من العناصر التي نأخذها بعين الاعتبار لمعرفة أهمية عيد هو درجة اهتمام الكنيسة به طقوسيا. فالظهور الإلهي (الغطاس، شعبيا) تقرأ فصول مختلفة متعلقة به: السبت الذي قبله، الأحد الذي قبله، أناجيل 7 و 8 و 9 الشهر، السبت بعد الظهور، الأحد بعد الظهور المنشور اليوم. الغطاس محوري جدا. وبعد إعلان العطلة الرسمية لم يبق من عذر للغياب.

          الكلام اليوم يجري عن حدث بسيط في حياة السيد وهو تركه لمدينة الناصرة واتخاذه كفرناحوم القريبة منها مقرا له. في مدينته الناصرة لم يكن مرغوبا فيه كثيرا. ربما كانت كفرناحوم افضل لاستراتيجية البشارة بسبب من اختلاط شعوب فيها لكونها نقطة تجارية. ولكن لما صار  حدث الانتقال، قرأه متى على خلفية النبي اشعيا: أرض زبولون وارض نفتاليم (الى بقية ما استشهد به الإنجيلي من العهد القديم). والمعروف ان متى كان دائما يحاول ان يسند الحوادث التي جرت للسيد على الأنبياء لأن هاجسه التبشيري كان إقناع اليهود او دعم الإيمان عند من تنصَّر منهم.

          فهذه الأرض التي حول كفرناحوم، التي تنبأ اشعيا انها ستبصر نورًا عظيمًا، رأى متى في اقتباسه المقطع من النبي القديم انها بإطلالة يسوع الناصري عليها ومكثه فيها، انها الآن تبصر النور. وتاليا هذا النور الذي شوهد بظهور الثالوث في نهر الأردن انما هو لا يزال محمولا في شخص يسوع ولن ينطفئ وسيظهر على جبل ثابور ثم يظهر في ثنائي الصلب والقيامة بانتظار سطوعه في اليوم الأخير.

          غير أن خاتمة الفصل الذي نقرأه اليوم هو ان يسوع ابتدأ يكرز ويقول توبـوا فقد اقترب ملكـوت السمـوات، وكأن متى يقـول: هذا النـور الذي ظهر بالمسيح ان لم تقتبسوه انتم بالتوبة يكـون وكأنه لم يظهـر. في البدء يعطي المسيح النـور بالكـرازة. تاريخيا، يسوع مبشر جوال، يعطي ما عنده اي كلمة الله. ولكن انتم اذا سمعتموها وقبلتموها فهي تدفعكم الى التـوبـة. فكما جاء الله اليكم بالكلـمة تجيئـون انتم اليه بالتوبة. هذه ليست كلمة تقولونها. فالرب لا ينتظر منكم كلمات. ينتظر رجوعكم الفعلي اي تحول قلوبكم اليه.

          كيف كان يمكن الناس ان يتوبوا آنذاك؟ الجواب انه قد اقترب منهم ملكوت السموات، اي ان الملكوت قد جاء. والملكوت هو اولا الملك ثم يأتي الذين ينضمون الى الملك. فيسوع معكم وبقوة كلمته وشخصيته وحبه يمكنكم ان تلتصقوا به.

          ثم الدعوة التي أَطلقها المعلّم آنذاك يطلقها الآن الينا نحن ابناء الكنيسة لأننا نخونه احيانا. كل خطيئة خيانة لأنها خروج من ملوكية المسيح علينا. الفتور، ادعاء الناس انهم في احضان الله وهم لا يقرأون شيئا من انجيله ولا يحضرون الى كنيسته، كل هذا جنوح عنه وسقوط في الظلمة. غير ان يسوع حاضر ليعود هو اليهم ويضمهم اليه ويضعهم على صدره. ولا يطلب منهم الا ان يقبلوه ويقبلوا ما قال ليحييوا به.

          من استضاء لا يريد العتمات او ان يفقد بصره، فالضياء الإلهي في قلوبنا هو كل حياتنا وهو يعيد الينا البصر لو عمينا. الغطاس بعمقه دائم وهو ان تذكر معموديتك وتعمل بها وتتوجه الى وجه الله الذي يطلبك بحنانه ولطفه.