في إنجيل متى ورد «طوبى للمساكين بالروح» ويعني، حسب آبائنا، المتواضعين ويجمع علماء التفسير على ان هذه الآية تخفيف للحدة الواردة عند لوقا: «طوباكم أيها المساكين» (لوقا 6: 2). ويقول المفسرون ان هذه الصياغة هي الأقدم بمعنى انها هي التي تفوه بها المعلم. مهما يكن من أمر التفسير من الواضح ان للمحتاجين مكانة عند يسوع الناصري خاصة إذ يقول «المساكين يبشرون» (متى 11: 5).
وكأن واضع النص أراد ان الإنجيل هو لهم أو انهم هم الذين يتقبلونه لأنهم هم الذين يطلبون ملكوت السموات.وكانه يقول أيضًا ان للأغنياء ملكهم لأنهم اتخذوا أرزاقهم مرتعًا لهم ومكان ارتياحهم وانبساطهم فإن المال مركز عواطفهم وعليه يتوكلون. ففي مثل الغني ولعازر، الغنى مرادف التمتع والانبساط أي مدى الراحة وهو يحد صاحبه أو يحدده أو يحتويه.
ولكن ما الفقر؟ أليس هو الهبوط إلى وضع معاشي ضعيف في مجتمع معين. ولكن ما الضعيف؟ هناك مصطلح جديد نسبيًا وهو عتبة الفقر الذي تقل فيه موارد الإنسان بحيث يكاد لا يموت جوعًا أو بحيث لا يستطيع ان يرتزق مما يكفيه لاعالة عائلته طعامًا وكساء ومأوى وتعليم أولاد.
هذا الوضع يجعل الواقع فيه ينتمي إلى فئة مجتمعية يعلوها المستكبرون ويجعلون منها مرتبة هامشية وليست شريكة في الانتاج والحياة السياسية الفاعلة. وتكون الدنيا في تصنيف الناس جميعًا مؤلفة من أغنياء وفقراء.
جاء كارل ماركس يسعى إلى ما اعتبره ميزان العدل وانصاف معقول ولهذا السبب دعا إلى الغاء الطبقات بعد ان كان المجتمع الأوروبي مجتع طبقات الفروق فيه صارخة. هو ما كان يحلم ان يكون للناس سوية اقتصادية ومجتمععية واحدة ولكنه رغب في تعايش معقول ليس فيه إذلال بسبب تباين مستويات العيش بصورة فاحشة.
لا يبدو أنّ الدعوة الماركسية نجحت في التحقيق اللينيني وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي واضح ان الرومنسية الشيوعية غابت عن ملايين الناس الذين غذتهم عمالاً كانوا أم مثقفين. غير ان الطموح إلى عدالة معقولة لا يزال نفحة عند الكثيرين.
# #
#
واضح عند المتتبعين ان المسيحية لا تقوم على نظام اقتصادي ولا تدعو إلى نظام. فإذا كانت الاشتراكية تشجب الملكية الفردية لوسائل الانتاج والتبادل وترفض عدم التساوي المجتمعي فيسوع الناصري لم يضع نفسه في هذا الاطار لأنه اطار التنظيم الاجتماعي، والمسيحية دعوة في سبيل الفقراء أو فيها هذه الدعوة ولكنها ليست نظامًا يحقق في ثورة أو تنظيم اجتماعي بلا ثورة كما في بلاد السكندينافية.
الهاجس الثوري أو الانقلابي خارج عن المسيحية التي هي دعوة. هذا ما شاءه يسوع الناصري الذي ما أراد ان يستقوي على أحد أو ان يفرض نظامًا بالقوة وحتى بالدعوة اليه. هذا مما يجعلنا نفهم ان المسيحية الرسولية ما التصقت بدولة ولا انفصلت عن دولة. عند ظهورها كان اتباعها من الامبراطورية الرومانية وما سعت هي إلى إنشاء كيان دولتي خارج الامبراطورية لأن الناصري اكتفى بتبيان ملكه على انه ملكوت الله في قلوب الناس.
