البلد لا يُمسّ لأنه في هذه الدنيا هو المطلق وخطأ أهل السياسة في العالم كلّه ظنّهم انهم منقذو البلد والبلد لا ينقذه الا أهله مجتمعين، متحابّين. كان لي أستاذ في باريس وضع كتابًا عن روسيا خلاصته ان الشعب الروسي لا يؤمن بالدولة وان ولاءه للقيصر فقط. أعكس فكره علينا لأقول ان لبنان لا يعيش حقا بالدولة ولكنه يعيش بالقلوب. ففي اعتقادي ان كل ما يُقال عندنا على الرجوع الى الدولة لأنها هي الكليّة ويفترض ان الخلاص بها قول مردود لأن الصراع الدائر عند من ورث الدولة الفرنسية وفلسفة ثورتها يقوم على أن الناس يريدون إنشاء الوطن بالدولة. والحق انه هو الذي ينشئها. عندي ان الخلاف حول الحقائب ومن يرثها وعن توزيعها على الطوائف كله لغو لأن الخلاص ليس في هذا ولكن ان تقبل الآخر شريكًا لك لا في إدارة شعبنا ولكن ان يكون قلبك الى قلبه. لا شيء يقنعني ان توظيف هذه الأرقام المعطاة المعروضة على المناصب هي الحل ولأن هذا كله عابر وتتغيّر الأرقام حسب الظروف المعروضة وهذا تمثيل مشاركة وليس مشاركة. الحكم ليس مكان اللقاء بين ما يسمّى بقلم أحد كبار المحللين شعوبا. الشعوب لا تترجم حقائب ما دامت رؤية كل شعب تحمل طيات استكبار فلا أحد فوق احد الا اذا جعل نفسه إلهًا ونحن كلنا يُجمع على ان «لا إله الا الله».

                      ماذا يعني هذا الكلام وانا لست أدين فئة لأني لست محللا سياسيا ولا أملك كل المعطيات.

                      نحن أمام خطر انقسام حقيقي او أمل مشاركة وليس بينهما تواصل. كل بذور الانقسام قائمة والمطلق الوحيد بوجه الانقسام ان الدم المسفوك معصية كبرى ونهاية لهذا البلد اي ظهور بلدين او ثلاثة او أكثر. ونحن على حجم صغير لا يحتمل ناحية العيش المادي فيه تقسيمًا. نحن أشرفنا على الجوع في الوطن كلّه فكيف اذا انقسم. ما موارده؟ الى هذا ماذا تفكر عند ذاك بالمذهب الذي وراء الحدود الداخلية وأهله. الجواب الوحيد اننا ندخل في مملكة الأحقاد وفي اختراع الخرافات ويكون هذا من حوافز الهجوم على الآخر عند الفرصة الأولى. ليس لنا خيار الا الوحدة التي هي فرصتنا الوجدانية للتلاقي والتفاهم الحضاري وترجمة التعدد الى تعاون وتبلور العلاقات على المثال الذي اشتهيناه منذ اول دستور اعتقادا منا اننا نحمل رسالة يقضي عليها التقسيم توا.

                      الوقت الحقيقي المتبقي لنا وقت الصبر ووقت الفهم واعتبار هذا فوق السياسات العابرة. انا لا احتقر السياسة وجديّتها وأهميّتها ولكني اؤمن بظرفيّتها وتغيّرها والديموقراطية تحديدا نظام التبديل واقتناع ان الآخر قد يكون أفضل منك في حين من الزمن او مرحلة من الفكر. هذا البلد لا يمكن بقاؤه الا اذا  آمنت بهشاشة السياسة اية كانت واذا ايقنت ان طرح هذا الطرف لا يستحق لا الاعتقاد به كأنه فكر إلهي ولا يستحق التغاضي عنه كليا كأنه العدم.

                      والسياسة ينفرط عقدها دائما في حالة استبدادها او حالة لينها. واذا أدركت الحكم فلا حزب يبقى على وحدته الا اذا كان خائفًا من الانشلال او الموت. فالحزب الشيوعي السوفياتي أخذ يضعف منذ تأليفه وقتل الكبار للكبار لأن الفساد يدخل ويفرق بين الذين ليسوا ملائكة. والأحزاب الأكثر ديموقراطية في اوربا الغربية تنشأ فيها الفئويات دائما ويتصارعون داخليا لأن اهل الحزب بشر وليست أصناما جامدة ولأن الإيديولوجيات تركيب بشري مفتوح على كل تفسير ولأن التفاسير تتحول مذاهب فترى نفسك قريبا ممن كان خصمًا اذا زالت الحدّة وتقاربت المصالح. وما بدا فضائل كما قال مفكّر فرنسي تشبه سواقي تتلاشى جميعًا في البحر.

