2010, مقالات, نشرة رعيتي

بداءة عمل بولس/ الأحد 10 تشرين الأول 2010 / العدد 41

يتكلم الرسول في هذا المقطع من الرسالة الى أهل غلاطية عن إنجيله قائلا انه تسلّمه بإعلان يسوع المسيح له. واضح أن بولس لا يتكلم عن الأناجيل الأربعة ولم تكن كُتبت بعد. غير أننا نلحظ بعد تدوينها خلال القرن الأول أن مضمون ما علّمه بولس هو ذاته مضمون الأناجيل الأربعة. كل ما علّمه بولس، بطريقة أو بأخرى، هو عن موت السيّد وقيامته، وقال كلمة عن مولده، وسرد الحديث عن العشاء السري.

ثم أوضح الرسول أن الله أفرزه من بطن أمه ودعاه بنعمته ليُعلن ابنه فيه ليُبشّر بين الأمم (الوثنيّة). بولس يحمل تعليما تلقّاه مباشرة من الرب يسوع، وهذا كافٍ لتثبيت صدقيّة بولس الرسول.

أخذ الرسول في هذا المقطع يحكي باختصار سيرته فقال «إني كنتُ أَضطهد كنيسة الله بإفراط»، ومَثل عن ذلك ما ورد في أعمال الرسل عن اشتراكه بمقتل القديس استفانوس. غير أن يسوع ظهر له على طريق دمشق التي كان ذاهبا اليها بتفويض ليُلقي القبض على المسيحيين وغيره يسوع بظهوره له تغييرا كليا إذ جعله تلميذا له حارّا يجوب الأرض كلها لينشئ جماعات مسيحية وإليها بعث برسائله المعروفة عندنا في العهد الجديد ونقرأها في كل قداس كما نقرأ رسائل من غيره من الرسل.

في هذا الفصل يؤكد أنه بعد ظهور الرب لم «يُصغِ الى لحم ودم» أي لم يتردّد باتباع يسوع فأكمل طريقه الى دمشق ليُعمّده حنانيا ويُطلقه من دمشق، فقال إني بعد لقاء حنانيا لم أَصعد الى أورشليم الى الرسل الذين قبلي لأتأكّد من صحة ما أومن به «بل انطلقتُ الى ديار العرب»، ويُرجّح معظم المُفَسرين أن ديار العرب تعني حوران وكانت تُسمّى «العربية» في الإدارة الرومانية، ولا بدّ أنه كان هناك بعض المسيحيين.

لا يقول الكتاب شيئا عمّا فعله بولس في حوران الى جانب الصلاة وتأمّله في العهد القديم الذي يظهر هو في ما كتبه علاقته به. كان بولس يربط معرفته بيسوع بمختَلف أسفار العهد القديم.

ثم يقول «بعد ذلك رجعتُ الى دمشق». لماذا الى دمشق؟ هي المكان الذي ظهر فيه حبّه الأول ليسوع. لا نعرف المدّة التي قضاها في حوران. عندما يقول إني بعد ثلاث سنين صعدتُ الى أورشليم، هل يقصد أنه بقي في الشام ثلاث سنين، أم يقصد ثلاث سنين قضاها في حوران ودمشق معا؟ لا نعرف ولا يهمّنا أن نعرف. بعد هذه السنين الثلاث يقول «صعدتُ الى أورشليم لأزور بطرس». كان لبطرس أهمية خاصة في الجماعة الرسولية. فأقام بولس عنده خمسة عشر يومًا سمع فيها الكثير عن الرب يسوع الذي عايشه بطرس. ثم لم يرَ غيره من الرسل سوى يعقوب أخي الرب. البقيّة كانوا بلا ريب تركوا فلسطين الى البشارة. بعد هذا انطلق بولس الى العالم.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

جبل آثوس / السبت 9 تشرين الأول 2010

زيارة لجبل أثوس كنت أتوقها منذ عقود. ليس من مطرح في العالم أبهى أرثوذكسية من هذا الجبل الملقى في البحر شمالي سلونيك والنازلة عليه السماء. منذ ألف سنة ومئة قصد بعض من القوم الله هناك ناسكين ومصلين في عشرين دير كبير ومناسك صغرى ومغاور. هل من صعود الى الله من أماكن متعة للعين مذهلة؟ أحجار وقناطر وألوان متلاقية على أرض ذوق. الدير تجتمع فيه الأبنية غير متجايلة ولكن متناسقة. اثنتا عشرة كنيسة صغيرة الى الكنيسة المركزية في دير فاتوبادي والايقونة من الألفية الثانية او من قبل، خشبيّة او فسيفساء تلبسك او تلبسها.

والقامات تنحني للأسقف الزائر. كنا ثلاثة مطارنة من أنطاكية ويصحب هذا ترتيل دقيق وتلاوات عربية ومسافات تطول وخشبيات كثيرة تعطي دفئًا وتأكل على موائد من رخام ممسكا عن اللحم طوال حياتك وتقيم في الفرح الذي يصدر عن التقوى او عن العلم وكلاهما يبدو على شيء من العمق او السعة وتستيقظ باكرا جدا لتقيم صلاة تطول على رجاء ان تأخذ قلبك.

لماذا يؤمّون هذا المكان- المحجة او الأمكنة المتشابهة عمارة وروحا؟ ماذا ينثني في قلب هذا الشاب الذي يطلب الوحدة مع الله ويقول عبد الله العلايلي يستوحد. هل ادرك التوحد هؤلاء الذين رأيناهم على نضج كهولة او في شيخوخة تقادمت؟ هل الإنشاد ينزل على القلب او يحيط به؟ هل تحفر الأيقونة النفس على صورتها او تتنقى النفس في طبيعة طياتها بلا انثناء الروح الإلهي فيها او عندنا شيء من هذا وشيء من ذاك الى ان يقبض الله ذاتنا فيما يكب ترابنا في التراب.

تتابع الصلاة باليونانية القديمة ويخاطب عنك رهابين عرب باللغة العامية اليونانية. غير ان التواصل لا يحتاج دائما الى لغة اذا شع عليك نور وجه والديورة وجوه صنعتها محبة تتراءى وصنعها تراث عظيم تتبعه في هذه الجداريات التي أذهلت أجيالا وأحاطتها الأجيال بعيونها حتى لا يقع ناظرك على حائط غاب عنه القديسون.

يحيطون بك ليس فقط عندما تعبد ولكن اذا أكلت في قاعة المائدة حتى لا يخلو لك وقت لسماع او بصر بلا مشاركة الذين سبقونا الى المجد. هل حسنت رؤيتي اذا قرأت ان أهل الفن الكنسي ملاؤا بهم كل مساحة الجدران حتى تكتب لنا ولهم معية تحيينا؟

# #

#

قضينا في الدير مع رئيسه المستوحد في صومعة سهرة ممتعة. كنت قد عرفته منذ ثلاثين سنة. أنعشنا بحديثه عن اسحق السرياني المولود في قطر وعن لاهوته ثم عن دوستويفسكي وصلته باسحق وكلمنا عن عمق الآباء القدامى متنقلا بين الروسية والفرنسية واليونانية لغته ومستفيضا عن موهبة الحرية الملازمة للحياة الأرثوذكسية.

الآباء هنا يشرعون بصلاتهم الساعة الثالثة والنصف صباحا ويتناولون وجبتين في اليوم. يصلون كثيرا عند المساء. هذه الرهبانية يرافقها دوما صوت رخيم ولكنها تكشف حضرة الكل والفكر عند من كان قابلا له او لإعطائه.