ليس عنده فتح بلدان عنوة أو سلامًا. هذا ما في ايامه كان متروكًا للامبراطورية الرومانية. وبعد موته، في عهود الكنيسة، ما كان انتشار ملكوته في المبدأ متعلقًا بسياسة. هو أراد ان يعمل بروحه وانجيله ومملكات العالم متروكة لتقاربات الزمان ونحن أتباعه لسنا منها وإن كنا فيها وملكوت المسيح هو القلب.
# #
#
لا يصور إنجيل يسوع المسيح الأغنياء على انهم بلا قلب ولكنه يعلم ان الغنى خطر على الإنسان والفقر ان يصبح خطر على الإنسان. الناصري يحذر من الاخطار الروحية أية كانت، من استعباد نفسك لأي مخلوق أو مصطنع ولهذا قال: «لا تقدرون ان تخدموا الله والمال» (متى 6: 24). هناك عبادة الله الواحد الأحد. والعبادة والعبودية واحد في اللغة. ليس لأن الله أرادك عبدًا له، لأنه قال انك ابني. ولكن حسب تفسير أحد كبار الروحانيين عندنا أنت تستعبد نفسك لله بالعشق.
فإذا صرت بالحب عبدًا لله يتعذر عليك ان تصنع لنفسك ربًا آخر.
ما من شك ان المال أو كل ما تقتنيه يأسرك أسرًا رهيبًا. اذ ذاك لا يبقـى لك حرية تعبد الله بها. انت تسلم نفسك له وحده. وهذا هو شرط العشق، فليس إذًا من محبوب آخر. من هنا انه لم يبق في القلب محل للمال وليس من عبودية لإنسان. ان تحب البشر حسب قول الناصري: «أحبب قريبك كنفسك»، شيء آخر انه هو العطاء حتى النهاية أي حتى الموت. هذا يصطدم كليًّا بعشق الأرزاق وما اليها.
# #
#
هل الأغنياء فئة شجبها المسيح؟ في الواقع الناصري تكلم عن فئة من الأغنياء كانت عاشقة لأموالها، غير مكترثة لوجود فقراء، غير متعاطفة وإياها، فاصلة نفسها عنها. هم يسوع الناصري أن نكون مجتمعًا واحدًا مع كل البشر لا يفرقنا مستوى اجتماعي بحيث نفهم اننا مؤتمنون على ملك الله.
أموالنا ليست لنا. نديرها فقط لمنفعتنا ومنفعة الناس. المسيحية لا تشرع لاقتناء المال ولا لتوزيعه. هي تقول لكل إنسان: الإنسان الآخر أخوك تعامله بما لك كأخ.
فاذا تصرفت هكذا لا يبقى شرخ بينك وبينه ولا تتصرف باذخا ومترفا ولكنك تتصرف حنونًا ولا تجعل قريبك يقترب من الموت بالجوع أو ما يشبه الجوع لأنه بات من لحمك وعظامك. فما جاء اليك بالوراثة أو العمل ينفقه المحتاجون اليه وتسهر أنت على حاجتهم وتخدمهم كما لو كانوا المسيح.
المسيحية تملي عليك ان تعطي من حولك نسبة من ثروتك. هي تجعل قلبك لا يحس ان له شيئا في هذه الأرض. إذ ذاك تصل إلى وقت لا تؤمن به بالمخاصصة ولكن بالمشاركة.
المشاركة تعني انك لا تقدر ان تقول أنا وحدها ولكنك تقول: أنا وأنت أي تقول فعلاً «نحن». ترجمة ذلك إلى واقعنا المعيش ان نحب الجماعة التي أنت قائم بها وهي قائمة فيك.
ستبقى فروق. «الفقراء معكم في كل حين أما أنا فلست معكم في كل حين». هذا لا يعني ان يسوع يقبل بوجود جائعين. هو يريدنا ان نتعامل والوضع الاجتماعي على ان نقيم العدل وان نقيم فوقه المحبة.
لم يكن يسوع ماورائيا أي مرجئا الخير. «اليوم ان سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم».
المحبة ملكوت الله.
