من كلّ المشاهد الفلسطينيّة لا شيء حرّكني مثل انتفاضة الحجارة منذ تفجّرها حتى عودتها اليوم. يدهشني أنّ فتيانًا عزَّلًا (ما فعل هذه الحصى؟) يقولون لا لعسكر. هذا الرفض كان عندي قّمة في بلاغة الصدّ، قمّة في الشهادة كما نفهمها إنجيليًّا. في خطّها وأفصح كان عندي موت هذا الطفل الربيعيّ محمّد الدرّة الذي قلت عنه في موعظتي الأحد الفائت: «نحن مع محمّد الدرّة حبًّا واسترحامًا». في الليلة التي تلت القدّاس تابعت ياسر عبد ربّه في برنامج «حوار العمر». خلال ثلاث ساعات استطاع أن يتكلّم على آلام شعبه بلا حقد. المقاومة الفلسطينيّة صارت عند بعض أو عند كثيرين تراث حبّ.
يجرحك الظلم، وهل من حاجة إلى تبيانه بعد هذا القهر الممارس على شعب كامل على مدى الأراضي المقدّسة؟ والظلم الأكبر في رعاية القهر ورعاية استمراره على رغم صرخات الأنبياء. كانوا دائمًا يتساءلون كيف تصبح أورشليم قاتلة. كيف لا يقرأ يهود اليوم التنديد المستمرّ في تراثهم بالقتل. «ويل للقائلين للشرّ خيرًا وللخير شرًّا، الجاعلين الظلمة نورًا والنور ظلمة» (إشعياء 5: 20). هذه فاجعة في شعب موحِّد مثلنا دعي إلى العدل والدينيّون فيه قتلة. يستنفرون البشر جميعًا إذا حلّت فيهم الفواجع ولا يقلقون إذا هم أحلّوا الفاجعة في الآخرين. هذه مأساة في العالم الدينيّ الذي إليه ينتمون، ولا يقرأ أحد المأساة في هذا النطاق. حقّ لإرمياء أن يقول: «من يشفق عليك يا أورشليم ومن يرثي لك ومن يميل ليسأل عن سلامتك. إنّك رفضتني فمددت يدي عليك وأتلفتك» (15: 5-6). هذا التوبيخ القديم لماذا لا يستعمله أحد في الغرب المسيحيّ بوجه إسرائيل الحاضر الذي يبقى الولد المدلّل. قلناها في هذا المنطق منذ 52 سنة وكرّرناها مع الأجيال علّهم يسمعون، ولكنّهم صمّوا آذانهم وانحازوا وكأنّهم يضطرّونك إلى الدم.
# # #
وأريق الدم في مقام السجود والأرواح التي زهقت هناك صارت هي المسجد إذ قامت للأجساد «بركعتين في العشق لا يصحّ فيهما الوضوء إلاّ بالدم». ونزل المجد على الأقصى. وأسرى الله بنا إليه روحيًّا ومن الشهادة تعرج أنت إلى السماء. بأيّ معنى تكون القدس طريقًا إلى السماء؟ كلام غاية في التعقيد. في بعض الأدب الدينيّ إنّ القدس وسط العالم. هذا طبعًا صورة يراد بها أنّ القدس في الجسد الكونيّ بمثابة القلب وأنّك أنت إذًا معها بتّ في الرؤيا، في عالم المعاني، وكأنّ الإنسان في حاجة إلى مرئيّ ليدرك غير المرئيّ. من هذا القبيل هي مصبّ الأشواق (الإسراء في قراءتنا) ومنطلق الأشواق (المعراج في قراءتنا). الذي كتب في سبي بابل: «إنْ أَنْسَكِ يا أورشليم فلتنسني يميني» لم يكن طالبًا وطنه فحسب، ولكنّه كان يطلب الحضرة الإلهيّة في الهيكل. ثمّ صارت المدينة المقدّسة صورة عن أورشليم السماويّة الهابطة من فوق كمدينة الله.
بهذه الروحيّة ذاتها كانت السيّدة رابعة العدويّة لا تبغي الحجّ إلى البيت بل إلى ربّ البيت. لا يطلب أحد الحجارة في الأماكن المقدّسة ولكنّه يطلب إيقونة. والتماسًا لما هو فوق لم يهتمّ المسيحيون الأوائل بأورشليم وكانوا قد غادروها قبل سقوطها بأيدي الرومان السنة السبعين. مخلّصهم بات في السماء. وهنا قبره فارغ. وتمثّل بطريركيّة أورشليم منذ القرن الخامس المركز الخامس في ترتيب الكراسي. أن يكون المسيح قَدَّسَ الأرض شيء لا يعني الكثير للمسيحيّين فإنّ كتابه والقرابين التي هي حضوره أهمّ من تراب القدس.