ما يلفتك في هذه الجماعة ان احدا لا يسعى ان يتميز او ان يبدو ولكن الله يبدي من يشاء. ان كانت الشجرة تعرف من الثمر ساغ لإنسان من هذه الدنيا ان يتحسس جمالا ظاهرة من ثقافة الدنيا وبه تغوص على أبعاد ليست كلها من هذا العالم. ولكن رياضة الانقطاع ضرورية لرياضة التواصل. تخرج من المدينة الى الصحراء ليصبح الله هذا الذي تسكن ويبدأ هو تمتمتك فيه.

الدير يشبه الدير بالأنظمة. الأطعمة نسكية. الاحترام عظيم للكبير مقامه. هذا لا تفسير له بالنمطية ولكن بما يرونه ما وراء او ما فوق الذي يحترمون. لماذا يقبلون يد الأسقف الزائر اذا دخلوا وخرجوا. طرح علي مواطنينا مرة هذا السؤال: لماذا نقبل يد الأسقف. اجبته ليس للأسقف يد. قال: كيف؟ قلت: هذه منهجية الأيقونة عندنا. انت، ان قبلتها، تقبل المثال المقدس الذي وراءها ولا تقبل خشبة او لونا. انت تصعد. لم يبق انسان حسه ايقوني عندنا او هذا قليل.

لماذا احتفاء قل نظيره بوفدنا الانطاكي؟ شرقية الوفد في اخوة الإيمان؟ من أين أتت بساطة التعامل؟ من الهيكلية الأرثوذكسية؟ من أنجيلية الرهابين؟ هذه الإنجيلية تجعل صومعة الراهب مذهلة في تواضعها وقطاع الضيوف المميزين بمراتبهم على رهافة ذوق لم أشاهدها في دير من مناطقنا. غير ان هذا كله ليس بشيء امام إتقان الخدمة الإلهية وأصوليتها والحفاظ على كل موروثها. لا يبدو ان طول الصلوات مشكلة عندهم ولا يبدو الملل على ملامحهم. هل ما يتلون ويرنمون سماء على الأرض كما زعم الوفد الروسي الذي زار القسطنطينية في أواخر القرن العاشر فتبنت روسيا الديانة المسيحية المسلوكة بالمعنى البيزنطي.

# #

#

بقينا على الصلاة قبل فجر الأحد ست ساعات يتناوب الجوق اليوناني والجوق العربي بتناغم كامل على اللحن الأول والألحان ثمانية عندنا. وكان القائمون بالقداس الإلهي أربعة أساقفة عرب ومرافقوهم ورهبان الدير. هل دقة الأداء عربية لهؤلاء؟ أظن ان السر في الشخص وان لا تعميم في الجواب. الجماليات في الدين في طياتها خطر ولكنها تعيد الينا القوة احيانا. لست اعتقد ان اختزال الصلوات الذي يقترحه البعض هو الترياق. النفس، النفس او الفهم الفهم كل شيء. التربية تذهب عنك الاسترخاء. كذلك التشدد لا يهبك القوة بالضرورة. تبقى ديانة شعبية تظنها تحسسا الهيا وما هي الا بشريتك الدافئة الى ان يبدعك الدين الحق. انت خاضع لله او تصدر عنه. دائما في الدين أشكال. نصوصه يمكن تحويلها الى شكل او استبقاؤها روحا. تعود من الحج، من اي حج بصورة الحجر او بالإله الصافي. صعب عليك ان تعرف الفرق.

# #

#

في المحطة الأخيرة من تجوالنا تفاقم الاحتفاء حتى المحبة السكيب. والعبادات تنزل ولو نسيت اللغة لتقادم السنين عليك. لم يستطع هؤلاء الا ان يجددوا الجداريات بعد عتاقتها لكونهم يحبون عشرة السماويين بالعين طريقا الى القلب. هذا دير تقف عند ذروته وآساسه في البحر واطلالاته الغابات. بين هذه كيف تنسى الفردوس. تتعشى عند الخامسة لترتاح قليلا قبل صلاة تستغرق الليل كله. تقيم عيد الصليب حسابا شرقيا تستخدم فيه راهبا من بلادنا ليجمل الصوت والكلمة معا.

قبل يومين في دير آخر استشهدت امام راهب مازحا بكلمة أرسطو الشهيرة: «كل ما (او من) كان غير يوناني فهو بربري» انتفض رافضًا ارسطو. اليوم نختلي لما تيسر من النوم لنستقبل الفجر بترتيلنا «المجد لك يا مظهر النور» ثم نرحل عن جبل القداسة هذا ونقضي ثلاث ليال في سالونيك وأثينا قبل التحاقنا بربوع لبنان.

العرب في بغداد أحسوا قديما ان حضارتك لا تكتمل بدون الإغريق. هذا يعني ان عليك ان تحافظ على العقل وتقوله بطريقة او بأخرى، بالشعر العربي.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

أحبوا أعداءكم/ الأحد 3 تشرين الأول 2010 / العدد 40

يتساءل الكثيرون كيف نحبّ أعداءنا. هل هذا معقول؟ أول قسم من الجواب أن العدوّ مَن عاداك، اما انت فلا تُعادي أحدا. يمكن أن تحزن ولكن لا تحفظ عليه حقده لأنه أخوك. لا يمكنك أن تحبّه كما طلب السيد إلا إذا اعتبرته أخاك مهما كانت شرور قلبه. يطلب منك الرب أن تعالج قلب هذا الإنسان.

اذكروا مَثَل السامري الشفوق الذي وَجد جريحا يهوديّا في الطريق فأعانه واعتنى به، والسامريّ عدوّ اليهوديّ في الدين، وذلك العداء كان كبيرا في تلك الأيام.

مَن عاداك اليوم، جريح، مصدوم أو ذو مصلحة ضدّك وقد لا تكون آذيته انت، فإذا حقدت عليه تزيده شرا وغايتك أن تشفيه، أن تشفي كل إنسان. لقد جعلك الرب اليوم انت السامري الشفوق اي طبيبا لمن عاداك. وأنت وحدك طبيبه لأنك تعرف مرضه وغيرك لا يعرفه.

في معظم الأحوال هو يقبل غفرانك له. فإذا لم يقبل صلِّ من أجله حتى يصل الى القبول. اذكر عدوّك كل يوم في صلاتك وقدّم اسمه على مذبح الرب لكي تنزل عليه الرحمة. والله يرحم من تطلب انت له الرحمة لأنه «مُنعِم على غير الشاكرين والأبرار».

وتنتهي القراءة بقول السيد «فكونوا رحماء كما أن أباكم السماوي هو رحيم». رحيم تعني في اللغة أن أحشاء الرب تتّسع لكل البشر، فإذا جعل الله كل خلائقه العاقلة في أحضانه فتشبّه انت بالرب ليجعل عدوّك في أحضانه وتلتقي هكذا بهذا العدوّ عند الرب الذي يحبّك ويحبه.

لا لقاء لنا مع إنسان إلا في أعماق الحنان الإلهي. العاطفة البشرية تعلو وتهبط حسب المزاج. ولكنا نحن المؤمنين لا نتصرّف مزاجيا ولكن نتصرّف بالشعور الإلهي اي كأن قلبنا قلب الرب.

