2007, جريدة النهار, مقالات

الأم / السبت 14 تموز 2007

لماذا تغنّى الشعراء بالأمّ ولم يتغنّوا بالأب إلاّ قليلاً؟ ربّما كان أحد الأسباب أنّ الرجال هم الشعراء الأكثرون، وهم قريبون من أمّهاتهم. ولكنّ القصّة لا تكون بهذه السعة إن كانت مجرّد شعور ذاتيّ. هناك ما يتعلّق بكينونة الإنسان، وربّما بالمقاصد الإلهيّة التي تنزل علينا وجدانا. الإنسان البالغ يعرف أنّ ثمّة مشاركة بين الرجل والمرأة ليتكوّن الجنين، ومع ذلك تولي الإنسانيّة كلّها الأهمّيّة القصوى للوالدة.

في مرحلة أولى من تأمّلي أقول إنّ لفظة الرحمة مشتقّة من الرحم. هكذا في العبريّة وهكذا في الآراميّة، ولا يعقل أن تختلف العربيّة عنهما، وقد لاحظ هذا المستشرق ماسينيون. وهذا لا يمنع أن يصوّر الله كأب باعتبار التنظيم الاجتماعيّ في العهد القديم. غير أنّ عبارة الأحشاء الإلهيّة واردة غير مرّة في الكتاب المقدّس. ففي هذا يقول الله: «ترنّ أحشائي كعود من أجل موآب» (أشعياء 14: 11). كذلك في لوقا يتحدّث عن «أحشاء رحمة إلهنا» (1: 78). تأنيث صورة الله واردة في الكتب المقدّسة. ويقول الدليل عند قراءتنا موضعًا آخر في أشعياء:«هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها. حتّى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساكِ» (49: 15). هنا يشبّه الله نفسه بالمرأة. لذلك القول بذكوريّة الكتاب المقدّس في الحديث عن الله، ليس قولا حصريًّا. وعلى غرار الحديث التأنيثيّ ذهب بعض من آبائنا.

إلى هذا، ليس من انقطاع نهائيّ لحبل السرّة رغم عمل الطبيب الجرّاح، لأنّ العلاقة بين الأمّ والطفل المولود ليست مجرّد علاقة فزيولوجيّة. هناك امتداد بينهما لا نفهمه كلّيًّا، متّصل ربّما بكون الجنين يسكن تسعة أشهر في بطن الأمّ، بعد أن يتكوّن بلحظة وكأنّ صورة الاتّحاد بين الزوجين، لا تبقى هي الصورة السيكولوجيّة، في نفس المرأة، بحيث إنّ الطفل يسكن فيها وحدها وهي وحدها تغذّيه، وهناك نوع من وحدة التعايش يبدو أنّ الأمّ لا تتخلّى عنها، ولو بلغ الإنسان الكهولة أو ما بعدها. لماذا أوّل ما يتمتمه الطفل المولود هو حرف الميم بالعربيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة والألمانيّة والروسيّة؟ لماذا أوّل صوت يصدر عن الطفل هو صوت الميم؟ من علّم الطفل هذا الحرف؟

لماذا يقول اللاهوت إنّنا عائدون إلى حضن إبراهيم وتمثّلنا الأيقونة هكذا؟ أليس لأنّنا نعتبره أبا الآباء وكأنّه ولدنا بإيمانه ما يجعلنا في حضنه؟ أجل الانتساب في القيود هو إلى الأب في كلّ الحضارات. هذا مجرّد تسلسل يتعلّق بالقيود أي أنّ هذا مصطلح مدنيّ لا فرق شعوريًّا في نظام القبائل بين أن تكون ابن حرّة أو ابن أمة. الفرق فقط ذكوريّ بحيث إنّ ابن الحرّة يرث وابن الجارية لا يرث، حتّى أحسّت فرنسا الحقوقيّة، في السنوات الأخيرة، أنّ ابن المرأة الشرعيّة له الحصّة الإرثيّة التي لغير الشرعيّة. هذا ليس في فهمهم تعزيز لمسّ قدسيّة الزواج. هذا في تفسيرهم يدلّ على أنّ كرامة الولد الطبيعيّ مثل كرامة الولد الشرعيّ في شقاء هذا الوجود.

الوالدة الناضجة بالحبّ الوالديّ تستطيع أن تقطع أدبيًّا حبل السرّة، غير أنّ مولودها لا يقدر على ذلك دومًا. هذه حالة مرضيّة قابلة للعلاج مبدئيًّا، ولكنّها استعداد لإفساد العلاقة بين الأمّ والولد. والتسلّط الذي تمارسه الحماة على كنّتها، حتّى التسبب بانفصال هذه عن الزوج، صورة عن هذا المرض الرهيب. والكنّة هي المكنونة في القبيلة، والسلطة البطريركيّة التي تحملها هنا الحماة ترفض حرّيّة الكنّة، أي حرّيّة تكوين عائلة جديدة، نوويّة كما يقول الأفرنج. تبقى إذًا هنا حتّى سلطة الرحم الممدودة التي تسع الأجيال كلّها ما أمكن استمرار الامتداد.

من الناس إذًا من لم يفهم قول الله: «ويترك الإنسان أباه وأمّه ويلزم امرأته، ويكونان كلاهما جسدًا واحدًا». حتّى يتمّ التصاق لا بدّ من انقطاع تعود بعده الرحمة للأهل المسنّين، وتكون هذه هي الصورة الصالحة للحبّ، الذي يعود من الجيل الفتيّ إلى ذلك الذي سبقه.

كيف تحبّ أمّك بعد فترة رفضها، ولا مهرب منها، إلى علاقة سليمة ولا سيّما إذا كنت ترى ما يسؤوك في طبائعها، هذا هو القبول الرحيم الغفور الذي لا تستطيع أن تطهّر نفسك بدونه. قال الربّ: «أكرم أباك وأمّك» ولم يقل أحببهما بالمعنى العاطفيّ الذي يذهب إلى امرأة أخرى، لأنّ الحبّ اختيار. هذا تغليب لشعور الاحترام والوقار والتقديس، وهو أساس لواجب الاستقلال في اختيار الزوجة. هناك لبس كبير أحيانًا عندما تسعى إلى فتاة تشبه أمّك، لتذكر أمّك في زوجتك، ولكن انتبه ألاّ تكون زوجتك كنّة مكنونة، وألا تكون أنت فتى مضمومًا مغناجًا.

الأمومة تبدأ بفرح الزوجيّة، أي بعهد التلقّي والعطاء بين كائنين متحابّين تعاهدا على البقاء معًا طوال الحياة، من أجل أن يكتملا بالروح القدس، ويكملا به بشريّتهما حتّى تطهر، ويصيرا إلى نورانيّة تقرب من نورانيّة الله حتّى يلقياها في اليوم الآخر. تلك هي الخطّة التي وضعها الله في الخلق، لمشيئته أن يمدّ البشر بالمحبّة التي في طبيعته ليمدّدها إلى آخر العالم، حتّى ينهي الله الزمان. يصاحب هذا ابتهاج في الروح والنفس والجسد، أي في كلّ الكيان البشريّ. وفي تواصل الرجل والمرأة يتمّ الاتّصال بالله وبهذا الطهارة.

غير أنّ كلّ هذا معطى من أجل مسؤوليّة هي مسؤوليّة الإنجاب، ليس أنّ الإنجاب غاية بحدّ ذاته للحياة الزوجيّة، ولكنّه الثمرة الطبيعيّة في إشراف النعمة التي تتنزّل على المحبّين، أي إلى المدعوّين إلى الحبّ البشريّ حتّى الموت، لئلاّ يتسرّب الموت الروحيّ إلى الحياة قبل انقطاعها. فإذا بدا الطفل في حياة الحبّ بين كائنين، تبدأ المسؤوليّة أمام الله لأنّ الولد هبة، أي هو له وليس ملكًا لأحد، ولو أطاع لأنّ طاعة الأولاد تدرّبهم على المحبّة، أي صعودهم إلى الربّ وإلى اكتمال شخصيّتهم به. تبقى التربية التي هي محاولة أخذ البنين إلى الربّ وهذا معنى كلمة تربية في لغتنا.

وهي عمل شاقّ جدًّا ولا سيّما في السنوات الأولى عند الولد. في هذه المرحلة دور الأمّ أساس لأنّها تسهر على طفلها سهرًا طويلاً، ليل نهار في الأشهر الأولى. هنا تتقبّل من الطفل الشيء الكثير، فهو يربّيها كما تربّيه، وتنتقل من الأمومة الجسديّة إلى الأمومة الروحيّة، إذ تتقدّس بالعطاء وتفرح بهذا العطاء. الأمومة نشأة للمرأة كما هي نشأة للطفل في سرّ لقاء عجيب. وهذا امتداد لـمّا يسمّيه المسيحيّون سرّ الزواج.

نموذج الأمّ هي مريم فإذا أعطت الوالدة نفسها لولدها عطاء كاملاً تصبح مريمًا جديدة. ألا تستطيع المرأة أن تصبح كمريم «ممتلئة نعمة»، لأنّها إن لم تصر كذلك كيف تمدّ وليدها بالنعمة، بالطراوة، بالبهاء الروحيّ الذي إذا لم ندركه لا نكون على شيء. فتّشت مرّة مريم مع يوسف عن ابنها الضائع، فلقيته في الهيكل يسائل العلماء. ما نفع الإنسان إن لم يسائل العلماء؟ قبل ذلك قدّمته إلى الهيكل فاقتبله سمعان الشيخ على ذراعية وسمّاه نورًا. ماذا ينفع الإنسان إن لم يتقبّله كبار الروحانيّين ليصير على مثالهم؟ هؤلاء أعظم من العلماء.

ثمّ نرى يسوع وأمّه في عرس قانا الجليل، وقالت له إنّ المدعوّين ليس عندهم خمر. فقال لها: «ما لي ولك يا امرأة لم تأتِ ساعتي بعد». والمعنى الظاهر أنّه لم يهتمّ لإكمالهم فرحهم بالخمر، ولم يشأ أن تهتمّ أمّه للأمر. فقالت، إذ ذاك، للخدم: «مهما قال لكم فافعلوه»، وكأنّها كانت موقنة أنّه سيستجيب لحاجتهم. وهنا حوّل الماء إلى خمر. هذه أمومة مارستها. «هذه بداءة الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده». هذه الأمّ العظيمة آمنت بوليدها العظيم ولبّاها لحبّه.

آخر مشهد للقائهما كان عند الصليب ومعها «التلميذ الذي كان واقفًا. قال لأمّه: «يا امرأة هوذا ابنك». ثمّ قال للتلميذ الحبيب: «هوذا أمّك». هذا الشاب لا نعرف عن هويّته واسمه إلاّ كونه كان التلميذ الحبيب. ولكونه الحبيب جعله السيّد ابنًا لمريم. الأمومة أمومة للحبيب أي الذي صار تلميذًا كاملاً ليسوع. تكتمل أمومة كلّ امرأة إذا حاولت أن تجعل ابنها كاملاً في الحبّ، حسب قول السيّد: «كونوا كاملين كما أنّ أباكم الذي في السموات كامل هو». ماذا تنفع الأمومة إن لم تكن غايتها محاولة إقامة البنين في المحبّة؟ هذا هو الدور الذي أراده الله لكلّ والدة. هذه هي مساهمتها في الخليقة المتجدّدة بالربّ، وإذا حاولت ذلك هذا هو مجدها.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

الكنيسة شركة مواهب/ الأحد 8 تموز 2007 / العدد 27

في رسالة اليوم، وهي رسالة الى اهل رومية، يبيّن الرسول ان الكنيسة كنيسة مواهب مختلفة، كلها معطاة من الروح القدس. يبدأ بولس بذكر موهبة النبوءة التي استمرّت في العهد الجديد وهي إعلان الموهوب مشيئة الله الى الكنيسة التي هو منها. وهي ككل المواهب الأخرى ليست محصورة بالإكليروس. ثم يذكر الموهوب الخدمة ويريد بها التحسس بحاجة الفقراء وتقديم الكنيسة كلها العون لهم. والمعلم يريد به من يعلم العقيدة وأساسها موت المسيح وقيامته ويبني كل تعليم عليها ويشتق كل معتقد في الكنيسة منها.

