في اللغة أبّنه أثنى عليه بعد موته وذكره بالخير. ويقال عن العظة في المآتم. وهذا نوع من الكلام استعمله الآباء القديسون ولكنهم كانوا يؤبنون العظام منهم المعروفين بقداستهم ولم يتركوا لنا تأبينا في كل انسان.

          وقد انتشر هذا النوع في بلادنا لما أخذوا يدعون المطارنة الى المآتم، وكان هذا نادرا جدا منذ مئة سنة او قبل. وما كانوا ينتظرون من الكهنة ممارسة هذا الصنف من الكلام لاعتبارهم ان المطران كان الأقدر على الخطابة. ثم اخذ بعض الكهنة يتعلمون اللاهوت والبلاغة وصاروا يتكلمون. واحيانا يتكلم الذي يعرف والذي لا يعرف، والخطابة علم من علوم اللغة صعب. غير ان الصعوبة الكبرى ان الميت لا يكون دائما مستأهلا المديح ولا يقال عنه الا انه “آدمي”. كيف تأتي بعظة والميت اقل من عادي بفضائله فتضطر ان تقول انه ربى اولاده حسنا. من يعرف، حقيقة، ذلك؟ ينجر عند ذاك المؤبن ان يقول اشياء عن التربية بصورة عامة وكثيرا ما تأتي تافهة، ويلاحظ المؤمنون ان الواعظ يكرر اقولا له سابقة.

          غير ان الصعوبة الكبرى في الكلام على الناس ان المطارنة قلما عرفوهم ويتّكلون للعلم بهم على كاهن الرعية الذي لا يعرف كل ابناء رعيته بدقة، ويستند هو بدوره على ما سمعه من ناس يعرفون الراحل. بسبب من هذا يقول بعض الخطباء اليوم فلنتكلم على قيامة المخلص وعلى الملكوت والقيامة العامة في حين ان اهل الميت يتوقعون كلاما عنه.

          عندي ان الحقيقة في هذا الشأن متوسطة. الكلام نسيج يجمع بين الأساس الذي هو الكلام الديني المتعلق بموت المسيح وقيامته وما هو ثانوي الكلام على المتوفى، على ان ربط الواعظ بين الأمرين بترجيح كفة الكلام اللاهوتي، اذ المهم ان يتعزى الناس بإحسانات الله الى المتوفى (الرحمة) كما يتعزون هم بالحديث الإلهي اي بذكر المسيح. لا بد من كلمات قليلة او كثيرة عن الذي رقد بالرب حسب الفضائل التي تزين بها. ولكن حتى اذا لم تبرز عنده حسنات واضحة يذكر منها الحد الأدنى (كان مؤمنا، كان يأتي الى الكنيسة، معاملاته حسنة، سهره على عائلته) على ان يأتي كل هذا بصدق ولا مبالغة.

          من الناحية الفنية انك في معظم الأحوال عليك ان ترتجل لأن الدفن سريع في بلادنا الا في بعض الحالات (عندما يؤتى بالجثة من المهجر او يكون انتظار اقرباء له آتين من بعيد)، ولا يستطيع كل كاهن ان يرتجل.

          الأمر الثاني هو اللغة. في هذه المناسبة لا بد ان نستعمل اللغة الفصحى لأن اللغة العامية لا تحتمل البلاغة الحقيقية او الدائمة ما لا يمنع الخطيب ان يستعمل احيانا عبارات قليلة من اللغة الدارجة. اذا كان الرثاء كله عاميا لا اظن انه يبلغ القلوب. مع ذلك هناك حالات معينة (بساطة الحضور) حيث يمكن استعمال اللغة العامية.

          هناك ايضا موضوع الوقت. الناس لا يتحملون الوقت الطويل (10 دقائق على الأكثر) ما لم يكن المتوفى انسانا عظيما فيتقبل المؤمنون وقتا اطول. من لا يعرف نفسه بليغا لا ينبغي ان يُتعب الناس. هم دائما يتأففون اذا كرر الكاهن اقواله مأتما بعد مأتم. التأبين من أصعب انواع الوعظ ويحتاج صاحبه الى تمرين كبير على معرفة الكتاب المقدس وباقي ابواب اللاهوت، كما يحتاج الى ما امكن من الفصاحة. مع ذلك اذا كان الكاهن ذا نَفَس روحي حقيقي فلا يخف، واذا عنده روح يسوع فهذا الروح يصل الى المؤمنين.