العيد خروج من رتيب الأيام لإعلان مجد يخترق الزمان ليسكنه. لكن صدمة العيد انه يقول انه جديد ثم في ما يليه من أيام ننسى ان الله توسل إلينا أن نكون خلائق جديدة ونحن اكتفينا أن نكون فقط لاعبين في الموسم. هل الديانة حلم بجمال لا يأتي؟ أَمردّ هذا أننا لا نريد أن ندفع الثمن، ثمن أن نصير بلورًا أو مرآة للرب ليرى فيها وجهه ويفرح بنا. ما لي أحزن في كل عيد؟ هل لأني أقرأ ان بعض المؤمنين لم يدركوا الرؤية ولم يصيروا بلورا فأرى نفسي مرميًا في وحدتي، منفيا إلى صحرائي وانهم اصطنعوا لأنفسهم واحات كاذبة.
مع ذلك لا بد من المتابعة، من الكد ليصبح القلب هو العيد اي هو الماحي بشاعات العالم. ربما كانت الحقيقة في ان هذا التاريخ لا يتغير وانه لن يتغير الا في النفوس التي تقرأه. انها اذن هي التي تغيرت وانها قلة ونحن تاليا في الفاجعة. هل نعيد الفصح فقط في اليوم الأخير وان ما في الكنيسة فقط صور لما سوف يكون، حلم بانتصار الله على الشر. اليوم ما عندنا الا استباق الخيرات رجاء وذوقا.
شيء يطل عليك من ماضٍ حقيقي، من مرور المسيح هنا. الذكرى تفعيل هذه الحفنة القليلة، القليلة المباركة. هذه الحفنة هي التي يلدها الله من جوفه بالبركات والرضاء. هل الرب يمج التافهين، الذين لم يلتهبوا؟ أهم قيء الله الذين لا يستحقون سماء ولا جحيمًا؟ ومع ذلك هو قال إنهم أبناؤه. كيف تنفتح لهم الأبواب ليدخلوا وما فيها نار تحركهم؟ لماذا لم يقرأوا ان لهم ان يضرموا النار؟ إذا لم يشعلهم الحب ماذا يفهمون عن الله؟ كيف يبقى الرب هادئًا، غير موجع ولم يدخل كل ابنائه في لهيبه؟
كيف تنفتح لي أبواب السماء وهؤلاء متسكعون أمام الأبواب؟ كيف استلذ فراديس الرب وحدي؟ هل نحن قادرون على ان نسكن الملكوت وليس الله ملكا في الابد على كل الذين قال لهم انه ينتظر ان يدخلوا في ربوبيته. ربما لا يوجعني الاشرار كما يوجعني الفاترون.
***
ولكن من أكون أنا لأحكم؟ ربما كان لكل امرئ طريقته في الارتكاض. ربما ما كانوا بطيئين أو كسالى كما لاح لي. هل للرب عيد وعلى الأكثر عشرون في المئة من أعضاء كنيستي يؤمون المعابد غدًا في لبنان. البقية تأكل بيضًا وطعامًا أبيض كما تقضي بذلك التقاليد. والجدة في ثياب الأولاد الذين استطاع ذووهم شراءها هذه السنة. لعل العيد ظرف لتبيان الفروق الطبقية في هذا الزمن الكئيب.
غير ان ملاحظاتي كئيبة هي أيضًا. سأحاول ان أحيي نفسي وان ارنو إلى الرب الآتي إلي وإلى إخوتي في الإيمان علّنا نحترق معًا في الزمان الرديء ونرى في تهشيم عظامنا السيد القادر على أحياء الموتى. ان هذا الأحياء هو الذي جاء الناصري من أجله وهو يقوم به في سره وفي سر الناس وأنا لا أعلم. وأتمنى ألا أكون بصيرًا لئلا أشاهد أحدًا في العذاب الأبدي. اني لا أطيق العذاب لغيري. احتمل تصور الجحيم لنفسي. لا احتملها لنفس أخرى.
