2008, مقالات, نشرة رعيتي

صبر القديسين/ الأحد 22 حزيران 2008 / العدد 25

كلمة قديس في العهد الجديد تعني كلّ معمّد، وتعني بنوع خاص عند بولس المؤمنين في أورشليم الذي كان معظمهم فقيرًا. وبعد هذا خضعت الكلمة للدلالة على الذين رأت الكنيسة انهم في الملكوت أو الفردوس والمدعوين بعد القيامة العامة ان يشاركوا الله في مجده السماوي.

الراقدون في المسيح ينتظرون الغبطة الكاملة، ولكنهم حيث هم على اتصال بالله بالصلاة ويشفعون لأجلنا لأننا وإياهم كنيسة واحدة. الفرق بيننا وبينهم اننا نحن لا نزال في الجهاد وهم أكملوا جهادهم ويرقدون في سلام الرب ويفيض الرب بأدعيتهم نعمته علينا.

ليس ان القديسين كانوا كاملين على الأرض. الرب قال: «كونوا كاملين كما إني أنا كامل»، والكمال ان نسعى إلى الكمال كما قال القديس غريغوريوس اللاهوتي، هو الا نرتضي ميولنا السيئة وان نكافحها باستمرار الصلاة وقراءة الكلمة وان نفحص قلوبنا دائما، أإلى الرب تتجه ام الى ملذات هذا العالم ومجده الباطل وكبرياء الحياة؟

المهم الا نصالح خطايا نعرفها ونعرف الدواء لها، وان نطيع كل ما قاله يسوع، وان نعتبر ان هذا يتطلّب جهدًا موصولا فلا يأتي يوم نجاهد فيه ويوم نتوانى، فإننا إن تكاسلنا نألف الكسل وندل على ان حبّنا للرب ليس أهمّ شيء في حياتنا.

انت مهندس او طبيب او فلاح او تاجر، هذه كلها مهن ليست صميم حياتنا. هي اهتمامات على طريق سعينا الوحيد الى الله. أانت متزوّج ووالد، فهذه لا تكون شيئا حسنا ان لم تكن خطوة الى الرب.

انت تأخذ اليه كل فكرك وكل نشاطك. واذا أصابتك مشقات فاعلم انها طريقك الى الرب اذا واجهتها بصبر اي بالاتكال على النعمة التي تجعلك تتحملها بصبر القديسين. ليس من واحد بيننا لا يحمل المشقات التي تأتيه من بيئته او احوال الكنيسة واحوال البلد او تأتيه من نفسه.

الحياة ليست جنينة ترتاح فيها. لا راحة في هذا العالم ان كنت مسؤولا عن زرع كلمة الله في بيتك ومع اصحابك والأعداء.

الحياة كلها طريق إلى الله نتربّى عليها ان نسير ليس فقط إلى مصالحنا ولكن إلى الرب الساكن في نفوسنا إن ربيناها على معرفته. واذكر ان السيد قال عن نفسه انه هو الطريق والحق والحياة. بمعنى ان ليس طريق آخر وحق يناقض المسيح او حياة أخرى تأتينا من اللهو.

واعلم ايضًا انك بالصبر والقدوة الصالحة تقود غيرك إلى القداسة. القداسة عمل مشترك بين المؤمنين الذين يتساندون في اتجاههم الواحد إلى المسيح. وهذه المشاركة بينهم نسمّيها الكنيسة. انها الجماعة التي يقدّسها المسيح. واذا لمستَ في نفسك إهمالا للمسيح فعُد اليه بالإنجيل الذي فيه كل الخلاص.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

فرج أو انفراج / السبت 21 حزيران 2008

ليس من شيء يُسمّى في الحقيقة انفراجًا لأن الكلمة تعني تغيرا سيكولوجيا حدث من ذاته او بسبب من ظرف خارجي قلب الوضع النفسي. ليس هناك آلة سيكولوجية او ضربة تحدث تغييرا في النفس لا يقع تحت تفسير العقل وكأن القوى النفسية تسيل فينا من ذاتها فتنصب فيما بينها لإحداث انقلاب داخلي.

الانسان لا يتفرّج على داخل ذاته متوقّعا انفراجًا بعد محنة او حزن او ضيق أعمق يصل الى حد التفجّع. ميل الناس ان ينهوا أحزانهم باللهو بما فيه الرياضة البدنية او قراءة الصحف والكتب او الاستماع الى الموسيقى ولا سيّما الى غناء الطرب في بلادنا. هذا ارجاء لحل العقدة او تعتيم عليها لأننا لا نريد ان نفحص قلوبنا. الفحص متعب ويتطلّب جدية كبيرة وتخليا عن موقف او تبديلا لقناعة. لذلك نقف امام العقدة ونحجبها على عين النفس الفاحصة، خوفا من الحقيقة.

الحقيقة تعرّينا وهذا ما سيفعله الرب في اليوم الأخير. تلك هي الدينونة. ليس اننا لا نعرف خطايانا. ولكنا اذا وقفنا في حضرة الله يخيفنا الاعتراف وهو يصرّ على ان يجعلنا امام الحقيقة التي قضينا كل حياتنا نتجاهلها. الانسان يحب ذاته بصورة مرضيّة ويكره نقدها امام مرآة الحقيقة. يلهو الإنسان لينسى ولا يريد ان يقتنع بأنه لا يستطيع ان ينسى. فالحزن يحزّ في نفسه وهو لا يكرهه بالضرورة. لذلك يهرب منه باللهو الذي هو تغطية أنانية لما يوجعنا. يقنع نفسه بأنّه اذا حاد عن وجعه باللهو ينفرج ولا شيء فيه ينفرج لأن ذاته هي ذاته واللهو يأتي هو به من خارج النطاق المضيء في نفسه.

الحزن نتيجة الصدمة. موت عزيز صادم لأنك تكره الفراق اذ الطبيعة لا مكان فيها للفراغ. الطبيعة تلاحم، وحدة، قران داخلي مع من تحب. «ويكون الاثنان جسدًا واحدًا» اي كيانا واحد بالتعبير العصري. هذا قيل عن اتحاد الرجل والمرأة ولكن يصح في العلاقة بين صديق وصديق. وتحل فيك محنة كبيرة اذا افترق عنك الصديق او الحبيب ولا سيّما لسبب لا تعرفه ويرميك في العزلة والعزلة ليست من طبيعة البشر. ويشتدّ الحزن اذا كان الشوق شديدا. أصعب الأشياء أن يكون الآخر رماك بعزل لا تفهم سببه. واذا فهمت تغدو أقرب الى الغفران والى لحمة تجعلها في نفسه وإن رفض الآخر اللحمة تعيش وحدك صداقة مكسورة. وكل إنسان مكسور.

# #

#

والأصعب من كل ذلك تنقّل الآخر بين المودّة والانفصال ولا تفهم لماذا هذا فيه وانت لم تعطِ الا الحب وفي هذا تأويل كبير. العزلة الكبرى ان تبقى في اللافهم لرغبة الآخر في تحطيمك. وعليك، اذ ذاك، ان تقبل وتضرع الى الله حتى يرشد ذاك الذي أحزنك. وترجو سلامًا فيه ليعود الى نفسه وانت لا تطلب عشقًا ولكنك تطلب للآخر راحة تعود عليك براحة. وقد تموت او يموت الآخر وهو منفصل وليس لك الا الرأفة به بعد ان غادر هذا الوجود. وربما لقيته الرحمة فوق. وقد يفهم في الفردوس ما لم يستطع فهمه على هذه الأرض.

الحياة كلّها انقطاعات ودم غير منظور ويؤذيك ان الآخر لا يفهمك وقد تكون محبة كاملة ولكنه على كل المصادر الروحية التي قرأها الآخر لا تنزل الى أعماقه ولا تنزل الى حقيقة سلوكه لأنه لم يفهم او تحجّر حتى لا يفهم لكونه آثر موقفه المؤذي على إمكان انفتاحه ولا يضمّك اليه بلا شرط.

