلى «ما يقوله الروح للكنائس»، وتقبلتُ النفحات التي نفحكم بها الروح، وما كنت لكم إلا بمُذكِّر لـِما كنتم تعرفون، وسوف أغيب بعد التذكير.
والمُقام الثاني هو مُقام توبة بسببٍ من تقصير وقعتُ فيه ومن إهمال، من خطايا عامدة وغير عامدة، بسبب من هذه الترابية الزائلة، من هذا الإناء الخزفيّ الذي ارتضى الله أن يضع فيه عطرًا والعطر له وليس للخزف شأن مع العطر، ولكن إن تسربَتْ إليكم «رائحة المسيح الزكية» فهذا من فضله وهذا من طاعتكم. وإذا أقمنا في مُقام التوبة نستطيع أن نتبصّر في الكتاب العزيز. إنكم قد قرأتم ما ورد في سفر الرؤيا عن الأربعة والعشرين شيخًا الذين شاهدهم يوحنا في السماء متحلّقين حول يسوع، ولعل هؤلاء الشيوخ الكهنة عبروا إلى السماء بواسطة شهادة الدم، تلك كانت البيئة التي كتب عنها الرسول. وتذكرون قول الحبيب الرائي أن هؤلاء الشيوخ، الذين كانوا متوّجين بأكاليل الشهادة في ظني، كانوا يُلقون أكاليلهم ويرمونها امام عرش الحمَل. يا إخوة، ليس على رأس أُسقفٍ إكليل. ولو تراءى لكم شيء من هذا، طيف من هذا، فإنه يُرمى عند قدمي الحَمَل الذي له وحده الإكرام والسجود وله وحده يليق المجد لأنه وحده ذو القدرة.
وتذكرون ما قيل في العهد العتيق وما ردّدناه في الخدمة الإلهية، من أن حول العرش الإلهي الشاروبيم والسارافيم الذين نحاول بخفر وتواضع التشبُّه بهم اذا تحلّقنا حول السيد المبارك. ويقول الكتاب الإلهي إن هؤلاء السارافيم والشاروبيم كانوا يَستُرون وجوههم بجناحين ويَستُرون أرجلهم بجناحين ويطيرون بجناحين. يسترون وجوههم لأنهم باتوا غير قادرين على رؤية المجد الإلهي، ليس احد منا يبصر المجد ولا حلّ على احدٍ مجدٌ. وإن تراءى لنا شيء من هذه الظلال فإنما يجدر بنا أن نغطي وجوهنا بالأجنحة. لماذا لم تقدر الملائكة أن تطير في مرحلة أولى؟ لأنها ما كانت قادرة أن تبصر، فإذا اخترق وجوهَها المجدُ الإلهي تتمكن من جديد أن تطير وأن تُحلّق حول عرش الحَمَل. الكارثة يا إخوة، أن يَحجب اللهُ نوره عن وجه الأسقف. عند ذاك يكون لا شيء.
يبقى أنتم يا إخوتي الكهنة الذائقين مرارة العيش بسبب من إهمالي وبسبب من جهالات الشعب. ولكنكم حاولتم، حاولنا معا، أن نجعل في المؤمنين وعيا يزداد فيما أهَّلنَا الله عليه من البشارة. ولعل إشعياء كان ينظر إلى جبل لبنان لما قال: «ما أجمل المبشِّرين في الجبال، المبشِّرين بالسلام». لقد زرَعَكم مسيحُكم على هذا الجبل لتكونوا فيه منائر علّ المؤمنين يهتدون، وقد يكون الكثيرون من المؤمنين هم المنائر وبهم انتم يا كهنة تهتدون. مهما يكن من أمر، سمعتموني أقول للكهنة الناشئين، سنة بعد سنة، إننا نحن معشر الكهنة لسنا سوى غاسلي أرجل، لا نطلب أرقى من هذا ونكتفي بالتمجيد اللائق بغاسل أرجل علّهم يُبصرون. سنكمل هذه المسيرة القديمة التي أُطلقت في أورشليم منذ قيامة المخلّص وحلول الروح. نحن جزء يسيرٌ من هذه المسيرة. غير أني أفتخر بما قلته مرّة لرجل من كنيسة لا تعتقد بالكهنوت، انت ترى أمامك أسقفا محدودا بترابيته وخطاياه وطبائعه، ولكنّ هناك شيئا انت لا تبصره. قال ما هذا الشيء؟ قلت أنا لست أنا. أنا أحمل على كتفي إغناطيوس الأنطاكي والذهبي الفم والدمشقيّ وما اليهم، نحن في الأرثوذكسية لسنا نحن، نحن نجيء من الشهداء ومن الأبرار والنسّاك وأصحاب الكلمات الحلوة الذهبية البارّة. قلت له أنت تُعامل كنيسة عظيمة ولو تأذّت مما في رؤسائها وأعضائها من ضعف.
هذا ما أخال انكم أحببتم أن تحتفلوا به. في الواقع أردتم أن تتذكروا أن كنيسة المسيح هي الحياة كلها والحلم كله والآفاق كلها، وأصررتم أن نذهب إلى هذه الآفاق. الله سيقول وحده ما فعلنا وما لم نفعل، هو وحده يعرف قيمة الأشياء. ولكن ما نعرفه نحن أننا ماشون وأننا مسرعون في سيرنا وأننا سنعدو هكذا في الضوء، في الصدق، وأرجو في التواضع. سوف لا ننسى أن نَستُر وجوهنا بجناحين وأقدامنا بجناحين، والله حرٌّ في أن يخترق هذه الأجنحة وأن يصبّ علينا نوره، هذا شأنه. ولكننا سنسير مقيمين أولاً في مقام التوبة حتى اذا ما استقررنا هناك يرفعنا الرب إلى مقام الشكر والتسبيح. وبعد هذا، اذا راقه أن يقرأ هو على وجوهنا شيئا من جمال، سيفوّض الملائكة بأن يتغنّوا به، آمين.
