هذا اسم آخر لأحد مرفع اللحم الذي نحن فيه اليوم. يتبع منطقيا ذكرى سبت الأموات لأن تجمُّع الأحياء والأموات يمهّد لذكر الدينونة. يكمل فكرة العدل والرحمة الظاهرة في أحد الابن الشاطر، ويُبرز الاستعداد الروحي لصوم الجسد (كنتُ جائعا فأطعمتموني). يحث على التوبة لأن اليوم مطلوبة منا التوبة «قبل الانقضاء». نَستبِقُ النهاية ونسترضي الله قبل الدينونة العظيمة.

          ويؤكد القديسون أن الديّان العظيم لا يسألنا عن الأصوام ولكن عن حالتنا الداخلية. «ويحٌ لكِ أيتها النفس المدلهمّة؛ إلامَ لا تنقطعين عن فعل الرذائل؟ حتّامَ تضطجعين بالتواني؟ لم لا تتفطّنين في ساعة الموت المخيفة؟ لم لا ترتعدين بجملتك من منبر المخلّص الرهيب…». المطلوب إذًا الصوم الروحي. رهبة كبيرة: «ها يوم الرب الضابط الكل يوافي، فمَن يحتمل خوف حضوره». رهبة لأننا جميعنا عراة لدى الحاكم العادل. إزاء ذلك التذكير بنصيب الصدّيقين (إذا صرنا منهم) فإنهم «إلى الخدر السماوي بفرح وابتهاج يَدخلون». المطلوب الانتباه قبل الانقضاء. مع ذلك رجاؤنا أن الله متحنن إن عدنا إليه. هذا يعطينا سرورا بالمسيح الإله القائم من بين الأموات. هذا الأحد إذًا ذِكْرُ الرهبة لا يُهمل قيامة المسيح المعزّية.

          ليس فقط في هذا اليوم، ولكن في كل يوم من الصيام، نتذكّر الدينونة. الزمان العادي الذي نعيشه «ليل» تسوده الخطيئة، ولكن في النسك يتراءى نور المسيح «شمس العدل». ننتظر القيامة ونَستبِقُها. كل شيء سيذوب في الحب الإلهي. يشترك فيه الأبرار وتحترق فيه الخطيئة. في المحاكمة لا يستطيع أحد أن يُخفي خطيئته. الحقيقة الإلهية الساطعة توبّخنا. وبهذا قال إسحق السرياني: «كل من كان في جهنم تجلده المحبة الإلهية… إذ المحبة تعمل بطريقتين مختلفتين. إنها إياها ألم في المغضوب عليهم، وفرح في المغبوطين». الذين صنعوا الخير يفرحون بانتظار المكافأة. أما الخطأة فيصرخون من انتظارهم العقاب وانفصالهم عن المختارين.

          لذلك ركز هذا الأحد على أن العقاب قريب مِن الذين لم يتوبوا. نار جهنم هي احتراقنا بالشهوات التي لا يطفئ سعيرَها شيء. الإنسان هو الذي يواجه نار الجحيم بخطاياه. فلَسنا في الحقيقة مَرميّين في نار بعيدة عنا ولكن في نارٍ فينا. جهنم النار ما هي إلا إفصاح ظاهر عن رفضنا للمحبة الإلهية. «إذا كنتُ محاطا بكلام الخطيئة فأنا حقًا في جحيم الناس».

          ومع كون الخاطئ يستحق العقاب، لا ييأس من الرحمة الإلهية. ولهذا يرجو قبل الانقضاء أن يغفر له الرب بالفضيلة والتوبة.

          الخاطئ قبل أن تغلق عليه أبواب الخدر السماوي ينبغي أن يسلك الطريق الوحيد للخلاص وهو التروّض الروحي بالبكاء والقيام بأعمال الرحمة. هتافه إلى الرب: «قبل النهاية خلِّصْني يارب لئلا أَهلك»، «يا نفس، يا نفس قومي…النهاية تقترب». يجب أن يَستبِقَ الخاطئ الدينونة إذا حَكَم هو على نفسه. إن ماء الدموع قادر أن يطفئ نار جهنم.

          رؤيتنا للمصلوب قادرة وحدها أن تجعلنا نذرف الدموع. جهد الإنسان أن يجعل المسيح ينزل إلى جحيم النفس الآن ليقوم مع المسيح إذا استأصل في نفسه الشهوات. يحرق هنا ملذات الجسد قبل أن تحرقه النار في اليوم الأخير. هذه هي المعمودية الحقيقية التي نتعمّد فيها بالنار الإلهية والروح الإلهي.

          ولهذا شدد الآباء على ضرورة تَذكُّرنا الموت، على رؤية المرء نفسَه ترابا. فليَدْعُ اسم يسوع إزاء ذلك ويتّضع. هذا هو السهر الروحي الذي يجعلنا في الأسبوع العظيم نتهيأ لخدمة الخَتَن أي العريس الإلهي. ولكن لا عرس لنا مع المسيح إلا بالنقاوة.