كان متسولا ككل المكفوفين الفقراء (لوقا 18: 35-43). حاسة الاتصال عنده السمع. سمع ضجيجا غير مألوف. ما الأمر؟ قيل له: يسوع الناصري عابر. حول بلدة أريحا في منطقة اليهودية، كل الناس كانوا يعلمون ان هذا المعلّم الجديد يصنع معجزات. لقد تمّت هذه الأعجوبة فيما كان يسوع ذاهبا إلى الآلام، وفي طريقه من الجليل إلى اورشليم كان لا بد له ان يمرّ بأريحا. فيما كان ذاهبا إلى نور صليبه، التقى هذا الرجل الفاقد النور، هذا الفقير الذي كان صورة عن اسرائيل الفقير، هذا الأعمى الذي كان صورة اسرائيل الذي لم يقدر أو لم يحبّ ان يرى النور في المسيح.

          مرقس يسمّي هذا المريض ابن تيماوس. يعرّفه باسمه. انه اهم من الجمهور. انه هو الآن في حاجة إلى يسوع. لما أَخبروا الفقير ان يسوع مجتاز، صرخ: «يا يسوع ابن داود ارحمني». صرخ لأنه لم يعرف المسافة التي كان عليها من السيد. كل محتاج يصرخ. سمّى المعلم «ابن داود». هي عبارة تعني ان الناصري هو المسيح. الأعمى يعترف واليهود لم يعترفوا. انتهره الجمع الذي كان يصحب المعلّم. لا يريدون جمهورهم أن يتوقف عن السير. بقي يصرخ ويسترحم. عندئذ وقف يسوع. ما همّه الناس الذين كانوا حوله. ما كانوا بالضرورة مؤمنين. كانوا بالتأكيد فضوليين.

          وقف يسوع لأنها ساعة حبه لهذا المحتاج اليه. «أمر ان يقدَّم اليه»، ان يزول الحاجز البشري بينهما. يسوع مخصِّص نفسَه للمحتاجين اليه، للطالبين النور به. ولما «اقترب (المريض)، سأله قائلا: ماذا تريد أن أَفعل بك؟». طبعا كان السيد عارفا بما كان الرجل يطلبه. ولكنه اراد ان يقيم حوارا معه. اراد ان يقول له انه هنا ليهتمّ به. «فقال يا سيد أن أُبصر». غالبا أنه لم يكن أعمى منذ مولده لأنه كان يعرف قيمة البصر أو انه سمع الناس يتكلمون عن جمال هذه الدنيا. فاذا أبصر سوف يعـود ليتمتع بما كان يشهده في طفولتـه. وفي كل حال لا يبقى في ذُلّ الانسان المستعطي. يمكن ان تكون له حياة جديدة. يمكن ان يتحوّل حلمه بالبصر إلى قدرة عظيمة. «فقال له يسوع: أَبصِرْ». لك أن ترى من تحب. لك أن ترى زوجتك وبنيك وربما أن تستعيد الأصدقاء الذين تركوك. يمكن ان تصير انسانا جديدا. «ايمانك قد شفاك».

          انها تعني ايمانك بي قد شفاك. مجرد التوق إلى الشفاء لا يشفي. هذا مرض لا تأثير فيه للأعصاب. الانفعال العصبي لا يشفي شبكة مسلوخة. انت كنتَ في الكفاف الكامل. هذا لا شيء يشفيه. يسوع وحده يُقيمك منه. انـه قادر على ما عجز عنه الطب. السيد ينقل الإنسان من العدم إلى الوجود.

          «وفي الحال أَبصرَ وتبعه». في الحال، يقول. فإن قدرة المسيح فاعلة فورا. هو سيدُ ما اختلّ في الطبيعة. هو سيدٌ الآن على كل عمى، على كل قلق، على كل يأس. عندما تعجز النفس عن النهوض، عندما يلوح لها ان الأدوية تشفي أو ان التحليل النفسيّ يشفي، ويصدمها مع ذلك كل علاج، ماذا يبقى لها؟ انا لست أقول لأحد لا تلجأ إلى العلاج بسببٍ مِن اختلالٍ في الصحة الجسدية أو الصحة النفسية، فلا بد منهما لنستعمل الوسائل العقلية. الإنجيل لا يُعفينا من أية وسيلة بشرية. غير أن المسيح له -متى شاء- أن يتدخل مباشرة ويُنهضنا من كل كبوة، من كل سقوط للنفس أو الروح، من كل خطيئة مستعصية لأن هذه هي العمى. في المحنة الكبرى لا بدّ لك من أن تصرخ للمعلّم وان تقول له انك وحدك وانك ضعيف. قد تكون الصعوبة الكبرى أن يعترف الإنسان بضعفه وأن يُقرّ بأن المسيح هو كل الحياة. متى حصل له ذلك يمجّد الله كأعمى أريحا. والذين حوله مثل الجمهور المرافق للسيد اذا رأوا التغيير الحاصل يسبّحون الله. الشفاء الروحي فينا دعوة.