اما الواعظ فهذا الذي يعرف الحاجات الروحية في الرعية التي يعرفها وتتضمّن الدعوة الى فضائل الانجيل واللوم احيانا على الضعف في تطبيقها. طبعا الواعظ يعرف مضمون التعليم وينبه الى التعلق به اذ منه يجيء التنفيذ العملي.

ثم يدعو بولس الى موهبة التصدُّق او الإحسان لتكون الشركة كاملة فلا يعقل ان نتكلم على المحبة ونهمل الفقراء. اما من يسميه المدبر فهذا الذي ينظم عمل الاحسان. فالإدارة ليست مجرد تنظيم لتوزيع المال ولكنه قبل كل شيء محبة. فمن احبّ يدير حسنا.

بعد هذه المواهب المتنوعة والتي يسهر الأسقف على مراقبتها وتحسّن أدائها، يربطها بالرحمة التي هي العناية بالكل. وهذا يقود الرسول الى القول ان المحبة تكون بلا رياء وبلا تفريق بين الإخوة ولا تحيز، واخيرا يشدد -توضيحا- على ان نحب بعضنا بعضا حبا اخويا، وهذا ما يبعد التفريق بين الإخوة أحرارا من الحزبية العائلية لأننا جميعا عائلة الآب، وهذا يقود الى ان نبادر بعضنا بعضا بالاكرام فنعلي كل شخص على نفسنا. ثم ينتقل الى ان نكون غير متكاسلين في الاجتهاد اي مجتهدين كل منا باستغلال موهبته، وهذا كله يقتضي ان نكون حارين بالروح القدس الذي يعطينا وحده كل موهبة.

هذا كله يقودنا الى ان نكون عابدين للرب كأبناء له لا كعبيد، فلا عبادة دون شعورنا بالبنوة لله وبأننا عشراء يسوع. ثم يدعونا بولس الى ان نكون فرحين في الرجاء، ونحن عالمون ان الرجاء هو الفضيلة الثانية بعد الايمان. هذا رجاء الى عطية الله وليس الى الآمال الأرضية التي يهبنا الله اياها اذا كانت نافعة للخلاص وراسخة في طلبنا الملكوت. فاذا طلبناه كما قال السيد يعطى لنا كل شيء. يعطينا ما هو للأرض اذا كان نافعا لاقتنائنا الروح القدس. ومن الرجاء ان نكون صابرين في الضيق، وكل ما في العالم ضيق، ولكنا نتحرر منه باتكالنا على الله. ثم يطلب ان نكون مواظبين على الصلاة، ويعني بها الصلاة الدائمة أفي البيت كانت ام في الشارع ام في الكنيسة، والذي لا يصلي في كل وقت تكون صلاته في الكنيسة غير حارة او هو لا ينتبه اليها اذ القداس ينبغي ان يكون في نفسك بحيث تدخل كل جزء منه الى قلبك ليتم القداس فيك ولا يكون فقط عمل الكاهن. ثم يعود الى الإحسان فيقول: «موآسين القديسين (اي المؤمنين جميعا) في احتياجاتهم». انهم هم مذبح للرب كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم. ومن الموآساة ان نعكف على ضيافة الغرباء التي استقبل بها ابراهيمُ الملائكةَ. وهكذا تنفون صفة الغربة عمن تساعدونهم ويصبح كل منكم قريبا للآخر بالمسيح، أخا له وللمسيح. ثم يختم هذا المقطع من رسالته بقوله: «باركوا الذين يضطهدونكم» ان كانوا وثنيين او كانوا أعضاء في الكنيسة جعل الشيطان في قلوبهم بغضا. وأخيرا: «باركوا ولا تلعنوا». باركوا تعني ان تستنزلوا بركات الله على كل مخلوق وأن تشترطوا عليه ان يحبكم. المحبة مجانية تأتي من روح الرب الذي فيكم. أن تلعنوا يعني ان تبعدوا النفس الأخرى عن رضاء الله عنها. نجِّ من يلعنك بالبركة حتى يصير قريبا من الله فتجتمعوا في الرب. كل انسان ايا كان يستحق بركة منك لتسلم نفسه من الغضب ويتحول الى ربه بالمحبة التي تكون قد أعطيته اياها.

هذه هي كنيسة المواهب التي يكون فيها كل واحد منا سندا للآخر فيرتفع هيكل الله.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الموت والقيامة / السبت ٧ تموز ٢٠٠٧

كفاك أن تشاهد التفجير والاغتيال لتدرك ان الموت جزء من حياة الذين ذهبوا والذين استبقاهم ربهم. بادئ بدء ليس هذا الفراق كارثة. انه حادثة. ولو كان من يتوفاه ربه عظيما فعظمته نرثها جميعا وهو يتمتع بجمالات الله في ملكوته. السؤال الباقي هو لماذا نخشى الموت او نرده عنا بالعلاج والصبر او ندنيه الينا بمخافته. أمي كانت تقول: «رب الموت خاف من الموت» وهي في مسيحيّتها كانت تعني المسيح. وفي فهمي ان الناصري خاف لكونه شاركنا في كل بشريّتنا وليدل انه ليس جبارا اسطوريا.

                     كانوا يقولون لنا في المدرسة المسيحية التي نشأت فيها اننا نخشى المنية لأن الله خلقنا من أجل الخلود فحلت الخطيئة وكسرت الخلود. ما يدعم هذا التعليم قول بولس: «أجرة الخطيئة هي الموت» (رومية 6: 23) وكأن الرسول يوحي ان الموت طارئ. لست أظن ان العلماء يناقضون بولس اذا قالوا: ان ما نعرفه عن الحياة حتى الآن يدل على انها منتهية ولكن واحدا منهم لا يستطيع ان يرى علاقة بين السبب والمسبب. هم يلاحظون الموت ويتكلمون عن سبب مباشر (القلب، السرطان وما اليهما) ولكن واحدا لا يجرؤ ان يحدد زمن النهاية. لعل ما يعذبنا اننا نجهل زمن انحلالنا او إسلام الروح.

                     نبقى اذًا أمام سر ليس معطى لإنسان اختراقه او ان يواجهه بكامل المعرفة ولا بشيء من التهيؤ. المؤمن يتعزى اذا كان حقا يعايش الله بما يبدو له فضيلة عنده او توبة فيه ولكنه لا يكابر ان كان مؤمنا لكونه لا يعرف في انه يقيم في توبة عميقة. كلمة السيد في هذا الصدد: «كونوا مستعدين لأنكم لا تعرفون الساعة» دعوة وهي ليست شهادة على اننا في كامل الحضور النقي اذ الرب وحده يعلن لك عند الدينونة وضعك الحقيقي أمامه.

                     لا يستطيع احد ان يواجه قبيل فراقه سؤال اللماذا؟ لماذا اليوم وليس غدًا؟. يقدر ان يواجه الى حد محدود الكيف. انسداد عدة شرايين بلا انتباه او معالجة على سبيل المثال. انتشار السرطان الى عدة اعضاء. هذا اذا اخذنا المرضين الأفتك في إحصاءات أوربا. ولكن كيف تعيش امرأة انقطعت لفقرها خمسة أشهر عن أنابيب الاوكسيجين، كيف يعيش انسان ثلاثين سنة وتتمشى فيه الخلايا السرطانية. الكيف اذا نفسه لا نعرفه. الطب علم احتمالات والمخلصون فيه يقولون لك ان فيه قسطا من الفن كبيرا اي ان مقدار الاختبار فيه كبير ويضيفون ان ممارسته تتطلّب مستوى من الأخلاق. نحن اذًا في عالم المجهول الكامل للسبب والكيف. لعل ذلك يشكل عنصر الخوف الأساسي.

#               #

#

                     اذا نظرنا الى الأمور نظرة طبيعية وطرحنا جانبا كل اعتبار إيماني يبدو لي ان الخطيئة الكبرى قول فرويد ان عندنا غريزة الموت. نحن ليس فينا الا غريزة الحياة. لذلك ينبئنا اقتراب الموت بانتهاء كل شيء ونحس على مستوى الطبيعة على انه العدم. الجانب النفسي فينا الذي هو رغبة البقاء الى الأبد يناقض الجانب البيولوجي الذي هو خراب هذا المختبر الكيميائي الذي اسمه الجسد كأن التصادم مسجل بين هذين الجانبين من كياننا الإنساني.

                     هناك كلام حديث عن تمديد الحياة. هل هو تمديد سيكولوجي على أساس الوعي يرافق التحديد الجسدي. الدراسات ليست متقدمة بالقدر الكافي. والدراسات الاقتصادية مخيفة اذ يترتب عليك ان تخدم معيشة ناس لا ينتجون الا اذا تقدمت المعطيات بصورة لا نترقبها بعد فيبقى الشيخ على عطائه كالكهل او الفتى. من المؤكد انه اذا عظم العجز وكثرت الأمراض قد يرغب المسن في خروجه من هذا الوجود ولكن قد تدخل عناصر علاج جديدة ولا يضعف الفهم وتتشدد عند الانسان غريزة الحياة.

                     من الواضح في الأبحاث كلها وتأمل السلوكيات ان البشرية «المتطورة» لا تتكلم إطلاقا في الأمور الروحية. ليس عندها اي انتباه لمسألة لماذا يرغب في إطالة العمر. الفلسفة الوضعية تحكم كل الأبحاث السائرة في العالم. يحكى احيانا عن الصلاة لغايات بيولوجية ولكن الصلاة تؤخذ اداة لغاية أمور في الدنيا. ولكن على رغم هذه الفلسفة الوضعية لا يتصالح احد والموت. يبقى عند الكل، إحساسا، طريقا الى إلغاء الوجود.

#                 #

#

                     كيف يعود الشعور بحياة ما جديدة الى انسان متيقن غريزيا من عدم المنعة فيه. اذا لم ينزل عليك شيء فوق الغريزة يستحيل عليك ان تغلب الموت بتجاوزه. لا تتخطاه الا بشيء آخر ليس منه وليس في طبيعتك، ذلك ان كيانك كله مجروح بمخافة الموت والعنتريات لا تنفع هنا. كلنا ضحايا هذا العدو، والعدو الأخير كما يسميه بولس. لذلك لا تطلب المسيحية ان تصالحه. تطلب ان تميت الموت وان ينشأ فيك عند ذاك شيء جديد لا يأتي منك فتصير، على رغم كونك في القبر، كيانا جديدا. اما ان تصالح جثتك فهذا مستحيل او ان تصالح جثة نسيب او صديق فهذا ايضا مستحيل اذ يعني هذا انك صالحت اللاشيء.

                     اذا كانت خشية الموت سيفا مصلتًا عليك انّى لك الا تخاف خوف الموت. انّى لك ان تخرج من هذا الخوف؟ في اللغة المسيحية انت تخرج من الموت بما نسميه «رجاء القيامة والحياة الأبدية». الرجاء رجاء الى ذاك الذي وحده يغلب الموت اي الله بحيث انه يتعهّدك من موت وينقلك اليه في الرجاء بانتظار القيامة التي تجعلك انسانا ذا جسد نوراني حرا من الفساد وحيا الى الأبد.

