في هذا الفصل من إنجيل مرقس يُدخل السيدُ تلاميذه في سرّه العظيم. كان صاعدًا معهم الى اورشليم فتنبأ أن ابن البشر، أي هو، سيُسلم الى رؤساء الكهنة والكتبة. هؤلاء كانوا الذين ينسخون التوراة لتُذاع على ما أمكن من الناس وصاروا بسبب من هذا العمل علماء حتى قال: «فيحكمون عليه بالموت ويُسلمونه الى الأُمم». ويريد هنا بالأمم ممثل روما في فلسطين بيلاطس البنطيّ.
اليهود والوثنيون اشتركوا بقتل السيد. وتكلّم يسوع عن شكل آلامه: «فيهزأون به ويبصُقون عليه ويجلدونه ويقتلونه، وفي اليوم الثالث يقوم». هكذا تكلم الإنجيليون الآخرون.
هنا يأتي حديث غريب تفوّه به ابنا زبدى يعقوب ويوحنا (الإنجيليّ). كانا قد ظلاّ على الظن أن يسوع ملكٌ زمنيّ، وسياسيّ، فطلبا أن يكونا وزيرين عنده في حكومته. فسألهما اذا كانا يقدران أن يتألما مثلما سوف يتألم. وكانا مع غيرهما لا يفهمان شيئًا مما سيحصل له. غضب التلاميذُ من رغبة يعقوب ويوحنا يتميزان فيها عن بقية الرسل مع أن أحدًا لم يكن بعد قد فهم أن مملكة يسوع لم تكن من هذا العالم.
عند ذاك دعا يسوع الاثني عشر ليقول لهم ان الأُمم الوثنية عندها من يسودها. أمّا انتم فلا يكون بينكم من يسود، واذا جاز أن تفتّشوا عن كبير فليكن هذا لكم خادمًا. الخدمة وحدها طريق الى الكبَر المعروف في مملكة يسوع. ثم شدد على كلمة خادم فقال: «من أراد ان يكون فيكم أوّلَ فليكُن للجميع عبدًا».
النموذج أمامكم ابن البشر الذي لم يأت ليُخدَم بل ليَخدُم. ولكن ليس فقط ذلك ولكن ليموت.
الكبير عندنا يقول عن نفسه انه حقير. المطران عندنا كان يوقّع رسائله «الحقير في رؤساء الكهنة». اي انه يتواضع حتى النهاية ليصدّقه المؤمنون وليتمكّن من خدمة صالحة. كل منا جاء فداء عن كثيرين مثل السيد. كل منا لا يصير شيئًا الا بنعمة الرب.
بهذا الشعور نُقبل الى آلام السيد وموته وقيامته. هذا الشعور هو الكفر بالأنا، بالمصالح والمنافع وحُبّ الظهور. لا تستطيع ان تأخذ شيئا من الجمعة العظيمة الا اذا شعرت أنك فقير الى الله مثلما شعرت القديسةُ مريم المصرية التي نعيّد لها اليوم أنها لا شيء وبقيت 47 سنة في برية اليهودية تُكفّر عن خطاياها.
أن نُميت خطايانا منذ اليوم يجعلنا قابلين للفصح.
