2011, مقالات, نشرة رعيتي

الابن الشاطر/ الأحد 20 شباط 2011/ العدد 8

حكى يسوع كثيرًا عن التوبة صراحة. هنا يؤلف حكاية تُصوّر هذا التعليم تصويرا. وتدور الحكاية او المثل هكذا: انسان كان له ابنان، الصغير أراد ان يأخذ مسبقًا حصته من الإرث وأن يفترق عن بيت الأهل، والآخر لم يرد القسمة بل أراد البقاء في البيت. الصغير أخذ كل أمتعته وعاش في بلد بعيد على هواه عائشا في الخلاعة. أنفق كل شيء إذ حدثت في الغربة مجاعة وحاول أن يعيش بمال قليل يجنيه من عمله ولكن كسبه كان قليلا.

فكر بالعودة الى بيت العائلة وأن يقول لأبيه انه ابنه أي أن يعترف بخطاياه. فيما هو غير بعيد عن البيت رآه أبوه. هل كان الرجل على شرفة او على سطح مطلّ على آخر طريق العودة؟ هل انه لم ييأس من عودة ابنه؟ هل كان يتوقّع أن يقع الشاب في خسارة اقتصادية لكونه ذهب لينفق لا ليجمع ثروة؟

«رآه أبوه فتحنّن عليه وأسرع وألقى بنفسه على عنقه وقبّله». لم يوبّخه، لم يلُمه، لم يقل له ان السلوك الحَسن كان أفضل من السلوك السيء. اكتفى بأن يعانقه وان يعطيه الحلة الاولى ويلبسه فقد كان ممزَّق الثياب ككل انسان جاع وما كان عنده ان يشتري ثوبا. وذبح له العجل المُسّمن وقال للخدّام: «ان ابني كان ميتًا فعاش وكان ضالا فوُجد». سمّاه ابنه اي لم يقطع العلاقة به.

وكان في الحاشية غناء ورقص، وتعجب من هذا الابن الذي بقي حرا وغضب لكونه اعتبر ان أباه كان ظالمًا ففصل نفسه روحيا عن العائلة ولم يُرد أن يدخل، وأخذ يُمنن أباه واعتبر نفسه بارّا. كيف يُعامل الأزعر مثل الطاهر؟ كيف يفضّل الولد الساقط على الذي لم يسقط؟ هذا ما كان يدور في فكره. أيكون جزاء الزاني أن يعامل مثل الذي بقي طاهرًا؟

منطق الآب كان منطقًا آخر. البار أُعامله كصاحب البيت. يأكل ويشرب ويتنعم بكل ما في البيت. تنعّم الى الحدّ الأقصى وليس من حقّه أن يُعاقب أخاه. والمال للأب وهو حرّ به. ولم يمنع عن الكبير شيئًا. لم يحرمه شيئًا. العجل المُسمّن له والخاتم والحذاء، وله الحق أن يعطيها كلها لمَن شذّ ومرق.

كان قلب الوالد همّه أن يخلص ابنه المتمرّد وأن يقول له انه لا يزال يحبّه، وأحسّ الوالد بأن ابنه الصغير كان كالميت وسمّاه الإنجيل ميتًا.

هذا المثل الذي سُمّي «مثل الابن الشاطر» في تراثنا هو في الحقيقة، اذا اعتبرنا الولدين، «مثل الوالد الحنون» الذي غفَر للولد المُتمرّد وعامل بالعدل الولد الأكبر. عامل كل واحد بأسلوب ولكن بالمحبّة الواحدة. يسوع جاء ليخلّص الخطأة، وإذا ميّزهم فلكي يحسّوا ويتوبوا ويعودوا الى وجه الآب السماوي.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الخاطئ / السبت 19 شباط 2011

ان سألت أي انسان عن الخطيئة يجيبك انها تعدي الوصية. يؤتى الجواب من اعتقاده ان الله آمر ناه. هذه صورة الله الشارع والقاضي. والرب هكذا لأنه يواجه الإنسان. بما في الخالق من جوهر وما في الإنسان من جوهر بمعنى انه لا يأمر اعتباطا ولا ينهى اعتباطا ولكنه ينطلق من ذاته ليقول واذا بدا لك قاضيا فلكونه يمدّك بصفات هي فيه. انه يقاضيك لأنه يريدك على صورته، لأنه جعل بينك وبينه مجانسة. انت تخطئ لأنك اخترقت هذه الوحدة الأولى، المنشئة اياك التي جعلها الله شبها بينك وبينه.

