كتب العبادة في كنيستنا مليئة بعبارة «عشق الفضة» معتبرة (بفتح الباء) على أنها شهوة مركزية من حيث انها تؤدي الى طلب السلطة واشتهاء هذه اشتهاء فاتك لأنه استعباد للآخر وكل استبعاد الغاء. وكلما احتدمت رغبتك في متاع الدنيا وتوسعت هذه الرغبة لا يبقى حد لمطمع شرعي وترى نفسك مخطوفا ويعطل عندك نظام العقل اذ لا يبقى انتظام بين نفسك وبين ما ترغب فيه فاذا الذي بين يديك مالك عليك وانت تاليا مأخوذ اليه.

كل قصتنا مع الشهوة انها تنقل مركزك من حيث يجب ان يبقى اي من الاعتدال الى حيث يريدك الهوى. معنى ذلك انك تخرج من السلامة التي جعلك الله فيها لتسكن الخلل.

ليس في هذا الكلام مغالاة لأن استيحاذ المال استيحاذًا على كل الشخصية يجعلك تصير ما انت تحبه وعند اقصى سلطان الشهوة عليك تخسر محبتك للإخوة وفي منتهى هذا العشق تنغلق نفسك فتعجز عن العطاء اي عن الانتباه والخدمة. قال لي صديق ثري كلما ربحت مبلغا من المال كبيرا اوزع منه قدرا كبيرا خشية تعلقي بما ملكت. كان يخشى ان يصير عبدا.

بهذا المعنى جاء في العظة على الجبل: «لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك» (متى ١٩:٦-٢١). هل المعنى انه لا يسوغ لك ان تفتح حسابا في المصرف؟ الوضع الاقتصادي الذي كان المسيح يتكلم فيه كان وضع فقر شديد وكان يتطلّب اذًا ان تشارك الآخرين ما عندك. كان يسوع يريد ان تجعل محبة الله كنزنا حتى نتعلق بها فلا نشتهي ما بين ايدينا في اي وضع اقتصادي يكون البلد فيه. لذلك تابع كلامه هكذا: «لا يقدر احد ان يخدم سيدين. لأنه اما ان يبغض الواحد ويحب الآخر او يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون ان تخدموا الله والمال» (متى ٢٤:١٦).

الفضة كانت عنده ان تملأ قلبك من الله او ان تملأه من المال. هو لم يثر مسألة نظام اقتصادي. مجال يسوع الناصري مجال القلب. السؤال هو ماذا انت عامل بقلبك؟

#              #

#

علمنا المغفور له رفيق الحريري كلمة هدر وما كنت اعرف استعمالها بالمعنى الذي استعمله بها. ثم ادركت انه لجأ الى هذه اللفظة لكونه كان حريصا على تهذيب اللسان وكان يريد بها السرقة. وكنت افهم انك اذا بددت مالك الخاص تبديدا فهذه خطيئة اقل شدة من تبديد المال العام حتى علمني العالمون ان الفرنسيين عندهم عبارة ان «الذي يسرق الدولة ليس بسارق». والدولة افهمها انها الناس اي ذلك الترتيب الذي يسهر فيه المسؤولون على سلامة الوطن وازدهاره وعافيته ورعاية الفقير والمريض والشيوخ وحماية البلد بالجيش وكنت قد قرأت عن سعد زغلول انه اذا كان في مكتبه وأراد ارسال كتاب الى احد انسبائه يرسل الحاجب ليشتري له ورقة وغلافا لأن الورق الذي كان على مكتبه يخص الدولة المصرية ويستعمل لخدمتها فقط. كذلك فهمت ان الموظف العالي في سويسرا اذا اراد نزهة مع عائلته يستعمل سيارته الخاصة لا سيارة الدولة لأن المكلّف لا يدفع لك ثمن المحروقات لانبساطك الشخصي.

كذلك علمت ولم ادقق ان هناك اسماء موظفين مسجلة على جدول وزارات عندنا وهم لا يعرفون باب الوزارة. واشياء مماثلة لو تحققناها لما وسعت مقالتي ذكرها. ثم فهمت ان الهدر شائع ايضا، ربما بمقدار اقل، في بلدن »راقية« ولكن هنا من يحاسب ويقاضي عظاما فيها بما في ذلك رئيس الجمهورية اذا حان وقت رفع الحصانة عنه. انهم يدركون ان مخالفة الشريعة قائمة في العالم ولكنهم يفهمون ايضا ان قضاة الدولة يسألون المرتكب عنها ولا ينتظرون محاسبة الله لنا في اليوم الأخير بعد ان أخذوا عن القدامى ان العدل اساس الملك. وقد فرقت الكنيسة عندنا في القرن الرابع بين مال الكنيسة ومال الأسقف فإن هذا له ان يستعمل المال الذي ورثه من ذويه وان يستعمل مال الأمة لحاجاتها.