واذكر أن الله محبة ولا يفرّق قلبُه بين من يحبونه ومن لا يحبونه لأنهم جميعا أبناؤه. انت اذا كان عندك ولدان، أحدهما لطيف رقيق، وآخر شرس، تحبهما بالمحبة الواحدة، ولكن هناك أسلوبان في التربية، وغاية كل أسلوب لك أن تُصلح ولديك.

الله محبة فإنها العلاقة الوحيدة بين الآب والابن والروح القدس. المحبة هي الوحدانية الإلهية، هي اسم الله.

فالله يتصرّف مربّيا ويستعمل أسلوبا مع هذا وأسلوبا مع ذلك، ولكنه يريد محبة واحدة لكل من البشر. وموت المسيح هو الدليل العظيم على محبته لنا.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

لبنان الطيب / السبت 2 تشرين الأول 2010

قسوت عليه كثيرا في هذه الزاوية. وددت اليوم ان ألاطفه. الموقفان لا يتناقضان. مرة قبل أربعين سنة كنت أقتبل اعترافا من احد المؤمنين. قال لي انا لست حسنا كما قلت لي. قلت له انا اعرف ذلك ولكني اردت تشجيعك لأهون عليك الخروج من الخطيئة.


لو أتيح لي التحدّث عن بلدنا بأقرب ما أكون من الموضوعية لقلت ان ما يمتاز به هو الكياسة في التعامل. القاعدة الإسلامية: «لا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي أحسن» (العنكبوت، 46) كنت أتمنى ان يتبع الأكثرون هذه التوصية. التعدد عندنا يفرض المسالمة. دائما اذكر الإنجاز العظيم الذي قام به المغفور له السفير عادل اسماعيل في نشره الوثائق التي كان يرسلها القناصل الأجانب الى وزارات الخارجية عندهم وهو كتاب يقع في اكثر من ثلاثين جزءًا. نشر فقط الرسائل التي كان يبعث بها هؤلاء الموظّفون وبيّنت قراءتها ان ما من حادثة دموية جرت عندنا بين الطوائف الا وسببها الدول الأجنبيّة. وعادل اسماعيل لم يعلّق. حسبه كانت النصوص اي ان قناعة اللبنانيين في ان دياناتنا ومذاهبنا قائمة الى يوم القيامة وان كان الناس مقتنعون ان الجماعات الدينية قائمة لتبقى. الكياسة كانت قناعة.


انت تتعرف بالمعاملة على شخص. تربطك به منفعة عمل. بعد اول لقاء او لقاءين تدعوه لتناول الطعام عندك. اللبناني مضياف وهذا لا تجده على ارطلاق في البلدان الأجنبيّة. بينك وبين الغريب عندنا خبز وملح. التعاطف عن طريق مائدة مشتركة هو التلاقي في هذا المشرق. المسيحيون تقوم ديانتهم في عمقها على القداس الذي يفهمونه مائدة تنزل عليهم من السماء وتقيم ارتباطا بينهم وبين ربهم من جهة وفي ما بينهم من جهة ويحسبون انهم بهذا التحاب يصيرون امة مقدسة اي امة تأتيهم قداستهم من الله. المسلمون يعتقدون ان لهم مائدة تنزل عليهم من السماء تجعلهم في عيد لأولهم ولآخرهم. أليس الغريب هو الذي تستضيفه أخا لك في الله ولو لم تشعر بهذا في صورة واضحة. أليس الحب من الله؟

# #
#


العائلة عندنا حب ومن فككها يعتبر مخالفا لقواعد إلهية. هي حتى الآن وبعامة محفوظة ومكان السلامة والتراحم كما يقول القرآن والأولاد فيها يضربون الانغلاق الذي يوتر احيانا العلاقة بين الوالدين. هي نظام جماعي يسودها إخلاص الواحد للآخر. هي مسؤولية الكبير للصغير والصغير للأكبر اي انها تقوم على التضامن والتكافل. تصيبها الخطيئة احيانا ولكن تسودها التوبة في أحايين كثيرة. واذا انحرف احدهم يعود الى بيته لأن مطلب النفس الاستقرار في تلاقي القلوب وفيها تعطي وتأخذ واذا ما جفّ قلب تدخل اليه الطراوة. واذا فهمت التربية تهرب من الغنج لأنك تريد ان يتقوّم الآخر.


صحيح ان الحزن يغلبك احيانا ولا سيما عند حدوث موت. غير اننا بعامة شعب فرح مقبل على الحياة ومسراتها ونعنى بالحياة وبحفظها الى درجة الخوف من انتقاصها. النزهة عندنا امر أساس كذلك الطرب وسائر انواع الغناء. عندنا كثافة التغني للخروج من ضيق وكأننا نريد ان نعيش ابدا. ربما لهذا عظمت الأغنية في هذه الحرب الأهلية الشرسة مع اننا لا نجهل ان «كل نفس ذائقة الموت». لقد كثر المطربون في هذه التجربة التي جربنا بها ولكنا نحس ان السلام هو مستقرنا الحقيقي وتعزيتنا الكبيرة. ويلفتك ان اللبناني يشعر انه مقصّر ان اهمل تقديم التعازي الى أصدقائه والى عائلات ليست منه قريبة جدا. هذه عادات ينبغي ان نحافظ عليها ان ابتغينا الا تجف قلوبنا. الى هذا ممارسة التهانئ في الأعراس او عند نيل شهادة علمية. التعازي والتعانئ صور عن المحبات المتبادلة. هذا مألوفنا في التلاقي البشري. هذه هي القربى عندنا.


الذين ولدوا بعد الحرب العالمية الثانية لا يعرفون اننا كنا شعبا مستقيما في المعاملات. انا عشت فترة كانوا يستدينون مبالغ كبيرة دون كتابة سند ويردونها في الوقت المحدد. واذكر في هذا وفي غيره ان الصدق كان سائدا وسقط بعض الصدق لما عظمت الثروات قبيل الحرب وأثناءها. هل نحن عائدون الى الصدق؟ الكثيرون منا يعيشون في هذا الأمل.

# #
#


كذلك عاش بعض منا فترات كنا نؤمن فيها بالدولة ولا سيما بالقضاء. بسبب من التصاقي المهني بدنيا الحقوق كنت أقرأ الأحكام التي لم تكن دون الأحكام الفرنسية علما وكنت أعرف ان محامي الجزاء مولعون باللغة العربية كما كنت أعرف ان الرشوة يفيد منها بعض من صغار الموظفين وان كثيرا من كبارهم كانوا يكتفون بمعاشهم. ليس من شعب سيء في جوهره.


اللبنانيون على اختلاف عقائدياتهم السياسيّة يحبون بلدهم ويعتبرونه اجمل بلد في العالم. لنقل انه من أجمل بلاد العالم. يذكرون كثيرا اذا هاجروا وينفعون عيالهم التي لم تغترب. شعب عاطفي جملةً. وهذا جميل اذا قرن بالعقل. مواطنون لنا كثيرون باعوا أراضيهم ليعلموا أولادهم. عند بعض من الذين لم يتعلموا تعلق بأن يعلوهم اولادهم قدرا اجتماعيا وازدهارا. ما أعرفه في بلدان الغرب ان الولد يتخذ مهنة ابيه عادة. نحن لا نسأل عن التسلسل المهني. هاجسنا لذريتنا ان تصبو الى الأحسن.