                     نحن لا نتحدث باستفاضة عن مآل الروح. نعرف انها في رعاية الله، في رحمته وهو يرحم من كان طالبا الرحمة، معتقا من وطأة الخطايا حسب قول بولس: «من مات تبرأ من الخطيئة»، له اتحاد بالله الذي يرفع عنه نير الموت والمعصية، ناقلا اياه من رتية الى رتبة في الرحمة لأن الإنسان لا يدخل الملكوت الا بها. لا نعرف في الكنيسة الارثوذكسية تحديدا لوضع النفس الا كونها في قبضة الله على انتظار القيامة. لذلك نصلي من اجل الذين ماتوا وهم في الحقيقة ضمن العطف الإلهي.

                     لهذا ينتقل لاهوتنا الى الكلام عن القيامة التي يوضحها بولس الرسول بهذه الكلمات عن نفسه: «هذا شأن قيامة الأموات: يكون زرع الجسم بفساد والقيامة بغير فساد. يكون الجسم بهوان والقيامة بمجد. يكون زرع الجسم بضعف والقيامة بقوة. يُزرع جسم بشري فيقوم جسما روحيا».

                     غير ان بولس يؤسس كل هذا على قيامة المسيح. فكما لبس جسم المسيح النور نلبس نحن ايضا النور. المادة كلها بما فيها مادة الكون تصبح نورا كاملا، حرا من الجسدانية التي كنا عليها من طعام وشراب وجنس لأن هذه من خصائص الأرض.

                     أنت حر من الموت بالنور، بالضياء الإلهي الذي يغمرك ويكونك الى الأبد فتسير في الله وتتجدد فيه الى الأبد. تذهب عنك الترابية وخصائصها ولكنك تبقى بشرا في هيكلية جديدة لا نعرف لها خاصة الا انها تشبه نورانية الله.

                     في هذا المنطق تبقى شخصيّتك هي إياها بما فيها روحك. لذلك كفّرنا في القرن الثالث من قال ان النفوس البشرية تذوب بعضها ببعض لتصبح روحا واحدا. روح الله يحيي روحك على الدوام كما يحفظ جسدك النوراني على وحدته ولا تختلط الأجسام بعضها ببعض. المهم عندنا ان شخصيّتك كلها هي التي تثاب ولا تذوب في الله اذ يكون هذا حلولية وكما رفضناها في الخلق الأول نرفضها في الخلق الثاني.

                     بغير هذه الرؤية نفهم التحرر من خوف الموت من حيث انك تغلبه بالرجاء وبتحقيق الرجاء عند القيامة. تستقبل، اذ ذاك، موتك لا بنكرانه ولكن بالايمان. انك تحيا توا  بالرحمة وأخيرا اذا بعثك الله من القبر. غير هذا هو في حسنا العدمية. والله لم يخلق احدا ليزيله من الوجود ولكنه يمنحه وجودا من نوع آخر. يوصلك الله اذًا من خلقه الاول الى خلقه الجديد ويجعلك دائم الوجود اذ تتقبل في السماء دائما نعمته وتتحقق فيك صورته بشكل دائم. وهذا هو الفرح.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

شؤون كهنوتية ورعائية/ الأحد في أول تموز 2007 / العدد 26

نحن في حاجة، الخريف الآتي، إلى طَلَبة بلمنديين يتخرجون بعد أربع سنوات لأن بعض كنائسنا ليس لها كاهن متفرّغ لها ويخدمها كاهن يأتي من مكان آخر، والسبب الثاني ان الكاهن المسنّ قد تُقعده الشيخوخة عن الخدمة. ومشكلة معيشته عند ذاك ينبغي ان نتدارسها بصورة جدية. لا بد لنا من مشاورات كبيرة ندرس فيها أوضاع الكهنة العاجزين عن خدمة كاملة وسليمة. هنا أدعو شبابنا المتحمّسين للإنجيل والملتهبين غيرة للرب ان يجيئوا إليّ لإرسالهم الى معهد اللاهوت ليمتحنهم ثم يتقبّلهم.

الرغبة المُثلى أن يدرس شبابنا اللاهوت قبل رسامتهم لأن في هذا تأسيسا لوعظ مسؤول وتعليم المسيحية في المدارس الرسمية والخاصة وتنوير عقولهم للإجابة عن أسئلة المؤمنين ومواجهة أعداء الإيمان. أحيانا نضطر الى رسامة شاب غير متخرّج بعد أن نتحقّق ان لديه حدًّا أدنى من الفهم الروحي وغيرة على بيت الله.

لقد حاولنا كثيرا التعزيز المعيشي للكاهن، وارتفع المستوى بشكل واضح في معظم الأمكنة، ولكنا لم نصل الى بحبوحة مدهشة في معظم الأماكن. ربما اقتضى منا هذا مشاورات ذات طابع اقتصادي ولكنها مركّزة ايضا على حماسة المؤمنين.

الشيء الأخير أن هذه الأبرشية تستوعب الآن تقريبا نصف أرثوذكس لبنان بسبب الهجرة، وهذا ما يفرض علينا واجب البناء لكنائس جديدة، وقد قمنا بتشييد 31 كنيسة في الجبل المهجّر والمناطق غير المهجّرة ما خلا الترميم هنا وهناك. ولكنا لم نستطع في قريتين على الأقل إكمال الكنيسة، غير اننا نقيم الخدمة الإلهية في قاعات الكنائس.

في المبدأ، كل رعية يجب ان تكون لها كنيستها. أن نقسم بعض الرعايا القائمة لتكون لكل رعية كنيسة وكاهن فهذا امر متعذّر علينا الآن. ولكن نحاول ان نقيم الصلاة بطرق مختلفة، باستئجار بيت مثلا، وكان هذا في النقاش في ساحل بيروت والآن بعد أن توفرت لدينا الأرض سنبدأ قريبًا بمباشرة البناء فور انجاز الترخيص.

عندنا اذًا رعايا يجب تقسيمها ليكون على كل رعية كاهن. ولكن هذا الأمر متعذّر في الأحوال الاقتصادية الحالية. من اجل ذلك رأينا ان نعيّن كاهنا آخر في بعض الأماكن يخدم في كنيسةٍ واحدةٍ رعيةً اخرى، او ننتدب اكثر من كاهن لخدمة رعية كبيرة لاستحالة كاهن واحد ان يخدم مئات من العائلات بصورة كاملة ومرْضية. السبب الآخر لتعدد الكهنة في مكان واحد يعود الى تعدد الاختصاصات في العمل الرعائي. فهذا قد يكون متخصصا في رعاية الاولاد، وهذا أقوى في الوعظ، تتوزّع المهام بين الكهنة الخادمين في كنيسة واحدة.

الرعاية تسود كل اعتبار آخر. في الكنيسة الأولى كان لكل مذبح كاهن. هذا ممكن تطبيقه اذا كان عندنا عدد كافٍ من المعابد. غير ان هذا مستحيل في هذه المنطقة ما لم يرتفع المستوى الاقتصادي في البلد وينمو الأرثوذكسيون في الغيرة والحماسة.

هذا يفترض ان يكون كل كاهن مخْلصا لأخيه الكاهن الآخر، عائشا معه بالمحبة، عارفا أن خراف يسوع لا نقدر ان نتركها لئلا تحصل الخيانة.

واذا كان لا بد من ترتيب قانوني فهذا سهل، والحقيقة ان المحبة وحدها تكفي لحل كل المشاكل التي يمكن ان يواجهها المسؤول.

لا نستطيع ان نترك خروف المسيح مشردا بلا عناية. الكلمة الإلهية يجب ان تصل الى كل من نحن وكلاء المسيح بينهم لنغذيهم بالأسرار الإلهية ولا يموتوا جوعا.

لقد باركَنا اللهُ بكهنة جيدين ومخلصين. نرجو ان يزداد عددهم وان تعلو قيمتهم لنؤدي نحن الرعاة حسابا في الدينونة بلا خجل.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

حول الكتابة / السبت في 30حزيران 2007

السؤال الاول: لماذا يكتب مَن كَتب؟ الجواب ان كان أديبا انه لا يستطيع ان يفعل غير هذا. تلك حالة الرسام او بيتهوفن لـمّا وضع السيمفونية التاسعة. كان أصم أي لم تسمعها أذناه. كيانه وضعها وكيانه تقبّلها بعد ان أعاد قراءتها. فيك جنين  ان كنت اديبا وهذا الجنين يجب أن يخرج، أنت تلد ولا تسأل نفسك لماذا تلد ولا يمكنك ان كنت مبدعا ان تضع الجنين لحظة واحدة قبل ان يشاء هو ان يخرج. اجل هناك لعبة بين انفعالك وصياغتك. ذلك لان الابداع ليس خارجا عن العقل. ولكن ان استخدمت العقل وحده فأنت عالم (في التاريخ، في الاقتصاد، في الفيزياء) ولكن ان خرجت الى الكون شاعرا ام ناثرًا شبه شاعر فالقلب والعقل متمازجان او متناضحان.

            نحن في سر كامل في ما يتعلّق بنشوء الجنين. كان الشاعر الالماني العظيم ريلكه يقول: «لي قصائد لست أنا واضعها» وأراد بذلك الإلهام او شيئا أعظم منه او وراءه. وقالت لي شاعرة: «عندما أعيد قراءة قصائدي لا أصدق اني كاتبتها». في العصور الوثنية كانوا يؤمنون بآلهة الشعر، وعند العرب عبقر موضع كثير الجن. ويقال عن إنسان انه عبقري لاعتقاد القدامى ان «روحا» ما وراء الخلق الغني الجميل.

            مَن أنتج جمالا باهرا قولا او كتابة وكان فيه مسحة روحية له ان يحس ان هذا أتاه من الله اذ تدل المقارنة بين النصوص ان بعضها ضعيف او عادي وان اي من أخذ القلم قادر عليه، ولكن ان كان ثمة التماعات نادرة الوجود في النطق فله ان يحس ان هناك من دخل الى روحه او حركها او ألهبها وانه يأتي هو من آخر. غير ان هذا النتاج لا يمكن ان يكون إلهيا ما لم يكن ملتصقا بالحقيقة والسمو. الفاسد خلقيا لا ينتج شعرا عظيما او قولا حلالا. علّمَنا الإغريق ألّا نفصل بين الحقيقة والخير والجمال. قلمك بديع ان كانت نفسك بديعة عندما تنتج. لذلك كان التأليف الجميل ثمرة التوبة او طريقا اليها. قد يكون فيك شوق الى البهاء الروحي فتضعه كلمات او تكون بعد تمزق ملت الى الله فتعبّر عن روحه بكلمات بشرية.

#           #

#

            السؤال الاخر الذي يطرحه الناس كثيرا: لمن تكتب؟ عندي جواب بسيط وجواب اكثر تعقيدا. اذا اتخذت موقف المعلم لفئة الصغار او فئة اكبر ولكنها ليست عظيمة الثقافة تضع الكلمات القادرة هذه الفئة ان تستوعبها اي يكون أسلوبك التربوي كثير الوضوح وتبسّط الكلمات والتركيب حتى الشفافية الكاملة الانك اخترت ان تكون مربيا او اختار لك ذلك وضعك. وتبقى مع ذلك عندك لعبة القلب والعقل فتبقى لك نفحات القلب ضمن تغليب العقل المربي. واذا لم يكن عندك قلب ملتهب لا ينفع عقلك في حال ولكنك تحاول تطويع الشعور للفكر بعد ان اخترت التبليغ رسالة لك.

            أما الشق الاكثر تعقيدا في السؤال فينشأ اذا اخترت نخبة من القراء وقدرت انك تستطيع ان تبلغهم ما شئت تبليغه. مع ذلك قيل لابي تمام: لماذا تكتب ما لا نفهم؟ أجاب لماذا لا تفهمون ما أكتب؟ هناك تمرين على البلاغة وعلى امتصاص الكلمة ان شئت على الا تفوت عن نفسك الجمالات.