# #

#

هناك قوم يعيشون بلا حب يتدفقون به وإن كانوا يطلبون ان يكونوا هم موضوع الحب. الحب يؤخذ او يعطى بقرار وهكذا الكراهية. هناك نفوس تعيش على الكراهية لأنها ضعيفة، هشّة ويوسوس لها الشيطان بأن تتلحّف بكرهها ظنّا منها أنها به تتحصّن. من ابتغى هذا التحصّن المصطنع ليس عنده قدرة على الانفتاح اي على قبول الآخر على انه الحصن الحقيقي.

الراسي عليهم البغض يطلبون الانفراج اي انهم يتكلّمون على صدفة ترفع عنهم وطأة البغضاء. ولكن ليس في مسرى حياتنا صدفة. كل أشياء النفس لها قواعدها واللهو لا يريح. انه يرجئ حل العقد وهي لا تنحلّ من عامل خارجيّ. النفس هي المكان الوحيد الذي تحلّ فيه العُقَد. والعقدة لا تزول من ذاتها.

وهنا وددت أن أقول أن التحليل النفسي يكشف لك أسباب الانغلاق ولكنه ما ادّعى يوما انه يجعلك انسانا صالحا. هو يبيّن لك وضعك وعليك انت ان عرفته ان تتخلّى عن المحزنات التي تسبّبها لنفسك وللآخر وهذا قرار نسمّيه التوبة اي الرجوع الى وجه الله الذي فيك لأن الطب النفساني يحلل فقط ولكنه لا يعطيك الدواء. يبيّن لك فقط ان الدواء ممكن ويتركك لنفسك لتقبل شفاء ليس هو كامنا فيها ولكنه يأتي من آخر. لذلك قلت ان ليس من انفراج في ذات النفس ولكن هناك فرج ينزل عليك من فوق. فرج اذًا لا انفراج. الانفراج ثمرة لتدخّل الله فيك.

اللهو اذًا ليس بشيء. الفرج النازل عليك من نعمة الرب يجعلك وحده قابلا للخروج من حزنك لاقتبال الفرح الذي الله مصدره. الحزن يزول اذا قبلت ان تعطى فرحًا إلهيا يترجم نفسه فيك راحة وسلامًا. لك ان تلهو قليلا عن الضغوط النفسية ولكن الضغوط قد تتراكم. ذلك ان الرب وحده اذا تحنن عليك يعطيك شيئا من ذاته اذا كانت نفسك منحنية تحت الأحزان او اذا كرهت. ولا حرية من الكراهية الا اذا حلّت محلّها المحبّة التي ليس الإنسان أصلها. يجب ان ترى الله فهو يراك دائما وينعطف ولك ان تتقبّل هذا العطف لعلمك بضعفك من جهة ومن قوّة الله من جهة. لا، ليس من انفراج. هناك الفرج الذي يحدثه الخالق فيك وهو الذي يجعلك وحده خليقة جديدة في بساطة إحساسك بما يتدفّق عليم من السماء.

النفس اذا بقيت على حدودها وبشريّتها ليس فيها شيء. الله العليم بالوطأة التي عليك يرحمك ويجعل فيك منزلا له اذ هو يكشف لك انك حبيبه وحسبك. وقد تبقى مع الله وحده وحسبك هذا. وهو الذي يدفعك الى اقتبال من أغضبك اذ يعيّنك طبيبًا له. وهذا لا تؤتاه بالعتاب ولكنك تؤتاه بالمحبة المجّانية اي تلك التي لا تطلب شيئا لنفسها وتطلب كل شيء للآخرين ليكونوا في سلام.

مع ذلك قد تبقى وحيدًا وانت مع كل الناس لأنهم فيك بالمحبّة التي تحبهم بها والمحبة التي تغدقها على الآخر هي مبدئىا نار تضعها على رؤوسهم فيهتدوا ولكنهم قد لا يهتدون لأنهم أصرّوا على الانفصال وعليك ان تقبل هذا ولا يزيد حزنك وتسلّم الناس الى ربّهم وتسترحمه لأجلهم مهما فعلوا بك. لا تفحص ما يجري في قلوبهم لأن ثمّة ما يسمّيه بولس سرّ الإثم والإثم قد يقلق الخطأة الى الأبد ويظنّون أنهم يحيون به وهم قد ماتوا وقد لا تعطى انت ان تقيم نفوسهم من الموت. تسلّمهم الى الله والى حنانه الذي يدبرهم من فوق. وانت تقيمهم في دعاء لهم موصول حتى يروا ما أنت راءٍ فيقيمنا ربّك جميعًا من وطأة الموت.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

الثرثرة/ الأحد 15 حزيران 2008 / العدد 24

يوم العنصرة «كان الرسل كلّهم معا في مكان واحد فامتلأوا كلّهم من الروح القدس» وأخذوا يتكلّمون بلغات مختلفة ولكن بكلمة الله وبعظائم الله. الوحدة بين المؤمنين تكون بكلمة الله. ومن لا يتكلّم بها يكون ثرثارًا.

والثرثرة هي التكلّم على أخطاء الغائبين وكشف عيوبهم فينشر السوء وينتهك صيت الناس بالنميمة وينشئ فتنة بين الناس وهي تثير الأحقاد التي قد تطول. وأبو الفتنة هو الشيطان الذي معناه المفرّق. عمل الشيطان أن يهدم المحبّة بهذه الطريقة في حين ان المؤمنين هم معا في المسيح يسوع.

طبعا قد ترى الإنسان الآخر حاملا خطايا كثيرة. كنْ شجاعًا وفاتحه بذلك. ولك ان تكشف السيئات الى من كان له الحق بمعرفتها مثلا ان تقول لصاحب عمل ان موظّفًا عنده قد سرق. ولكن مَن ليست وظيفته أن يعرف لا ينبغي أن يعرف. ولكن أن تجلس في محفل وتفضح هذا وذاك من البشر فنميمة إن كانت التهمة صحيحة ويكون افتراء إن كان الخبر كاذبًًا. وفي الحالتين هذا الكلام خطيئة.

الصمت أفضل موقف ويأتي بعده اللوم او التوبيخ على النميمة والافتراء. أنت لا تستأصل الشر عند أحد إن تكلّمت ضدّه. هذا يزرع فيه حزنًا شديدًا وتهتك صيتًا له حسنًا. وقد يدوم مفعول النميمة والافتراء طويلا ويبقى صيت الآخر قذرًا، وقد يلازمه الكلام السيء الذي قلته عنه الى آخر حياته.

نبش أسرار الناس ليس حقًا لأحد. لذلك لا يجوز ان تصدّق كل ما يُقال عن شخص آخر فهو لربّه الذي يدينه في اليوم الأخير. أنت استر عيوب الآخرين وأن تخشى كل فضيحة تفضح بها الآخرين ان قد تصيبك أنت فضيحة.

عيوب الناس مكشوفة لمعظم الناس، فماذا تنفعك الثرثرة وهي تنتشر وتُحدث فتنة بين الناس وقد لا تهدأ الفتنة. عوض ذلك اكشف حسنات الناس لأن ذلك يقرّب القلوب. أنا لست أقول قلْ عن الناس انهم قديسون، ولكن إن عرفتَ بحسنة فاكشفها لأن هذا ينقّي قلبك اولاً وقد ينقي الذين حولك. اقبل ان الدينونة حق الرب على الناس وليست حقًا لأحد وفق قول الرب: «لا تدينوا لئلا تُدانوا». واذا كان الله يستر كل أبنائه بستر جناحيه فامدد أنت جناحيك على الجميع لتستر عيوبهم فيسترك الله برحمته.

كثير من مجالسنا تقوم على الثرثرة اي على هتك الأعراض او على هتك السمعة الطيّبة. عفّة اللسان فضيلة كبرى. قال الرسول يعقوب: «إن كان أحد لا يعثر في الكلام فذاك رجل كامل» وقال أيضًا: «اللسان نار. عالم الإثم. هكذا جُعل في أعضائنا اللسان الذي يدنّس الجسم كلّه ويُضرِم دائرة الكون ويُضرَم من جهنّم». وقال أيضًا عن اللسان: «هو شرّ لا يُضبَط مملوء سُمًّا مميتًا. به نبارِك الله الآب وبه نلعن الناس الذين قد تَكوّنوا على شبه الله» (الإصحاح الثالث).