#                 #

#

                      انا ما قلت ان ننأى عن السياسة ولكن ان ننأى عن اتخاذها كأنها عقيدة مُنزَلة وتاليا عوض الانقسام او التقسيم نحن مدعوون الى مشاركة هي نفسها محكوم عليها بالانفراط لئلا تصبح مناسبة لسفك الدماء. هي مشاركة ليست بالمعنى اللبناني الحسابي المتداول ولكن بمعنى الاستمرار باقتراف الأعجوبة اللبنانية اي التوق الى الوحدة بما نحن عليه من تعدد. وهذه جدلية بمعنى ان التعدد المفرط قتال والوحدة المصطنعة قتالة. وهناك نوع من الواقعية يجعلنا نقول اننا اذا ذبحنا بعضنا بعضا من أربعينات القرن التاسع عشر حتى انتهاء الحروب الداخلية التي استهللناها السنة الـ ١٩٧٥ يجب ان يكون فينا شيء غلط. وهذا الغلط لم يدرسه علماء الإناسة عندنا لنصلح أنفسنا فنتفاداه. كلنا يعرف بذور الحرب الطائفية او حروب الطوائف لخدمة الآخرين كما يقول غسان تويني. وما أعرفه أكثر أن ثمّة بغضا دينيا في لبنان والعالم والسؤال كيف نغلبه ليبقى كلّ منّا على الإلهيات التي يؤمن بها ونتشارك الأرضيات التي نحيا بها مع الجميع اذا صممنا على الا تنقضي منا عشرات من السنين متتالية فنعرف الخلاف ونقبل الاختلاف ونطلب الحرية الكاملة لنبقى على مطلق ما نعتبره ايمانًا وعلى هشاشة ما نعتبره سياسة.

                      هل ندرك ذلك الشرف والتهذيب والحب الذي يجعلنا نقيم بيننا ميثاقًا لا أطلب غيره وهو الّا نتذابح ولا ندمّر بعضنا منازل بعض ونحافظ على حرية الكلمة لمن شاءها على الصدق في معاملاتنا بحيث ان جماعة لا تلغي جماعة وتقبلها بقيادة البلد على اساس المعرفة فقط. يعني هذا اقترابا من حكم مدني اذا لم نستطع ان نتبيّنه فورا حتى تدنو التعددية من الوحدانية ذات النكهة الحضارية والحقيقة السلامية.

                      وفي ظل هذا تذوق انت بهاء المسيحية وجمال الإسلام ولو اختلف في هذا بعض العلماء وشيء من الشر يأتي من العلماء الا اني في الفترة الأخيرة بتّ أسمع في وسائل الإعلام كهنة ومشايخ يتكلّمون في ذوق وتهذيب كبير على الجماعات الأخرى ما لم أكن أعرفه منذ ربع قرن وقد تعثر على شعور رهيف في هذا الكلام المتبادَل ما لم تحلم به من قبل. جمعتني مؤخرًا مناسبة مناقشة مع عالِم مسلم، عميق الإسلام، طلّ على المسيحية بشفافية ما كنتُ أنتظر ما هو بقوّتها. وأخذنا نسمع بعضا من المسلمين يقولون عن قساوسة مسيحيين كيف اقترب هؤلاء من الإسلام بعمق لم يشاهَد من زمن قريب. الأغبياء لا يصنعون التاريخ ولكن العقلاء المحبين يستطيعون ان يقتربوا من العقلاء الآخرين بحيث يضعون معًا الأساس الروحي لهذا البلد.

                      مرة جمعتني ندوة مع عالم مسلم في بيروت وقبّل أحدنا الآخر فهلّل لنا الجمع وصفّق لإحساسه بصدق شعورنا.

                      حفاظ أحدنا على الآخر هذا هو السر والحل. هذا قائم أساسًا على الله ولكنه قائم في بشريّتنا. ولكوني أعرف منذ طفولتي عيوب شعبنا ظللت عشرات السنين من عمري لأكتشف أننا شعب طيب واننا قادرون على رغم هذا التعبير المحزن «الوضع الإقليمي والدولي» ان نتعايش بحب. انا لا أعرف مواطنا يعترض على دين هذا او ذاك من المسؤولين والموظّفين. انا مواطن بسيط قلت غير مرة في وسائل الإعلام ان هذا الأمر لا يهمّني. سيأتي يوم يمّحي فيه الخوف وتتشرف قيادتنا السياسيّة بالمسيحي والمسلم على اختلاف المذاهب. تلك هي في العمق المشاركة. وهذه تجد لها ترجمة في هذا الزمن الانتقالي.

                      ستضعف كل الجماعات لا لأني أدعو لأحد بالضعف ولكني لا أحلم بزمان نُسَرّ فيه بالضعف كما لا نُسَرّ بقوّة أحد مفصولًا عن أخيه اللبناني.

                      اللهمّ هَبنا الا تهراق قطرة دم واحدة لنحيا بالثقة بك وببعضنا البعض ونرتب بيتنا اللبناني بكل مداميكه ان يترتّب اي وفق هبة الله وذكائنا. وبعد هذا فقط لنا حظ الحياة.