في العمق وعلى رغم الجانب التاريخيّ الذي ترتبط به القدس في كلّ ديانة، إلاّ أنّ الجامع الحقيقيّ بين أهل التوحيد جميعًا أنّ المدينة تتخطّى ذاتها إلى الله. ولكن قبل إدراك وجهه أنت مع الرموز، والخلاف على هذا المستوى أو ما هو دونه أي السياسة. فإذا سيّست الرموز تقول الدولة العبريّة هناك حضور فلسطينيّ فوق الأرض (الحرم القدسيّ) وسيادة إسرائيليّة تحت الأرض (الهيكل الثاني، مع أنّ هذا ليس مؤكّدًا أثريًّا). باصطناع الانتقال من الرمز الدينيّ إلى المطامع كلّ شيء مباح حتّى السخرية.
هناك، إذًا، تلاقٍ بين الأديان حول القدس إذا ابتغينا المعنى، وتنافر إن ابتغينا الرموز.
غير أنّ الخطوة الفكريّة التي قام بها بعض اللاهوتيّين المسيحيّين العرب منذ الستّينات أنّنا انتقلنا من رؤية الحجر إلى رؤية البشر. هذا التضادّ عبّر عنه بهذا اللفظ للمرّة الأولى البطريرك الياس الرابع في مؤتمر القمّة الإسلاميّ في لاهور وكان على رأس وفد جمع الأرثوذكسيّين والموارنة. في إحساس أوّل تنتقل من الأماكن المقدّسة إلى اللامكان، إلى وجه ربّك، وفي حركة ثانية من الإحساس والفكر تهبط من وجه الله الكريم إلى الوجوه المتعايشة في المدينة التي تمسي في حقيقتها مقدّسة بالعدل الذي يحقّ لهم على الشعوب.
# # #
وحدة فلسطين، بصرف النظر عن السجالات التاريخيّة حول الأحقّيّة في الوجود لهذا أو ذاك على هذه البقعة أو تلك، كانت هي صميم العدالة لليهود والعرب لو تخلّى اليهود عن الفكرة الصهيونيّة. ولكنّا ذهبنا إلى مدريد، إلى أوسلو، ووحدة فلسطين أرجأها الدم.
السياسة كلّها تسوية، ولكن ثمّة تسويات غير معقولة ليس فقط لكونها مذلّة ولكن لكونها غير قابلة الحياة. ما هو ضمن السياسيّ المعقول اليوم بانتظار المرتجى، هو أوّلاً – فلسطين مصغّرة في الضفّة والقطاع وقدس شرقيّة كاملة السيادة ومترابطة أجزاؤها، ثانيًا – أرض بلا مستوطنات، ثالثًا – عودة اللاجئين إلى بلداتهم وقراهم. والبقيّة تفصيل.
هذا يضطرّ الطرفين إلى العودة إلى طاولة التفاوض إن لم تتجاوز الأزمة الحاضرة كلّ هذا التأمّل، إذا لم تجنّ الدولة العبريّة إلى منتهى جنونها وإذا لم يذهب أحبّاؤنا في فلسطين إلى كامل بطولاتهم.
بانتظار ذلك ينتظر العرب مؤتمر القمّة. أنا لم أفهم لماذا تأخّر تاريخه. كيف يتفرّجون على المذابح وتبقى لهم أعصاب؟ قدرنا أنّ شهرزاد تنتظر الحكي دائمًا، والعروبة تحبّ الإنشاء وتعتقد أنّ كلامها فعل. أقلّ ما يمكن العرب الذين تبادلوا السفارات وإسرائيل أن يجمّدوا الفعل الديبلوماسيّ.
هذا بدء لفعل عربيّ غايته القصوى أن تتوسّط أميركا بإنصاف بين إسرائيل والعرب. والمؤسف أنّ اللاعب العربيّ لا يمكن أن يبقى إلى الأبد ألعبانًا ليظنّ أنّه يستطيع أن يقاوم إسرائيل من غير أن يوجع أميركا. هذا السيرك العربيّ لا يمكن أن ينقذ فلسطين. هناك أمر يوجع الولايات المتحدة وهو النفط. أن تبقى مستغلّة النفط العربيّ بلا حدود ولا حساب، أن تبقى مرتاحة إلى الواقع العربيّ والإنشاء العربيّ ضدّها، يعني أنّها في صميم الحياة العربيّة وأنّها لم تقطع حبل السرّة بينها وبين إسرائيل. صمود الأمّة العربيّة مجتمعة أمام الطغيان الأميركيّ لا حقيقة له إن لم نسخّر النفط للقضيّة الفلسطينيّة. على العرب أن يبحثوا هم في آليّة تحدّ من مطامع الأميركيّين في الثروة العربيّة. أمّا الكلام على إرسال جيوش أو متطوّعين لمناصرة الفلسطينيّين (من أين؟) فهو مجرّد أغنية تغنّى.
الفلسطينيّون لا يموت عربيّ من أجلهم. اليوم شرف العرب لا ينقذه إلاَّ الشابّ الفلسطينيّ في القدس والناصرة وغزّة وما إليها. لا أعرف آليّة هذا الخلاص، ولكن ما أعرفه أنّه يفيض من القلوب الفلسطينيّة الباسلة التي حالفت الحياة.