اذًا لا ثرثرة ولا فتنة إن كنتم محبّين للمسيح.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

المطران بولس (بندلي) / السبت ١٤ حزيران ٢٠٠٨

انتقل الى حنان الله الأسبوع الماضي مطران عكار الأرثوذكسي بولس بن اسكندر بندلي وأحسسنا ان النور الإلهي كان مرتسمًا على وجهه. أعرف الرجل منذ يفاعه متربّيا على أم بارة وفهيمة ومجاهدة، أخا لثلاثة أطباء ولدكتور في الفلسفة وهو مجاز في الفيزياء وكان مدير المدرسة الأرثوذكسية في ميناء طرابلس وملتزما بشأن الرب ومخافته في حركة تجدد روحي هي حركة الشبيبة الأرثوذكسية. هذا كان إطاره في علمانيته ثم جُعل كاهنًا في بشمزين الكورة اثنتين وعشرين سنة ومبشّرًا جوالا في قرى الشمال الى انتخابه مطرانا على أبرشية عكار الأعظم امتدادا في الكرسي الإنطاكي الأرثوذكسي. أن تكون مطرانا ليس ان تكون بالدرجة الأولى إداريا ولكن أن تكون أبا روحيا لكثيرين. وهذا ما كانه على خير وجه. وعلى عمق روحانيّته بنى في الحجر ما استطاعه.

                     غير أن اللافت فيه هو أخلاقه التي عزّ مثيلها. فقد كان هادئًا، كامل الهدوء لم يُسمع له صراخ في مجالسته الكهنة وغيرهم من الناس. وكلمة الله تخرج من فمه حلوة، دسمة في مواعظه وكتاباته وتعليمه اللاهوتي في البلمند. وهذا الهدوء لم يحل دون صلابته وتمسّكه بما كان يعتقده رأيا سليمًا. سره في هذا انه كان يشتهي الا يجرح احدًا ولا يصدم أحدًا مجانا. كانت سلطته في هيبته، في السلطان الإلهي الذي لم يحد عنه يوما والناس يتوقعون من الأسقف كلمة الله لا كلمات شهواته.

                     حاد عن السياسة كليا ولو اضطر أبويا أن يحضر هذا المهرجان او ذاك. وأنا ما كنت أعرف ان له فكرًا سياسيا واضحًا ولم أكلّمه في هذا الأمر لأني كنت أسعى الى تلك الكلمات التي كانت تصدر عنه لتربينا جميعا. لم يكن توجيه أبناء أبرشيّته سهلا بين يديه لأن التوجيه يتطلّب حوارًا حقيقيا بين المعلّم والمتعلّم اذ تكون بينهما لغة واحدة. هو كان الإنجيل مرجعيّته اي تعود اليه اذا تكلّمت وتفترض أن مكلّمك يعود اليه والذين يستلهمون حكمة الله ليسوا دائما مسلّمين بحكمة هذا العالم. وهاتان حكمتان تتصادمان في معظم الأحوال. ابن هذا الدهر يعتزل ابن الدهر الآتي لأن ابن هذا الدهر لا يريد ان تداخله حكمة الله اذ هو مرتاح الى المنافع التي يجنيها في هذه الدنيا التي هي مجال سلطانه. كل التاريخ مجال صدام بين الخير الذي تحمله قلّة وبين الشر الذي يحمله الأكثرون وليس من لقاء الا بهذا الشيء النادر الذي يسميه الكتاب التوبة.

#                      #

#

                     بهذا كان المطران بولس انجيليًا خالصًا يغتذي من الكتاب ببساطة ليحيا. ثم يوزّع كلمات هذا الإنجيل على العارفين والبسطاء فيصل الى القلوب المتعطّشة الى الله. غير ان الكثيرين الذين لم يقرأوا شيئا قالوا لنا انهم يعيشون من سلوكه اذ كان يجود على الجميع باحترام كامل إكبارًا في القوم كانوا ام موظفين عنده. لهم جميعًا توقير واحد ووداعة واحدة يسكب المسيح فيها على القوم جميعا.

                     والوداعة من أصعب الفضائل. تلتبس عند بعض مع الضعف حتى يروا فضيلة التواضع التي على خفرها تنكشف للجميع. والوداعة والتواضع اجتمعا في هذا الإنسان النادر. ولو طلب التواضع الإمّحاء الا انه يرفع الإنسان أمام وجه الله ووجوه الصالحين في هذا الوجود. والسر في المتواضع انه لا يعرف نفسه هكذا لأنه لا يزن نفسه بميزان ويدع الدينونة لله ويضع نفسه حتى في هذا العالم تحت الدينونة ولا يستطيع ان يرى نفسه شيئا اذ لا ينظر الى نفسه ولا يتمتّع الا بالنعمة اذا نزلت عليه ووعاها. وعندنا نحن الأرثوذكسيين انه يجب عليك ان تعي النعمة وان تشكر. المؤمن عيناه الى المقامات الإلهية التي منها يأتي عونه فهو أبدًا مخطوف وينزل الى الدنيا اذا أرسلته اليها النعمة. الأبرار عالم بحد نفسه له فهم خاص وقانون خاص ومن كان عن كل هذا غافلا لا يرى أعماق الأشياء لا في دينه ولا في دنياه.

#                    #

#

                     كان المطران بولس فقيرًا حتى العدم لأنه قرأ عند آبائنا ان مال الكنيسة ليس له ولكنه المؤتمن عليه فقط وانه حكما للمحتاجين ولم يكن له دخل شخصي ولا يتقاضى راتبًا ولا يأخذ هدية شخصية من المال وكل ما كان يُتبرع له كان يضعه في مؤسساته التربوية او الاستشفائية.

                     لا يكل ولا يتعب. يلبي كل حاجات المؤمنين على صعيد الأسرار المقدسة وهذا يتطلّب منه أحيانا كثيرة ان يعبر الحدود السورية اللبنانية غير مرة في اليوم ليقوم بالخدمات الروحية المطلوبة منه حتى لا يصدّ أحدًا ولا يُحزِن أحدًا. وكان يرحل من مطرانيّته أحيانًا كثيرة في تعزية يمكن إرجاؤها وذلك بسبب من الأبوة التي كان يحسّ بها لتبيان الود الذي ينفع دائما. من هنا وفي الموازنة بين طاقاته أقول انه كان بالدرجة الأولى رجل قلب والقلوب تأخذ بعضها من بعض والمشكلة أن عامة الناس يريدون ان يكون رئيس الكهنة قويا في الدولة، لصيقًا بالنافذين اي ان يكون في خدمة دنيوياته وغالبا ما لا ينتظرون منه الانسحاق لأن الانسحاق يناقضه الجبروت. ومن المعروف ان الجماعة الروحية القليلة العدد في البلد يعتم عليها وعلى أبنائها لأن الدولة دولة العدد. والأعزل او الفقير لا يفرض نفسه على ذوي المقامات ولو فرض نفسه على النفوس العطشى الى البرّ.

                     الكبار الكبار لا يخلفهم أحد لأنهم يقيمون في النفوس أجيالا تتوالى. لذلك لا ندفن الأسقف اليوم جالسا على كرسي كما في السابق. نمحوه في تابوت عادي. وعند اقترابنا من القبر ننزع عن رأسه التاج لأن الله بات وحده تاجه. ونضع على وجهه ستر القرابين بسبب تلك المحبة التي تجعلنا نشعر انه أمسى قربانا لله.