بعضنا يحب متاع الدنيا، اهل الدنيا كذلك في كل صوب. ولكنا الى هذا نحب العطاء ولو موسميا او ظرفيا. ولكنا نتحسس لحاجات خيرية في كل الطوائف. في هذا لا نفرق. من المسلمين من يتبرع لبناء كنيسة ومن المسيحيين من يتبرّع لمشاريع إسلامية. تفسيري لذلك اننا محبون للجماعات الدينية الأخرى.


منذ أربعين سنة تقريبا طلب اليّ مسلمون من بلاد بعلبك يبغون بناء مسجد. من ملابسهم عرفتهم فقراء ولكني أدركت توا انهم يحبون ان أشاركهم عاطفتهم. عرفت تقواهم وبساطتهم وانهم سيفخرون بمعبد لله يكون اجمل بناء عندهم في القرية ويجدون هويتهم فيه. وفهمت انك لا تستطيع ان تخذل الفقراء لأنهم عيال الله.


من كل هذه المقاربات وانا لائم شعبي على عيوبه أقول اننا نستلم من الرب إحسانه الينا ونحوله الى الآخرين ليفرحوا. والفرح هو الذي يصنع شعبنا.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

يوحنا الحبيب/ الأحد 26 أيلول 2010 / العدد 39

في عيد انتقال القديس يوحنا الإنجيليّ، تقرأ الكنيسة المقدسة علينا هذا المقطع الذي يتحدّث عن مشهد المصلوب والواقفين عند الصليب بادئا من ذكر ثلاث نساء، مريم أُم يسوع وأُختها مريم زوجة كلاوبا ومريم المجدلية. إذا قارنّا هذا مع مرقس ومتى، نفهم أن مريم المجدلية ومريم أُمّ يعقوب ويوسي وسالومة أُمّ ابني زبدى. وفي إنجيل مرقس يقول الكتاب «أُخَر كثيرات اللواتي صعدن معه الى أورشليم».

أما تسمية مريم أُم يعقوب ويوسي أُخت والدة الإله فتعني نسيبتها، وهذا كثير في الأدب العبريّ وفي الإنجيل. إلا أن إنجيل يوحنا المعتمد اليوم للقراءة فهمتمّ فقط بوالدة الإله والتلميذ الذي كان يسوع يحبّه. وهذا حسب كل التقليد هو يوحنا الإنجيليّ نفسه. يتوجّه السيد الى أُمه قائلا لها «يا امرأة هوذا ابنُكِ». استعمال يسوع لعبارة «يا امرأة» ورد في عرس قانا الجليل. وهذا عندهم كلام عاديّ وليس فيه أي تقليل من الاحترام. ثم يقول الكتاب ان هذا التلميذ أخذها الى خاصته أي آواها عنده.

في هذا التأمل يجب أن نتجاوز شخص يوحنا الى تسميته لنفسه «التلميذ الذي كان يحبّه» والمذكور بهذه الصفة في غير موضع من الكتاب. فإذا تجاوزنا شخصه ابتداءًا من ظاهر النص، أقول ان يسوع جعل مريم أُمّا لكلّ تلميذ حبيب أي لكل مؤمن. إيضاحا لهذا الكلام أقول بلا تأويل إن لمريم أُمومة تجاه كل واحد منا، وكلمة يسوع هذه على الصليب تكفي لنُكرّم والدة الإله.

لا أحد يستطيع أن يعرف على وجه الدقّة ماذا تعني أمومة مريم لكل مؤمن. على الأقل، تعني أن لها صلة رقّة وحنان وشفاعة واحتضان لكل منّا، وأنه لا يسوغ لنا أن نتجاهلها في صلاتنا، وهذا يؤكد ما قالته لنسيبتها أليصابات أُم القديس يوحنا المعمدان: «ها منذ الآن تُطوّبني سائر الأجيال». تُطوّبني تعني اعترافنا بأنها تتمتّع بالطوبى السماوية أي برؤية الله الكاملة.

ونحن لا نقول هذا إلا عن الشهداء الذين لا يفرّقهم شيء عن المسيح. بقية القديسين نقول عنهم انهم في الملكوت يشفعون طبعا بنا، ولكنهم ليسوا على كمال الرؤية.

القراءة الإنجيلية ركّزت مع ذلك على يوحنا الإنجيليّ، وسمّت موته انتقالاً كما سّمت رقاد والدة الإله انتقالا. في كنيستنا هو أول شخص نُسمّيه لاهوتيا فنقول «يوحنا اللاهوتي» اذ لم يكتب احد من الانجيليين عن أُلوهية المسيح كما كتب هو.

نُسمّي اثنين آخرَين لاهوتيَين فقط وهما غريغوريوس النزيانزيّ وسمعان اللاهوتي الحديث، والواضح أنه يُحلّق كما لم يُحلّق سواه.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الضعاف / السبت 25 أيلول 2010

دخلت منذ أيام كنيسة فرأيت خادمها مقوّس الساقين وقد أقبلت عليه الشيخوخة فأتعبني المشهد. هذا ليس من الفائقي البشرية كما يلتمسهم نيتشه. بأي معيار هو ناقص؟ لماذا المتقوّم الأعضاء بات نموذجا؟ ماذا تعني لنا الإنسانية المستقيمة على مستوى الجسد؟ لماذا الإنسان المتلألئ العقل افضل من الغبي؟ كل ما في الأمر ان الأذكياء يقضون الحاجات التي يتطلبها العقل اي عندهم أدوات أنجع في مستواها ممن ساءت أدواتهم ولكنهم قادرون على الإنتاج في صعيد آخر ليس أدنى من صعيد الفكر ولعله أعلى اذا اتخذنا الإنسان في قرباه من الإنسان الآخر وجدانيا او عمقا او حبا.



لا يقدر أحدنا ان يعطي في كل المجالات. ان تكون في آن مفتول العضلات، جذاب العينين، حاد الفهم، مفيض العاطفة، ثريا، هذا يعني للناس انك دنوت من الكمال. ينقصك، اذ ذاك، شيء واحد ان تكون محبا. وان كنت كذلك على نحو عظيم لا يهم عظماء الحياة الروحية شيء من قوتك البدنية وما اليها ومن ثروتك. كل هذا عندهم «باطل وقبض الريح«.



وان كنت مبصرا وضعيف البصيرة هذا ينفع بعضا لأن البصر هو الإحساس الأهم. والناس كلّهم حساسون للأحاسيس وقد لا يعيشون على مستوى يفوقها. انهم من هذا العالم وكفاهم. هناك مثقفون يعيشون الفكر ولكن الفكر ايضا من هذا العالم. انهم لم يعرفوا يوما ان القلب اهم من العقل ان لم يكن هذا في إحياء القلب.


واذا تأملنا في أمر الحسناء فهذه غالبا ما ظنّت أن الحُسْن قيمة وانه يُغنيها عن أشياء كثيرة. تهتز لها البلاد ان دخلت مباراة ملكة الجمال. تحسب ان هذا ذو قيمة في حد نفسه يمكن إضافتها الى قيمة العقل التي يمكن إضافتها الى الأخلاق ودليل ذلك ان لكل مجال من هذه المجالات علامة في المباراة.


هل خطر على بال حسناء ان المرأة القبيحة، الكثيرة القبح، قد تكون ذات بهاء وجلال ليست الحسناء عليهما وان أسياد الحياة الروحية حساسون للجمال الروحي الذي قد تكون عليه القبيحة وان الجمال العظيم قد يكون باطلا وقبض الريح وليس فيه ذهول بحيث ان سوء الأخلاق يلغيه إلغاء كاملا؟


لا مقارنة ممكنة بين العظمة الروحية وعظمة الجسد، بين ثروة وفقر اذ كثيرا ما يكون الفقير اعلى شأنا من الغني. وما من مقارنة ممكنة بين الذكي والغبي فقد يكون الغبي أعظم شأنا في مقاييس الروح من الذكي. ليس من سُلّم قيم الا اذا اتفقنا على القيم.