            اما اذا أحس الكثيرون انهم لا يفهمون هذا مبدئيا يشعر ان الكثافة الوجدانية فيك بلغت مبلغا لا تقرب منها الكثافة الوجدانية عند بعض من قرائك. وقد يعثر بعض منهم على مفردات لا يعرفونها او على تركيب لجملك لم يألفوه. لذلك وضع العرب شروحا لدواوين كبار شعرائهم ظانين ان تحويل الشعر الى نثر يقرب القارئ من الفهم. عندي ان هذا يساعد قليلا لان الشارح ولو استطاع ان يوضح المفردات الا انه لا يستطيع ان ينقل لك الحالة الشعرية. لذلك كان السؤال الحقيقي: كيف تتقبل؟ هل تكون هيأت نفسك لدخول الحالة الشعورية عند من كَتب؟ هل صرت انت من طبيعة هذا الذي كتب؟

            الحقيقة ان الذي أبدع حقيقة كلامه لا يستطيع ان يخلق الجنين الذي فيه، فيأتي الكلام بلا افتعال ولا يكتب عند ذاك كمجرد معلم للأطفال او من كان تجاوز الطفولة الفكرية. يكتب لانه أحس ويرصف كلماته طاعة لما أوحي اليه ويعرف ان غير ذلك إسفاف. عند الوجدانيات العميقة لا يكتب الكاتب لجمهور محدد. ولكنه طبعا يتوخى التواصل بعد ان عجز ان يكبت ما في نفسه، فتأتي نفسه كما نحتها الله كتابة، ويبقى عند القراء ما يبقى وقد ترث قلة ما أعطيت وتنقله بأسلوبها للآخرين او تطلع الاجيال الآتية فتفهم.

            واحيانا يذهلك ان من نسمّيهم بسطاء يصلون الى عمق قصيدة او ما يشبه القصيدة لان قلوب هؤلاء تكون قد فتحت عقولهم لتتلقى، وكأن المسألة لم تبقَ مسألة فئوية اذ الاصطفاف ليس دائما اصطفاف كتل عقلية بل كتل روحية. ان ذلك سر لا نستطيع سبر غوره حقا.

            لذلك لك ان تصبح قادرا لتحسس نص يضعه مَن اختلف عنك بالمعتقد او بالمذهبية الشعرية او النثرية اذ يدق الموضوع والمرصوف باب فهمه وتنشأ وحدة بينك وبين قارئ يكون على الضفة الاخرى من المعتقد او المذهب الفني لان هناك عمقا واحدا عند المتحضرين او المؤمنين بالقيم العليا التي توحد نفوسهم والنص. هناك انصهار روحي مهيأ بين نفس الكاتب وإدراك القارئ، ذلك اذا كان النص على كثير من الوضوح عند من ألّف واذا كانت نفس القارئ على هذا الوضوح.

            انا من أتباع الوضوح اذ لا بد من جسر بينك كاتبا وبين من يقرأك اي اذا كان هناك بلورية مشتركة، لان الغموض لا يصل اذ لا بد من شيء من المعقولية لتخاطب القلوب ولا يكفي ان يرمي علينا الاديب انفعالاته لتبلغ نفس القارئ. المضمون المعقول يبلغ من وجب إبلاغه. هذا لا مفر منه اذا اعتقدت ان نفسك حاملة رسالة.

#               #

#

            الشيء الآخر الذي لا بد لي من قوله في هذا السياق ان الكاتب يجب ان تكون نفسه موحَّدة انا اقول مع ربها وقد اقول موحَّدة بالقيم. والذي لا يحيا هذه القيم او كانت نفسه معطوبة فليس عنده ان يعطي شيئا. يقدم ظاهر الكلام وألفاظا قد تكون جميلة على الصعيد الاستاطيقي ولكنها لا تقع جميلة في النفس فلا تجملها. واذا لم تستلم حلاوة داخلية لا يكون القائل حاملا هذه الحلاوة.

            سؤال آخر طرحته قديما على نفسي غير مرة وهو ما الفن؟ هل هو نتيجة تمزق داخلي او ألم، وهل الالم وحده ناطق ام للفرح ان يكون ناطقا؟ مررت طويلا بهذه المسألة حتى نبّهني احد ان المتصوفين عندنا وعند المسلمين اهل فرح بالله، وفهمت ان الله الذي في هؤلاء أعظم شاعر. الحلاج لم يكن ممزقا او متعبا. القديس سمعان اللاهوتي الحديث في بيزنطية لم يكن ممزقا ولا متعبا. واستطيع ان اذكر غير هذين ففهمت انه اذا كان من ألم داخلي عند شاعر فلا يستطيع ان ينتج شيئا عظيما الا اذا وضع نفسه في حالة الخروج من الالم. أفهم ان الالم يصدر عنه صرخات شعرية، ولكني اعرف ايضا ان الفرح يصدر عنه تنهدات تأتي من الاقتراب من الله وان كان لا بد من لعبة شعرية يلبسها فرحه. نبقى في السر الكامل.

            غير اني ابقى حزينا بعد أن أمست البشرية عندنا وعند الآخرين قليلة الإنتاج للشعر او ما يشبه الشعر وصارت مسطحة الإدراك للكلمة الوجدانية. هل نحن تحت تأثير الصورة وبتنا في حضارة الصورة وهل أغلق الكتاب؟ لا أفقد أملي بأن الكتاب لا يموت وان التكنولوجيا المصورة لن تسعدنا الى الابد. انا واثق ان الصورة التي تردنا وحدها لا تنقل الينا النفس المعذبة او النفس الفرحة وان الإنسانية بعد هذه السكرة لا بد لها ان تستيقظ لتتمتع بالكلمة الجميلة تلك الناقلة للحق، ذلك لان الصورة وحدها لا تحرر والحق يحرر.

            انا لست ضد الكتابة ان كانت غاية في التبسيط فهي لها منافع لاوساط كثيرة، ولكن الكلمة الملهمة اذا انبثقت عن الكيان الداخلي عميقة براقة فيها دائما تكليم وان الحقيقة التي في كل انسان متنور تتقبلها. من يعطيني ان  تكون مجموعات من البشر أفاض الله عليهم نورا قادرة ان تتحرك داخليا وان تسمو وتتطهّر.

            والقارئ الكبير يصير ما يقرأ، فإن قرأت ما هو عظيم تصبح بدورك ما انت قارئ. إن علماءنا في الاسكندرية في القرن الثالث للميلاد لما ابتغوا ان يشرحوا كلام المسيح: »انا خبز الحياة« قالوا انما هذا الخبز هو كلمة الحياة. سعيك اذًا ان تفتش عن كلمات  تحيا بها. هناك في البشر من له ان يعطي كلمة حياة اذا هو بلغها كائنا ما كانت طريقته في الاداء. قد يكون فقيرا في اللفظ ولكنه اذا تفوه بكلمة نارية تصبح فيك نارا ونورا.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

مولد يوحنا المعمدان/ الأحد في 24 حزيران 2007 / العدد 25

الواضح من قراءة الأناجيل الأربعة أنها تخصص نصوصا طويلة عن القديس يوحنا السابق (لمجيء المسيح) والصابغ (والصبغة بالعربية هي المعمودية). وهو من القلائل جدا الذين لهم عيد مولد. بعض القديسين نعرف تاريخ وفاتهم او استشهادهم، ويوم الشهادة نعتبره يوم مولدهم الحقيقي. لعل تخصيص فصول كاملة ليوحنا مرتبط بأن أول بشارة السيد: «توبوا فقد اقترب ملكوت السموات» هي إياها التي نادى بها يوحنا، أَم كون يوحنا دلّ على السيّد بقوله: «هذا هو حَمَلُ الله الحامل خطايا العالم» وتاليا تنبأ عن صلبه مباشرة كما لم يفعل نبي قبله بهذا الوضوح، أَم السبب يعود الى كون الثالوث القدوس قد ظهر على نهر الأردن فيما كان يعمّد السيّد، أَم ان السبب هو ان يوحنا آخِر نبي في العهد القديم الذي كان موته صورة عن موت السيد. هذه كلها أسباب تجعلني أُقدّر ما دعا الإنجيليين كلهم الى أن يتحدثوا عنه بهذا المقدار.

الفصل المتلوّ اليوم مؤلف من ثلاثة مقاطع جمعتها الكنيسة من مطلع إنجيل لوقا، ونسبها هذا الى التراث الشفهي السابق لكتابته. تقصّى هذه الأمور ولا سيما ان لوقا لا يعرف ما يتعلّق بيوحنا مباشرة لكونه كان أنطاكيًا اي من خارج فلسطين، ولكنه أراد ان يؤكد انه تقصّى عن هذه الأمور مِن الذين سبقوه في كنيسة اورشليم.

روى ما حدث لزخريا والد يوحنا، وذكر ان هذا المولد فيه تدخل إلهي ويُسمّيه الولدَ المنتظَر يوحنا وهي تعني ان الله حن،ّ ولا شك ان الاسم يتجاوز الشخص الى الدور الذي سيلعبه في كشف المسيح للناس. ولهذا السبب يكون عظيما. وهذا الكلام هو من جبرائيل الملاك نفسه الذي بشّر مريم. وهو يشبه والدة الله بأن الملاك قال عنه «ويمتلئ من الروح القدس»، والملاك قال لأم يسوع الشيء نفسه لما سمّاها الممتلئة نعمة.

الجانب السياسي في شخصيته انه يتقدم امام الرب «بروح ايليا وقوّته» أي بحماسة ايليا وشجاعته. ذاك قاوم آخاب الملك، وهذا قاوم هيرودس الملك. ولا مبرر لأن نقول كإحدى الطوائف في بلدنا ان ايليا تقمّص في يوحنا المعمدان. «بروح ايليا» تعني بفضائل ايليا ونفسيّته وأسلوبه في تحدّي العظماء ولا سيما ان اليهود لم يكونوا يعتقدون في التقمّص.

وما شدد عليه لوقا ان أليصابات أصرّت على ان يُدعى يوحنا ولم تتشاور وزوجها حول هذه التسمية لأن زخريا قد صار أبكم، وما عرف الناس رأيه باسم ابنه الا بعد ان أعطوه لوحًا فكتب الاسم ذاته، وعند لوقا هذا يعني ان الاسم جاء للولد بوحي إلهي لزخريا وامرأته.

اذ ذاك انفتح فم الرجل ولسانه. وهو بدوره امتلأ من الروح القدس، وايمان كنيستنا ان أنبياء العهد القديم يحلّ عليهم الروح القدس ليكتبوا. ولذلك نعتبر كلاً من الستة عشر نبيًا الذين وضعوا 16 كتابا قديسين، ويُسمّى المسيحيون بأسمائهم.

في صلاة زخريا يقول: «انه افتقد وصنع فداء لشعبه». معنى ذلك ان زخريا كان يتكلم عن المسيح، لأن المعمدان لم يصنع فداء لشعبه، وتنبأ عن ابنه قائلا: «انكَ تسبق امام وجه الرب لتعِدّ طرقه»، وكأن هنا لوقا يشير الى نبوءة إشعياء التي اتخذها الإنجيل: «أعدّوا طريق الرب».

بعد هذه النبوءة، ينهي لوقا الانجيلي قوله عن الصابغ بهذا الكلام: «اما الصبي فكان ينمو ويتقوّى بالروح» ويريد هنا الروح القدس. ثم يقول: «وكان في البراري الى يوم ظهوره لإسرائيل» اي الى الفترة التي عمّد فيها الشعب. هذا هو الجانب البتولي عنده، وكان هذا النوع من النسك معروفا عندهم ولو قليلا.