                     دُفن المطران بولس في كنيسة صغيرة إزاء دار المطرانية بعد أن قبّل الكثيرون يده وتبرّكوا هكذا بجثمانه الطاهر وهنا لا بد من أن أودع قارئي برواية حادثة سيارة كنا فيها معا. كنت تركت سيارتي في باحة المطرانية لنذهب معا الى صافيتا ونقيم قداسا وجنازا لأحد الأصدقاء. وعند عودتنا الى دارته أردت ان أعود بسيارتي الى بيتي في برمانا وأن اودّعه عند منزله. فأصرّ من اجل تهذيب فائق أن يرافقني الى طرابلس في سيّارته وعند اقترابنا من المنية في قضاء طرابلس عارضتنا شاحنة مخالفة الاتجاه وقد تضرّر هو من هذا الاصطدام كثيرا وأُجريت له غير عملية جراحية. لماذا كل هذا الود الذي كنت أعتقد انه لا فائدة من إظهاره؟ لماذا كل هذا اللطف او هذا الذوبان في اللطف الذي كنت أعرفه فيه. الروحانيون الكبار عندهم منطق خاص بهم.

                     وبعد أن ودّعناه قال الكثيرون هنا وفي الخارج ان لنا اليوم قديسا يشفع في هذه الكنيسة التي تبقى حاجتها الكبرى القداسة.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

قسوس الكنيسة/ الأحد 8 حزيران 2008 / العدد 23

يعود بولس للمرة الأخيرة من أوربا إلى فلسطين ووصل إلى ميليتس ولم يُكمل طريقه إلى أفسس في آسيا الصغرى خاشيًا ان يبطئ فيها لإصراره على أن يقضي العنصرة (اليهودية) في أورشليم.

وكان بولس يريد ان يلقي تعليمًا على كهنة أفسس المسمّين بهذه الترجمة قسوسًا ونبّههم على أن يسهروا على أنفسهم وجميع الرعية التي أقامهم الله عليها «أساقفة». أساقفة تعني رقباء، وكانت في الزمن الرسولي تدلّ على كل إكليريكي فوق درجة الشماس كاهنًا كان ام مطرانًا ثم انحصرت الكلمة للدلالة على رئيس الكهنة. ليس أنه لم يكن تمييز بين وظيفة الكاهن ووظيفة الأسقف، ولكن كلمة واحدة كانت تدل على رتبتين . اذًا هؤلاء كانوا مجرد كهنة.

وحذّرهم الرسول من الذئاب التي ستجيء من خارج الرعية او تظهر في الرعية نفسها ليقسموا الرعية ويجرّوا إليهم «زبائن». لذلك اسهروا وتذكّروا نصائحي. ثم استودعهم الله «وكلمة نعمته القادرة ان تبنيكم وتمنحكم ميراثا مع جميع القديسين» والمقصود بالقديسين جميع المؤمنين وبخاصة أهل أورشليم.

وأخيرا ذكّرهم بأنه لم يتقاضَ أجرًا او راتبًا من أيّة كنيسة وكان فقط يعمل بيديه خيامًا وليس فقط يعمل ولكنه يُحْسِن إلى الإخوة الفقراء بناء على قول الرب يسوع: «إن العطاء هو مغبوط أكثر من الأخذ». وهذا الكلام بولس نقله إلينا وهو غير وارد في الأناجيل.

«ولما قال هذا جثا على ركبتيه وصلّى» وبعد هذا أكمل طريقه إلى أورشليم لتبدأ محاكمته هناك ويُبعد الى روما ليحاكَم فيها ويموت في زمن الاضطهاد الأول او بعده بقليل.

اللافت عند بولس اهتمامه بجميع الكنائس، وكل كنيسة تختلف مشاكلها عن الثانية، وهو كان يستوعب في عقله وقلبه كل هذه الجزئيات. لذلك كان يكتب الى الكنائس أمورًا لاهوتية وتتعبه الشؤون الرعائية وهو فقير، فقير.

سيرة ولا ألمع، مليئة بمحبّته للمسيح وبترجمة هذه المحبة أفعالا وأتعابا من كل صنف حتى جاء وقت أدائه شهادة الدم.

مما يميّز هذا الفصل في الرسالة الى أهل أفسس اهتمام الرسول بتربية الكهنة انطلاقا من انهم رعاة لكنيسة الله التي اقتناها بدمه. كون الجماعة كنيسة الله، تتطلّب سهرًا دائمًا حتى لا يسقط أحد ولا يتهاون أحد لأن مَن أَحبّ كنيسة الرب وخِدْمتها لا ينام.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الشيخوخة / السبت 7 حزيران 2008

ليست الشيخوخة نهاية الا في الظاهر. قد تكون بدءًا جديدًا او بدءًا مجدّدًا هذا اذا اقتنعنا ان الجسم بعض من الإنسان وما هو كل الإنسان. الى ذلك فهناك نشاط ممكن تمهد له الرياضة البدنيّة والرياضة العقليّة قد تكون قويّة. للإنسان أن يفكّر أن رؤية الحقيقة ورؤية النور ممكنة في كل سن. لا ينبغي ان تصبح الشيخوخة انتظارًا للموت. فاستعدادنا له أمر إلهي في كل مرحلة من مراحل العمر.

كل عمر له بهاؤه فاذا كان الشباب زمن التوثب والرجاء الكبير فالرجاء ليس محصورًا في الفتوّة. واذا كانت الكهولة مرحلة النضج فالشيخوخة زمن الغفران وسعة الصدر وتخفف من كثير من الشهوات واعتبار الفانيات لأن الباقيات الصالحات تطل علينا بالمرحلة الأخيرة وهي تقبّل للنعمة وقدرة على المحبة والمحبة اسم الله بالذات كما يقول يوحنا الإنجيلي وتاليا هي ملامسة للسماء ودعاء لنيل بركاتها.

في البدء الشيخوخة تجمع خبرات وإفادة روحية منها اي تصفية لكل ما يعيق النعمة ان تسكن فينا. اجل هناك خطر الأحزان وخطر التحمّل للأعباء وان ينوء الإنسان تحت ثقلها ولكن للجسد ان ينهض اذ يستنهضه الله متى شاء ويجدده احيانا بالآمال كما يجدّد بها الشبيبة.

المراحل ليست منفصلة فالشيخ كثيرا ما يحمل التوثّب وانتظار سنوات غير معدودة فيها الحسنات التي كانت في الفتوة والكهولة بمعنى ان ليس مرحلة من العمر تنتهي فضائلها معها ولذلك كان الإنسان مدى في الزمان ويحيا على رجاء ولا ينقطع بالضرورة بالمرض والمرض له ان يكون مدة تطهير وسكينة وانطلاقة مجددة الى الله. والله يمدّنا بالعمر اذا حلا له ذلك ويستردّنا اليه لعلمه ان مساكن السماء مليئة بالفرح لأن «من مات قد تبرأ من الخطيئة» (رومية 6: 7).

يكسرنا الله أحيانا على مستوي البدن حتى يربينا بهذا الانكسار ويجعلنا بلوريين بسبب من الشفافية التي ينعم بها علينا واذا بالناس لا يرون هبوط البدن ولكنهم يرون البلور. والبلور في السماء يسمّى نورًا وهو يلامس النور الإلهي ويكاد يختلط به فيتكوّن النور الإلهي من مصدره اي الله وممن يشع عليهم فتكاد لا تميّز الرب عن الذين أحبوه.

#              #

#

الى هذا يحب الشيوخ ان نحبهم لكي تزداد حيويّتهم ويسعى الشباب الى حكمة الشيوخ وينكمشون بها فتخلط الأعمار بالمحبة المبدعة حتى نصبح إنسانية واحدة تقوم على وثبات تختلف أنواعها ولكن لا يختلف جنسها وهو المحبة.

اما اذا جاء الأجل وكان المسن صافيا فيستعد للقاء ربّه بالإيمان ان الأحسن ينتظره وانه ينتقل الى المجد. ليس هذا نهاية. هذه رياضة اخرى فيها النصر الأخير والمسن لا يحسّ بالانقطاع عن المكافأة التي تنتظره فهو عارف أن قلبه سيفعمه الحب الإلهي وان هذه العظام لا بد لها ان تقوم في اليوم الأخير. المؤمن انسان السفر ليس الى بعيد لأن السماء ليست بعيدة. انها قد حلّت في قلبه وأقامته في العزاء وهو في العمق ينتقل من نفسه الى نفسه التي سيحل فيها وجود أعظم يجدّدها.

