إنجيل اليوم مأخوذ مما يُعرف بالعظة على الجبل وهي مقطع مؤلّف من الإصحاحات الخامس والسادس والسابع من متى. الجزء الذي نقرأه اليوم نستهلّه بكلام المعلّم لتلاميذه: «أنتم نور العالم». لما سمعوه صاروا نورا بكلامه، ولم يكتمل نوره فيهم الا بعد ان انبلج ضياء قيامته وحل عليهم الروح القدس. وهذا كلام موجّه إلينا اذ لا يقبل المسيح ان يبقى فينا أثر للظلام. ماذا يعمل سائر الناس ان اظلمتكم خطاياكم؟
وعندما يؤكّد السيّد ان يضيء نوركم قدام الناس، طبعا لا يريد ان يتباهى احد بنوره، ولكنه يؤكّد أمرا طبيعيا ان النور بالضرورة يظهر.
ثم ينتقل المعلّم الإلهي الى القول: «لا تظنّوا اني أتيت لأحل الناموس والأنبياء. اني لم آت لأحل (او لأنقض) بل لأكمّل» . ليس المعنى ان يسوع جاء ليحافظ على فرائض السبت والختانة ولا ان يحافظ على الهيكل. يريد انه يحافظ على روح الأحكام الموسوية، ولكنه لا يبقيها حرفيا في الكنيسة. فالكنيسة منذ رسائل القديس إغناطيوس الأنطاكي حرّمت بوضوح المحافظة على السبت، فبعد ان سَبَتَ يسوع في القبر حقق الوصية في ذاته ولم يبقَ لها نفع. كذلك قال: «انقضوا هذا الهيكل وانا أبنيه في ثلاثة أيام»، اي انه قال لنا ان جسدي هو بات هيكل الله. كذلك أُلغيت الفرائض التي تفرّق بين اللحوم التي يجوز أكلها وتلك التي لا يجور أكلها.
ثم ماذا عنى السيد بقوله: «اني لم آت لأحل بل لأكمّل»؟ المعنى انه جاء ليقوّي الوصايا بعمقها، ان يملأها من المعنى. «لا تقتل» الوصية القديمة صارت تعني ايضا لا تبغض، لا تكره، لا تغضب على أخيك. لم يزد يسوع وصايا جديدة بل جمعها كلها في وصية المحبة التي قال عنها بولس انها تُكمل الناموس.
«لا يزول حرف واحد او نقطة واحدة من الناموس حتى يتم الكل» لا تعني انه لا يريد حل شريعة من الشرائع، فقد حل الكثير منها، ولكنها تعني حافظوا على المعنى الذي قصده الله من هذه الشرائع ولا تحافظوا على شكلها او قالبها الخارجي. فمن خالف القصد الإلهي يكون صغيرا في ملكوت السموات.
المهم ان تعمل وتعلّم. العمل وحده بلا ايمان ميت هو. والايمان بلا عمل ميت هو. فليس هناك ناس للفكر للاهوتي وناس آخرون للعمل. الانسان الكامل مَن جمع النشاطَين في كيان واحد. وهذا ممكن في المسيحية لأن العمل عندنا يأتي من المحبة والمحبة تأتي من الايمان ويرصفها بولس بعد الإيمان. انت تحب الناس لأن الله أَحبك اولا وأعطاك القدرة لأن تحب، وإن أحببت ربك تريد ان تعرف عنه الشيء الكثير، وهذا هو اللاهوت، فاذا احببت الرب تذهب الى خدمة الأصغرين في الكنيسة. فاذا كنت لا تبالي بالفقراء مثلا فكل ما تعرفه في اللاهوت لا ينفعك شيئا.
وبسبب الجمع بين التعليم والعمل أتت هذه الآية الأخيرة تبيّن لنا ان آباء المجمع الرابع الذين نقيم تذكارهم اليوم قاموا بالنشاط التعليمي والنشاط الخيري. ان ما حدّدوه لنا ان المسيح ذو طبيعتين إلهية وإنسانية معا. جمع العنصرين في أقنوم واحد.
هذه العقيدة تدفعنا الى ان نفهم ان الانسان ايضا على غرار المسيح يجب ان يكون إلهيا على صورة الطبيعة الإلهية في المسيح وان يكون بشريا بآن وألا يفصل هذين العنصرين في شخصيّته. فيه كل قوة الله وقوى الله، وفيه انسانية ينبغي ان تمتلئ من الله، فلا يفقد قوة الله فيه ولا القوة البشرية فيه، ولو كانت البشرة ذاهبة الى التراب تدفعه القوة الإلهية التي انسكبت فيه الى القيامة، ويقوم هذا الجسد الذي اخذ جسد المسيح ودمه.
العقائد انوجدت في الكنيسة لنحيا بها ونسلك بموجبها. وكلها لازمة لخلاصنا. وهكذا قال بولس: «تشبّهوا بي كما أتشبّه انا بالمسيح». انت يمكنك بفضائل الإنجيل ان تصير على صورة المسيح لا إلهيا فقط ولا بدنا فقط بل الاثنين معا.
المجامع السبعة حية فينا وتحيينا فلنتعلّمها وننفّذها لنصبح خلائق جديدة.