العيد العظيم لقديسنا يبقى طبعا عيد قطع رأسه. اذ ذاك ظهر مجد الله فيه.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

من هم عظماؤك؟ / السبت 23 حزيران ٢٠٠٧

كل منا له مثال يعظمه او يقتدي به لان كل إنسان له تصوّر للأعلى او للأسمى. فعظيمك الانسان الجميل او الغني او السياسي او المثقف او القديس. قل لي من عظيمك أقل لك من أنت. هذه هي طريقة لامتحان قلبك امام الحقيقة.

                 انا أفهم ان تحب الجمال. هذا شيء لا يحيد عنه الابرار اذا استقلّوا روحيا عن هذا العالم ولكنه مسعى باطل اذ لا تقدر كما قال السيد ان تزيد على قامتك ذراعا واحدة، ان تقصّر مثلا أنفك الضخم او ان تغيّر لون عينيك. لا تستطيع ان تقتدي بالآخر تشريحيا ولو اقتديت بالاناقة. حتى هذه لا  تُكتسب اكتسابا اذ تحتاج الى ذوق فيك. ثم ما يعني الجمال وما هي فائدته في العمق؟ اذا سحرت الصبية بذكاء مفرط او سمو خُلق تستغني عن فتنة جسدها. خذ مسافة من المنحوت البشري لانه ليس مكان لقاء حق. هذا سر الله في مخلوقاته وليس لك فيه شيء.

                 راقب إعجابك لان كل إعجاب التزام كما علّمني مرة بطريركي السيد اغناطيوس الرابع. ما تتأمّله اعرف مداه واحتشم في الكلام لان انفراط الكلمة يؤدي الى التفرّط بالعمل ودع الله وحده يسرّ بخلائقه.

                 بقوة هذا الخطر اغراء نفسيتك بالمال هذا الذي قال الله عنه انه ينافسه في الربوبية وقال فيه بولس مفسّرا: «محبة المال أصل كل الشرور». الاكتناز فرصة عشق والعشق له مكانة موقتة في نمونا العاطفي حتى ينتهي بالزواج. اما استمراره فمصدر اضطراب او خلل مقيم حتى يضربه الله بنعمة من عنده. هذه شهوة عدّها آباؤنا من الشهوات المؤذية. اذا أدركت سلطانك على المال وجعلته لا شيء في عينيك فتَدبَّر امره بمشاريع عظيمة او أغدقه بالإحسان. عندئذ يعظم في عينيك الكريم من اصحاب الثراء لان هذا يكون قد صار محبا ويكون قد تحرر من رؤية نفسه ذا كرامة خاصة.

                 انا ما قلت لك الا تجتهد لتحصيل الثروة بالطرق المشروعة. ولكن اذا لم يحصل هذا فتبقى على بهائك الروحي وعلى فهمك وتأكل خبزك بعرق جبينك وتكتفي بما تيسّر اي ما أتاك من يسر الله.

                 خشيتي من الوفرة لانها باب السلطة والسلطة طريق الى التسلط. اذ ذاك انت معبود. واذ ذاك اخشى عليك منافسة الله. خوفي ان تشتهي ان يتوسّلك الناس وان يتملّقوا حولك اشتهاء منهم لبعض مما عندك. عند ذاك لا يقيمون معك علاقة انسان بإنسان لانك قد صرت فرصة لشهوتهم وقطعت حقا علاقة القلب بالقلب.

                 في كل هذا اسهر على استقلالك عما بين يديك، عما تعطيه وما تأخذه واسعَ فقط الى انسكاب قلبك في قلوب الآخرين بالوداعة غير مقتحم أحدا تجد ميزانا لاستعمال المال. هذا يهديك الى العطاء والعطاء يزيدك محبة.

#          #

#

                 اما السياسة عندنا فهي، في واقعها، ويلة الويلات وان كان لا بد منها، وفي العالم اجمع هي كابوس على من يقوم بها ان كان مستقيما، وتجاورها اخطار كثيرة في الديموقراطيات اذا انحزب الناس ام لم ينحزبوا. ان يكون عندك سلطة وتمارسها بلا شهوة فأمر يكاد يكون مستحيلا. انا لست اقول ألا تتسيس ففي هذا خدمة للبلد، ولكن اعرف الا تدوس الناس وان تخاصم بشرف، بلا شتيمة ولا شماتة من اجل علو البلد ونقائه وقوته. قد لا يكون شيء فيه ترهب مثل النشاط السياسي. قد عرفنا ممن تبوأ أعلى سلطة في لبنان كادت طهارته تبلغ حد القداسة وفهم شعبنا في أويقات ان خدمة البلد في الإدارة والقضاء والجندية ممكنة نقاوتها. جل ما اوحي به اليك الا تتزلّف فالزلفى امام انسان آخر تقزّم. اجتنب هذا وكن مرفوع الرأس في دنياك اي مطأطئه امام الله وحده.

                 صعوبة المواطن العادي ان تقويمه للوضع السياسي يتطلّب معرفة كبيرة بما يجري وهذا لا يتوفّر الا لقلّة. والصعوبة الثانية في البلدان الصغيرة التأثّر بعوامل المنفعة الخاصة والطائفية وما اليها وهذا فيه بعض من خوف. وهذا ليس غريبا عن بلدان كبيرة. فعندما تتبّعت الانتخابات الرئاسية الاخيرة في فرنسا لاحظت ان عناصر كثيرة في الاختيار لم تكن دائما اسبابا سياسية واقتصادية وما اليها ولكن كان ثمة عناصر عاطفية كثيرة لا تمتّ الى الفحص السياسي بصلة.

                 كن في كل هذا داعية خير وداعية فهم وتحاب بين الطوائف وأقرب الى الوفاق ولو كان في الوفاق بعض من تسويات تخسر انت فيها ونحن لا نعرف دائما الاقْوَم اذ السياسة في الاخير تجربة وان باتت ضمن الاخلاق. تحصن بهذه واعرف وفي بلدنا لا تتبع الذي يقوم لك بخدمة شخصية فله فيها حسابات، ولكن انتصر لمن اختبرته محبا للبلد ساعيا اولا الى وحدته. من هنا انك تستطيع بما هو ممكن ان تستقل عن الدوافع العاطفية ليبقى ميزانك صحيحا.

                 واذا علمت ان معرفتك بهذا الزعيم او ذاك خيبتك فليكن لك خيار آخر وليس في التغيير عيب لاني اقول لك ايضا اننا في السياسة في عالم التجربة. هذا يذكرني بما قلته لقسس بريطانيين جمعني بهم مؤتمر ديني عندهم منذ ستين سنة. قلت لهم لماذا تعدون الشعوب بخيارات لكم وتغيّرون مواقفكم؟ قالوا نحن لا نكذب ولكنا نجرب واذا اخفقت التجربة نحاول أخرى. انا افهم هذا الموقف في لبنان فلا تتحزب بسبب من علاقاتك او عائلتك او طائفتك او كتلة كنت فيها، ولكن حصّل ما استطعت من الوعي الوطني واختر ودقّق في حسن اختيارك فترة بعد فترة ولا تعشق اي زعيم بعمى حتى يتبين لك الخيط الابيض من الخيط الاسود.

                 فوق الجميل والغني والسياسي نموذج المثقف عملا بقول الإمام علي: الفهم، الفهم. فقلّة التحصيل سبب لخلل في السلوك والخيارات والعصبيات. كان برغسون الفيلسوف الفرنسي يقول انت لا تستطيع ان تعرف لغة وتبغض شعبها. فالمعرفة تذيقك جمالات العقل وغنى الحضارات، وكلما عظمت تزيدك إحاطة بالكون كله فيستقيم ميزان القيم عندك فتتحوّل الثقافة الى قدرة في دنياك وربما كشفت لك عظمة الله وتجعل لك ذوقا رهيفا وغالبا ما قادتك الى تهذيب كلامك واستقامة تعاطيك وتبطل عندك الكسل. انها ليست كثرة معارف. هي تنوّع في المعارف ينزل الى القلب وكثيرا ما طهرت الاخلاق، فالمثقف الكبير لا يكذب لابتغائه الموضوعية ولا يتحزّب لنفسه في النقاش ويُسلم للحقيقة اذا انكشفت.

                 احيانا يتفاخر المتعلّم بعلمه ولكن الشائع ان المثقفين متواضعون ليقينهم بأن علومهم اكتسبوها من الاسلاف وقد بنوا شخصيّتهم بتعب كبير. وما من شك ان الجهل مؤذٍ ولا يعوّض عنه الا البر العظيم.

                 هذا يقودني الى قناعة لا تتزعزع ان اعظم البشر هم القديسون وهم قلة عزيزة. انها قداسة الله فيهم. فاذا تشبهت بهم تصبح منذ الآن انسانا من الملكوت. ان تقهر شهواتك المضرة في دنياك هو إعلان السماء انك صعدت اليها. هو فرح الله بك ليقود خطاك على الدرجات العلى من السمو. الكون يحفظه الابرار كما يوحي بذلك الكتاب الإلهي.

                 هذه الدنيا المتعثرة خطاها، الرازحة تحت خطاياها لا ينقذها الا الطاهرون وهؤلاء لا يزحزحهم إغراء مهما عظم ولا يتعصّبون لمخلوق ويهمهم فقط ان يجيئوا في كل قرار لهم من كلمة الله. هؤلاء وحدهم يعرفون كيف يتصرفون بالمال والسياسة والثقافة وكل مجال من مجالات الوجود. وهم احرار من الغنى اذا كان لهم ومن الفقر اذا كان نصيبهم ولا يفرحهم العلم، وان اضطروا الى معاملة السلاطين فلا يحابونهم وقد يوبخونهم او يلومون باتضاع. انهم ليسوا خارج هذا العالم اذ يأكلون ويشربون ويلبسون ولكن لهذه كلها صلة بقلوبهم.

                 انهم يحبون حرية الناس جميعا بلا تفريق مذهبي ويسعون الى الحق كائنا ما كان قائله ويرون خيرا كثيرا في كل الديانات ويعترفون بذلك بلا وجل، وسرهم العميق ان لا  حد لمحبتهم ولا تمييز لهم بين انسان وانسان في الحب، فاذا جعلتهم نماذج لك ذكرهم وحده ينقذك من الضلال لأن دأبهم ان يجعلوا الله في عقلك ونفسك والخيارات. واذا انشددت اليهم تنشد الى كيانك العميق حيث يتكلم الله ويحيي.

                 واذا جئت من هذا النموذج بعد اهتداء تكتسب حرية الحق، وبعد الهدى لك ان تنصرف الى العلم الكثير والى شيء من البحبوحة ان شئتها والى نشاط وطني حلال وخلاق. القداسة وحدها جمال الانسان في دنياه وآخرته.

كل منا له مثال يعظمه او يقتدي به لان كل إنسان له تصوّر للأعلى او للأسمى. فعظيمك الانسان الجميل او الغني او السياسي او المثقف او القديس. قل لي من عظيمك أقل لك من أنت. هذه هي طريقة لامتحان قلبك امام الحقيقة.

                 انا أفهم ان تحب الجمال. هذا شيء لا يحيد عنه الابرار اذا استقلّوا روحيا عن هذا العالم ولكنه مسعى باطل اذ لا تقدر كما قال السيد ان تزيد على قامتك ذراعا واحدة، ان تقصّر مثلا أنفك الضخم او ان تغيّر لون عينيك. لا تستطيع ان تقتدي بالآخر تشريحيا ولو اقتديت بالاناقة. حتى هذه لا  تُكتسب اكتسابا اذ تحتاج الى ذوق فيك. ثم ما يعني الجمال وما هي فائدته في العمق؟ اذا سحرت الصبية بذكاء مفرط او سمو خُلق تستغني عن فتنة جسدها. خذ مسافة من المنحوت البشري لانه ليس مكان لقاء حق. هذا سر الله في مخلوقاته وليس لك فيه شيء.