لا شيء ينقطع فاذا كنت مسكن الله هنا سيكون هو مسكنك هناك اي اذا كنت واحدًا مع ربّك في دنياك ستظل واحدًا معه عنده وواحدا مع جماعة المخلَّصين. وتقيم هناك في الخيرات التي لا تُحصى ولا تُوصف. وهناك تكتمل اذا اقتربت هنا من الكمال اي اذا تقت اليه فامتلأت منه وعلّمت الناس ان يشتاقوا اليه.

الحياة هي الشوق الى الله وغالبا ما يقوى الشوق اذا اقتربنا من نهاية دنيانا. والشوق عيش ورغد. واذا حلّ فينا حقًا سيستجيب لنا الله ويعطف وينقلنا اليه بالرحمة قبل الموت ونعرف ان أحبتنا سيسترحمون فإن الذين هم فوق واحد مع الذين استبقوا في دنياهم لأن الوحدة ليست في المدى ولكنها  في القلوب المتعاطفة بسكنى الله فيها.

الشيخوخة نعمة على الكبار في الروح وربما كانت ايضًا نعمة على الذين يحافظون على عقولهم صافية، عادلة بعيدة عن الأحقاد بعد ان زال شبق الحقد ودخلنا الصفاء عظيمًا كبيرًا. لعل مشيئة الله الذي يحفظ المسنين ان يبعدهم عن النزوات التي كانوا يجرونها معهم فيكبرون لا في السن ولكن في الراحة الحقيقيّة والسلام وليس بعد السلام شيء. وتأتي نهاية هي بداءة للسكون الكامل الذي ينتظرنا في الفردوس. واذا حللنا فيه نصبح في ما يقرأه الله فينا على فتوة القلب التي فيها يمسح الله عن عيوننا كل دمعة.

#              #

#

علاقاتنا بالشيوخ من حيث إقامتهم، حسب كبار الخبراء في العالم، ان يبقوا في بيوتهم لا ان يُذهب بهم الى مأوى عجزة لأنهم فيه منعزلون وهم يريدون ان يقضوا بقيّة ايام حياتهم في تلقّي العاطفة من ذويهم. اعرف ان هذا قد يتطلّب عناية فائقة وسهرا على صحّتهم وقد لا يبقى أحد في البيت اذا ذهب الرجل والمرأة الى عملها. وقد يكون المأوى ـ أيا كان اسمه ـ الحل الأبسط للعناية. ولكن ما من شك ان العيش في المأوى يولّد الحزن والشعور بالعزلة. في الحقيقة اذا كانت العائلة ميسورة الأفضل ان يبقى احد الزوجين في البيت ليحيا المسن في سلام وفرح لا يجدهما في المأوى. اما اذا كان لا بد من المأوى زيارة أهل المسن له ينبغي ان تكون منتظمة لا يهمل وحده بلا الشعور العائلي الذي نحتاج اليه. هذا مستحيل  اذا كان المأوى بعيد عن البيت او في مدينة اخرى. المهم ان يجهد الأهل لكي يخففوا عن لمس الشعور بالعزلة.

المهم الا يحس الشيخ بالإهمال من قبل الإدارة.

الى هذا هناك في أوربا مؤسسات لمساعدة الشيوخ او المرضى الذين هم في حالة الخطر على اجتياز ما تبقّى لهم من عمر وذلك بتعزيتهم والحديث اليهم بلغة دينية او غير دينية. هذا ليس بمستشفى ولكنه بيت مريح أشبه بفندق حيث يرتاح المسن او المريض الى ذلك الإنسان المدرّب على تهيئة هذا المعوز لقبول انتهاء حياته بالسلام. لست أعرف ان كان عندنا مؤسسات كهذه في لبنان ولكنها أساسيّة حتى لا يقع المحتاج الى هذه العنايات بالحزن واليأس.

لا بد لإنسانيّتنا ان تضمّ المسنّ اليها بفرح. انه لم يغادر الحياة بعد وهو قابل لعيش كريم ليس فقط في مجال الصحة الجسديّة ولكن في مجال الصحة النفسيّة والعافية الروحيّة.

سوف يكثر الشيوخ في السنوات المقبلة والعبء اذ ذاك، عظيم. لذلك هذا همّ المجتمع كلّه. وقد نكون في حاجة الى استنباط وسائل حديثة لكي لا يفهم المسنّ انه مقلق للأصحاء او عالة على المجتمع.

المسنّون أحباء الله. وعلى هذه القاعدة نتعامل وإيّاهم.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

الصلاة/ الأحد أوّل حزيران 2008 / العدد 22

يميل الإنسان أحيانا بعد الصوم أن يسترخي في صلاته ويتحسّر على انقضاء الصوم لكونه يتحسر على ضعف الكثافة الروحية. غير ان الكنيسة أنشأت مواسم لملء الفراغ كالصعود والعنصرة لأنها تركز على صلاة الجماعة ولا تكتفي بالصلاة الفردية.

فردية كانت أم كانت جماعية، الأهمية الكبرى للصلاة هي انها اولا تحمل الله فينا. هو ينادينا من داخلنا. هو المصلّي فينا. حسب قول الكتاب: «الروح يشفع فينا بأنّات لا توصف». بتعبير آخر الرب مبدئ الصلاة فينا ولا نقدر ان نصلّي ما لم تنزل علينا نعمة الروح القدس. لذلك نستهلّ كل خدمة إلهيّة باستدعائه: «أيها الملك السماوي المعزّي».

الخوف أن نترك الله بالكسل، ألا نعود نذكره، أن يدخل الينا الفتور فتموت حرارة الدعاء فينا. وقد يصل بنا الفتور الى إهمال ذكر الله كليًا ونُترك الى كلّ عمل الأهواء العاصفة في النفس.

الصلاة عند المؤمن العادي هي الإحساس بالفقر، بفقر النفس الى خالقها وفاديها. هي الشعور ان ليس عندنا شيء بلا حضور الله فينا، أن نشعر بأنه هو محرّك النفس. وكلّما توغّل الإنسان بالخطيئة يصبح أليفًا لها حتى درجة عشق الخطيئة. تصبح الخطيئة مسكنه. تناجيه الخطيئة، تدغدغه ويتبنّى منطقها، لذلك لا يحنّ الى الصلاة.

أما اذا عاد الإنسان اليها بنعمة الروح ولو عاد شيئًا فشيئًا يرحمه الرب ويسكب عليه نعمته، وعند ذاك مناجاته لله تحارب مناجاته للخطيئة، ويسكن الروح القدس قلبه من جديد، وبقوته يعرف ان الروح يشفع في داخله بأنّات لا توصف.

غير أننا لا نجهل قوّة التجربة وعودة عواصف الشرير الى القلب، لذلك لا بد من عدم الاستسلام الى التراخي. فاذا وجدنا مثلا أن صلاة النوم الصغرى طويلة فلا نحذفنّ جزءًا منها لأن هذا يقودنا الى ان نحذف كل شيء. انت تحافظ على كل الصلوات التي كنت تقيمها لئلا تقع في الكسل وإهمال ذكر الله.

غير انك إذا شئت ليس فقط ان تصلّي ولكن أن تحب الصلاة فلا بد لك من درس الكتاب المقدّس ولا سيّما الإنجيل حتى تمتلئ من معاني الكلمات الإلهية لتتشبع معها صلاتك وتزداد فهمًا لصلاتك. فالخدم الإلهية عندنا آتية من الكتاب فتذهب منه إليها ومنها إليه لتأتي الكلمات التي تتلفّظ بها من روح الرب.

أنت لا تتلو أيّة صلاة كالببغاء. يجب أن تفهم كل شيء وتسأل عن كلّ شيء وتصلّي بهدوء وبطء بحيث تستوعب كل ما تقول. نقِّ نيّاتك قبل ان تصلي وتُبْ الى الرب فيكون قلبك مفعمًا من روح الله وتأتي كلمات أدعيتك من المسيح الساكن فيك.