# #

#

معظم الناس يشكرون لله صحتهم. في مفهوم الإنجيل انها هبة اذ كان يسوع يعيدها لمن فقدها ويذهب الى أبعد من هذا اذ يقول بأسلوب او بآخر ان الشفاء من علامات اقتراب الملكوت. غير ان الناصري كان يوجّه من نجا من مرض الى التوبة اي يقرّبه مما كان يفوقه وما كان أتباعه يسكرون بالأصحاء. العامّة عندنا تقول: «صحتك بالدني»، وما سمعت احدا يقول: «توبتك بالدني». هذا المعطى البيولوجي موروث الحضارة الكنعانية عندنا وتجده في أثينا وروما وفي كل أصقاع المعمورة. وهذا ما يقدره المصابون بالأمراض المزمنة او المصابون بأوجاع دائمة. وأفهم كثيرا ان يأمل السقماء بمجيء يوم لا يتعاطون فيه الأدوية لكونهم ملّوها وملّوا استعبادها لهم.


كل الإنسانية في نطاق المرض وليس سلامة كاملة عند اي مخلوق بشري. ولئن تقنا جميعا الى السلامة فهي ليست بالضرورة الهناء فأنت، ضرورة، في عصاب او في خلل نفسي كبير وهنا يأتي جسدك عاجزا عن منحك الفرح. انت اذًا مكسور الجسم او معطوب النفس وتوقك الى سلامة لن تأتي كاملة ويدعوك الأطباء الى التأقلم اي ان تعيش كما قيّض لك ان تعيش.



لك ان ترجو ولك ان تربي نفسك على معايشة السقماء. الصحة والمرض كلاهما حالة في الحياة. وانت، مريضا او مصابا بأوجاع تُلازمك، كاملُ الوجود الإنساني وكاملُ السلامة الروحية إن طلبت ان تنزل عليك مائدة من السماء. وقد يكون المريض في وضع تذمّر او تأفّف او ضجر او رفض لله اي يكون قد خسر من قيمته الإنسانية مع انه قادر على الشكر لأنه لا يعرف الحكمة في ابتلائه. يسمح الله بالبلى ولا يسبّبه. انه للمريض ظرف حكمة وتقديس نفس واعتلاء روح. المقارنة بين السليم والمريض متعذّرة كليا.


# #

#

يقلقني جدا هذا الفصام القائم عند ناس يعتقدون أنفسهم مؤمنين بين إيمانهم وإعجابهم بالمال والجمال وصحة الأبدان. أفهم انخطافهم الى الفكر النيّر العظيم وقليلا ما كانوا مثقفين. الذكاء المفرط شيء يُسكرهم ولو كان صاحبه عاديا جدا على مستوى الأخلاق. يزكّون سوء أعمالهم بقولهم: «نحن لسنا قديسين» ويريدون بذلك انهم لا يبغون ان يصيروا قديسين. هم يعرفون موقف الدين من المال والسلطة والقوة ولكنهم يفصلون بين العبادات التي يمارسون وحفظ الوصايا الإلهية. يحافظون بلا حدة، بلا لهب، بلا تضحية كبيرة. إن أردت أن أُغالي لقلت ان دينهم لا يكلّفهم سوى الطقوس. هذا اذا مارسوا. الى هذا تراهم واقعين في حزن لا يوصف عند فراق عزيز اي انهم لا يزالون على الديانة الكنعانية التي منها البكاء على تمّوز. وبسبب من شغف الكنعانيين والفينيقيين بالحياة الدنيا، الكثرة من شعبنا لا تزال على هذا الشغف وكأنهم لا يؤمنون بالقيامة. المسيحيون منهم يتلون في الكنيسة: «وأترجى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي» ولكن أدب المآتم لا يدلّ على انهم يؤمنون بهذا الكلام.


الخوف من المرض ومن الفقر ومن الموت شيء واحد. الفرح عندنا ليس الفرح بالكلمة الإلهية ولكن بالأعراس. الغلوّ في الأشياء المترفة، الغنى والضجة والإنفاق الرهيب على حفلات الأعراس كلها خارجة على قدسية الزواج وعلى الصلاة فيه. رأيت بعض العرسان يصلّون أثناء الإكليل ويتابعون الكلمات الإلهية ولكني قلّما وجدت الحاضرين مأخوذين بالكلمة.


بضعة ايام بعد مولدي مرّ جدي بأمي ورأى أمتعة مهيأة لترسل على الشاحنة الى الجبل فقال لأمي والدها: «ان هذا الصبي غير معمّد فكيف تأخذينه في هذه الحال الى الضيعة؟». قالت سأعمّده في تشرين اي بعد رجوعنا من المصيف. قال لها أخشى عليه من اختلال صحته هناك. عندئذ أحضر الكاهن فعمّدني بين الفراش الملفوف بالسجاجيد والكراسي والطناجر قبل حملي الى المصيف. كان جدي اذًا يهتم للبركة الإلهية لا الى الاصطياف.


هناك أشياء في دنياك خاضعة لكلمة الله وهي القيمة الوحيدة عند المؤمن الحقيقي. ليس من سلّم قيم. هناك فقط ما يراه ربك قيمة.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

أحيا في المسيح/ الأحد 19 أيلول 2010 / العدد 38

قيامة المسيح لم تكن لبولس حدثًا مضى نتعلّم منه انما كان واقعا فاعلا في النفس مستمرا في المؤمنين. كانت هي قيامتهم العامة ولكنها هي امتداد في حياة المؤمن. وهذا التغيير الروحي الدائم في حياة المؤمن هو الذي ينقلنا من ناموس موسى الى الحياة الجديدة.

في هذا يقول الرسول: «إني بالناموس مُتّ بالناموس لكي أحيا لله». أراد أن المسيحي اذا لم يتبع فرائض الناموس الطقسية اذ لا يُبرّر بها يتبع شريعة المحبة فيُصلب مع المسيح. هذا مكرّر في مواضع اخرى في الرسائل. اذا انصلبت أي صلبت كل أهوائي فأحيا مع المسيح الذي قام من بين الأموات.

غير أنه يسعى الى تعبير آخر فيقول: «لا أنا بل المسيح يحيا فيّ». الرسول يُبيد الأنا، فذاتُه ليست هو، ولكنها المسيح. هذا يعني إطفاء الشهوات كليا، انعدام الرغبات المؤذية، اندماج المؤمن بالمسيح اندماجا كليا.

أخيرا يقول «ما لي من الحياة في الجسد أنا أحياه في إيمان ابن الله الذي أَحبّني وبذل نفسه عني». أي في تطهري من الأنا المنكمشة، المنغلقة تبقى فيّ حياة نازلة عليّ من السماء. هذه هي إيماني بابن الله الذي أحبني. هنا المرة الوحيدة التي لا يقول: «أَحبّنا» بالجمع او ما هو بهذا المعنى. انا شخصيا هدف خلاصه. انا هو الذي من أجله نزل الرب يسوع الى العالم «وبذل نفسه عني».

