في انجيل اليوم اعمى منذ مولده رآه يسوع فسأله تلاميذه قائلين: “يا رب من اخطأ أهذا ام ابواه حتى ولد اعمى؟”. أُخذت هذه الآية عند المؤمنين بالتقمص ان هذا المريض كانت روحه موجودة في جسد آخر أخطأ فيه فعاقبه الله بالعمى لما صار الى جسد آخر. جوابنا عن هذا ان بعض علماء الديانة اليهودية كانوا يقولون انه في بعض الحالات قد يخطئ الإنسان وهو في بطن أمه. اضف الى هذا ان الفكر اليوناني عند افلاطون وغيره القائل بالتقمص لم يصل الى المعتقد اليهودي. واذا افترضنا ان فكرة التقمص وصلت الى التلاميذ ودانوا بها يكون هذا فكرهم هم وليس فكر المعلم. اما جوابه هو: “لا هذا اخطأ ولا أبواه” فمن باب انه يرد على تلاميذه مثلما وضعوا السؤال اي بالعبارات نفسها، ولا يتضمن هذا ان السيد يمكن تأويل جوابه على انه يتضمن عنده اعتقادا بالتقمص.

         هذا التعليم يستحيل التوفيق بينه وبين تعليم يسوع عن القيامة. “الذين عملوا الصالحات يقومون الى قيامة حياة والذين عملوا السيئات الى قيامة دينونة”. وليس من إشارة الى ان الذين عملوا السيئات تذهب نفوسهم الى اجساد اخرى. هم انفسهم يقومون.

         ان الأعجوبة المحكية مطولا لا تقتصر غايتها على سرد المعجزة. فالمعجزات السبع عند يوحنا غايتها التعليم. احدى الأفكار الرئيسية ان الفريسيين هم العميان الحقيقيون الذين رفضوا الإقرار بشيء ثابت لمجرد رفضهم ان يقوم المسيح بأعجوبة يوم السبت وهذا يوم لا عمل فيه. كذلك يقول يوحنا ان اليهود ايضا لم يصدقوا. النص اذًا يضعنا امام مأساة الذين لا يؤمنون مع ان حصول الشيء واضح. فكأن الإنجيلي يقول ان الأعجوبة بحد نفسها لا تجلب الايمان ولكن الإيمان نفسه هو الذي يهيئك لاعتبار الخارقة التي حدثت انها من الله.

         والمؤسف ان الناس يركضون وراء العجائب. يريدون الأشياء الغرائبية. بعضهم يدنو من الله وبعضهم لا يدنو. والقليلون يتوبون ولا معنى إطلاقا لمعجزة لا تزيدك ايمانا.

         ان صميم هذا الفصل الإنجيلي هو اولا ما ورد في الآية الخامسة: “ما دمتُ في العالم فأنا نور العالم”. كذلك الآية 93 الواردة بعد الفصل المتلو في الكنيسة اليوم: “لدينونة أتيت انا الى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين يبصرون”. والمراد طبعا ان يسوع يقسم البشر الى قسمين: اولا) الذين يدّعون البصر ولكنهم عميان اذ لم يؤمنوا بالمخلص. وثانيا) الذين كانوا عميانا واعترفوا بذلك حتى اذا انكشف لهم نور المسيح آمنوا به.

         وقد نعود نحن الذين آمنا به الى العمى ان قبلنا أفكارا ضد المسيح او اتبعنا من ادعى التبشير باسمه وخرج عن الكنيسة، كذلك نكون عميانا بسبب الخطيئة وهي زيغان البصر وزيغان المعرفة.

         هذا الإنجيل يؤكد تأكيدا خاصا على النور الذي اعلنه المسيح بقيامته. كل هذه الفترة الفصحية كانت نورا لنفوسنا وأكدنا فيها بصورة رائعة ايماننا الفصحي. أنشدنا ألوف المرات للقيامة حتى لا تأتي الغشاوة الى ابصارنا فنبقى في ضياء المسيح الذي نلناه بالمعمودية وحافظنا عليه بالعمل الصالح وبالدراسة.

         المؤسف ان درس الكلمة الإلهية في اوساطنا ضعيف، وان بعضا منا تستهويهم البدع المضلة لكونها تفتح لهم الكتب المقدسة. ان النفوس عطشى الى هذه الكلمة. فلماذا لا تتجند كل رعايانا لتعلمها ونقي بها انفسنا من الخطر؟ المسيح يحتاج الينا لنتكلم عنه بصورة وافية وعميقة. الفصح لن يدوم الا اذا دامت فينا الكلمة.