الصلاة جهاد طويل مستمر ولكنه حياتنا. الصلاة تشفيك من كل خطيئة وترفعك هنا الى أجواء الملكوت.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

فخامة الرئيس / السبت ٣١ أيار ٢٠٠٨

                      انتظرناك طويلا فجئت ففرحنا ورجونا أن يتّسع لنا جميعا قلبك الكبير. أدعو الله ان يضع لبنان بين يديك لأنك تحبّه حبًا كبيرًا وهذا الحب يوحي لك الحكمة والصبر وينشئ فيك الحذق السياسي. أخيرًا لنا بك رئيس يرمز الى وجودنا تحت الشمس الطالعة عند كل فجر من وراء جبالنا. ولك من الرؤية والقدرة على العطاء لتستلم لبنان عند صلاة الصباح من الرب وترفعه الى السلامة.

                      بلد تصيبه جراح زمنا بعد زمن واعتبر قرّاء التاريخ ان تركيبتنا المجتمعية مصدر الجراح او كنا لشهواتنا لا نستحقّ هذا البلد. وقد توالت في ذهني منذ اندلاع الحرب الأهلية تساؤلات تتعلق بوجود لبنان نفسه وقدرته على العيش المشترك الذي التمسناه في الدستور الأخير اي اننا تعاقدنا على ان نبقى معا ونرذل التفسّخ. غير ان هذ إيمان يحتاج الى تفعيل ولك يا سيّدي الرئيس دور في التفعيل الكبير بعد ان أجمع شعبنا على اقتبالك رئيسا وليس فقط نتيجة لآلية حكم أتت بك الى السدّة الأولى.

                      انت في وسط العاصفة. انا عرفت العاصفة في سفينة عبرت بنا المتوسّط منذ ستين سنة في طريقي من بيروت الى باريس وكانت تهتز جوانبها الأربع مدة أربع وعشرين ساعة وبعد هدوء العاصفة أخبرنا القبطان اننا اوشكنا حقًا على الغرق. كنت وحدي على السفينة غير خائف اذ كنت أصلي وأنشد على الألحان الثمانية التي عندنا. اجل الله مخلّص لبنان ولكن لعقولنا أن تستنير وقلوبنا أن تهدأ لتقبل العطف الإلهي.

                      يبدو ان لبنان لا تنقصه العقول ولكن فيه قلوبًا مريضة كثيرة تحتاج الى ان تُحِب وأن تُحَب. هي مثقلة بالذاكرة التاريخية وفي كل ذاكرة خطر لأنها تؤبّد التاريخ الدامي. تعرقلها بشريّتها المجروحة. وهذا يؤذي كثيرا لأنه إخلاص للدم المراق في الماضي والماضي طواه الله في رحمته ونحن توّاقون الى مستقبل سلام نرجو ان ينزل علينا من فوق ونبنيه ايضا بأيدينا.

                      وفي هذا المسار نحتاج الى من يذكّرنا بأننا واحد او يعيدنا الى وحدة تصدّعت وهذه مهمّة من مهامك سيّدي. قانون العلاقات الرسميّة بينك وبين الحكومة والمجلس لا يحلّ وحده المشاكل. الى هذا نحن في حاجة الى ان يكون الرئيس مرشدا روحيا للأمّة. لولا الخطيئة لما كانت الشريعة. انت اذًا لا تعيد المسؤولين الى القانون وحسب ولكنك تعيدهم الى البِرّ او ترجو لهم البِرّ ليطلع لبنان من قلوبهم المطهّرة.

#                           #

#

                      وطهرهم يذهب الى الفقراء وهم أحباء الله بامتياز فاذا كانت السياسة تصنع الاقتصاد فالاقتصاد بالمقابل يصنع السياسة. فاذا أكل شعبنا وشرب واقتبل الطبابة والدراسة يضمحلّ الخلاف حول أولية هذه الطائفة او تلك. فليحكم الفاهمون. واذا اردت الكمال في الحكم أقول فليحكم القديسون لأن عندهم قلوبًا تجعلهم لا يقبلون الجوع والجهالة.

                      أرادتك النصوص حَكَمًا لأن البلد في حاجة دائمة الى التوازن. ولكن هذا فيه هشاشة السياسة ولا بد من معطوبية السياسة. انت أعلى من أن تكون حَكَمًا. أنت أب لنا جميعًا وأولادك ليسوا على سوية أخلاقية واحدة. مع ذلك يعطف الأب على أولاده جميعا ولو تفاوتت أخلاقهم. ما أتحدّث عنه ليس نظام القبائل ولكنه نظام التقوى الساكنة فيك الى جانب الفلسفة السياسية التي تعلّمتها في الجامعة. المبتغى أن تتلاقى في نفسك حكمة بشريتك وحكمة الله المتعالية فيصير حكمك مميّزا. عند ذاك، تقضم الأنانيات الطائفيّة ومقولات العشائر وتبني من الأساس لبنانا جديدا.

                      والانسان قادر على ان يتربّى. اذا اعترف بأنه في حاجة الى ذلك. ولن يقتصر جهدك على ترتيب المعادلات في الحكم وعلى تنقية الإدارة. فهناك من أحبّ الفساد او عشقه وهؤلاء يجب تأديبهم بالطرق المتاحة والممكنة ولكن لا يسعك ان تغض النظر عن سقطات الموظفين في الدولة وهذا من شأنه أن يربي الكثير من المواطنين لأن دول العالم التي تنمو  مؤهلة ان تهذّب المجتمع. مجتمعنا نحن يبدأ إصلاحه من رأس الهرم لأنه يخشى السلطة العادلة والقوية التي نرجو ان تتحقق على يديك اذا كشفت للبنانيين ان مصلحتهم هي في الاستقامة والعمل.

                      البلد الذي استلمناه وارتضته كل أطيافنا مرحلة بعد مرحلة جعلناه وعدا لأنفسنا ولكنا لم نحقق هذا الموعد كاملا. علينا الآن ان ننتقل من مرتبة الوعد وهي رجراجة الى مرحلة البناء تحقيقا للمشتهى. لذلك كانت مشكلتنا حضارية. نحن حسبنا أنفسنا قد بلغنا الحضارة العالمية وهذه أكذوبة كبرى اذ ليس من حضارة لا تقوم على الصدق فظننا ان المدنية تقوم على الشطارة. سيدي الرئيس، دأبك ان تقتلع الشطارة من العقول اللبنانية وان تدعونا الى الحق. يقال عن بلدنا انه جميل. جماله في بحره وسهوله والجبال معطى من الله. وهذا لا يكفي لأن الجمال كما يعرّفه أفلاطون سطوع الحقيقة. فقط اذا تعمّدنا بالحقيقة تزول عنّا قباحاتنا ويصبح الإنسان اللبناني بهيًا بما ورثه من الحق. أدعو الله الا تفتخر بما نحن عليه ولكن بما سنكون وبعض مما سنكون يأتي من حكمتك ونزاهتك وإخلاصك للصورة التي سيرسمها عقلك لوطن جديد.

#                        #

#

                      اعرف انك لست وحدك وان الدستور بعد الطائف قد قصّ أجنحتك. ولست هنا في معرض هذا النقاش. غير انني اعرف ان الإنسان القوي يفرض نفسه بالمحبة والحزم معا ولكن اللبنانيين وضعوا ثقتهم بك اي بما ينقذهم من ضيق النصوص وما ينجيهم بالاحتضان حتى ينادوا هم بما ينفعهم تعديله لتحقيق العيش المشترك بالصدق. فالتاريخ تبديل والحق المنجي الآن فالحرف يقتل والروح يحيي وما أكثر من علماء القانون في لبنان وهم الفهماء بالنصوص التي تحيي وتفرضها وحدتنا الوطنية. فالظرف ظرف إخلاص للوطن كله اليوم والقانون ليس تنزيلا إلهيّا ولكنه تدبير بشري في الزمان الذي ظهر فيه. وكلما تعمّقت الثقة بك نظرًا الى ما ستحقق تتحرك النصوص لخير البلد.