هذا هو سرّ الصليب الذي تكلّم عنه بولس مرات كثيرة. صلْبُ المخلّص وقيامته وإنجيله هي عنده شيء واحد. غير أن هذا كله ينصبّ في الإنسان فهو مصلوب وقائم وحامل كلمة الله وهو مهلك نفسه بالجهاد كما يقول إنجيل اليوم وذلك من أجل إعلاء كلمة الله ونشرها. ولا يستطيع إنسان أن يحملها ما لم يقبل صلب نفسه لينال على الأرض قيامة روحية في التنقية من العيوب والآثام. النفس في هذه القراءة الإنجيلية أي الذات هي أفضل من الكون كله. ولذلك لا تقدر أن تبيعها بشيء من هذه الدنيا.

المال واللذة والنفوذ والسلطة كل هذه لا تساوي النفس البشرية الحرّة من المعاصي والقادرة بخوف الله أن تتحكّم بشؤون الدنيا بطهارة وتواضع وبلا تسلّط على احد.

غير أن سلطان الإنسان على نفسه لا يحصل المرء عليه بمجرد عمل الإرادة وإصرارها على أمور الإنسان، ولكن السلطان المسيحي في عمل الإنسان يأتي من سلطان الله عليه. بتقبّلنا الله نذهب الى الناس والى الأشياء لتكون العلاقة ليس فقط سليمة ولكن نافعة لنا وللآخرين.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

علم الدين / السبت 18 أيلول 2010

في النهاية كل دين كتاب والمعابد هي لمعرفة هذا الكتاب وتنقيحه او تجويده والألحان كُتبت من اجل كلمات. والصلوات تأتي مقابلة لكلماته او التقاء بها ومدّا شعبيا لها. الصلاة وسيلة إعلام بهذا الكتاب. العمارة نفسها، بطريقة او بأخرى، حيث آيات مكتوبة او أيقونات موضوعة هي تجاوب جميل مع هذا الكتاب. والأديان التي تستعمل الرموز كثيرا مثل المسيحية لا تخرج عن النص ولكن تقدّمه بطريقة أخرى.


اجل النصوص المقدسة يتدارسها المؤمنون جميعا على قدر استيعابهم الفعلي وذلك في بيوتهم. هي جاءت من اجل معرفة الله وفكره وصفاته وأعماله، ومن عرف الله يعرف نفسه والآخرين. ولكن نصوص الصلوات عميقة وتحتاج الى إعداد لاهوتيين او علماء كلام ووعاظا. يحتاج المؤمن الى معرفتها بمعانيها المقصودة والمعاني التي ولدت في التاريخ لأن الكتابة الملهمة فاعلة. من هنا أن عندك مناهج التفسير والاطلاع على تاريخ التفسير وتاريخ الإسلام او تاريخ الكنيسة ودراسة العقيدة والعبادات وأصولها والسيرة. هي مجموعة علوم مترابطة، متناسقة، متكاملة.


وفي هذه الرؤية لا بد للمسؤلين المفوّضين بالتعليم أن يعرفوا كل هذا على أعلى مستوى ممكن، وإلا تكون كلمة الله قد ذهبت سدى ويبقى الناس على جهالتهم اي يبقى إلههم محجوبا عن عقولهم ولو مسّ قلوبهم.


عند هذه النقطة أتكلّم عن المسيحية بخاصة. هي تسمّي الإيمان مستقيما في الشرق والغرب، والإيمان ينتقل بالسمع «كيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به. وكيف يسمعون بلا كارز» (رومية 10: 14).


المضمون الإيماني لا يصل اليك اذا لم يبشّرك احد. وكيف يبشرك المبشر إن لم يدرس؟ لذلك قالت قوانيننا القديمة ان الموعظة واجبة في كل خدمة إلهية (صلاة سَحَر او غروب او قداس او إكليل او جنازة إلخ). هذا الأمر يدل على أن العبادة بلا موعظة توضحها لا تبلُغ العقل. ولذلك عندنا منذ القرن الرابع تعليم عن العمادة وعن القداس الإلهي. قد تبلُغك المعاني الإلهي الكثيرة بالطقوس، ولكن الطقوس لا تُغني عن الشرح والتفسير، وإلا لما أمر الآباء القديسون بالوعظ في كل صلاة.


# #

#


وإن كانت تعني وحدها لما سُمّي الكاهن عند رسامته خادما للكلمة. الكاهن العيّ، الأخرس غير موجود في رؤية مرجعياتنا القديمة. المؤسف حقا أننا في عصور غير متأخرة انتخبنا رجالا للكهنوت لا يعرفون شيئا من التفسير او أي علم من علوم اللاهوت واكتفينا بإعدادهم لإمامة الصلاة. وهنا أعترف أن الكثير من المؤمنين اتصلوا بربّهم عن طريق هؤلاء الناقصة معارفهم. ولكنها مغامرة كبيرة أن نتّكل فقط على حنان الله ورأفته بعباده ولا نتّكل كثيرا على معرفتنا بالنصوص. أنت لا تُقامر بشؤون الله. هذا ليس توقيرا له. هذا اتكال على صدفة المعرفة. والدين لا يقوم على الصدفة. دائما أقول لمن أرعاهم: هبوا أن سائحا أجنبيا جاء الى قريتكم شغوفا بالعقيدة التي انتم عليها وهو مريد أن يزداد علما بها، لمن تقودونه. هو يتوقع أن تذهبوا به الى الكاهن فإن كان أُميّا او شبه أُميّ كيف يحترم هذا الأجنبي ديانتكم؟


مرة طلبت إحدى الرعايا الى القديس يوحنا الذهبي الفم أن يقيم احد الناس كاهنا لهم فسأل الوفد: ما صفات هذا الإنسان؟ قالوا إنه لتقي. فأجابهم قديسنا هذه فضيلة أتوقّعها من كل المؤمنين. أمّا من تقدّمونه للخدمة الروحية فينبغي الى التقوى أن يكون عارفا بما تُعلّمه المسيحية.


لا يمكن تاليا أن يكون طالب اللاهوت مجرّد إنسان ورع اذا تخرّج. هذا أمر مفروض فيه لأنه بلا ورع يُعثر الرعية. ولكن الورع اذا جذب الى الله بعضا فلا يجذب الكل. الكلمة حظنا الرئيس للانجذاب الى الله.


لا يُطلب الى إمام الأُمّة أن يصنع عجائب فالأعجوبة تُحرّك ولكن ليس في كل حين. وسيلة الرب الأساسية ليست المعجزة ولكن الكلمة.


# #

#

واذا طلبنا المعرفة من القساوسة فبالحري نطلبها من الأساقفة لأنهم المولجون الكبار بالتعليم بل مراجعه. بتعبير بسيط لا بد للأسقف من أن يؤخذ من كبار الأكاديميين لأنه هو الذي يوزّع المعرفة العليا على من لم يستطع أن يحصّلها. والمناقشات الكنسية في مجمع الأساقفة كثيرا ما تدور حول مواضيع لاهوتية ولا تنحصر في بحث أمور إدارية بحتة كالمال والأوقاف. لا يستطيع أسقف في مجمعه إن طُرح عليه سؤال أن يقول دعوني أراجع مكتبتي لأجيبكم عن أسئلتكم. ماذا كان يعمل بمئات او ألوف من الكتب في مكتبته؟


ليس الأسقف زعيما لملّة. هو مسؤول عن تكوين أُمّة الله بالتعليم. أحيانا أبسط النقاش يدور حول اوضاع الرعاية والأوقاف وما اليها. وهذا يتطلّب منك موقفا لاهوتيا. لا فصل عندنا بين اللاهوت وتنظيم أحوال الرعية.