في اللغة من أخطأ الطريق عَدَلَ عنه ومن أخطأ الغرض لم يصبه. في المصطلح الديني انت تريد شيئا أمر الله به ولا تفعله او تفعل شيئا لم ترده وانت قاصد هدفًا ولم تبلغه واذا كان الله الهدف ولم تصل اليه او لم تفلح في الوصول اليه فأنت خاطئ او آثم او مذنب لأنك سهوت عن البلوغ. انت اذًا غير منشغل بالله، غير مخطوف اليه. واذا كان حب الله هو القوة للثبات فيه فأنت ما سعيت الى المكث فيه. فلا فرق عندك بين ان تلازمه او تجانبه او لا فرق بين ان تتصل وتنفصل. فاذا قررت الانفصال او ارتضيته تحسب انك قائم بنفسك، ما لك لذاتك. لذلك كان الآثم ملحدا وضح عنده هذا ام لم يتضح. الخطيئة أقسى كثيرا مما نتصوّر. لا تأتي عرضا. هي فعل كينوني في غاية العمق والاجتراء.

الخطيئة قاسية لأن الله يتقبل بالخطيئة صفعة من الانسان اذ يقول هذا لربه بتركيب لفظي او غير تركيب انا الله. كانت العلاقة بينهما قبل سقطة آدم علاقة اشتياق. والله أمين لشوقه. اما الإنسان فانقطع عنده الاشتياق اذ «دخلت الخطئة الى العالم وبالخطيئة الموت» و «خوفا من الموت بتنا جميعا كل حياتنا تحت العبودية» اي اننا نخطئ خشية من الموت ظنا ان ما يحرّك فينا الإثم حياة لا بعدها حياة وكلما تعددت وتنوّعت وجوه الإغراء ننأى عن وجه الله فيمحى او يكاد.

#     #

#

كل إثم غرور لأنه شبع الاستكبار. في كل أحواله قتل للأنا المحبة او تجريح للآخر. الذنوب اذا خرجت تصل الى كل آفاق الكون فيهتز بامتدادها حتى التصدّع. «العالم كله تحت الشرير». والصلاة التي علّمنا اياها يسوع تقول: «نجّنا من الشرير» وكأن الرب يوحي انا في حاجة الى صلاة لا تنقطع حتى لا يسيطر علينا روح الشر ونبقى ملاصقين الرب لنعود الى الوجه الذي انفصلنا عنه بشهواتنا. المشكلة الوحيدة التي تواجهنا هي مشكلة الخطيئة. ليس المرض ولا الفقر ولا الاضطهاد شيئا تجاه وطأة ذنوبنا علينا.

ما يلفت في الإنسان الخاطئ تماسك الشهوات حسب طبيعتها فالحسد والغيرة والبغض والغضب انما هي اصول لذنوب متشابهة بحيث ان الواقع في ذنب من هذه الذنوب ينجر الى أخرى متلازمة. شهوة الشراهة ملتحمة بما هو قريب منها في الجسد بحيث ان من أخطأ الى جسده بتعبير ما يخطئ اليه بتعبير آخر. من هذا المنظار امكن القول ان الخاطئ كتلة من الخطايا او صار خطيئة.

كذلك الفضائل متماسكة فاللطف والوداعة والتواضع متلاحمة ويصعب الانفكاك الواحدة دون الانفكاك عن الأخرى واذا قوى الانسان الروحاني حسنة واحدة فيه يقوي الأخرى تشدد القوى الروحية مجتمعة قد يأتي من شدة فضيلة واحدة.

هذا قد يقود الى مسؤوليتنا في تقوية الإرادة. فيما تقرأه عند الآباء. النساك لا نرى تشديدا على ما يسمى الإرادة كما نرى ذلك في الإرشاد العصري. نرى كلاما على الجهاد الروحي اي تقديس الروح بالصلاة وقراءة الكلمة.

الإلهية والصيام اذ القضية عودة وجوهنا الى وجه الآب بعد ان تحولنا عنه. ما نفتش عنه هو تجديد الكيان البشري كله بالكيان الإلهي. فالصوم مثلا يوجّهنا الى التسامي عن الشراهة وتاليا عما يتعلّق بشهوة الجسد وعشقنا للمال المتصل بشهوات عديدة نبتعد عنه بالكرم ومحبة الفقراء.

هذه الفضائل تعود اليك اذا كشف الله وجهه اليك. وضم كيانك كله اليك وأنزل عليك جمالاته مجتمعة فتكون فيك مجتمعة اي يصير كيانك شبيها بكيان الله.

#     #

#

هنا تعترضنا فكرة الندم. التوبة اقوى من الندم او من الحسرة اذ لا ينبغي ان نفكر كثيرا في ما مضى الحزن الشديد على الخطيئة اذا مضت والتركيز عليه كثيرا يعيدنا الى الخطيئة. اما التوبة الحقيقيّة فهي انطلاقة دائمة نحو وجه الله ونقاوته من جهة ونحو المستقبل الذي نطلب ان نتجدد فيه بالنعمة.

التوبة التي هي تجديد فكرنا وقيمنا تجعل لنا سلوكا قويمًا يهبط علينا من علُ. سرها قول الرسول: «صلّوا بلا انقطاع» اي استردوا افكاركم الى الله بتبني فكر المسيح وهذا يحصل باكتساب الكلمة واستنزالها وعودتها الى الرب بكلماتنا التي يضعها فينا بالروح القدس.