                      واذا ساغ لي ان أقول كلمة عن أولئك المحبطين من المسيحيين فرجائي ان يعرفوا انهم يجيئون من الإنجيل اي من محبة الآخر فاذا عاشوا بكلمة الله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وانت منهم بالإنجيل ولكنك لا تحملهم وحدهم. انك تحمل اللبنانيين جميعا. واللبنانيون كلهم مقتنعون ان المسيحية سوف تستمر برائحتها الزكية في هذا البلد ولو انتقص من حق شعبها في هذا المجال او ذاك فلنفرح انها تقدّم نكهة المسيح. المهم ان يقتنع كل المسيحيين ان لبنان الكامل وطنهم مع كل الذين يعيشون على ترابه وان الكثر واحد بلحمة النور الإلهي على وجوههم.

                      يا فخامة الرئيس نحن وراءك ما دمت على الحق وسنرفع الصلاة من أجلك حتى لا تعثر قدماك. نعرف ببساطة ان لا عصمة في السياسة ولكن المهم ان تبقى على النقاوة التي يعاين أصحابها الله. انت رئيس على قدر خدمتك وسنحاول ان نكون معك خدّامًا للبنان وعيوننا الى الشمس التي تطلع من وراء جباله.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

هل نشارك الغربيين القدسات؟/ الأحد 25 أيار 2008 / العدد 21

كنيستنا لم تنكر على أن الكنائس ذات التأسيس الرسولي عندها الأسرار المقدسة. ولذلك اذا قبلنا في الأرثوذكسية كاهنا من كنيسة أخرى لا نعيد رسامته.

اما السؤال المتداوَل هو لماذا الأرثوذكسيون والكاثوليك (روم كاثوليك، موارنة وما الى ذلك) لا يتناول واحدهم أصلا الا في حالات استثنائية عند الآخر (مثلا في حالة الإشراف على الموت ان لم نجد كاهنا من كنيستنا). هذا لا يتضمّن إنكارًا لقدسية الأسرار عند الإخوة الآخرين. وهذا لا يعني بالضرورة انهم هراطقة ولا هم ينعتوننا بذلك. ولكن المقاطعة تعني ما نسمّيه «قَطْع الشركة» حسب أهم علماء القانون الكنسي عندنا اليوم.

«قطع الشركة» تعني اننا لم نبقَ كنيسة واحدة الآن. لقد تمّ الانفصال الرسمي بيننا السنة الـ 1054 وتجذّر بعد الحملة الصليبية الرابعة السنة الـ 1204 عند احتلال الإفرنج القسطنطينيّة فتباعدنا بعضنا عن بعض، ومنذ ذلك الحين لم نجتمع حول المائدة المقدسة الواحدة. لا نحن ذهبنا إليهم ولا هم جاؤوا الينا، غير اننا لا نزال نطلب الى الله ان يمنّ علينا بالوحدة.

لا يفتكرنّ أحد بسبب من هذا الوضع ان هذا هو موقف أرثوذكسي فقط. هذا موقف كاثوليكي أيضًا وهم قد كتبوا في أيام البابا الراحل انهم لا يقبلوننا في المناولة. والبابا الحالي في قدّاسه يشدّد على هذه المقاطعة. امّا لماذا يسترضي احيانا غيرنا بقبولنا عند المناولة التي يوزعها؟ هذا شأنه ولكن ليست هذه تعليمات البابا او الرؤساء له. بالعامية نقول هو «فاتح عَ حسابو». اما نحن فنحترم موقف كنيسته الرسمي وهو لا يحترمها.

انقطاع العلماني عن المناولة عند إخوتنا الكاثوليك ناتج من انه ينتمي الى كنيسته. العلاقة مقطوعة بين الكنيستين، ولا يعمل كل منا على هواه. يتصرف كإخوته الذين من كنيسته. ليس في الكنائس تصرف فردي. هناك فقط تصرف جماعي. فإذا اتّحدت الكنيستان ينتهي «قطع الشركة» التي رمزها الكأس الواحدة.

طبعا الكاهن يأتيه من يأتيه أمامه وهو لا يعرف الجميع ولكن المبدأ هو انه يجب أن يتعلّم الجميع ان المشاركة لم تبق قائمة. اما اذا وجدنا لأسباب عائلية راهبة او راهبا من غير كنيستنا فيجب ان نقول لهم باحترام او محبة اننا لا نستطيع أن نخالف قوانيننا ولا قوانينهم. فاحترامًا لقراراتهم هم لا نقرّبهم من الكأس المقدسة، اذ يكون قد قام في أذهانهم اختلاط بين الكنائس، وهذا الاختلاط لم يحصل.

قلت هناك استثناءات مثل وضع الإشراف على الموت. كذلك مثلا اذا سكن أحد الإخوة الغربيين في قرية او مدينة ليس فيها كنيسة كاثوليكية فنرحّب به لأنه عارف بأنه يبقى كاثوليكيا ولا يخلط الأوضاع. هكذا لمّا تهجّر اللبنانيون في الحرب الى اليونان او قبرص كنا نخدمهم ونحافظ على ولائهم لكنيستهم.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

رحلة يونانية / السبت ٢٤ أيار ٢٠٠٨

كان عليّ أن أحاضر في ألمانيا عن الإسلام غير أن إغلاق المطار حال دون ذلك، وفي يوم فتحه تمكّنت من الوصول الى اليونان لإلقاء محاضرة أخرى في المسيحية وذلك في مدينة فولس الى شمالي أثينا وذلك في إطار أكاديمية لاهوتية أنشأها أسقف تلك المدينة المطران إغناطيوس.

                        كانت المشكلة أني تكلّمت بالفرنسية وكان اليونانيون الذين اجتمعوا هناك يسمعون الترجمة بلغتهم. ما شدّني الى قبول الدعوة الى أالمانيا هو ان اللاهوتيين هناك يعرفون قليلا عن الإسلام وأرادوا أن يتعلّموا. معرفة الإسلام هي الانعطاف الحاضر في الفكر المسيحي الأوربي. والاضطرار الذي حكمني انه لم يكن ممكنا ان يسمعوا الآيات بالعربية ولكن الترجمة كانت أفضل وسيلة ممكنة والعارفون منهم كانوا يتكلّمون على الترجمة التي أخرجها الى الألمانية الأب تيوفيل عادل خوري كاملة أجزاء عديدة مع التفسير في الحواشي.

                        اما فولس فمدينة بحرية تقع بين أثينا وسالونيك وكان على رأسها رئيس أساقفة أثينا خريستوذولس المتوفّى أخيرا. أهم عنصر في هذه الرحلة كان الأسقف الحالي تأخذك طهارة وجهه ثم تتعرّف الى حكمته وفهمه وحسن ضيافته وبساطة محبته وشفافيّته.

                        الأكاديمية التي أسسها منشأة مستقلة تابعة للأبرشية بخلاف المدن الأخرى حيث كليات اللاهوت أجزاء من الجامعات التابعة للدولة. وعلى رأس الأكاديمية شاب تخرّج من اليونان ومن السوربون يتكلّم كل اللغات الحية وزارنا في معهد البلمند ويحب اهل المشرق وآخر سهرة قضيناها معه أسمعنا صوت فيروز يغني القدس فذكّرته أني شيخ وأن ذوقي الأوّل يذهب الى سيد درويش فأسمعنا منه ما تيسّر. والأكاديمية الى طاقمها التعليمي منفتحة على اللاهوتيين الأجانب من كل صوب وأظن اني اول عربي تكلّم فيها.