واذا كانت شؤون الكنيسة تأتي بالشورى بين القادة الروحيين فهذا يعني أن كُلاّ منهم واقف على ما هو مشترك بين العارفين. المعرفة وحدها تؤمّن الهدوء والوئام والمحبة بين المشاركين في الرئاسة الروحية التي وظيفتها الوحيدة خدمة المؤمنين. وإن لم تتوفّر المعرفة ينساق الرؤساء الى مهاترات او خصومات سرعان ما تتحول الى خلافات شخصية والى شغف السلطة او المال او السياسة التي لها أربابها عند العلمانيين الذين كنا نسمّيهم عواما منذ بضعة عقود.


العلم القليل يولّد العجرفة والانصراف عن الأمور الجديّة في تسيير سفينة المسيح في عالم مضطرب. وهذا العالم يثير دائما أسئلة صعبة لا يواجهها المسؤول بلغة خشبيّة وحديث يليق بالأطفال.


لا تستطيع أن تبقى الكنيسة غير مطّلعة على هواجس البشر في دنيا مليئة بالفكر. لماذا يجب أن يبقى الفكر الديني وحده ركيكا؟ الكنيسة، اذ ذاك، بيئة الجهل. والجهل يبيع المسيح ويخونه.


لم أفهم مرة أن سعة العلم دعوة الى إهمال التقوى.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

صليب المسيح/ الأحد 12 أيلول 2010 / العدد 37

قلت في غير موضع ان بولس لما قال، هنا وثمة، «انطروا ما أعظم الأحرف التي كتبتُها إليكم بيدي» كان قد أخذ القلم، وهو قصبة، من يد الكاتب، اذ كان بولس يُملي ربما لأنه كان ضعيف النظر. فأخذ القلم وكتب بحروف كبيرة يراها، وكل حرف في اليونانية منفصل عن الآخر.

ما موضوع هذا المقطع؟ هناك فئة في الكنيسة كانت تريد أن تُلزم الوثنيين المهتدين الى أن يختتنوا وأن يتبعوا شرائع موسى الطقسيّة. وهذا مخالف لقرار مجمع أورشليم الذي لم يُخضع الوثنيين المهتدين أن يعبُروا بالديانة اليهودية إذا اعتنقوا المسيحية.

كان اذًا في غلاطية مَن لم يحترم قرار المجمع الرسولي. شجب بولس من نُسمّيهم المسيحيين المتهوّدين، وشجب افتخارهم بالختان اذ قال: «حاشى لي أن أفتخر إلا بصليب ربّنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وانا صُلبت للعالم». وكأنه يقول ان فرائض الشريعة هي من هذا العالم، فإذا هي صُلبت (أو ماتت) فأنا حيّ.

وتتصاعد لهجة الرسول ليقول: «ليس الختان شيئا ولا القلف» (او الغرلة في ترجمة أُخرى) بل الخليقة الجديدة التي تحصل فينا بالعماد.المعمودية هي انعكاس موت المسيح فينا وقيامته.فما لنا وللختان الذي كان علامة العهد بين الله وإبراهيم.اما علامة العهد الجديد فينا فهي دم المسيح واستتباعا المعمودية حتى يصل الرسول الى القول: «كل الذين يسلكون بحسب هذا القانون فعليهم سلامٌ ورحمةٌ وعلى اسرائيلِ (بكسر اللام) الله».

التفسير الشائع لعبارة «إسرائيلِ الله» هو أنها الكنيسة التي تتضمّن إسرائيل القديم الذي اهتدى والوثنيين الذين انضمّوا بالعماد.

يتعب بولس من هذه الحالة ويقول: «فلا يجلبْ علَيّ أحدٌ أتعابا في ما بعد فإني حاملٌ في جسدي سماتِ الرب يسوع».

هذه السمات او العلامات في جسدي هي الآلام التي تكبّدها بولس من اليهود والوثنيين.«جلدني اليهود خمس مراتٍ أربعين جلدة الا واحدة. ضُربتُ بالعصيّ ثلاث مرات، رُجمتُ مرة واحدة، انكسرت بي السفينة ثلاث مرات. قضيتُ ليلة ونهارا في عرض البحر» (2كورنثوس 11: 24 و25).

هذا كان عنده انعكاس صَلْب المسيح في جسده ما يعني أن هذه الآلام تُبطل استمرار تطبيقنا لناموس موسى في وجهه الشرعي.

في هذا الأحد الذي قبل عيد ارتفاع الصليب نستعدّ للعيد بإعجابنا بأوجاع الرسل والقديسين وبمعرفتنا، كما يقول إنجيل اليوم، أن الله «هكذا أحبّ العالم حتى بذل ابنه الوحيد».

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

المجموعات الدينية ولبنان / السبت ١١ أيلول ٢٠١٠

الكثير من هذا المقال افتراضيّ ولكن قد يكون الافتراض فيه متصلا ببعض الواقع. انا لست من القائلين ان كل مشكلة لبنان تختزل في النظام الطائفيّ ولن أتطرّق الى الجانب الطائفي إلا من حيث هو تركيبة تقوم عليها قراءتي للبلد.

                      هذا بلد صنعه سياسيا البطريرك يوسف الحويك بسبب من الأهمية الكبرى لطائفته في ذلك العهد وشمول لبنان فيها كائنة ما كانت الأدبيات الوطنيّة آنذاك. في الفلسفة السياسيّة صنعه ميشال شيحا الذي لم يكن مارونيا وأقامه على الطوائف حفاظا على المسيحيين في البحر الإسلامي. إلا أن المسلمين كانوا عروبيين وأنصار الوحدة السورية بآن. ثم بعد انقضاء عقد على إنشاء دولة لبنان صارت الوحدة السورية قضية قوميّة-فلسفيّة قامت سوسيولوجيّا على عدد هائل من المسيحيين.

                      أخذ المسلمون يتلبننون بعد حوادث ١٩٥٨ حتى انتهى تلبنُنهم مع الطائف. لقد اختلّ التوازن الذي رآه شيحا لصالح المسلمين ولم يبقَ سبب بعد تضاؤل الحركة العربية بموت عبد الناصر لعدم انضمام المسلمين الصادق الى لبنان ولا سيما أن شرائح كبرى منهم عظمت ثرواتها وبطلت الدعوة الاشتراكية العربيّة أن تستهويها.

                      نعيش الآن في بلد لا خلاف على هويّته الوطنيّة ولا حول حدوده ولا شوق حقيقيا الى تجزئته او الى إدارته بصورة تهدّده بالتجزئة. غير أن هذا البلد في محيط إقليميّ لكل بلد فيه مواقف من لبنان او على الأقل أحاسيس ذات فاعلية وكذلك شاء أَم أبى هو حجر في لعبة الأمم.

                      استنادا الى فلسفة كيسنجر في الحفاظ على الأقاليم كما هي مرتّبة وكما هو مرتّب كل بلد تنتفي فكرة ضمّ لبنان الى مساحة أكبر. اولًا سوريا ليست في هذا السعي أيّا كان رأيها في ذاتية لبنان الوطنيّة او أصالته التاريخيّة. إسرائيل طامعة وهذا في نصوصها التأسيسيّة، ولكنها طامعة ايضا وفق هذه النصوص بما هو أبعد من لبنان. غير أن الواقع السياسي Realpolitik لا يتعدى طمعها بالمياه والنفط. بمعنى آخر لا أتوقع، في نهاية المطاف السياسي أن يتجاوز الكيان الصهيوني معاهدة السلام المرتقبة. فتلاقي الفكر الدولي والتحرك الإقليمي يجعلاني أعتقد أن حدودنا محفوظة في الموقف الإقليميّ منّا والموقف الدوليّ.

