هذا الأحد نذكر أجداد السيّد وهم كل البشر من آدم الى ابراهيم ومن ابراهيم الى المسيح. والمقطع الذي نقرأه اليوم هو من الرسالة الى أهل كولوسي الذي هو مقطع أخلاقي الذي يكلل فيه بولس الرسول حديثه اللاهوتي ويستهلّه الرسول بقوله: «متى ظهر المسيح الذي هو حياتنا فأنتم ايضا تظهرون معه في المجد» ويقصد اليوم الأخير حيث يخطفنا يسوع بعد القيامة الى مجد السماء.
ولكن هذا الاختطاف يتطلّب منا ان نعيش هنا فضائل الإنجيل، ويذكر بعض الرذائل التي هي ضدها: «الزنى والنجاسة والهوى والشهوة الرديئة» التي هي متقاربة بالمعنى، ثم يذكر الطمع (بالمال) ويعتبره بولس رهيبا اذ يسميه عبادة وثن. ولا يستخف بجسامة هذه المنكرات انه لأجلها «يأتي غضب الله على أبناء العصيان». فإن الله لا يرحم الا اذا رغبت انت في رحمته، واذا لم ترغب فهو غاضب وتتعذب انت من غضبه.
ثم يذكّر المؤمنين بماضيهم الوثني حيث كانوا يرتكبون كل هذه المعاصي. واذا فعلوها من جديد بعد معموديتهم يكونون سالكين في وثنيّتهم القديمة. ثم يقول: «اما الآن» (اي بعد تنصّركم) فاطرحوا الكل (اي كل خطيئة) ويعدّد خطايا اخرى: «الغضب والسخط والخبث والتجديف والكلام القبيح من أفواهكم». وواضح عنده ان الغضب يأتي من البغض، وان المؤمن مدعو الى ألا يجرح انسانا بل عليه ان يضبط أعصابه لو ثار ويبقى على الأقل مهذبا، ثم له ان يصير لطيفا ويضم الى قلبه من أغاظه ويصلي من أجل الذي آذاه.
اما الخبث او الرياء فيعنيان انه لم يبقَ أخًا، وعليه ان ينظر الى المؤمن الآخر على انه أخوه في المسيح فيلازم الشفافية والصدق. ولذلك يكمل فكره بقوله: «لا يكذب بعضكم بعضا»، فالانسان الآخر له حقّ بمعرفة الحقيقة. يمكن ان تكتمها احيانا تربويا، ولكن اذا تكلمت فلا يجوز ان تبقى هوّة بين لسانك وقلبك. يجب ان يعرف الآخر قلبك فلا تقول ما لا تضمر ولا تقول عكس ما تفكّر به. ولماذا تكذب؟ أليس لأنك تخاف؟ وممن تخاف اذا كنت فقط تخشى الله؟ الكذب في حقيقته خوف من البشر، وانت قوي بالله.
ثم يعطي بولس اساسا لاهوتيا لاجتناب الخطيئة بقوله: «اخلعوا الإنسان العتيق» الذي كنتم عليه في الوثنية التي أنكرتموها، اما الآن فالبسوا الانسان الجديد اي المتجدد بالمعمودية حسب قوله في موضع آخر: «انتم الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم» اي اتّحدتم به كاتحاد الثوب بالجسد. ثوب جديد بالمعمودية يعني انسانا جديدا يسكنه الروح القدس.
وهكذا يتجدد الانسان «للمعرفة على صورة خالقه». والمعرفة هي اتحاد بالله، وهذا الاتحاد يزيل الفروق بين البشر، فاذا كنتم في الله لا يبقى عندكم فرق بين اليوناني (اي الوثني) واليهودي (اي الذي كان يهوديا قبل تنصّره). ويرادفها قوله: لا ختان ولا قلف. فأن يختتن الصبي المسيحي لا يعني شيئا، والختانة لا تفيد بعد ان اقتبلنا المعمودية، وكذلك القلف (اي عدم الاختتان) عندما كان وثنيا لا يفيد. كذلك لا فرق بين بربريّ واسكيثي وهو اسم شعب كان يعيش في جنوبي روسيا. لا فرق بين الشعوب التي دخلت في المسيح.
وأخيرًا لا يميّز بين العبد والحر، فالعبد صار حرا بالمسيح، ويختم ان كل هذه الفروق لا أساس لها لأن المسيح هو «كل شيء وفي الجميع». لا يزاد على المسيح انتساب آخر لأنه كل شيء، ولا يدخل قلبك شيء آخر لأن «المسيح كل شيء وفي الجميع».