                 راقب إعجابك لان كل إعجاب التزام كما علّمني مرة بطريركي السيد اغناطيوس الرابع. ما تتأمّله اعرف مداه واحتشم في الكلام لان انفراط الكلمة يؤدي الى التفرّط بالعمل ودع الله وحده يسرّ بخلائقه.

                 بقوة هذا الخطر اغراء نفسيتك بالمال هذا الذي قال الله عنه انه ينافسه في الربوبية وقال فيه بولس مفسّرا: «محبة المال أصل كل الشرور». الاكتناز فرصة عشق والعشق له مكانة موقتة في نمونا العاطفي حتى ينتهي بالزواج. اما استمراره فمصدر اضطراب او خلل مقيم حتى يضربه الله بنعمة من عنده. هذه شهوة عدّها آباؤنا من الشهوات المؤذية. اذا أدركت سلطانك على المال وجعلته لا شيء في عينيك فتَدبَّر امره بمشاريع عظيمة او أغدقه بالإحسان. عندئذ يعظم في عينيك الكريم من اصحاب الثراء لان هذا يكون قد صار محبا ويكون قد تحرر من رؤية نفسه ذا كرامة خاصة.

                 انا ما قلت لك الا تجتهد لتحصيل الثروة بالطرق المشروعة. ولكن اذا لم يحصل هذا فتبقى على بهائك الروحي وعلى فهمك وتأكل خبزك بعرق جبينك وتكتفي بما تيسّر اي ما أتاك من يسر الله.

                 خشيتي من الوفرة لانها باب السلطة والسلطة طريق الى التسلط. اذ ذاك انت معبود. واذ ذاك اخشى عليك منافسة الله. خوفي ان تشتهي ان يتوسّلك الناس وان يتملّقوا حولك اشتهاء منهم لبعض مما عندك. عند ذاك لا يقيمون معك علاقة انسان بإنسان لانك قد صرت فرصة لشهوتهم وقطعت حقا علاقة القلب بالقلب.

                 في كل هذا اسهر على استقلالك عما بين يديك، عما تعطيه وما تأخذه واسعَ فقط الى انسكاب قلبك في قلوب الآخرين بالوداعة غير مقتحم أحدا تجد ميزانا لاستعمال المال. هذا يهديك الى العطاء والعطاء يزيدك محبة.

#          #

#

                 اما السياسة عندنا فهي، في واقعها، ويلة الويلات وان كان لا بد منها، وفي العالم اجمع هي كابوس على من يقوم بها ان كان مستقيما، وتجاورها اخطار كثيرة في الديموقراطيات اذا انحزب الناس ام لم ينحزبوا. ان يكون عندك سلطة وتمارسها بلا شهوة فأمر يكاد يكون مستحيلا. انا لست اقول ألا تتسيس ففي هذا خدمة للبلد، ولكن اعرف الا تدوس الناس وان تخاصم بشرف، بلا شتيمة ولا شماتة من اجل علو البلد ونقائه وقوته. قد لا يكون شيء فيه ترهب مثل النشاط السياسي. قد عرفنا ممن تبوأ أعلى سلطة في لبنان كادت طهارته تبلغ حد القداسة وفهم شعبنا في أويقات ان خدمة البلد في الإدارة والقضاء والجندية ممكنة نقاوتها. جل ما اوحي به اليك الا تتزلّف فالزلفى امام انسان آخر تقزّم. اجتنب هذا وكن مرفوع الرأس في دنياك اي مطأطئه امام الله وحده.

                 صعوبة المواطن العادي ان تقويمه للوضع السياسي يتطلّب معرفة كبيرة بما يجري وهذا لا يتوفّر الا لقلّة. والصعوبة الثانية في البلدان الصغيرة التأثّر بعوامل المنفعة الخاصة والطائفية وما اليها وهذا فيه بعض من خوف. وهذا ليس غريبا عن بلدان كبيرة. فعندما تتبّعت الانتخابات الرئاسية الاخيرة في فرنسا لاحظت ان عناصر كثيرة في الاختيار لم تكن دائما اسبابا سياسية واقتصادية وما اليها ولكن كان ثمة عناصر عاطفية كثيرة لا تمتّ الى الفحص السياسي بصلة.

                 كن في كل هذا داعية خير وداعية فهم وتحاب بين الطوائف وأقرب الى الوفاق ولو كان في الوفاق بعض من تسويات تخسر انت فيها ونحن لا نعرف دائما الاقْوَم اذ السياسة في الاخير تجربة وان باتت ضمن الاخلاق. تحصن بهذه واعرف وفي بلدنا لا تتبع الذي يقوم لك بخدمة شخصية فله فيها حسابات، ولكن انتصر لمن اختبرته محبا للبلد ساعيا اولا الى وحدته. من هنا انك تستطيع بما هو ممكن ان تستقل عن الدوافع العاطفية ليبقى ميزانك صحيحا.

                 واذا علمت ان معرفتك بهذا الزعيم او ذاك خيبتك فليكن لك خيار آخر وليس في التغيير عيب لاني اقول لك ايضا اننا في السياسة في عالم التجربة. هذا يذكرني بما قلته لقسس بريطانيين جمعني بهم مؤتمر ديني عندهم منذ ستين سنة. قلت لهم لماذا تعدون الشعوب بخيارات لكم وتغيّرون مواقفكم؟ قالوا نحن لا نكذب ولكنا نجرب واذا اخفقت التجربة نحاول أخرى. انا افهم هذا الموقف في لبنان فلا تتحزب بسبب من علاقاتك او عائلتك او طائفتك او كتلة كنت فيها، ولكن حصّل ما استطعت من الوعي الوطني واختر ودقّق في حسن اختيارك فترة بعد فترة ولا تعشق اي زعيم بعمى حتى يتبين لك الخيط الابيض من الخيط الاسود.

                 فوق الجميل والغني والسياسي نموذج المثقف عملا بقول الإمام علي: الفهم، الفهم. فقلّة التحصيل سبب لخلل في السلوك والخيارات والعصبيات. كان برغسون الفيلسوف الفرنسي يقول انت لا تستطيع ان تعرف لغة وتبغض شعبها. فالمعرفة تذيقك جمالات العقل وغنى الحضارات، وكلما عظمت تزيدك إحاطة بالكون كله فيستقيم ميزان القيم عندك فتتحوّل الثقافة الى قدرة في دنياك وربما كشفت لك عظمة الله وتجعل لك ذوقا رهيفا وغالبا ما قادتك الى تهذيب كلامك واستقامة تعاطيك وتبطل عندك الكسل. انها ليست كثرة معارف. هي تنوّع في المعارف ينزل الى القلب وكثيرا ما طهرت الاخلاق، فالمثقف الكبير لا يكذب لابتغائه الموضوعية ولا يتحزّب لنفسه في النقاش ويُسلم للحقيقة اذا انكشفت.

                 احيانا يتفاخر المتعلّم بعلمه ولكن الشائع ان المثقفين متواضعون ليقينهم بأن علومهم اكتسبوها من الاسلاف وقد بنوا شخصيّتهم بتعب كبير. وما من شك ان الجهل مؤذٍ ولا يعوّض عنه الا البر العظيم.

                 هذا يقودني الى قناعة لا تتزعزع ان اعظم البشر هم القديسون وهم قلة عزيزة. انها قداسة الله فيهم. فاذا تشبهت بهم تصبح منذ الآن انسانا من الملكوت. ان تقهر شهواتك المضرة في دنياك هو إعلان السماء انك صعدت اليها. هو فرح الله بك ليقود خطاك على الدرجات العلى من السمو. الكون يحفظه الابرار كما يوحي بذلك الكتاب الإلهي.

                 هذه الدنيا المتعثرة خطاها، الرازحة تحت خطاياها لا ينقذها الا الطاهرون وهؤلاء لا يزحزحهم إغراء مهما عظم ولا يتعصّبون لمخلوق ويهمهم فقط ان يجيئوا في كل قرار لهم من كلمة الله. هؤلاء وحدهم يعرفون كيف يتصرفون بالمال والسياسة والثقافة وكل مجال من مجالات الوجود. وهم احرار من الغنى اذا كان لهم ومن الفقر اذا كان نصيبهم ولا يفرحهم العلم، وان اضطروا الى معاملة السلاطين فلا يحابونهم وقد يوبخونهم او يلومون باتضاع. انهم ليسوا خارج هذا العالم اذ يأكلون ويشربون ويلبسون ولكن لهذه كلها صلة بقلوبهم.

                 انهم يحبون حرية الناس جميعا بلا تفريق مذهبي ويسعون الى الحق كائنا ما كان قائله ويرون خيرا كثيرا في كل الديانات ويعترفون بذلك بلا وجل، وسرهم العميق ان لا  حد لمحبتهم ولا تمييز لهم بين انسان وانسان في الحب، فاذا جعلتهم نماذج لك ذكرهم وحده ينقذك من الضلال لأن دأبهم ان يجعلوا الله في عقلك ونفسك والخيارات. واذا انشددت اليهم تنشد الى كيانك العميق حيث يتكلم الله ويحيي.

                 واذا جئت من هذا النموذج بعد اهتداء تكتسب حرية الحق، وبعد الهدى لك ان تنصرف الى العلم الكثير والى شيء من البحبوحة ان شئتها والى نشاط وطني حلال وخلاق. القداسة وحدها جمال الانسان في دنياه وآخرته.

كل منا له مثال يعظمه او يقتدي به لان كل إنسان له تصوّر للأعلى او للأسمى. فعظيمك الانسان الجميل او الغني او السياسي او المثقف او القديس. قل لي من عظيمك أقل لك من أنت. هذه هي طريقة لامتحان قلبك امام الحقيقة.

                 انا أفهم ان تحب الجمال. هذا شيء لا يحيد عنه الابرار اذا استقلّوا روحيا عن هذا العالم ولكنه مسعى باطل اذ لا تقدر كما قال السيد ان تزيد على قامتك ذراعا واحدة، ان تقصّر مثلا أنفك الضخم او ان تغيّر لون عينيك. لا تستطيع ان تقتدي بالآخر تشريحيا ولو اقتديت بالاناقة. حتى هذه لا  تُكتسب اكتسابا اذ تحتاج الى ذوق فيك. ثم ما يعني الجمال وما هي فائدته في العمق؟ اذا سحرت الصبية بذكاء مفرط او سمو خُلق تستغني عن فتنة جسدها. خذ مسافة من المنحوت البشري لانه ليس مكان لقاء حق. هذا سر الله في مخلوقاته وليس لك فيه شيء.

                 راقب إعجابك لان كل إعجاب التزام كما علّمني مرة بطريركي السيد اغناطيوس الرابع. ما تتأمّله اعرف مداه واحتشم في الكلام لان انفراط الكلمة يؤدي الى التفرّط بالعمل ودع الله وحده يسرّ بخلائقه.

                 بقوة هذا الخطر اغراء نفسيتك بالمال هذا الذي قال الله عنه انه ينافسه في الربوبية وقال فيه بولس مفسّرا: «محبة المال أصل كل الشرور». الاكتناز فرصة عشق والعشق له مكانة موقتة في نمونا العاطفي حتى ينتهي بالزواج. اما استمراره فمصدر اضطراب او خلل مقيم حتى يضربه الله بنعمة من عنده. هذه شهوة عدّها آباؤنا من الشهوات المؤذية. اذا أدركت سلطانك على المال وجعلته لا شيء في عينيك فتَدبَّر امره بمشاريع عظيمة او أغدقه بالإحسان. عندئذ يعظم في عينيك الكريم من اصحاب الثراء لان هذا يكون قد صار محبا ويكون قد تحرر من رؤية نفسه ذا كرامة خاصة.