المبتغى الا نصالح الخطيئة، اي خطيئة من اي فئة. ان نبقى يقظين لئلا يتسرب الينا ضعف. كل شيء ما عدا بهاء الله استعداد للضعفات اذا اخذنا هذا المجد نكون ذائقين لبر الملكوت منذ الآن وقائمين في الفرح.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

الفرّيسيّ والعشّار/ الأحد 13 شباط 2011/ العدد 7

عندما يحلّ هذا الأحد نحسّ أننا نقترب من الصيام. فهذا اليوم يدشّن موسم التريودي الذي هو كتاب يحتوي على نصوص الأناجيل التي تسبق الصيام حتى ينتهي الكتاب هذا بما يُدخلنا الى الفصح.

المشهد أن إنسانَين صعدا الى هيكل أورشليم ليصلّيا، أحدهما فرّيسيّ والآخر عشّار. ذكرنا هنا كثيرا الفرّيسيين الذين هم حزب دينيّ متشدد في الحفاظ على الشريعة وأضاف عليها أحكامًا لم تردْ في الشريعة. واصطدم مع هذا الحزب الرب يسوع مرات عديدة لكونهم مرائين. لم يكن المخلّص ضد مواقفهم اللاهوتية ولا سيما أنهم يُجارون المسيح لأنه هو وهم يعلمون القيامة، وغيرهم من اليهود لا يؤمنون بالقيامة. كان المعلّم ضد سلوكهم وكبريائهم.

الشخص الآخر كان عشّارا أي جابي ضرائب للرومان، والعشّارون كانوا معروفين سلوكيا أنهم يسرقون منها ولا يدفعون الأموال كلها للسلطات.

الفرّيسي يتكبّر على العشّار ويتّهمه بالفسق والظلم، ويفتخر بأنه يصوم مرتين في الأسبوع مع ان ناموس موسى لم يكن يتطلّب هذا، ويفتخر بأنه يُعشّر كل ما هو له مع أن المواد البسيطة كالخضار والفاكهة لم يكن مطلوبا تعشيرها.

إزاء هذا، يقف العشّار الخاطئ وعيناه الى الأرض، ويبستغفر إذ يقول: «أللهمّ ارحمني انا الخاطئ».

هذا مَثَل إنجيليّ أي إنه حكاية حكاها يسوع ليعطي اليهود درسا فيقول ان العشّار ترك الهيكل مبرّرا أمام الله وذاك لم يكن، حتى يصل الى القول: «من رفع نفسه اتّضع ومن وضع نفسه ارتفع».

نبدأ اذًا في هذا الأحد الممهّد للصيام بدرس في التواضع. ليس للصيام من قيمة بلا تواضع. لا يفتخر أحد بصيامه. يفتخر بالرحمة التي تنزل عليه من الله وتغفر له خطاياه. فلا يفتخرنّ أحد بأي عمل من أعماله لأننا كما يقول باسيليوس الكبير في قدّاسه «لم نصنع شيئا صالحا أمام الله».

لقد قال بولس الرسول: «من اعتبر نفسه شيئا فهو لا شيء». الله وحده يرفعنا ونحن على مستوى الأرض. يرفعنا بمحبته وغفرانه. من حسب نفسه كلا شيء يجعله ربه شيئا. وقد علّمنا المخلّص هذا بإصرار لمّا قال: «تعلّموا مني اني وديع ومتواضع القلب». المطلوب سلاسة العلاقات مع الناس، لطف التعامل بحيث لا نجرح أحدًا ولا نُحزن أحدًا وبالمحبة نُفرح الآخرين وذلك في كل حين.

فلنتّخذ الصيام المقبل موسم رجوع الى الله، رجوع عميق من كل جوارح قلوبنا حتى لا يسكن هذا القلب إلا الآب والابن والروح القدس، فنشاهد الثالثوث ساكنا في قلوبنا في الأسبوع العظيم والفصح.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

غيرك / السبت 12 شباط 2011

كل سياسة احتمال خصومة. كل تكتل مجتمعي يحمل بذرة سياسة. الكتل إبراز بشر اي إبراز للدنيا والدنيا وما فيها الى فناء. والنظام الطوائفي هو بحد نفسه تهيؤ لصدامات لأنه يعني الأنا في ديمومتها تجاه الأنا الأخرى وقد تنتهي مقابلة الأنا السياسية بالأنا الأخرى اذا سقط حائط العداوة بالحب.

التاريخ وظلمه يفرزان رؤية عندك للكتل الأخرى لأن الجماعات تقرأ نفسها والأخرى من إحساس مجروح اوجامع وتفخر فتتشنج او تسترخي حتى المحضونية وتتمايز فتغنج فتتسلط. كل لعبة التصدي او الذوبان لا مهرب منهما ليستقيم وجه التلاقي بين الناس على صورة من الصور.

