«سراج الجسد العين». بدء إنجيل اليوم (متى 6: 22-32) مركَّز على الفيزياء القديمة أنّ العين فيها نور والنور يخرج منها لترى. أستعير هذا المفهوم الفيزيائي القديم لأفهم قول السيد: «سراج الجسد العين. فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيّرا»، أي إذا كنت ترى بالنور الإلهي الذي فيك يستنير كيانك كله وترى ان الآخر كائن إلهي ولو حلّلت تصرفاته أو أدركتها بالمعاشرة ووجدتها سيئة. أنت ان كنت تسلك إلهيا تُسقط على الآخر النور، تعمّده بالنور وتتجاوز ما يزعجك فيه.

طبعا لا تستطيع ان تغمض عينيك إذا تأكدت ان في الآخر سوءا أو كذبا أو استغلالاً لك أو إرادة استغلال أو رغبة فيه لإذلالك وتطويقك أو القضاء على مصلحة لك. افهم انه ينبغي ان ترى الواقع ولا تكون غبيا أو أبله. ان تعرف الآخر كما هو شرط للتعامل بينكما لا تكون فيه ظالما أو مظلوما.

غير ان التلاقي الأول بينك وبين شخص آخر يكون قائما على حسن الظن لئلا تكون ظالما. وإذا كشف التعاون ان في الآخر سوءا أو سوء نية فتتصرف على ما تبين لك. ولكنك مبدئيا تبدأ بحسن الظن.

أجل هناك طبائع بريئة يغشّها الآخرون بسرعة وتخسر. صاحب الطبع البريء يجب ان يتعلم الحكمة وفق قول السيد: «كونوا حكماء كالحيات». ولكن هذا لا يعني الحذر الدائم. ذلك ان الحذر الدائم يجعلك غير قادر على التلاقي أو التعامل، وهنا تخسر أيضا. القاعدة إذًا هي هذه ان توحد بين حسن الظن والذكاء.

أما استمرار سوء الظن فيعرّضك إلى ان ترى كل الناس سيئين أو أعداء، ويعوزك، إذ ذاك، كثير من الجهد لتنتقل إلى الرؤية الصافية المقرونة بالمحبة التي تعطيها مجانا. هناك ناس يصعب عندهم فهم الآخرين ويصعب عليهم التمييز ويقلقهم تعاطي الناس فيهربون منهم ولا سيما إذا توقعوا ان هناك مشاكل أو تعقيدات. ولكن لا بد من المواجهة ليتم التلاقي الصحيح.

الأمور تزداد تعقيدا في العلاقات الزوجية. هنا سوء الظن المستمر يجعلك تغرق في تخيلات رهيبة. وهنا يجب ان تفهم طبع رفيقك في الحياة الزوجية، فإذا كان الفريق الآخر في الحياة الزوجية ذا طبع مرح أو كثير الانفتاح وابتسم لإنسان من جنس آخر، لا تدع سوء الظن يدخل إليك حتى لا تدخل في هذه الحالة المرضية ان تراقب الرفيق أو الرفيقة على كل حركة وكل كلمة يتفوه بها. فالإنسان يمكن ان يكون طاهرا وسلسا مع الآخرين فتظهر أحيانا حرارة بحديثه مع الجنس الآخر. لا يجوز ان يبقى احدنا مغلقا، جافا في التعاطي البشري لئلا ينهدم البيت. لا يجوز ان تكون في حالة المراقبة الدائمة لامرأتك أو العكس. يمكن ان تكون أنت في حالة تعاطف روحي أو فكري مع امرأة ولا تكون امرأتك على الدرجة نفسها من التعاطف. لا تجعل امرأتك في قفص، ولا تجعلي زوجك في قفص. هذا مدمّر للعلاقة الزوجية. ليس مثل الغيرة تقتل الحياة العائلية.

كذلك لا تشك دائما بابنك أو ابنتك وصدقهما إذا قال احدهما انه كان هنا أو هناك حتى يثبت العكس. لا تجعل أولادك أيضا في قفص لئلا يختنقوا ويروا انك مستبد بهم. أنت راعيهم ولست شرطيا عليهم، والرعاية تأتي من المحبة والثقة.

الثقة التي تبديها لمن تتعامل معهم في البيت أو دنيا العمل كالثقة بموظفيك تجعلهم في حالة سلام وهدوء وتقوّي شخصيتهم وتزيد المحبة عندهم، وهم عند ذاك يبادلونك الثقة بالثقة. الحياة هي معية.

الثقة هي القاعدة. والرب لما أحبنا بالمسيح كان يعرف قدرتنا على تخطّي أتعابنا وخطايانا. ان يثق بك الناس لحسن ظنك فيهم يقرِّبهم من الثقة بالله.