يعود بولس للمرة الأخيرة من أوربا إلى فلسطين ووصل إلى ميليتس ولم يُكمل طريقه إلى أفسس في آسيا الصغرى خاشيًا ان يبطئ فيها لإصراره على أن يقضي العنصرة (اليهودية) في أورشليم.
وكان بولس يريد ان يلقي تعليمًا على كهنة أفسس المسمّين بهذه الترجمة قسوسًا ونبّههم على أن يسهروا على أنفسهم وجميع الرعية التي أقامهم الله عليها «أساقفة». أساقفة تعني رقباء، وكانت في الزمن الرسولي تدلّ على كل إكليريكي فوق درجة الشماس كاهنًا كان ام مطرانًا ثم انحصرت الكلمة للدلالة على رئيس الكهنة. ليس أنه لم يكن تمييز بين وظيفة الكاهن ووظيفة الأسقف، ولكن كلمة واحدة كانت تدل على رتبتين . اذًا هؤلاء كانوا مجرد كهنة.
وحذّرهم الرسول من الذئاب التي ستجيء من خارج الرعية او تظهر في الرعية نفسها ليقسموا الرعية ويجرّوا إليهم «زبائن». لذلك اسهروا وتذكّروا نصائحي. ثم استودعهم الله «وكلمة نعمته القادرة ان تبنيكم وتمنحكم ميراثا مع جميع القديسين» والمقصود بالقديسين جميع المؤمنين وبخاصة أهل أورشليم.
وأخيرا ذكّرهم بأنه لم يتقاضَ أجرًا او راتبًا من أيّة كنيسة وكان فقط يعمل بيديه خيامًا وليس فقط يعمل ولكنه يُحْسِن إلى الإخوة الفقراء بناء على قول الرب يسوع: «إن العطاء هو مغبوط أكثر من الأخذ». وهذا الكلام بولس نقله إلينا وهو غير وارد في الأناجيل.
«ولما قال هذا جثا على ركبتيه وصلّى» وبعد هذا أكمل طريقه إلى أورشليم لتبدأ محاكمته هناك ويُبعد الى روما ليحاكَم فيها ويموت في زمن الاضطهاد الأول او بعده بقليل.
اللافت عند بولس اهتمامه بجميع الكنائس، وكل كنيسة تختلف مشاكلها عن الثانية، وهو كان يستوعب في عقله وقلبه كل هذه الجزئيات. لذلك كان يكتب الى الكنائس أمورًا لاهوتية وتتعبه الشؤون الرعائية وهو فقير، فقير.
سيرة ولا ألمع، مليئة بمحبّته للمسيح وبترجمة هذه المحبة أفعالا وأتعابا من كل صنف حتى جاء وقت أدائه شهادة الدم.
مما يميّز هذا الفصل في الرسالة الى أهل أفسس اهتمام الرسول بتربية الكهنة انطلاقا من انهم رعاة لكنيسة الله التي اقتناها بدمه. كون الجماعة كنيسة الله، تتطلّب سهرًا دائمًا حتى لا يسقط أحد ولا يتهاون أحد لأن مَن أَحبّ كنيسة الرب وخِدْمتها لا ينام.