                 انا ما قلت لك الا تجتهد لتحصيل الثروة بالطرق المشروعة. ولكن اذا لم يحصل هذا فتبقى على بهائك الروحي وعلى فهمك وتأكل خبزك بعرق جبينك وتكتفي بما تيسّر اي ما أتاك من يسر الله.

                 خشيتي من الوفرة لانها باب السلطة والسلطة طريق الى التسلط. اذ ذاك انت معبود. واذ ذاك اخشى عليك منافسة الله. خوفي ان تشتهي ان يتوسّلك الناس وان يتملّقوا حولك اشتهاء منهم لبعض مما عندك. عند ذاك لا يقيمون معك علاقة انسان بإنسان لانك قد صرت فرصة لشهوتهم وقطعت حقا علاقة القلب بالقلب.

                 في كل هذا اسهر على استقلالك عما بين يديك، عما تعطيه وما تأخذه واسعَ فقط الى انسكاب قلبك في قلوب الآخرين بالوداعة غير مقتحم أحدا تجد ميزانا لاستعمال المال. هذا يهديك الى العطاء والعطاء يزيدك محبة.

#          #

#

                 اما السياسة عندنا فهي، في واقعها، ويلة الويلات وان كان لا بد منها، وفي العالم اجمع هي كابوس على من يقوم بها ان كان مستقيما، وتجاورها اخطار كثيرة في الديموقراطيات اذا انحزب الناس ام لم ينحزبوا. ان يكون عندك سلطة وتمارسها بلا شهوة فأمر يكاد يكون مستحيلا. انا لست اقول ألا تتسيس ففي هذا خدمة للبلد، ولكن اعرف الا تدوس الناس وان تخاصم بشرف، بلا شتيمة ولا شماتة من اجل علو البلد ونقائه وقوته. قد لا يكون شيء فيه ترهب مثل النشاط السياسي. قد عرفنا ممن تبوأ أعلى سلطة في لبنان كادت طهارته تبلغ حد القداسة وفهم شعبنا في أويقات ان خدمة البلد في الإدارة والقضاء والجندية ممكنة نقاوتها. جل ما اوحي به اليك الا تتزلّف فالزلفى امام انسان آخر تقزّم. اجتنب هذا وكن مرفوع الرأس في دنياك اي مطأطئه امام الله وحده.

                 صعوبة المواطن العادي ان تقويمه للوضع السياسي يتطلّب معرفة كبيرة بما يجري وهذا لا يتوفّر الا لقلّة. والصعوبة الثانية في البلدان الصغيرة التأثّر بعوامل المنفعة الخاصة والطائفية وما اليها وهذا فيه بعض من خوف. وهذا ليس غريبا عن بلدان كبيرة. فعندما تتبّعت الانتخابات الرئاسية الاخيرة في فرنسا لاحظت ان عناصر كثيرة في الاختيار لم تكن دائما اسبابا سياسية واقتصادية وما اليها ولكن كان ثمة عناصر عاطفية كثيرة لا تمتّ الى الفحص السياسي بصلة.

                 كن في كل هذا داعية خير وداعية فهم وتحاب بين الطوائف وأقرب الى الوفاق ولو كان في الوفاق بعض من تسويات تخسر انت فيها ونحن لا نعرف دائما الاقْوَم اذ السياسة في الاخير تجربة وان باتت ضمن الاخلاق. تحصن بهذه واعرف وفي بلدنا لا تتبع الذي يقوم لك بخدمة شخصية فله فيها حسابات، ولكن انتصر لمن اختبرته محبا للبلد ساعيا اولا الى وحدته. من هنا انك تستطيع بما هو ممكن ان تستقل عن الدوافع العاطفية ليبقى ميزانك صحيحا.

                 واذا علمت ان معرفتك بهذا الزعيم او ذاك خيبتك فليكن لك خيار آخر وليس في التغيير عيب لاني اقول لك ايضا اننا في السياسة في عالم التجربة. هذا يذكرني بما قلته لقسس بريطانيين جمعني بهم مؤتمر ديني عندهم منذ ستين سنة. قلت لهم لماذا تعدون الشعوب بخيارات لكم وتغيّرون مواقفكم؟ قالوا نحن لا نكذب ولكنا نجرب واذا اخفقت التجربة نحاول أخرى. انا افهم هذا الموقف في لبنان فلا تتحزب بسبب من علاقاتك او عائلتك او طائفتك او كتلة كنت فيها، ولكن حصّل ما استطعت من الوعي الوطني واختر ودقّق في حسن اختيارك فترة بعد فترة ولا تعشق اي زعيم بعمى حتى يتبين لك الخيط الابيض من الخيط الاسود.

                 فوق الجميل والغني والسياسي نموذج المثقف عملا بقول الإمام علي: الفهم، الفهم. فقلّة التحصيل سبب لخلل في السلوك والخيارات والعصبيات. كان برغسون الفيلسوف الفرنسي يقول انت لا تستطيع ان تعرف لغة وتبغض شعبها. فالمعرفة تذيقك جمالات العقل وغنى الحضارات، وكلما عظمت تزيدك إحاطة بالكون كله فيستقيم ميزان القيم عندك فتتحوّل الثقافة الى قدرة في دنياك وربما كشفت لك عظمة الله وتجعل لك ذوقا رهيفا وغالبا ما قادتك الى تهذيب كلامك واستقامة تعاطيك وتبطل عندك الكسل. انها ليست كثرة معارف. هي تنوّع في المعارف ينزل الى القلب وكثيرا ما طهرت الاخلاق، فالمثقف الكبير لا يكذب لابتغائه الموضوعية ولا يتحزّب لنفسه في النقاش ويُسلم للحقيقة اذا انكشفت.

                 احيانا يتفاخر المتعلّم بعلمه ولكن الشائع ان المثقفين متواضعون ليقينهم بأن علومهم اكتسبوها من الاسلاف وقد بنوا شخصيّتهم بتعب كبير. وما من شك ان الجهل مؤذٍ ولا يعوّض عنه الا البر العظيم.

                 هذا يقودني الى قناعة لا تتزعزع ان اعظم البشر هم القديسون وهم قلة عزيزة. انها قداسة الله فيهم. فاذا تشبهت بهم تصبح منذ الآن انسانا من الملكوت. ان تقهر شهواتك المضرة في دنياك هو إعلان السماء انك صعدت اليها. هو فرح الله بك ليقود خطاك على الدرجات العلى من السمو. الكون يحفظه الابرار كما يوحي بذلك الكتاب الإلهي.

                 هذه الدنيا المتعثرة خطاها، الرازحة تحت خطاياها لا ينقذها الا الطاهرون وهؤلاء لا يزحزحهم إغراء مهما عظم ولا يتعصّبون لمخلوق ويهمهم فقط ان يجيئوا في كل قرار لهم من كلمة الله. هؤلاء وحدهم يعرفون كيف يتصرفون بالمال والسياسة والثقافة وكل مجال من مجالات الوجود. وهم احرار من الغنى اذا كان لهم ومن الفقر اذا كان نصيبهم ولا يفرحهم العلم، وان اضطروا الى معاملة السلاطين فلا يحابونهم وقد يوبخونهم او يلومون باتضاع. انهم ليسوا خارج هذا العالم اذ يأكلون ويشربون ويلبسون ولكن لهذه كلها صلة بقلوبهم.

                 انهم يحبون حرية الناس جميعا بلا تفريق مذهبي ويسعون الى الحق كائنا ما كان قائله ويرون خيرا كثيرا في كل الديانات ويعترفون بذلك بلا وجل، وسرهم العميق ان لا  حد لمحبتهم ولا تمييز لهم بين انسان وانسان في الحب، فاذا جعلتهم نماذج لك ذكرهم وحده ينقذك من الضلال لأن دأبهم ان يجعلوا الله في عقلك ونفسك والخيارات. واذا انشددت اليهم تنشد الى كيانك العميق حيث يتكلم الله ويحيي.

                 واذا جئت من هذا النموذج بعد اهتداء تكتسب حرية الحق، وبعد الهدى لك ان تنصرف الى العلم الكثير والى شيء من البحبوحة ان شئتها والى نشاط وطني حلال وخلاق. القداسة وحدها جمال الانسان في دنياه وآخرته.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

إنجيل اليوم/ الأحد في 17 حزيران 2007 / العدد 24

«سراج الجسد العين» التي تفتتح هذه القراءة تعني روح الإنسان وقدرته الأدبية. فإن كانت عينك بسيطة، لا بغض فيها لأحد، فجسدك اي كيانك يكون كله نيّرا. وإن كانت عينك شريرة، أنانية، كل شخصيّتك تكون كذلك. «واذا كان النور فيك ظلاما فالظلام كم يكون»، اذ كانوا يعتقدون قديما ان النور كان في العين. اذ ذاك انت كلك ظلام.

بعد هذا يقول السيد: «لا يستطيع احد ان يعبد ربين»، ويريد بالربين: الله والمال. المال في خدمتك وليس معبودك. هذا يذكّرنا بالمثل الشعبي: «ما بتقدر تحمل بطيختين بيد واحدة». المال اذا صرت عبدا له يأخذ كل قواك ولا يجعلك تطلب شيئا آخر وتحبه على كل الناس. تتشاجر مع زوجتك او إخوتك وأخواتك وأولادك من اجل المال. بالضرورة عاشق المال بخيل ويبخل على اقرب الناس اليه. ويتفاخر بما عنده، ويعتبر نفسه عظيمًا ونافذًا وقويًا. ويريد أن يدور الناس حوله. والرذيلة التي تتبع عشق المال هي حب التسلّط.

غير أنك لا تستطيع أن تتحرر من هذه العبودية إلا اذا أنفقتَ كثيرا على المحتاجين. لهم حق في مالك لأنك أنت مؤتمن عليه ائتمانا لكي يتمتع به المحروم والمريض الذي ليس عنده ثمن الدواء والتلميذ الفقير الذي لا يقدر اهله ان يدفعوا عنه أقساط المدرسة. هؤلاء جميعا إخوتك ومثل اولادك وقد فّوضك الله أمرهم. فاذا جاءك المال حلالا يكون نعمة لكي تتصرف بها في سبيل الآخرين فيصبح لهم نعمة. واذا جاءك حرامًا فمن باب اولى ان توزعه حتى لا تتكاثر خطاياك.

ويكمل يسوع فكره بقوله: «لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون». انه لم يَدْعُنا أن نهمل السعي الى اللباس والطعام والشراب، ولكنه نهانا عن ان يصبح هذا همّا لنا. اجتهد انت حسب واجبك لك ولعائلتك والفقراء. لذلك يتابع فكره بقوله: «أليست النفس أفضل من الطعام، والجسد افضل من اللباس؟». وهو يقصد ان العناية بحياتك الروحية وإنماء فضائلك تأتي بالدرجة الأولى، وبعد ذلك تأتي العناية بالأمور الدنيوية.

ويعطينا مثلا من عالم الطير: «انظروا الى طيور السماء فانها لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء وأبوكم السماوي يقوتها». الكلمة الأساسية هنا «لا تخزن». اجل في الحياة الاقتصادية العصرية لا بد من ان تحزن فيكون لك حساب في المصرف لتسند نفسك وعائلتك اذا هبط المستوى الاقتصادي، ولكن قم بهذا وانت غير محب للمال بل محب لعائلتك والناس. لا تفرح بأي شيء تقتنيه. لك الحق ان تفرح لأنك تحسب انه لك عطاء تقوم به. لا تفرح بالكسب ولكن بالعطاء.

