بعد ان عرف يسوع بقتل يوحنا المعمدان اراد في حكمته الا يتعرّض الى ملاحقة السلطة له في اليهوديّة، فلجأ الى الجليل ولكن لم يعد الى مدينة الناصرة لأنها لم تقبله، وسكن في مدينة أهم هي كفرناحوم التي كانت أنفع له ليبشّر بالإنجيل منها اذ كانت مركزًا تجاريًا بين دمشق ومصر، والكهنة فيها أقل تعصّبًا من الذين كانوا في اورشليم. وكانت الشعوب مختلطة فيها.
سمّى متى المنطقة أرض زبولون وأرض نفتاليم في تقسيم البلد الذي قام به يشوع بن نون وهما في منطقة بحر الجليل، والآية هذه «أرض زبولون وأرض نفتاليم» اقتبسها متى من إشعياء. جليل الأمم المذكورة هنا سمّيت كذلك لكثرة الوثنيين فيها قبل عصر المكابيين. متى يقتبس من إشعياء: «الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا» ليوحي بأن رؤية النور الذي تكلّم عنه النبي انّما تتم الآن بمجيء المسيح.
ثم يحدّد متى بدء البشارة في الجليل انطلاقًا من كفرناحوم، تحديدًا ومحتوى البشارة الأولى هي «توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات».
توبوا في العهد الجديد تعني غيّروا أفكاركم الباطلة وليكن فيكم الفكر الإلهي فيتغيّر سلوككم. هذا يعني انكم قبلتم سيادة الله على قلوبكم. في العهد القديم ملكوت الله أبدي ويكتمل ظهوره في اليوم الأخير. وهنا يتحقق ملكوت الله او ملكوت السموات فيك ان وعيت سيادة الله ورأيت نفسك في إطارها.
أما قوله «قد اقترب ملكوت السموات» فلأن الملك (اي المسيح) جاء وهو بينكم او فيكم كما يقول لوقا. من هنا إن الملكوت عطية الله، لك ولذلك تقول في الصلاة الربيّة: «ليأتِ ملكوتك» بمعنى انك تطلب ان يشمل الملكوت اكبر عدد ناس ممكن، وان يكون من جهة أخرى في اعماقك انت. هو في المدى البشري وفي عمق الشخص. هو مدّ حالتك الروحيّة المتقدسة الى يوم مجيء ربّنا يسوع المسيح.
هل نقول تاليا ان الكنيسة هي ملكوت الله؟ نحن نقول انها بشهدائها وقديسيها والأسرار المقدسة باب الملكوت، ولكن بسبب خطايا أعضائها لا تكتمل الا في الدهر الآتي. بهذا المعنى، الملكوت متحرك. ولكن الصورة الأكمل للملكوت في هذا العالم هو سر القرابين المقدسة لكونها اتحادًا بالملك. ثم ظاهرة القداسة اي التنزّه عن الخطيئة هي الصورة الأكمل في هذا العالم للملكوت في الفرد. واذا ركّزنا على فكرة الملك الذي دشّن ملكوته بالبشارة، لا بد ان نقول ان الملك هو دائمًا هنا معنا وان المسيحية كلها هي المسيح بالذات.
ألاّ تُشرك بالله وجهًا غريبًا وأن تضرب فيك كل رغبة تعرقل رغبتك في الله تلك هي التوبة. قل لله: أعطني ان أتوب اليك، وأعرف انك تفتّش عنّي انا هو الخروف الذي ضلّ في الجبال. أعطني أن أكره الأشياء السيئة وألّا أتعوّد عليها لأنها تحجب عني وجهك. أعطني أن أعيش معك كأن السماء صارت على الأرض، وهبني ان أقول هذا لإخوتك كي يعرفوا ان لا فرح الا فيك وانه لن ينقصهم شيء اذا مكثوا فيك. ما أتعس هذه الإنسانية التي تجد لذتها في ما هو غيرك. هبني دائما أن أقول: تعال أيها الرب يسوع.
