“مملكتي ليست من هذا العالم”. كلام للمعلّم ينبغي ان يكون كلامكم. ليس هذا موقف اليهود لما كانوا على العهد القديم وما كان التلمود قد أدخل إليهم فكرة الحياة الأبدية ولم يكونوا يقولون بها ما خلا مذهب الفريسيّين. أمَّا المسلمون فيقولون بالقيامة ويؤثرون على دنياهم آخرتهم فقد جاء في كتابهم “وللآخرة خير لك من الأولى” (الضحى، 93).
ويؤكد المعلّم فكره بقوله: “لست اسأل أن تأخذهم من العالم… ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم” (يوحنا 15: 16 و17). مما يعنيه هذا القول إنكم ولو تعاطيتم السياسة إلا أنكم لستم من السياسة ووحدتكم ليست فيها وتاليا لا تؤلفون بعضكم إلى بعض كتلة منها. وليس لكم فيها موقف واحد. ولستم كتلة فيها لأن تكتلكم واحد وهي أنكم جسد المسيح بمعنى أنكم تجيئون من السماء التي هو جالس فيها وتكونون أعضاء فيه ومن حيث إنكم جسده فهو إياكم مجتمعين فيه وليس لكم اجتماع من نوع آخر.
وأية كانت العلاقة بالسياسة في اجتهاد المجتهدين فاليهود (قبل الصهيونية) والمسيحيون والمسلمون كل منهم يقول عن نفسه انه اجتماع ديني. فكل من العبرانيين والمسيحيين يقول عن نفسه انه جنس مختار وكهنوت ملوكي وأمّة مقدسة (1 بطرس9:2) والشعب المختار لا دلالة عنصرية لها ولا امتياز. انه اختيار النعمة الإلهيّة وتحميل الكلمة بلا تفويض بالتبليغ او التبشير عند اليهود وبتفويض بالبشارة عند المسيحيين. وأهل الإسلام قال لهم ربهم: “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر” (آل عمران1، 11). فالمعنى ليس أنكم جوهريًا خير أمَّة ومنكم من عصا ولكن إذا تمسكتم بالكلام الإلهي والسلوك الإلهي تستحقون أن تصيروا خير أمّة.
هذا المفهوم الواحد – اذا أخذنا النصوص التأسيسيّة وحدها – يجعل هذه الجماعات لا صفة قوميّة لها ويبقى كل فرد منتسبا الى قومه كما يشاء.
***
إلاَّ أنّ الصهيونيّة في كتاب تيودور هرتسل الصادر بالألمانيّة السنة الـ 1896 وكما توطدت سياسيًا في مؤتمر بال السنة اللاحقة صارت قوميّة وفي الجدالات التي قامت في دولة إسرائيل عن تحديد اليهودي وإجماعهم على أنّ من كانت أمّه يهوديّة لم يأتِ ذكر عن إيمانه. الذكر للدم وليس للعقيدة. أمَّا في المسيحيّة والإسلام فلا ذكر للدم. كل من هذين له عقيدة يعبّر عنها المسيحي بدستور الإيمان والمسلم بالشهادتين. فلسفة الانتماء واحدة إذًا عند المسلم والمسيحي. الصهيونيّة إذًا تكون نزعت عن اليهوديّة الطابع الروحي الذي كان لها. وقلّة ضئيلة من يهود العالم ليست صهيونيّة.
بموجب قانون العودة يحق لكلّ يهودي في العالم أن يتّخذ الجنسيّة الإسرائليّة. هذا ليس قائما في أية دولة إسلاميّة أو مسيحيّة. من هذه الزاوية كل يهودي إسرائيلي بالطاقة متى شاء يصبح إسرائيليًا بالفعل.
في هذا المناخ القائم في المنطقة لا بد أن أذكّر إخوتي المسيحيّين في بلدنا إنهم لبنانيون من جهة وطنيّتهم، مسيحيّون بسبب من معموديتهم وان النطاقين لا علاقة للواحد منهما بالآخر وأضيف إلى هذا – تذكيرًا – أن مسيحيّتهم لا تزيد شيئا على لبنانيّتهم التي يشاطرها آخرون بالعمق نفسه وبالقوّة نفسها واللبنانيّة تبدأ بنقطة من التاريخ عند هذا وتتخطى أخرى عند ذاك حتى وصلنا بعد عسر إلى اللبنانيّة. تبقى مشكلة المودّات الخارجيّة عند بعض ومشكلة الولاءات عند بعض وهي غاية في الدقّة. لن أخوض في هذا الآن لأني أتكلّم فقط على المسيحيين ولست أرى فاحصًا أنهم من حيث إنهم كتلة قد خرجوا على لبنانيّتهم والمودّات ترعى إن لم تكن خائنة وقد نحتاج إليها في الضيق شريطة أن نجعلها في خدمة الوطن كلّه وهي غنى في الثقافة وأمست ثقافاتنا – في الشريحة العليا من المتعلّمين- واحدة أو متقاربة.