#                                         #

#

                      هذا يتلاقى واستقلال سوريا الكامل في نظر الدول. غير أن قراءة الولايات المتحدة لمجموعة دول الشرق الأدنى هي أنه يجب ان تبقى سوريا دولة قوية بالنسبة الى لبنان والأردن وفلسطين المحررة مع تمسّك أميركا بأن تبقى إسرائيل الدولة الأولى على كل صعيد. ذلك أنه لا بد من دولة قادرة نسبيا أن تقف في وجه إسرائيل حتى بعد معاهدة السلام.

                      وحتى تبقى سوريا دولة تُواجه إسرائيل لا بد لها أن تمارس نوعا من رعاية لبنان وهذا أسلوب غير اسلوب الوصاية. فإذا مورست هذه الرعاية بلين ومودّة (الندّية من هذا المنظار غير واردة) ترى السياسة الدولية تحركا لبنانيا مدركا لرعاية الشام. هل يمارس في فلسطين الآتية والأردن رعاية ما لطرفٍ ما لست أَعلم.

                      أما الداخل اللبناني فكيف تتحرك فيه القوى السياسيّة المرتبطة بالطوائف؟ أظن أن عامل التوازن الرئيس سيكون لأهل السنّة والجماعة لأن الموهبة السنّية موهبة هدوء لطالما بُنيت على التجارة والقربى لدول سنّية تريد الاستقرار للبنان او هكذا تبدو تركيا حتى الآن. وما يدعم هذه الرؤية أن أهل السنّة والجماعة هم الذين ارتضوا المناصفة في مجلس النواب ويلحّون على بقائه والسلم الأهلي ضروري لتبوّء لهم واضح.

                      واذا جئنا الى الشيعة فليسوا يضعون تحت السؤال المناصفة البرلمانية، وما يبدو منهم أنهم سالكون مسالك الديموقراطية بمعنى أنهم لا يريدون أخذ الحكم عنوة ولكن عددهم يفرض نفسه فإنهم الطائفة الأولى ولو لم يتجاوزوا السنّة الا بعدد قليل.

                      والشيعة عندهم نوعيّة فكرية لا يجهلها أحد وهي ليست دون أية نوعية أخرى أي انهم في بضعة عقود قليلة أدركوا أعلى درجات العلم ومقامهم في المهن الحرة ومؤسساتهم التكنولوجيّة راقية بامتياز. وفي المدى المنظور ليس ما يشير الى إمكان زرع الفتنة بين المذاهب الإسلامية.

                      كل ما قرأته ضد المقاومة الإسلامية لم يُقنعني حتى الآن. أن تُضمّ الى الجيش أمر مستحيل. يبدو لي أن الشيعة غير مقتنعين بأن الدولة اللبنانية صائرة الى دولة مدنيّة في المدى المنظور. وقوّتهم العسكرية مرتبطة بإيمانهم الديني. وحماستهم في القتال مرتكزة على صوفية الجهاد ضد العدو، إذا خسروها يخسرون حدّة قتاليّتهم. وقد برهنوا في حرب تموز أنهم قادرون أن يُرعبوا إسرائيل. إن تغيير تنظيمهم يرميهم في المجهول ما يُعطي الصهاينة قدرة أن يدوسوا لبنان. ليس للبنان الرسمي أية إمكانية وحده أن يقف ضد اجتياح للعدو.

#                                      #

#

                      يبقى هنا التساؤل عمّا اذا كان السلم بيننا وبين إسرائيل ممكن مع وجود المقاومة. هذا مستحيل اذا بقيت المقاومة بعد تحرير الأرض اللبنانية.

                      الى هذا  المارونية السياسية لم تمت لأنها تُلازم الإثنية المارونية وتاريخها ولم تُنتجها الحرب في لبنان. وليس من شيء يمكن تسميته المسيحية السياسيّة لأن الأرثوذكسيين الذين ليسوا إثنيّة لم يواجهوا الإسلام السياسي اذ ليسوا هم كثافة سياسيّة وعاونوا الحكم الإسلامي القائم في عهوده المتعاقبة. عندهم اذًا مسلك كنسيّ او روحي تجاه الإسلام ومعايشة للمسلمين بلا كيانية مجتمعية لذاتهم ومع أمل ما في العصر الحديث أن يصبحوا مع المسلمين أمّة واحدة كما جاء في دستور المدينة الذي وضعه الرسول.

                      ليس همّنا أن تتّفق الزعامات المارونية بل سؤالنا هو على اي شيء يتّفقون. هل يريدون أن يستمرّوا إثنية تُواجه الشعوب الأخرى وفق تعبير سركيس نعوم أَم يذوبون في مجتمع لبناني مدنيّ ويكملون طريقهم الى الله ككنيسة تجد نفسها في مشرق مسيحيّ ويزداد تشريقا في وجوده الكنسي وتصوّفه السرياني أي يتحرر من منحاه اللاتيني ليعود الى أصوله الشرقية. هذا هو شرط اندماجه بالمسلمين كما أرى.

                      المارونية السياسية قائمة في القلوب ولكن ضعفت فاعليتها وغادرها أكثر المسيحيين غير الموارنة الذين كان بعضهم منها في الحرب. الموارنة في حاجة الى أطروحة أهم وأعمق من المارونية السياسيّة أسمّيها أطروحة التشريق اي التجذّر مع المسيحيين الآخرين في كل مدى الشرق مع المحافظة على لبنانية لا يحتاجون الى أن يتعلّموها من أحد. لهم ميراثهم وتطلّعاتهم. السؤال كيف توفيقها مع تطلّعات الآخرين. شهادتهم لا يقدرون أن يؤدوها إلا مع كل مسيحيي لبنان والمنطقة. كيف نكون معا مسيحيين في قوة روحية عظيمة هي شرط خدمتنا لكل أهل الوطن دون أن نبني مسيحية سياسية جامعة؟

                      للموارنة ولسواهم من المسيحيين نكهة الإنجيل. هذا ما نستطيع معا أن نقدّمه، وهذا ما ينتظره المسلمون الصالحون. لا يستطيع أحد ان يفهم لبنان بلا مسيحية قوية، نضرة، خادمة.

                      كان في هذه السطور تأملات فيها افتراضات وقراءة تستطيب كل مكوّنات لبنان العظيم في رؤية.

Continue reading

Popular posts

من الشعانين إلى الصليب/ 23 نيسان 2000/العدد 17

دخول السيد إلى أورشليم يعني قبوله الصلب. كان هو تنبأ غير مرة عن آلامه وقيامته. فبعد ان أَنهض صديقَه لعازر من الموت، دخل إلى المدينة المقدسة وفي هذا حقق...

المسيح يحيا فيّ / الأحد 21 تشرين الأول 2007 / العدد 42

في الرسالة الى أهل غلاطية منشغل بولس الرسول اننا لا نتبرر بأعمال الناموس الموسوي ولكن بالإيمان بيسوع المسيح. فالمسيح غاية الشريعة القديمة. فقد بطل الناموس يحييني وما حيا به...