في بلدنا نقرأ الآخر من تاريخنا المشترك او الزمن الذي تريده في الآتي وقد تأتي قراءة الآتي مما نشتهيه وفق العلاقات التي ورثنا او التي نريدها. نقرر المستقبل حتى مشتهانا في الحاضر وصورة المستقبلات هي ما ينفعنا اليوم، ما يعززنا. كل تعزيز لفريق لا بد أن يؤذي الآخر او ينتقص شأنه او يحجم ماضيه. لا بد من انثلام في وقت ذهب من اجل الافتخار اليوم وبلا افتخار تتوحد بالآخرين.

من الصعب جدا ألا يكون عند اللبناني رأي في الطوائف ذات الأهمية السياسية لأنه يريد مصيرا لنفسه وسط  هذه الجماعات . اي لأن لهذه الجماعات وزنا في تقرير مصيره فمنها يأتي وزنه ولذلك يريد  ان يعرف وزنها ازاءه وفي الكتلة الوطنية كلها. خطر التحليل لرؤى الطوائف الأخرى انه غالبا ما أتى من المؤرخين وعلماء الاجتماع حصرا فيرى مثلا المؤرخ كمال الصليبي ان استعلاء الروم الأرثوذكس على الموارنة هو التعبير عن ان اهل المدن او التجار يحسون انهم اعلى من المزارعين. هذا اولا تجاهل لكون المزارعين الكبار بينهم اغنياء كثر. المجموعات المسيحية كلها فيها عدد من الفلاحين والأهم من هذا كله ان الدكتور الصليبي يرى التعصّب في فريق واحد والأخطر من كل هذا ان هذا المؤرخ البارز لا يرى الحشو الكاثوليكي في عقول الذين انضموا الى الكرسي البابوي  من مسيحيي الشرق.

#      #

#

التكثيف العقدي يكفي وحده احيانا لفهم ظواهر التشدد في هذه الطائفة او تلك.

مع تقدم الحركة المسكونية اعني حركة التقارب الروحي بين المسيحيين وهي لا علاقة لها بالوضع السياسي نرى ان ما سمي استعلاء طائفة على طائفة صار باطلا لأن الاتحاد بالمسيح طغى على كل اعتبار والوحدة باتت حسا عالميا والشعب العادي لا يفهم لماذا يستمر هذا الانقسام وهو لم يشارك فيه.

ان هذا التلاحم الرعائي هو النظام وهو ليس موجها ضد احد وهو ليس تلازما بين قبائل وقبائل ويفرح كل المسيحيين بالبهاء الطقوسي والالتماع اللاهوتي عند مسيحيين آخرين والعالمون الأعماق يسعون الى ما هو اعمق حتى يمنحنا الله الانصهار الكامل.

واذا نظرنا الى تقارب الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس ناهيك عن اللحمة شبه الكاملة مع الإخوة السريان يتبيّن ان الكثير من المجد قد أطل علينا جميعا حتى يجمعنا الله في نعمته الكاملة.

اذًا ما جرى في الصف المسيحي على الصعيد الروحي حطم الحواجز التاريخية وأنهى التعليل السوسيولوجي ليظهر ان روح الرب لا يحتاج فعله الى عوامل تاريخية لأن النعمة فاعلة بحد نفسها.

والنعمة تخترق جميع المجموعات الدينية اذا كشف الله مشيئته وهو غير مقيد بنصوص. بكلام آخر لا بد ان تبطل رؤية المسيحيين للمسلمين والمسلمين للمسيحيين  على انه لا اختراق روحيا بينهم. وهذا يبدأ بالبسيط. بتنقية كل واحد منا من الأفكار المسبقة عن الجماعة الأخرى بدءًا من تطهر الذاكرة الجماعية. لا ينفع مثلا ان نذكر ما فعله المماليك بالمسيحيين . انهم لقد  أبغضوا الشيعة بالزخم الواحد. وينفع كثيرا ان نفرح بالفن المملوكي العالي. اخطأ البشر كثيرا ونخترق بروح الله الساكن فينا ما افسده البشر. لا نحمل السنة وزر المماليك او وزر العثمانيين كما لا نحمل المسيحيين المشارقة وزر حروب الافرنج. لا معايشة بلا غفران ولا حاضر  اذا تذكرنا معاصي آبائنا.

لن نعرف قوة الغفران الإلهي فينا اذا استمررنا ان نقول عن الدرزي هذه طبائعه والسني هكذا الخ… لا شيء يتجمد في الزمان ولا شيء يدل على ان طبعك يتجمّد بسبب من عقيدة. بدل رأيك في انسان لا مسته النعمة واخرجته من تصوراتك لجماعته. بعض من جماعته يصبح مقرا لله. صورة الجماعة التاريخية تنكسر  احيانا وتتخالط الجماعات تخالطا روحيا اذا أراد لها عمادة بالروح لا بالماء.

الوطن له ان يصبح  جماعة جديدة لا ترث الماضي او ترثه قليلا. الوطن يمكن  ان يتجلى.

