ليس من شيء يُسمّى في الحقيقة انفراجًا لأن الكلمة تعني تغيرا سيكولوجيا حدث من ذاته او بسبب من ظرف خارجي قلب الوضع النفسي. ليس هناك آلة سيكولوجية او ضربة تحدث تغييرا في النفس لا يقع تحت تفسير العقل وكأن القوى النفسية تسيل فينا من ذاتها فتنصب فيما بينها لإحداث انقلاب داخلي.
الانسان لا يتفرّج على داخل ذاته متوقّعا انفراجًا بعد محنة او حزن او ضيق أعمق يصل الى حد التفجّع. ميل الناس ان ينهوا أحزانهم باللهو بما فيه الرياضة البدنية او قراءة الصحف والكتب او الاستماع الى الموسيقى ولا سيّما الى غناء الطرب في بلادنا. هذا ارجاء لحل العقدة او تعتيم عليها لأننا لا نريد ان نفحص قلوبنا. الفحص متعب ويتطلّب جدية كبيرة وتخليا عن موقف او تبديلا لقناعة. لذلك نقف امام العقدة ونحجبها على عين النفس الفاحصة، خوفا من الحقيقة.
الحقيقة تعرّينا وهذا ما سيفعله الرب في اليوم الأخير. تلك هي الدينونة. ليس اننا لا نعرف خطايانا. ولكنا اذا وقفنا في حضرة الله يخيفنا الاعتراف وهو يصرّ على ان يجعلنا امام الحقيقة التي قضينا كل حياتنا نتجاهلها. الانسان يحب ذاته بصورة مرضيّة ويكره نقدها امام مرآة الحقيقة. يلهو الإنسان لينسى ولا يريد ان يقتنع بأنه لا يستطيع ان ينسى. فالحزن يحزّ في نفسه وهو لا يكرهه بالضرورة. لذلك يهرب منه باللهو الذي هو تغطية أنانية لما يوجعنا. يقنع نفسه بأنّه اذا حاد عن وجعه باللهو ينفرج ولا شيء فيه ينفرج لأن ذاته هي ذاته واللهو يأتي هو به من خارج النطاق المضيء في نفسه.
الحزن نتيجة الصدمة. موت عزيز صادم لأنك تكره الفراق اذ الطبيعة لا مكان فيها للفراغ. الطبيعة تلاحم، وحدة، قران داخلي مع من تحب. «ويكون الاثنان جسدًا واحدًا» اي كيانا واحد بالتعبير العصري. هذا قيل عن اتحاد الرجل والمرأة ولكن يصح في العلاقة بين صديق وصديق. وتحل فيك محنة كبيرة اذا افترق عنك الصديق او الحبيب ولا سيّما لسبب لا تعرفه ويرميك في العزلة والعزلة ليست من طبيعة البشر. ويشتدّ الحزن اذا كان الشوق شديدا. أصعب الأشياء أن يكون الآخر رماك بعزل لا تفهم سببه. واذا فهمت تغدو أقرب الى الغفران والى لحمة تجعلها في نفسه وإن رفض الآخر اللحمة تعيش وحدك صداقة مكسورة. وكل إنسان مكسور.
# #
#
والأصعب من كل ذلك تنقّل الآخر بين المودّة والانفصال ولا تفهم لماذا هذا فيه وانت لم تعطِ الا الحب وفي هذا تأويل كبير. العزلة الكبرى ان تبقى في اللافهم لرغبة الآخر في تحطيمك. وعليك، اذ ذاك، ان تقبل وتضرع الى الله حتى يرشد ذاك الذي أحزنك. وترجو سلامًا فيه ليعود الى نفسه وانت لا تطلب عشقًا ولكنك تطلب للآخر راحة تعود عليك براحة. وقد تموت او يموت الآخر وهو منفصل وليس لك الا الرأفة به بعد ان غادر هذا الوجود. وربما لقيته الرحمة فوق. وقد يفهم في الفردوس ما لم يستطع فهمه على هذه الأرض.
الحياة كلّها انقطاعات ودم غير منظور ويؤذيك ان الآخر لا يفهمك وقد تكون محبة كاملة ولكنه على كل المصادر الروحية التي قرأها الآخر لا تنزل الى أعماقه ولا تنزل الى حقيقة سلوكه لأنه لم يفهم او تحجّر حتى لا يفهم لكونه آثر موقفه المؤذي على إمكان انفتاحه ولا يضمّك اليه بلا شرط.