                        هذا اللقاء الذي كنّا اليه السبت الماضي تحدّث فيه عالم ايطالي في موضوع خلافيّ بين كنيستي الغرب والشرق، خلاف مرتكز على العبادات وهو دقيق جدا ويدور حول ما نسمّيه «استدعاء الروح القدس». هل استحالة القرابين الى جسد المسيح ودمه مؤسسة على هذا الاستدعاء وهو غير معروف في الكنيسة اللاتينيّة، ام ان فيها صلاة تسبق كلمات العشاء السري: «خذوا كلوا… واشربوا منه كلّكم»، وهل هذه الصلاة تعني معنى الاستحالة؟

                        المهم في كلام هذا الرجل انه وحّد بين «الموقف الأرثوذكسي والموقف الكاثوليكي» بما هو مقنع بعامة وإن كنّا اختلفنا معه في الجزئيات. ما جذبني فيه ليس فقط معرفته العظيمة باليونانية واللاتينيّة وهذا ليس متوفّرًا عند كل اللاهوتيين. ولكن ما جذبني اولا هو البساطة والتواضع. وتبيّن لي أننا نستطيع ان نذلّل هذه الصعوبة وصعوبات أخرى ما تصدّى لها الأخصائيّون بصورة كافية.

#                 #

#

                        قلت له: انتم في المجمع الفاتيكاني الأول الذي حدد السنة الـ ١٨٧٠ رئاسة البابا على الكنيسة جمعاء وعصمته هل أبسلتم (حرمتم) الأرثوذكس الذين يرفضون موقفكم ام انكم اكتفيتم بحرم الكاثوليك القدماء الذين رفضوا هذا التحديد. والأرثوذكس لم يصدروا موقفا قانونيا صريحا في ما انتم تقولون ولو كتبوا الكثير في هذا الموضوع رافضين. ثم أردفت مستشهدًا بلاهوتيّ أرثوذكسي كبير قال: «نحن مع كنيسة الغرب» في حالة قطع الشركة rupture de communion كما كانت مثلا كنيسة بلغاريا وكنيسة القسطنطينيّة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكلتاهما على استقامة الرأي.

                        لم نوغل في المناقشة أكثر من هذا بعد ان اعترف لي انه ليس اخصائيا في هذا المجال.

                        ثم جاء دوري لأتكلّم على الأفخارستيا (سر الشكر او سر القرابين المقدسة وبالعامية المناولة)، وعلاقتها بالحرية.

                        في العبادة الأحدية عندنا التي هي سر الشكر، ركّزت على انها صلاة الجماعة وليست مجرد عمل تقويّ فردي بحيث ان الجماعة تتأسس او تنشأ من مناولة الخبز الواحد كما علّم بولس. غير أني ذكّرت السامعين ايضًا ان هذه المشاركة الأحدية تتضمّن ايضًا الإحسان الأخوي. انت اذا ارتكبت بعض المعاصي تخرج من الجماعة، وعند التوبة تعود اليها، ولكن لا تكتمل العبادة الا بتوزيع الطعام للمحتاجين. وهذا ليس شفقة أخوية ولكنه جزء من الانتماء الى الأمة المقدسة.

                        ثم بيّنت، بناءً على التراث، ان محبّتنا لغير المسيحيين تُنزل عليهم الروح الإلهي فيلتقون في المسيح علموا ام لم يعلموا ويصيرون جميعًا عروسه في اليوم الأخير. ثم اقتبست من يوحنا الذهبي الفم «ان المذبح الحجري ليس بشيء إزاء مذبح الفقير لأن الفقير هو جسد المسيح. هو اذًا أكثر وقارًا من الذي أنت واقف أمامه» (في الكنيسة). واستشهدت بإنجيل متى حيث يجعل السيد تماهيًا بينه وبين المحتاج والسجين والمريض.

                        كذلك تطرّقت قليلا الى الثورة بمعناها الدموي وشجبتها كما شجبت كل عصبيّة وعدوانية من حيث ان  كل هذا يتنافى وسر الشركة والمحبة الواجبة لكل الناس. وهذا قادني الى ان «النور الإلهي منتشر في كل إبداع عند غير المسيحيين وفي كل مجالات الفكر والفن اذا اقترنا بالعدل». وكان لا بد ان أذكر علاقة المسيحية بالثقافات فقلت ان الكنيسة في كل الثقافات ولكنها تبقى حرة منها. والكنيسة حرة من الشعوب التي تتألف منها. والحرية وحدها تجعل الكنيسة أمة مقدسة (لا بالمعنى السياسي) لأنها جزء من المجتمع السياسي.

                        وبعد تمييزي بين المسيحية والتراث الإغريقي ولو اقترب هذا التراث من باب الكنيسة، انتقلت الى المسيحيين العرب وقلت عنهم انهم في العروبة كثقافة اي في كل جوانبها الأدبية والفنيّة والعيش المجتمعي الواحد، وأضفت: »ان اللغة العربية حملت الإسلام كمصدر إلهام في مرتبة الإبداع البشري ولا يتملك الانسان هذه اللغة ما لم يكن «أليف القرآن». وأحببت أن أضيف أن مهندسًا معماريًا من كنيستي بنى عدة مساجد في المملكة العربية السعودية وهي من أجمل المساجد.

                        وبعد هذا عالجت قضايا داخلية للكنيسة الأرثوذكسية في العالم وركّزت على ضرورة التعاون بين الإكليرس والعلمانيين. أوضحت ان ثمّة أرثوذكسيين إسميين وآخرين روحانيين ورجوت ان يزول هذا الانقسام.

                        لم يبقَ من مجال لأحدّثكم هنا عن موضوع غاية في الأهميّة وهو موضوع الملكيّة الفرديّة واستشهدت بمعلّمنا الكبير باسيلوس القائل: «ما هو لك لم تأخذه لتكون مالكا له طوال حياتك. من هو سارق الجماعة؟ أليس ذاك الذي يحفظ لنفسه ما هو ملك الكل. ان الخبز الذي تحفظه عندك أليس ملك الجائعين، والكساء الذي تضعه في الخزانة أليس ملك العراة؟».

                        هذا أوصلني الى ان أزعم ان النظرة الى الملك في الكنيسة القديمة هي انك مؤتمن عليه. «بدّد، أعطى المساكين فيدوم برّه الى الأبد» (مزمور 112: 9).

                        أخيرا تحدّثت كثيرا عن السياسة وأخطار السلطة والدول التي تستخدم العنف، كما تحدّثت عن سوء العلاقة بين الدول الصغيرة والدول الكبيرة وعن ظلم الكبار والصغار، وأوضحت ان الكنيسة الأولى قبل القرن الخامس كانت ترفض الحرب إطلاقا ثم جاءت التسويات.

                        غير ان تتويج هذا اللقاء كان في القداس الإلهي الذي أقمته مع مطران المدينة أمام جمع كبير واستُعمل فيه اللسان العربي كثيرا الى جانب اليونانية. وربما لم يكن بسطاء القوم يعرفون ان ثمة مسيحيين عربا. وكانت جوقة المرتلين تستعمل ألحانًا من أجمل ما سمعت، وتناولت الجماعة كلها جسد الرب واستضافتنا بعد هذا الرعية ظهرًا ومساءً وأحاطتنا بحفاوة مذهلة وأغدقت علينا الأوسمة والهدايا عربونًا للأخوّة والرهافة المذهلتين.

                        وأهم مما علمت فهمت ان المطرانية تطعم ألف فقير كل يوم في مطاعم خاصة بهم، وهذا كلّه آتٍ من هذا الإمام الأرثوذكسي الطاهر الشفاف الى ان عدنا الاثنين الماضي الى لبنان الراجي خلاصه من الرب.

Continue reading

Popular posts

من الشعانين إلى الصليب/ 23 نيسان 2000/العدد 17

دخول السيد إلى أورشليم يعني قبوله الصلب. كان هو تنبأ غير مرة عن آلامه وقيامته. فبعد ان أَنهض صديقَه لعازر من الموت، دخل إلى المدينة المقدسة وفي هذا حقق...

المسيح يحيا فيّ / الأحد 21 تشرين الأول 2007 / العدد 42

في الرسالة الى أهل غلاطية منشغل بولس الرسول اننا لا نتبرر بأعمال الناموس الموسوي ولكن بالإيمان بيسوع المسيح. فالمسيح غاية الشريعة القديمة. فقد بطل الناموس يحييني وما حيا به...