التجلي في العلاقات الشخصية حاصل كثيرا. هذا يعني ان نقتنع بقيم واحدة لجميع الناس. اجل كل القيم موحاة من التراثات الدينية. ليست القيم قائمة بالقوة نفسها في كل الديانات ولكنها تعلمنت جيلا بعد جيل . ما من شك ان تعدد الدين موروث قرآني بمعنى ان الله يريد هذا التعدد. انت لك ان تعيد المسلم الى فكرة التعدد ولو لم يمارسها بقوة في حالة سيطرته على الحكم.

على هذا المثال، فلسفة الثورة الفرنسية التي قامت ضد الكنيسة الكاثوليكية في تبنيها للحرية والمساواة والعدالة. هذه الكلمات جاءت مباشرة من الانجيل ولو تجاهلها التاريخ المسيحي كثيرا. انت تتخذها ايا كان مصدرها. طبيعي ان تتعلمن القيم بسبب من الفتور الديني او هبوط المستوى الكنسي.

تنشأ، اذ ذاك، عندك مجتمعات مدنية في ظاهرها التعبيري ناشئة من ايحاء ديني وتبقى الجماعات الدينية على أصولها ونظامها وهيكلياتها ولك ان تقرأ النص الديني كما تشاء وان تتقبل فقهه كما تشاء.

الواقع ان هناك فروقا بين الأديان كبيرة وانها تترجم في الطبائع والعقليات وتفاصيل معايشة. مع ذلك هناك تحرك نحو عقليات متشابهة ذات طابع مدني تقرب بين المواطنين بينها مباينات. هناك شبكة سلوكيات تنتج وضعا موحدًا او شبه موحد تتم فيها اختراقات مجتمعات صغيرة لمجتمعات أخرى في حلم مجتمع يربط الجميع.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

المؤمن هيكل الله/ الأحد 6 شباط 2011/ العدد 6

بولس يتخطّى هيكل أورشليم الحجريّ كما تخطّاه سيّده، ويُعلّم أهل كورنثوس أنهم هُم (بالمعمودية والأسرار والإيمان وكل ما جاء به العهد الجديد) هيكل حيّ لله. وبنى كلامه ليس خروجا على العهد القديم ولكن تأسيسا عليه بواسطة ربنا يسوع المسيح (راجع مثلا حزقيال 37: 27 و إرميا 25: 11).

«سأَسكُنُ فيهم وأَسيرُ في ما بينهم» تُشير الى خروج الشعب من مصر بقيادة موسى، ولكن القائد الحقيقي هو الله الذي يجعل شعبه يعبُر بريّة سيناء الى أرض الكنعانيين (فلسطين). هذا بصيغة المستقبل. ولكن السكن الحقيقي لله فينا وسيره معنا ليس انتقالا من مكان الى مكان ولكن من حالة عبودية الخطيئة الى حالة البِرّ بيسوع المسيح.

أما قوله للعبرانيين قديما «اخرُجوا من بينهم» فإلى أين؟ لا تعني طبعا ابنوا مملكة سياسية بإخراج كل الأجانب. هذا غير ممكن عمليّا. هو الانفصال من أعمالهم. ابنوا جماعة مؤمنة هي الكنيسة التي بطبيعتها هي منتشرة في كل العالم ومدعوّة الى الانتشار بسبب قوله: «اذهبوا وتلمِذوا كل الأمم». سوف تتميّزون بمحبتكم لأبناء الكنيسة ولغير أبنائها. قلت ستتميّزون لأن المحبة هي الرُكن الوحيد للأخلاق المسيحية. أنتم في حالة تجدّد دائم.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو، اذا كان المخلّص قال صراحة اننا هيكل حيّ لله، لماذا نبني نحن معابد؟ تاريخيا لم تعرف المسيحية معابد في القرنين الأولين لأن المؤمنين كانوا يجتمعون في مكان واحد في كل قرية او حيّ في المدينة ويُقيمون القداس فيه. وأوّل كنيسة مبنيّة كنيسة كانت في صور. فكرة تكريس الكنائس جاءت متأخرة. قدسيّة الكنيسة هي بالإنجيل الذي يُقرأ فيها فيصير هذا المكان مكان منبر لكلمة الله، ولهذا يصير الوعظ أساسيا لتفسير كلمة الله او نقلها الى المؤمنين. والقدسيّة ناتجة ثانية من القداس الإلهي وبقية الأسرار.

واقع كنائسنا أنها قاعات كبيرة اضطرّت اليها الجماعة لتكون معا. أن نكون معا يوم القيامة اي الأحد، هذا هو المبتغى لنكون قياميين.

بعد هذا دلّ الواقع على أن الحيّ الكبير يحتاج الى كنيسة، ويستحيل على المؤمنين أن يجتمعوا كلهم في الكاتدرائية. أحيانا تُشاد كنيسة لا لحاجة عدد من المؤمنين ولكن بسبب تقوى إنسان ميسور يريد كنيسة على اسم شفيعه. هذا معروف في هذه الأبرشية.