لنخرج إذًا اليوم إلى القيامة عل المسيح يحيى من اصطفى، لعل هؤلاء ينادون بالفصح، لعل النداء يحدث عند الكسالى رغبة في العدْو إلى الرجاءات لئلا أموت بردًا من كونهم قد تخلفوا. سأقص لهم إذًا قصة القيامة. سآخذ هذا الإنجيل إليهم. وإذا فتحوه وقرأوا ما تفوه به السيد أو ما قاله عنه تلاميذه يفرحون. وهذا سيكون لهم فصحًا صغيرًا كل يوم. فليأخذوا من فصحهم ما شاؤوا.
المسيح قام من بين الأموات. سيشاهدون هذا من نفوسهم ان تراءى لهذه القلوب حبًّا أي إذا أحياها. هذه هي المفارقة انه هو الذي يحيي المائتين بشقاء هذا العالم وانك مع ذلك في سعي لتراه يحييك. ما من شك في انك ان التقيت إنسانًا يعيش عيسويته على شيء من الأشراق ثم تكثف النور فيه لا بد ان يتساقط عليك بعض من ضياء. وكأن عملية الاستنارة فيها مقابسة فالقبس ينتقل من يد إلى يد والنور من وجه إلى وجه كأننا لا نستطيع أن نكون فصحيين الا جماعة. أي عذر عند هذا الذي لا ينتصب معنا ساعتين أو ثلاثًا غدًا ويريد أن يعيد. أريد أن اعتقد أن النور الذي فاض من القبر في فجر أحد أيام التاريخ سوف ينسكب عليه. ولكنها مجازفة كبرى وقد قيل “الا تجرب الرب إلهك”.
***
أنت ان ذقت ما ذاقه القديسون تعرف ان سيدهم قد وطئ الموت بالموت وان لك أنت إذًا سبيلًا إلى عدم الموت. قد يغيب عنك بهاء كثير كما غاب عن وجهه لما علقوه على الخشبة. ولكن إذا قدرت على أن تراه قد حيا فوق التراب تفهم ان هذا كتب من أجلك وانه حي فوق ترابيتك أنت وفوق تصوراتك وهذا التسكع الذي تتسكعه ويجعل ربك يتقيأ.
الله لا يهمه أن يبقى فوق العالم. هذا كلام الفلاسفة لينقذوا سموه. هو ترك العلاء ليجعل هذه الأرض مسكنه ويهمه من هذه الأرض قلبك. هو لا يهمه الشجر ولا الأنهار والبحار ولا أي كائن غير عاقل. هذه كلها جعلها من أجل الشعر فيك. هو اختار قلبك لتراه فيه. هو يسمو إذا تربع فيك. وهو لا يدعك تنتظر القيامة في اليوم الأخير لترى وجهه. وإذا قام من بين الاموات ووطئ الموت بالموت فلكي يهبك الحياة اليوم أي حياته تلك التي تنثني فيك لتصير إياك.
قد تكون مغلقًا كقبر وضع عليه حجر. يأتي السيد ويقول ارفعوا الحجر. هذا هو الموت الروحي الذي هو وحده الموت. وتأتي أي مرتا لتقول ليسوع يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي. إذ ذاك يقول المعلم: “أنا هو القيامة والحياة”. أنت كنت تظن أن مواعد الحياة ستتحقق في اليوم الأخير. هذا طبعًا مكتوب في الكتاب. لكن الذي اتكأ على صدر المعلم في عشاء الحب الذي سميناه العشاء السري فهم ما هو أعمق. فهم ان شخص يسوع هو لك اليوم قيامة وانه لك اليوم حياة. فإن أنت آمنت به لن تموت إلى الأبد.
يقع التعييد غدًا. هذا حلو ولكن الأحلى هو الأعمق. والأعمق أن الفصح مقيم فيك إذا أدركت انك عابر من رمادية وجودك أو تفهه إلى جمال الناصري وتشهيه. بعد هذا لا تجوع إلى أي ما كنت تظنه طعامًا لك ومشروبًا. وبعد هذا لا تتوق الدنيا ولا صورة فيها. لن تكون بعد هذا جسدًا ولا فكرًا. تكون قد أضحيت جسده وفكره ودنياه. وإذا اشتياقك يكون قد اشتاق نفسه. وعندئذ لا تميز بين الضام والمضموم. ويكون الفصح قد أتى.
