في اللغة الحشمة هي الحياء او الاستحياء. اللفظة في ترجماتنا العربية تتعلق بالمرأة. والمعنى هو نفسه بالترجمات الفرنسية. وما يرفضه بولس في رسالته الأولى الى تيموثاوس هو التزين «بالذهب واللؤلؤ والثياب الفاخرة» (1تيموثاوس 2: 9). الفكرة نفسها نجدها في احدى مواعظ يوحنا الذهبي الفم في نبرة شديدة.
في هذا الفصل عند بولس يرافق الحشمة «الورع والتعقل وتقوى الله بأعمال صالحة» كأنه يقيم تناقضا بين العمل الصالح وغياب الحشمة او ضعف الحشمة. حسب التناص في رسالة بولس الاولى الى تيموثاوس يبدو ان ما يكرهه الرسول في الدرجة الاولى هو ترف الملبس والجواهر.
النص الأساسي في موضوع الحشمة هو ما ورد في سفر التكوين عن آدم وحواء لما قال: «وكانا كلاهما عريانين آدم وامرأته وهما لا يخجلان». بعد هذا بقليل يقول: «وصنع الرب الإله لآدم وامرأته اقمصة من جلد وألبسهما» (تكوين 3: 21). وبعد ان أخطأ آدم «أخرجه الرب من جنة عدن ليعمل الأرض التي أخذ منها» (تكوين 3: 23).
يتبين من كل هذا ان الخجل رافق اللباس، رافق أقمصة الجلد والعري عودة الى الخجل.
هذه هي الصورة في بدء سفر التكوين. هذه الصورة تعطينا الجدلية بين اللباس والعري. العري استبعده الله بعد اعطائه الجدين الاولين أقمصة الجلد. وبعض اللباس ممجوج بسبب من مرافقته للذهب واللؤلؤ وما اليهما. هنا القضية متكونة من محبة الله للفقراء. يبقى ان اللباس مرافق للوضع الخاطئ الذي وقع فيه الانسان ونحن في وضع الخطيئة هذا. لذلك عندنا مشكلة اللباس وعدم اللباس او مشكلة طريقة اللباس ومشكلة الأزياء ان أردنا ان نترجم الكلام الإلهي ترجمة اجتماعية.
# #
#
في الكلام الحالي الحشمة تفيد التستر ولكن هذه اللفظة لا تحتويها كليا اذ الشخص المتستر يمكن ان يكون إباحيا.
المسألة كلها كامنة في حركة الجسم التي تنبثق عن النية فهل التحرك هو الاسترضاء او الجذب او الاخضاع او التسيير بحيث يأتي الجسد وما عليه قليلا كان ام كثيرا وسيلة لإثارة هذه المشاعر ام يأتي لغة للتواصل الوجداني. بكلام آخر هل الجسد وصل بينه وبين عيون ام هو خطاب قائم ليتلقى خطابا آخر بحيث يكون المتخاطبون اشخاصا يعطون حياة ويتفاهمون على مستوى الكيان الذي لا بيع فيه ولا شراء ولكن يبدو الكيان لكيان او كيانات اخرى حديثا انسانيا غير مقول بكلمات ولكنه تداخل افكار وتعبير عن مشاعر بلا رهن ولا ارتهان.
من الواضح ان الثياب لا تنحصر وظيفتها بارتداء ما يقينا البرد او الحر فالانسانية جعلتها جميلة في كل العصور للذكر وللأنثى وجعلتها للمقام (لباس عسكري او ديني او قضائي او أكاديمي او لعرس او لحداد وما الى ذلك). والتماس الجمال يفسح في المجال للحلال في ظرف تاريخي او يسيء او لما يعتبره الناس غلوا في الزينة وهتك العفة في جو حضاري محدد.
هنا نلحظ ان ما كان موفوضا في زمن يصبح مقبولا في زمن آخر وما كان مثيرا في زمن يرتضيه القوم في زمان لاحق. يزين لي ان الحجب الكامل للجسم من الرأس الى الأرض من مستلزمات الطهارة عند بعض ومن القوم من اعتبر ان معظم الرجال يبقى نصيبهم من النقاوة قائما دون هذا التشدد، الامر الذي يعني تبدل الأذواق بتبدل الأزمنة والأمكنة.
ما لا بد من تأكيده ان المرأة في عصرها تعرف على وجه الوضوح ما يتقبله القوم وما لا يتقبلونه تبعا للبلد الذي يعيشون فيه. لا يمكن لامرأة فائقة الجمال ان تخفيه مهما احتجبت ومهما قصدت عفة نظراتها. ولكن قصد النقاوة يساعد على حمل النقاوة كما ان سوء القصد ايا كانت صورة الاحتشام من شأنه ان يحدث خللا في العلاقات بين الجنسين.
# #
#
على رغم كل النسبية في هذا الموضوع لكونه متحركا يبقى عندنا تساؤل اساسي ليس متعلقا بالمرأة وحدها وهو السؤال حول الإغراء. المغري هو ذلك الذي يريد إثبات انه مهم، جذاب في هذا الحقل او ذاك من الوجود ابتغاء استلذاذ الآخر بعقله او شكله وليس ابتغاء التواصل الانساني. الرجل يستخدم الكلمة والكرم حتى يطوع الآخر اليه. يكتب احيانا متوسلا الانشداد الى شخصه وليس من دفع قارئه الى الحقيقة او يستخدم احيانا الحقيقة لكي يعود اليه لا الى الحقيقة تقدير القارئ.
المرأة تسر بجمالها احيانا كثيرة، تعرفه، تعرّف به وتغالي احيانا في ابدائه لاعتقادها الصريح او الضمني انه اهم ما فيها وانه هو الذي يستحق الاهتمام. وهذا الوصف ليس تعديا مني على احد. ما قلته باسلوبي قاله الفلاسفة الابيقوريون بلغتهم قديما.
ليس لمؤمن عداوة مع الجسد ولا سيما ان بولس جعله هيكلا للروح القدس وكلنا جاء منه. ولكن ما كان مقدسا الى حد كلام بولس لماذا نجعله قبل الزواج او الى جانب الزواج متعة للعين بتحويلنا اياه الى شيء وهو في لاهوت كنيستي بعض من صورة الله التي خلق عليها. واذا حان ملء زمانه في الحياة الزوجية يصبح كلاما غير منفصل عن الحب الزوجي وعن كلمة الوعد ونحن نصر ان نقرأه بث منية للعين او تلقي منية للعين.
انعطفت اوربا على هذه الرؤية في عصر نهضتها في القرن الخامس عشر وبان عند ذاك الجسد العاري والذريعة دراسة الجسد بحد نفسه مفصولا عن قداسته وأهملت الحشمة بعد استبعاد الله عن الوجود حتى أعلن نيتشه موت الله وبعد هذا الكفر كان لا بد ان يجن نيتشه.
لا حاجة بعد هذا الى عرض ازياء. امست الدنيا كلها استعراضا كبيرا. هذه نتيجة محتومة لعبادة الانسان كلامه المنمق او زينة جسده. لم يبق لنا أفق بعد ان صرنا اشياء. للرب وحده ان يعلن إيقاظه للروح اذا شاء ان يقول للانسان انه ليس فقط من تراب الارض.