إنّ كنائسنا وجمالها لا ينبغي أن يُنسينا أننا نحن البشر كنيسة المسيح أولاً. في الاتحاد السوفياتي قبل انهياره، في العشرينات، كانت أربع كنائس حتى وصلت الى ما يقارب العشر على عهد خروتشوف، وبقي الأرثوذكس موجودين. من يهتم أن يكون هو عضوا حيا في جسد المسيح، حاملا الإنجيل في عقله وقلبه ومتحدثا بالإنجيل؟ إن لم نكن معا ومتحركين معا بالكلمة، تكون عندنا معابد حجرية لا كنائس.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

المريض / السبت 5 شباط 2011

المرض ان لم يصبح موطن كشف يبقى تلفا في الكيان. غير ان له ان يفصح على انه طاقة انتقال من الانحدار الى لقاء الرحمة فتعرف ان ما بقي فيك معطى لأن فيك ما يقر وفيك ما يذهب وانت في انتظار. هذا نعيم الاسترحام وليس عذاب الحيرة. ولا تسترحم الا بعد ان يرحمك العلي. وهذا اخذ منه وقبول من لديك ليقوى التوق اليه.

ان كنت تؤمن بالنعمة ترى كل شيء. فيما انت تطلب الصحة تكافح لاستعادتها لاحتسابك انها علامة السلامة. ولكن السلامة ليست فقط عافية الجسد. بدءًا ما نستطيع تأكيده هو ان ثمة دائما تلفا ما يمكث ظواهر فينا وخفايا حتى يضع الله عليك قبضته كلها.. لذلك كانت علاقته بهذا المريض تختلف عن علاقته بذاك لأن التلف ليس واحدا عند الكل ما يلون عطف الله تلاوين مختلفة وقد يكشف هذا للسقيم فرادة الصلة بينه وبين ربه ومع هذا نعرف اننا قادرون برضاه ان نتلقى جميعا رحمته العظمى.

هبوط القوى محنة قد تصبح أزمة. وذلك ان الانسان يطلب الحياة كما عرف عنها. ما الحياة حقا؟ هناك حادثة شفاء في الإنجيل اذ أتي الى يسوع بمشلول والحاملون المشلول انتظروا من السيد الشفاء. هذه كانت فقط رغبتهم. للوهلة الاولى لم يكترث المسيح لهذه الرغبة فقال للمخلع: «مغفورة لك خطاياك». هل كان حاملو المريض في واد ويسوع في واد. هم يريدون شفاء بدن. وهو يريد شفاء كيان واسترجاع الكيان الساقط يكون بالتوبة. يكون المرض شيئا مباركا اذا قادك الى التوبة.

# #

#

يمكن ان تكون الوعكة معراجا الى تأمل الوجه الإلهي. هناك سلامتان: سلامة صغرى وسلامة كبرى. اما الصغرى فمرتكزة على ان معظمنا يحس ان الجودة في خلونا من آذى الجسد لأنه هو ما يبدو مكان الوجود. والوجود معطى من فوق. وما بدا خللا فليس من فوق فتحسه وكأنه من عالم الشر. واذا سألت احدا عن صحته وأجابك في صدق عميق انا في خير فاعلم انه يعيش امام الحضرة وانه دنا من قرباها دنوًا كبيرا في بعض من الأحايين. انت ترى بنور الله او ترى بنورك هذا هو وحده الموضوع.

ليس كل مرض افتقادا إلهيا. من حصل على هذا الافتقاد جعلته خبرته -او ما سميت كذلك- في طريق القداسة ولو الى حين. من هنا ينزل علينا دعاء من اشتاقوا الارتقاء حتى لا يبقى الوجود بدنا اذ المهم ان تأخذه الروح المتقدسة لتقيمه في الكيان.

للمريض شرف في الانجيل عظيم اذ يقول يسوع: «كنت مريضًا فعدتموني» كما قال «كنت جائعا فأطعمتوني». ليفيد انه لابس كل من أصيب، مندمجا به. هذا المرمي على فراش الألم ليس وحده مصلوبا. رفيقه هذا الذي الذي شُلح على الخشبة وسُحق تحت أقدام البشرية الظالمة وكأن الناصري يقول لكل من هوت صحته: انا معك لأرفعك الى الأقداس، لأشدك الى روحي، لتصبح شيئا غير البدن المبتلى، مقيما في الاسترحام لتسلك درب القيامات حتى تكتمل قيامتك في يوم يعينه الله بحكمته اذ ينزل عليك نعمة الموت لتنفتح فيه النوافذ الى النور. هذا وحده يضع حدا لنفاء الصبر. لا يزول التمرد حتى نقول للآب: «لتكن مشيئتك». اذ ذاك، يقيم الروح القدس في كل ثنايا قلبك ويبدأ الفهم.