على مستوى الولاء لست أشك بأحد في لبنانيّته ولا في شعوره العربي الأساسي ولا سيّما أن القيادات المسيحيّة تبدي قلقًا شديدًا عما وصلنا إليه من أوضاع. ولكن أحدًا منا لا يحق له أن يحاكم الآخر على نياته وان يحاسبه على ماضيه فالكثيرون في كل شريحة عرفوا النقص في لبنانيّتهم أو النقص في الانتماء الشعوري إلى العروبة.
وإذا كنا في حركيّة واحدة إلى المستقبلات أي بنيان لبنان الجديد كما عرفه الدستور فلا معنى ولا جدوى للتسابق إلاَّ على أن نتسابق الخيرات كما تدعونا إلى ذلك العبارة القرآنيّة (تنافسوا في الحسنى يقول بولس الرسول). ولست أظنّ أن أحدًا يهمّشه الآخرون ما لم يهمّش هو نفسه وإذا كان ثمّة من وقائع واضحة فنناجي كلّ منا الآخر ليقوم العدل وليجنِ الوطن المواهب التي كانت محجوبة.
إخوتي المسيحيين مع ذلك كلّه لا تكونوا مسمّرين على السياسة فليست هي كل شيء ولا هي أهمّ الأشياء في دنياكم نفسها. المسيح هو أعظم ما في دنياكم قبل أن يحل الملكوت. وعند كباركم في محبّته ليس هو فقط أعظم كل شيء ولكنّه كل شيء لكل واحد منكم. وعلى هذا اعملوا في حياتكم على كل ما هو حق وجميل وافهموا الإنجيل في بهائه وقوّته حتى تنحتوه في حياتكم الوطنيّة. ولا تتركوا السياسة للزعماء فقط بل تعاطوها بقوّة وإخلاص وصدق وطهارة. فهذه الفضائل يمكن أن تجتمع فيها. وكونوا قدوة وكونوا طاهرين فقد دعاكم ربّكم أن تكونوا الخميرة التي تخمّر العجينة كلّها والنور الذي يضيء في العالم ليستضيء كل إنسان. ولا كبرياء في ذلك لأنّ هذا النور تستمدّونه من النور الأزلي.
وإذا رأيتم عند قادتكم صداقات خارجية فلا يعني هذا أن ترتاحوا إلى هذا السفير أو ذاك ولكنّه يعني أن تسمعوا كل شيء وتتمسّكوا بالأفضل وان تصغوا بإذن لبنانيّة وتتكلّموا بلسان لبناني على ألا تذهبوا إلى أنكم فئة مغلقة. فإذا كان الزوج العفيف لا يكتم شيئا عن زوجته فالقيادات المسيحيّة مفتوحة على كل القيادات. لأنكم إذا منحتم الآخرين الثقة فهم يردونها إليكم. ففي الإسلام الأصيل مودّة لنا فإذا تكاشفتم انتم والمسلمون فهم أيضًا يتكاشفون حتى نصل معا إلى رؤية أن الإنسانية الطيِّبة والفهيمة بآن هي التي تبني البلد. ذلك لأننا معا – إذا أجيز لي تفسير التنزيل- نحن والمسلمون خير أّمة أخرجت للناس لأننا في الأقل ننوي على أن ندعو إلى المعروف وننهي عن المنكر.
وفيما أكتب هذا، أحسّ أن قلمي انجرّ على أن أتحدّث عن المسلمين والمسيحيين معًا بعد أن صمّمت إلى أن أتوجّه إلى المسيحيين وحدهم إذ الحقيقة في بلدنا أننا نحيا معًا وقد أثبتت الحرب الأخيرة التي شُنّت علينا أننا نموت معًا.
وإذا تذكّرتم يا إخوتي المعمّدين أن المسيح قد غلب الموت فأيّ شيء تخشون؟ أمَّا إذا علمتم بذلك فأنتم قياميّون إلى أيّ كنيسة انتميتم. ببهاء بيزنطي أو تواضع غير بيزنطي كلّكم يرتل في الفصح والآحاد: المسيح قام من بين الأموات. وإذا هاجمكم العدو مرّة ثانية سوف يرى من بطولتكم أو قناعاتكم أنكم أحياء مع الأحياء لعلمكم بصدق قولة يسوع: “لا تخافوا ممن يقتل الجسد”. لن يستطيع احد أن يمسّ خلاصكم وانتم قد ادركتموه بالحب. يا إخوتي المسيحيين انتم وطن الحب وكل شيء آخر هو من الشرير وسوف ينجينا الله في كل محنة من مملكة الشرّ ليقيمنا على آرائك المحبة.