في ايام شبابي اي منذ ستين سنة عرفت قضاة يعيشون من راتبهم فقط اي بشيء من التقشف كما عرفت من كان منزها عن الرشوة وكنت اقرأ لهؤلاء احكاما رائعة. وما كان علمهم دون الاحكام الفرنسية التي كنت اقرأها في المجموعات الحقوقية الكبيرة اذ كنت في هذا الحقل. اي ان هؤلاء الأساتذة كانوا على بعض من الحرمان ومع ذلك يقضون ساعات طولى بالتنقيب فإنهم كانوا موقنين بأن القضاء رهبانية وان مكافأتهم كانت بمجرد الأحكام العادلة وإرضاء ربهم وسلامة ضمائرهم.

وعرفت كهنة يرتضون بصداقات المؤمنين ولا يتذمّرون من الضائقة التي كانت تحل بهم وما كان لهم سبيل لشراء عقار وكانوا مؤمنين بأن غناهم هو في الفقر وكانوا يبيتون في ملكوت الله وهم على الأرض. عرفوا ان موطنهم هو في السماد. وكان بعض الفنانين في اوربا يبيعون لوحاتهم بسعر بخس. واليوم ترى مطربين ومطربات كما هم يسمون انفسهم وليس لبعضهم صوت ولا معرفة بالألحان ويجنى المال بالقد المياس.

#              #

#

قلت مرة لأحد أصدقائي ان المخلّص لم يتكلم ضد الأغنياء بحد ذاتهم ولكنه تكلم على خطر دخولهم ملكوت السموات. قال لي ان الخطر ليس في الثراء ولكن باختزانه اي بعدم توزيع بعض منه. وفحصت كل ما قاله الانجيل في هذا الموضوع وتبيّن لي حقيقة ما تقوله كنيستي في هذا الباب وهو ان الخطيئة هي عدم الإحساس في اي مجال انت تخطئ فيه. وفي مجال المال المعصية هي في عدم شعورك بالآخر. فأنت قائم في هذه الدنيا لتحب الآخر.وهذه المحبة توجدك وليس لها حد. نحن لم نحدد نسبة عطائك المالي ولكن الكلمة قالت في المزامير عن الكريم: «بدد، أعطى المساكين فيدوم بره الى الأبد» (٩:١١٣).

ثم جاء آباؤنا الكبار امثال باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم  وأغسطينوس وأوجدوا نظرية الائتمان فقالوا: بيدك مال جاءك من إرث او عمل. هذا ليس لك. هو ملك الله وانت مؤتمن عليه غاذا ذهبت الى المسرح وكنت أول الواصلين لا تقدر ان تقول ان هذه الكراسي لي. وقالوا ان ألبستك وأحذيتك هي لك وللآخرين ولهم حق فيها. فأنكروا قدسية الملكية الفردية. هذه هي عندك وليست لك. هي للمحتاجين اليها. ليس لك ان تحفظ ما عندك الا بقدر حاجتك اليه. واذا كان الآخر في حاجة تصبح له وكأنهم قالوا انت لست متصدقا (ولو استعمل الكتاب اللفظة). انت تفرق ما عندك ليعيش الآخر وتعيش انت ايضا.

انهم لم يأتوا بنظام اقتصادي. هذا شأن الدولة. والدولة لم تكن تعنى  بنظام. وانت لا تبغي شيئا مما تعطيه. انت تطلب لنفسك برا وطهرا وقداسة. وهذه لا تقوم فقط بأنك تحفظ الوصايا فإن الوصايا تختصر بالمحبة كما علّم بولس. لك ان تملك كشخص اودعه الله الملك لتدبره وتحس بالأخوة.

وجمع بعض آبائنا مالا لا يقدر وأقاموا به مطاعم شعبية ومستوصفات وما الى ذلك. وما كانوا في مواعظهم على رفق مع الأغنياء ومع ذلك كانوا يجعلونهم كرماء حتى قال يوحنا الذهبي الفم ما مفاده ان مدينة روما لم يبقَ فيها فقير مسيحي او وثني لأن المسيحيين كانوا يبددون أموالهم على الجميع.

المال شيء عظيم اذا استعملته وفق هذه القاعدة فالمحبة ليست كلاما معسولا او اشتياقا او تحببا كلاميا. من لا يترجمها في العطاء – ان لم يكن شديد الفقر- تبقى عنده حكيا يحكى. واما من اخرج المال من جيبه او حسابه المصرفي فهي قلب مسكوب. والقلب المسكوب هو كل الوجود في هذه الدنيا.