الألوف المؤلفة من المرضى في العالم تحملك آلامهم ان انت بت واحدا منهم لأنهم واحد في الابتلاء والكثر منهم واحد في الشفاعة لأن الله مع المسكورين. انهم الممتازون في امة الله والمختارون في حبه. الذين مرضوا وصابروا وجاهدوا فزادهم الله حبا له هؤلاء يعدهم للمجد اذ لا شفاء قبل بلوغنا السماء.

في هذه الرؤية لا معنى للسؤال لماذا وقعت. اثناء المحنة وعند استعادة العافية بمعناها التقديسي تدرك كيف مارسك الله وكيف اتحد بك وانت في ما حسبته الهاوية ولم يكن من هاوية.

#    #

#

كل انسان مريض النفس ومنذ مولده ينتظر المعطوبية. هذه التي تتسم يها طبيعتنا في جانبها الجسدي والمعنوي لأنك في العطب تنمو في طريقك الى الموت. المعطوبية في يومياتنا تعني الهشاشة. هنيئا لمن اعتبر نفسه هشا. ربما كان في ذلك عبرة تواضع او أمثولة معرفة نتدبر فيها أمورنا فننجح ونخفق في حدود المحسوس.

اذا نظرت الى الانسان كاملا أراه مجروح النفس الى جانب هزالة البدن. بنكتة «مهضومة» قال لي أحدهم: «كلنا مجنون بدءا من نسبة ثلاثة بالمئة. ولما قرأت التحليل النفسي فهمت ان ليس من امرئ يخلو مما يسمى العصاب névrose. انت قبل الخامسة ان كنت ذكرا تتعلق بأمك في عقلك الباطن تعلقا يراه فرويد مرضيا اذ تنشأ مع عقدة او في عقدة ويؤثر هذا فيك طوال حياتك. معنى ذلك ان ليس من انسان سليم على صعيد النفس. عقدتك تبدو للعارفين الآخرون يحسبونك سليما ولكنك لست بسليم. الدنيا اذًا مصح مختلين وعلينا ان نتعايش ونحن جميعا على اختلال بطريقة او بأخرى.

هذه الانسانية المجروحة بلا استثناء واحد هي بشريتنا التي نحب على محدوديتها وسقطاتها ودموعها. بالعلم، بالطبابة وبخاصة بالتضحيات والتكريس لنا ان نصير الى أحوال أفضل والمهم في البذل ان نقدم أنفسنا اولا لفقراء المرضى المتروكين في بلدان كثيرة وغير المضمونين والمحرومين الدواء.

البشرية اذًا في حالة استشفاء دائم وفي حالة صلاة ان بقيت على الرجاء. المستقوون بالرب يرعون الضعاف فيشتد المعطي والمعطى. في هذا النضال لن ننسى اخوتنا المجانين والمعوقين النفسانيين الموعودين بالشفاء احيانا ولكنهم لا يعرفون انهم واحد في الأصل.

المهم الا ينقبض الموصَب ليبقى في وضع العطاء لأقرانه والمدعوين أصحاء ليتم اكتمال البشرية. بصلاتها وحبها. ان ازدياد الأتعاب فيها لا يعني بالضرورة انتقاص وجود. تدهور البشرة ليس بشيء. انفراط الكيان هو وحده المصيبة. الموت نفسه ليس الكارثة. هو انحجاب وجود اذ النهاية القيامة من بين الأموات وبها التعزيات أثناء فتك المرض حتى هذا الذي يتراءى لك فيه الموت. المفاضلة ليست بين جياة وموت. انها الخيار بين انقباض الكيان وانتشاره حتى يصير الله كل شيء فيك. فتعليه فتعلو به. ولا تبلغ هذا المقام الا اذا عاونك الفقراء والمرضى وهم اخوة يسوع الصغار.

#     #

#

لماذا اهتم يسوع بالمرضى ذلك الاهتمام البالغ الذي يضطرك الى وصفه بشرا مبشرا ومقترف عجائب وكأن الكتاب يقول تعريفا عن خدمته الشاملة: «وكان يسير في الجليل كله، يعلّم في مجامعهم ويعلن بشارة الملكوت، ويشفي الشعب من كل مرض وعلة فشاع ذكره في سورية كلها، فجاؤوا بجميع المرضى المصابين بمختلف الأمراض والاوجاع من الممسوسين والذين يُصرعون في رأس الهلال والمقعدين فشفاهم» (متى 4: 23و24).

ما كان دافع يسوع الى اقتراف المعجزات؟ «ورأى الجموع فأخذته الشفقة عليهم، لأنهم كانوا تعبين رازحين، كغنم لا راعي لها» (متى 9: 35و36).

انت تتقبل الحنان الإلهي في حالة التدهور الصحي وحالة النهوض لأن المهم احساسك بمرافقة المخلص اياك. همك ان تعرف اذا جاد الله عليك بالافتقاد وآتاك بالقربى كل شيء غير قرباه هو من هذا العالم.

هل حلت القربى، ربك يعرف. المؤمن ينتظر الدينونة. ايمانه الا يدان. اكثر من ذلك. ايمانه الا يستحضر الى المحكمة خشية ان يدان لأن حياته ان يُجعل في الحضرة اذ يقبل لومها ويخشى إماتتها. لذلك يصلي.

