حقائق العلم المنثورة في الكون يستنبطها العقل مستقلاً عن كلّ قوة أخرى. ولكن، على معنى آخر كلّيًا، هي الحقيقة الوجدانيّة العميقة التي تحرر. هذه يرثها الإنسان من السماء. إنّها بنت الكشف، يقذفها الله في القلب ومنها نثب من جديد إليه ومنه إلى الإنسان والكون جميعًا. إنّها ذلك الواقع الداخليّ الذي يمسّ الكيان كلّه ويتقبّله الكيان بما فيه من تأمّل فكريّ وإرادة وشعور. الإنسان كلّه أمام الحقيقة أو هو أمام الباطل وهو بدوره إنسان حقّ أو إنسان باطل. الحقيقة هي ذاك ما ينقدح فينا نورًا. هي تتولّد في الوجود لا في الدماغ وحده، في الوجود المتسائل المتألّم والمتخطيّ نفسه.

من هذا القبيل، الحقيقة في انبعاث وتمخّض. لا شكّ أنّها مسجّلة في ضمير الله ولا شكّ عند المؤمن أن الله سلّمها في الخلاص الذي صنعه. ولكننا نحياها في كلّ يوم لا حرفًا نردّده بل مواجهة جديدة لله والأحياء الذين حولنا. ليست هي قصّة تُروى ولا مبادئ عامّة ولا آياتٍ كريمة أو أقوالاً مأئورة ولكنّها قصّة كلّ واحد منّا مع ذلك الإله الذي يدخل كلّ يوم معنا في حوار حبّ.

ولكنّ الحقيقة ليست فقط هذا الحديث الذي بين النفس ربّها ولكنّها نابعة أيضًا من حديث الإنسان وأخيه. أنا في الحقّ إن أحبّني بشر. أعماق الله تُكشَف لي عندئذ. أنا لا أستطيع أن أصل إلى الإنسان وما لم يصا الإنسان إليّ. في هذه الشركة الطيّبة تتحوّل قصة الله القديمة إلى صلة جديدة. ولماذا لا يلعب الله لعبتي كما لعب لعبة الأنبياء. وإذا كانت رسالة الله متوقّفة على شخصي وشخص من يتّصل بي فنقل الرسالة يستحيل على من لم يحبّ. وهذا يعني كلّ ما يهدم غيري لا يمكن أن يكون حقيقة ولو كان من الناحية العقليّة صحيحًا. المحبّة مركبة الحق وروحه.

وإذا كان وصول الحقّ ليس عمليّة لقاء أو سماع وحسب بل هو كشف في جو محبّة، فهذا يعني أن رعاية الصفاء والثقة بين الناس هي الشرط الأساسيّ لشيوع الحقيقة حتّى جاز القول أن المناظرة ليست على الإطلاق وسيلة لتبليغ الحقّ. لم يكن الإنسان يومًا محض عقل، إنّه وجود يوقظه وجود وينقذه وجود.