# #
#
هناك قوم يعيشون بلا حب يتدفقون به وإن كانوا يطلبون ان يكونوا هم موضوع الحب. الحب يؤخذ او يعطى بقرار وهكذا الكراهية. هناك نفوس تعيش على الكراهية لأنها ضعيفة، هشّة ويوسوس لها الشيطان بأن تتلحّف بكرهها ظنّا منها أنها به تتحصّن. من ابتغى هذا التحصّن المصطنع ليس عنده قدرة على الانفتاح اي على قبول الآخر على انه الحصن الحقيقي.
الراسي عليهم البغض يطلبون الانفراج اي انهم يتكلّمون على صدفة ترفع عنهم وطأة البغضاء. ولكن ليس في مسرى حياتنا صدفة. كل أشياء النفس لها قواعدها واللهو لا يريح. انه يرجئ حل العقد وهي لا تنحلّ من عامل خارجيّ. النفس هي المكان الوحيد الذي تحلّ فيه العُقَد. والعقدة لا تزول من ذاتها.
وهنا وددت أن أقول أن التحليل النفسي يكشف لك أسباب الانغلاق ولكنه ما ادّعى يوما انه يجعلك انسانا صالحا. هو يبيّن لك وضعك وعليك انت ان عرفته ان تتخلّى عن المحزنات التي تسبّبها لنفسك وللآخر وهذا قرار نسمّيه التوبة اي الرجوع الى وجه الله الذي فيك لأن الطب النفساني يحلل فقط ولكنه لا يعطيك الدواء. يبيّن لك فقط ان الدواء ممكن ويتركك لنفسك لتقبل شفاء ليس هو كامنا فيها ولكنه يأتي من آخر. لذلك قلت ان ليس من انفراج في ذات النفس ولكن هناك فرج ينزل عليك من فوق. فرج اذًا لا انفراج. الانفراج ثمرة لتدخّل الله فيك.
اللهو اذًا ليس بشيء. الفرج النازل عليك من نعمة الرب يجعلك وحده قابلا للخروج من حزنك لاقتبال الفرح الذي الله مصدره. الحزن يزول اذا قبلت ان تعطى فرحًا إلهيا يترجم نفسه فيك راحة وسلامًا. لك ان تلهو قليلا عن الضغوط النفسية ولكن الضغوط قد تتراكم. ذلك ان الرب وحده اذا تحنن عليك يعطيك شيئا من ذاته اذا كانت نفسك منحنية تحت الأحزان او اذا كرهت. ولا حرية من الكراهية الا اذا حلّت محلّها المحبّة التي ليس الإنسان أصلها. يجب ان ترى الله فهو يراك دائما وينعطف ولك ان تتقبّل هذا العطف لعلمك بضعفك من جهة ومن قوّة الله من جهة. لا، ليس من انفراج. هناك الفرج الذي يحدثه الخالق فيك وهو الذي يجعلك وحده خليقة جديدة في بساطة إحساسك بما يتدفّق عليم من السماء.
النفس اذا بقيت على حدودها وبشريّتها ليس فيها شيء. الله العليم بالوطأة التي عليك يرحمك ويجعل فيك منزلا له اذ هو يكشف لك انك حبيبه وحسبك. وقد تبقى مع الله وحده وحسبك هذا. وهو الذي يدفعك الى اقتبال من أغضبك اذ يعيّنك طبيبًا له. وهذا لا تؤتاه بالعتاب ولكنك تؤتاه بالمحبة المجّانية اي تلك التي لا تطلب شيئا لنفسها وتطلب كل شيء للآخرين ليكونوا في سلام.
مع ذلك قد تبقى وحيدًا وانت مع كل الناس لأنهم فيك بالمحبّة التي تحبهم بها والمحبة التي تغدقها على الآخر هي مبدئىا نار تضعها على رؤوسهم فيهتدوا ولكنهم قد لا يهتدون لأنهم أصرّوا على الانفصال وعليك ان تقبل هذا ولا يزيد حزنك وتسلّم الناس الى ربّهم وتسترحمه لأجلهم مهما فعلوا بك. لا تفحص ما يجري في قلوبهم لأن ثمّة ما يسمّيه بولس سرّ الإثم والإثم قد يقلق الخطأة الى الأبد ويظنّون أنهم يحيون به وهم قد ماتوا وقد لا تعطى انت ان تقيم نفوسهم من الموت. تسلّمهم الى الله والى حنانه الذي يدبرهم من فوق. وانت تقيمهم في دعاء لهم موصول حتى يروا ما أنت راءٍ فيقيمنا ربّك جميعًا من وطأة الموت.