ثم يقول: «من منكم اذا اهتم يقدر ان يزيد على قامته ذراعا واحدة؟». لا يمنعنا السيد عن السعي ولكنه يمنعنا عن القلق. كذلك لا تخشَ الموت. لعلّ الموت أهم شيء مقلق يخافه تقريبا جميع الناس الا المتأصلون بمحبة الرب تأصلا كبيرا. طبعا راعِ صحّتك، ولكن لا ينشغل بالك بها حتى الاضطراب. اطلب معالجة الأطباء، ولكن لا تمت همّا قبل ان تموت. انت لا تستطيع ان تقدّم الموت او تؤخّره. كنْ واثقًا بالرب، واطلب ان يكون الى جانبك في ساعات الاحتضار، لمعرفتك ان المسيح هو القيامة والحياة. اذا عشت معه تنحلّ كل العقد المتعلّقة بالطعام والمسكن والمعيشة كلها، وتكون مستعدا ان تفارق هذه الحياة وانت مطمئن الى الحياة الأبدية.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

لبنان الرجاء / السبت ١٦ حزيران ٢٠٠٧

                     لبنان الأبيض كما يعني اسمه في اللغات الشرقية يلبسونه السواد لتتغيّر حقيقته. من يضع المتفجّرات؟ انه مرجع واحد لا ريب في ذلك وليس مرجحا ان نعرفه واذا كان هاما لن نبوح باسمه ولا سيما ان التحقيق سري وبين التحقيق والمحاكمات يمضي وقت طويل. والوتيرة التي تمت فيها التفجيرات الأخيرة تنبئ بأن ثمة خطة موضوعة لمعاقبة هذا البلد وإضعافه ليسكت ولدفع ابنائه الى الهجرة. شيء ما يزعج بعضا في وجود هذا البلد وفي تمتّعه بالحرية وتلاقي أطيافه على السلام. ولن يعرف ذوونا القتلة. هذه حرقة في النفوس يريدها المجرمون لأن من شأنها زرع الخوف وإشاعة الفقر وشل الحركة الاقتصادية وتاليا اليأس من محاولات الوفاق الوطني الذي نبتغيه وربما أمل الفتنة بين الكتل السياسية المتخاصمة او بين طوائف.

                     هذا يذكّرني بالكتاب العظيم الذي وضعه السفير الصديق عادل اسماعيل عن الوثائق الدبلوماسية التي كانت تصدر لقناصل الدول منذ بضعة قرون الى عواصم بلادهم وقد أثبت المؤلف ان اهل البلد لم يزرعوا الفتنة مرة فيما بينهم وان الأجانب كانوا دوما يضعونها. لست أعلم اذا تغيّر المشهد الآن ولكن عندنا على الأقل التأكيد الجازم الا تقوم فتنة بين الشيعة والسنة والقناعة على ان المسيحيين لن يباشروا بالقتال بعد ان ضعفت شكيمتهم في حروب متتالية وانهم مصممون على ملازمة لبنان وفيه يجدون فرحهم.

                     الشدة الكبرى عند كل لبناني انه غير محفوظ وانه مرشح للموت في كل حين. لذلك صار يغلق محله باكرا ويلغي أحيانا سهراته ليحل محل ذلك القلق الدائم على نفسه وعلى اولاده بما يحمل ذلك من هزات نفسية وتمزقات داخلية تقود الى الاتهامات وضعف الثقة بعودة السلام. الناس باتوا كلهم على المحك وعلى اننا مسيّرون بقدر أعمى وأخطر ما فيه عدم الفهم وعدم المعنى لضعف الايمان بالانفراج.

                     انه لمن الصعوبات الكبرى ان تحس ان بلدك مستهدف وانك انت شخصيا معرض للموت وكذلك أولادك. السؤال المرعب الذي سمعته الأسبوع الماضي في برنامج «كلام الناس» هو سؤال نسيبة ضابط ذبحه واحد من »فتح الإسلام« لماذا قتل نسيبي؟ كيف تعالج غشاوة على القلب وضعها مجرم مأجورا كان ام غير مأجور؟ هل يعرف هذا المرتكب قيمة الرباط العائلي عند قتيله؟ هل تنسحب الانسانية من الإنسان الى هذا الحد؟ هذه كلها اسئلة تقلقني وأحاول ضبط نفسي وكبت دموعي.

                     أظن ان المجرمين في هذه الأحوال عندهم قدر من علم النفس ويعلمون نتائج ما يفعلون ويبتغون اكل البلد بالتفتيت والتشرذم عله لا تقوم له قائمة. وهذا يسليهم حتى يأخذهم الطوفان هم ايضا. هذا هو انتقام الله.

#            #

#

                     يبدو اليوم ان ثمة حلولا سياسية في الآفاق او تمهيدا لحلول. ليس في الحياة السياسية ما يمكن تأكيده. لكن اذا سرنا الى شيء من الهدوء السياسي لا بد ان يترجم هذا هدأة امنية. الناس تعبوا أصلا من التخاصم بكل ألوانه ولكن اذا سرنا الى بعض من سلام نرجو ان يلقى شعبنا شيئا من الرجاء وألّا يخنقه يأس من مصير البلد ليلازمه ويجد راحة لنفسه. والله معطي الرجاء ولا بد ان يقوي ضعاف النفوس فيحسوا انهم غير متروكين وان الرحمة تأخذنا والدفء يعود الى عائلات بذهاب الخوف.

                     مررنا بتجارب كثيرة وبآلام رهيبة وأحسسنا ان كل رياح الأرض تذهب بنا وما فهمنا لماذا نحن موضع غضب او موضع بغض. هل الله معاقبنا ام ان الاشرار المنتشرين في الأرض هم المعاقبون. أفهم ان ترتجف القلوب ولكن شيئا لا يؤذي الإنسان مثل الخوف. »نجّنا يا الله من الدماء، يا إله الخلاص«. نجّنا من غرق البلد وتحطيمه البطيء والمبرمج. نحن نشتهي فقط ان ينطوي الشر، ان تعود الأفاعي الى أوكارها. نرجو الا ينكسر قلب ولا عظم والا تسيل قطرة دم وألا تدمع عين حتى نهنأ قليلا قبل ان نموت بهذا البلد الطيب السمح وبالأحبة اذا نجوا.

                     نرجو ألا تبقى بيروت «تبكي بكاء في الليل… أعداؤها مطمئنون… اسمع اني أتنهّد فليس من يعزيني» (مراثي ارمياء). بعد هذا النحيب الفاجع يقول النبي: «مراحم الرب لم تنتهِ لأن رأفته لا تزول… ثم يقول: «قالت نفسي: الرب نصيبي فلذلك أرجوه». الرب صالح للذين ينتظرونه». تنزه المراثي عن النبذ الإلهي ولكن صاحبها يتوجع في المرثاة الرابعة ويقول: «الأطفال طلبوا خبزا ولم يكن من يكسره لهم حتى قال ما يشبه حالتنا في لبنان: «كلّت عيوننا من ترقب نصرة باطلة». اما نحن فلنا نصرة هنا وثمة وارجو ان يتعاطى الزعماء السياسيون بلا ذل. الغرباء يعرفون ان البلد يشرف على الهاوية ولكن الغريب لا يستطيع ان يكون مدبرا لنا في غياب وحدتنا وتناقض الخيارات.

                     وينهي ارميا مرثاته الرابعة فيقول: «أنت يا رب ثابت للأبد وعرشك من جيل الى جيل ويبقى في الرجاء».

                     شيوخنا والكهول على عادتهم الموروثة في هذا البلد المؤمن يقيمون على الرجاء. نرجو ان يأتي اليه شبابنا التشبث بالأرض. لو لم يكن للبنان رسالة لما قلت لأحد هذا. فالتراب والزهر والشجر والحجر في كل مكان ولك ان تجوب الأرض حرا. ولكني اعتقد ان لنا في اجتماعنا دعوة الى سلام كل الشعوب والى تنوع المواهب فيها وتلاقي المواهب. ربما كان لكل طائفة خصوصية قائمة على بعض المزايا وتجمع الخصوصيات يصنع لبنان.

                     غير ان الرجاء الى الله يلقي علينا مسؤولية الصبر اذا طال العذاب والصبر ليس استكانة بسبب من هزيمة. فقد اوضح المفهوم بولس: «بالصبر والتعزية بما في الكتب يكون لنا رجاء» (رومية ٤:١٥) وبعد هذا توا يتكلّم على إله الصبر. انه اذًآ لفضيلة نازلة علينا من فوق وليس بمجرد جهد بشري. وعندما تنزل الهبة يعضدنا الرب لنكمل النفس بكل عمل صالح. ان الصابرين على هذا النحو هم  الذين يشددون الأمة حتى لا نقع جميعا.

                     فاذا رأيت فاجعة حريق ودمار على الشاشة فادعُ دعاءً حارًا من اجل الضحايا وذويهم وامنع عن نفسك الحزن الشديد لأنه يدمر النفس ولو كان لك بعض من الحسرات. ربما استطعت ان تحلل سياسيا ولكن يزداد التحليل صعوبة وهو يتطلّب مراسا طويلا وقد دنا المراس من الاختصاص.

                     اجعل نفسك في حالة الهدوء العلوي لئلا تنهار مع الضعاف واعلم ان صبرك يقوي ايمانك اذ تعترف فيه بقدرة الله على إنقاذ لبنان والشعوب الفقيرة المضطهدة. في الحقيقة لكل شعب وجعه ونصلي من اجل السلام فيها جميعا لأن في هذا خير الانسانية كلها. ربما عززت آلامنا منذ ثلاثين سنة تعلقنا بالوطن. هذا التعلّق الشديد هو الذي يبعد الأعداء ويجعلهم يعقلون على اننا لا نؤتي أحدا أذية اولا لأن ليس عندنا وسائل الأذى وثانيا لأننا على أخطائنا الكثيرة لا نعرف الكراهية.

                     ان رغبتنا الحقيقية، شعبا واحدا، ان نسالم حسب طاقتنا جميع الناس. نصبر في الضيق عسى الله يلهم مضايقينا ليتوبوا فيرتفعوا في حضرة ربهم. ونبقى غير غاضبين. ويساعدنا على هذا قرارنا ان نلازم السلام والطهارة ونظل حارين في الروح، عابدين الرب، نبارك ولا نلعن حتى يفهم الغبي ويرعوي.

                     أظن ان جميع الفرقاء عندنا تعبوا وانهم يسعون الى كلمة سواء على أمل ان يسود العقل ويطمئن الواحد الى الآخر بسبب من ثقة نرجو ان تستعاد لنفهم للمرة الأخيرة اننا في حاجة بعضنا الى بعض واننا نتوق ان نصير جماعة واحدة بالغفران والمحبة.

                     لقد حان وقت اليقظة. اذ ذاك نسلك بلياقة كما في النهار. ارجو ان يكون الليل قد تناهى كما يقول الكتاب وتقارب النهار. دعائي ان نصير جميعا أبناء النهار بقوة واحدة وان نرى الجمالات الروحية عند الاخرين لنتمكن من رسم لوحة واحدة للوطن فنقبل خصائص الغير ومواهبه والعظام في حياة الروح متقاربة مواهبهم.

                     اذ ذاك تقوى لغة القلب على لغة السياسة المتفذلكة ونسلك تلك السياسة التي عرّفها أرسطو على أنها تدبير المدينة الواحدة من قبل الأحرار. رجائي الا يكون بيننا عبيد لهؤلاء عند أبي الفلسفة اليونانية لا يحق لهم ان يشتركوا في الحكم. الحر حر حتى ينسجم مع الحر الآخر ليرتفعا معا الى قدسية السياسة الكبرى التي هي في نهاية محبة نازلة من عند ربك.

Continue reading

Popular posts

البلد / السبت 20 تموز 2013

أنت وليد البلد ولست فقط مولودًا فيه. أنت تجيء من تاريخ ومن حاضر. ان كنت من لبنان أو مشرقيًا أنت محمول في ثناياك ومشاعرك وتطلعاتك. أنت محدود بالبلد وحامله...