هذا ليس بتوجيه سياسي. انه توجيه وطني يقع على عاتق كل واحد منا بناء على قول الرب: «أَعطُوا ما لقيصر لقيصر» وبناء على دعوة الرسل في العهد الجديد ان يُكرموا الملك. فالبلد بلدنا ولا نستطيع ان نغيب عن مسؤولياتنا فيه وتاليا عن القيام بواجبنا تجاه لبنان. واي فراغ نتركه انما هو يؤذي المصلحة الوطنية ويجعلنا غير فاعلين.
كلكم يعلم علم اليقين اني لم أتدخل لمصلحة احد ولم أُشِرْ على احد المؤمنين بأن يضع اسما على لائحة. المطرانية لا تقوم بأي عمل سياسي. وهذا هو الخط الأرثوذكسي الدائم. جلّ ما أقوله لأبناء القرى التي لم تنتخب بعد ان يكونوا واعين لمصلحة قريتهم بحيث يختارون العقلاء والفهماء والطاهرين الذين لا يسعون إلى كبرياء او منفعة مادية. وإذا أمكن الوفاق فهذا حسن، وإذا لم يمكن فأقله ان نكون أعفّاء اللسان ولا نطعن بأحد طعنا جارحا ولو جاز إبداء الرأي والانتقاد السياسي. المهم ان نبقى إخوة وينجح من ينجح ويخسر من يخسر.
واما القرى التي أُجريت فيها الانتخابات حتى صدور هذه الكلمة، فإني أرجو أبنائي الأرثوذكسيين ان ينسوا الأحقاد إذا ظهرت حتى تلتئم الجراح ولا نعيش على العداوات وهي مؤذية. لكم ان تظلوا مراقبين للمجلس البلدي الذي صار مسؤولا عن الضيعة حتى يُحسن الأداء. فالمعركة قد انتهت والخاسر يهنئ الناجح بمعنى ان يتمنى له الخير ويحثه على خدمة المواطنين ويلفته إلى الحاجات المحلية. فلا بد ان يكون بعض من اعضاء هذه المجالس فيهم صلاح وفهم. نحن في حاجة إلى مشاورات بين جميع الناس في القضايا الكبرى وان نتقبل الرأي الصائب أَصَدَرَ عن محازبين أم خصوم.
ذلك ان المجلس البلدي كان لتنمية القرية عمرانيا وثقافيا. فمن المفروض العناية بالطرقات الداخلية والكهرباء والماء والنظافة إلى جانب التوعية الوطنية وتقوية الثقافة (مكتبة، محاضرات، فنون جميلة الخ…). وهذا كله لا ينبغي ان يسيَّس. وإذا كان لا مفر من بعض سياسة، فلا بد ان نذكر ان صالح القرية هو الخيار الأوّل، وان وحدة أهاليها مبتغى من مبتغيات القائمين على الكراسي.
المنصب السياسي لم يوجد لانتفاخ صاحبه ولا لاستغلال الموارد ولا للهدر ولا لمنفعة الأقرباء والأنسباء. هو قائم للخدمة فقط، ومعنى ذلك تخصيص وقت كافٍ لمواجهة المسائل المطروحة وسد حاجات المواطن والتفكير بشيء جديد ينفع الناس. وقد قال يسوع: «من أراد ان يصير فيكم عظيما يكون لكم خادما. ومن أراد ان يصير فيكم أولاً يكون للجميع عبدا» (مرقس 10: 43 و44). لذلك يصغي المجلس البلدي للناس، للوجهاء والصغار، ويسعى سعيا حثيثا للحصول على المال الذي يحتاج اليه أمِنَ الدولة كان أم من المواطنين.
وإذا اجتمع في المجلس اعضاء من تيارات سياسية مختلفة، فلا يرفض أحد اقتراحا جيدا أجاء من اصدقائه السياسيين أم من خصومه، فالاختلاف السياسي لا ينبغي ان يدفعنا إلى رفض اقتراح جيد، نافع للضيعة. وحدة الضيعة هي منفعة الضيعة. فالتكتل السياسي مؤذٍ في المجلس البلدي إذا كان يعني ألاّ ننصاع إلى الرأي الصالح.
لا توافق إلا على الخير. لا تستغلوا مناصبكم لدعم نائب أو وزير. المجلس البلدي قائم على استقلال القرية، على اللامركزية. النيابة مركزية وتقوم على سياسة عامة تشمل البلد والدوائر الانتخابية البرلمانية. لا بد من التشاور مع النافذين في الدولة لأنهم ينفعونكم فيها، ولكن لا يجيّركم أحد لنفسه. أنتم أعضاء مجالس بلدية مسؤولون عن قراكم وقد تكونون مسؤولين في اتحاد بلديات. هذا هو أُفقكم الشرعي.
وفي كل هذا كونوا أمناء ودارسين للملفات ومناقشين للمسائل بصورة علمية ومنهجية هادئة، واحملوا بعضكم بعضا بالصبر ولا تنساقوا إلى الطائفية. فالبلدية لا طائفية في هيكليتها ومقاصدها. كونوا للإنسان الذي حولكم ولا تطلبوا مجدا باطلا. همكم ان يفرح الله بعملكم وان يكافئكم برضاه، واعلموا ان السياسة الكبرى هي الاستقامة وان الاستقامة الكاملة في المحبة الكاملة.