كل هذه الخواطر تعبر المريض. قد لا يكون السليم في مثل هذه المواجهة فيظن نفسه مرتاحا. هل يحمل المرضى نعمة التفكر اي نعمة الجدية؟ ماذا تعني «لا تدخلنا في التجربة»؟

ما من شك ان الضعف الجسدي ان كان شديدا يضعنا امام خوف الموت. هذا الذي خافه المسيح نفسه. الموت جدي وانا عرفت من لا يخشاه من اولئك الذين آمنوا بقيامة يسوع.

متى تقيمنا يا سيد من وطأة الخوف؟

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

زكّا العشّار/ الأحد 30 كانون الثاني 2011/ العدد 5

هذا كان رئيسًا لجباة الضرائب اي كان يلتزم الضرائب التي تدفع للرومانيين: السلطة الرومانية تُعيّنه لقاء مبلغ يدفعه لها، وهو يوظّف أَعوانًا له ليجبوا من الشعب، وكانوا يقبضون من الأفراد بمقتضى الهوى فيُحقّقون لهم شخصيا أرباحًا طائلة. كان رئيس العشارين في مدينة أريحا مثلا عَيَّنت له السلطة المدنية أن يجبي عشرة آلاف دينار، فيجمع من مجموعة المواطنين عشرين ألف دينار ويترك الفرق في جيبه.

زكّا العشار كان رئيس جباة أريحا. يقول عنه الإنجيل انه كان غنيّا، ولا يقول انه كان سارقًا مثل معظم الذين كانوا يلتزمون الجباية من السلطة الرومانية.

زكّا كان عنده الفُضول أن يرى يسوع إذ عرف ان السيد كان مزمعا أن يجتاز في أريحا. ربما كان هذا عنده فُضولا ليرى شخصيةً ذاع صيتُها في البلاد، هل كان هناك عمق روحي أكثر؟

جُلّ ما نعرفه أنه قام بجُهد إذ تَسلّق جُمّيزةً ليراه لأنه كان قصير القامة. هل كان وصفُه بقصير من قبل لوقا ورواية أنه صعد الى الجميزة ليوحي لنا أن علينا أن نتخطّى كل صعوبة روحية فينا لنلقى يسوع؟

لمّا رأى يسوعُ زكّا جالسًا على غصن من الشجرة، قال له: “أَسرعِ انزلْ، فاليوم ينبغي لي أن أَمكُث في بيتك”. كان السيد اذًا مزمعًا أن يدخل في حديث طويل مع الرجل يتطلّب ساعات من الليل.

هنا قال الإنجيل: “فأَسرعَ ونزل”. لم يقل فقط “نزل”. نفّذ كليًا رغبة يسوع إليه. ثم يقول: “فقبِلَه فرِحًا”. زكّا يعرف أن هذا المعلّم الجديد عنده أشياء يقولها من الله، تمتمة لتوبته. فبعد أن دخل البيت، أتت من زكّا الكلمة الصاعقة: “ها أنذا يا رب أُعطي المساكين نصف أموالي، وإن كنتُ قد غبنتُ أحدًا في شيء أَرُدّ أربعة أضعاف”.

مَن يُعطي نصف أمواله للمساكين؟ لماذا أربعة أضعاف؟ أليس لأّنه خاف بألاّ يرُدّ كل شيء للذي غبنه بالجباية؟

بعد هذه الآية المخلِّصة للرب يسوع، “اليوم حصل الخلاص لهذا البيت”. اليوم، بتوبة هذا الرجل تنتهي حياته السابقة. ثم يأتي الوعد: “لأن ابن البشر إنما أتى ليطلب ويُخلّص ما قد هلك”. ليس من إنسان محكومًا عليه او أنه اعتُبر من أبناء الهلاك إنْ هو أَحبَّ الرب فوق ما هو بشريّ فيه.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

دعاء من أجل لبنان / السبت 29 كانون الثاني 2011

هذا البلد، بلدنا، ربي، بين يديك. ارتضيناه، جيلا بعد جيل، لحياتنا. ولكن سر إجماعنا عليه اننا آمنا بنعمتك عليه ونحن نؤمن انها باقية عليه ان نحن اطعناك وأطعناك أمة واحدة لنشهد للعالم على اننا، على اختلافنا في ما ورثناه من ذاكرتنا الجماعية نحن مؤهلون، بنعماك على الايمان بك، وسنسعى مع الصابرين القديسين ان نتمم ما يرضيك.

قادنا التاريخ الى تلازم العيش على هذه البقعة من الدنيا ووثقنا بعد صراعنا الأرواح الشريرة التي في الجو انك تريدنا الا نهجر هذه الأرض استرحاما لأولادنا. لقد عشنا زمنا مديدا على جراح وعلى تضميد جراح. اغفر لنا كل خطيئة قادت الى جرح آخر وتغاضَ عن إغفالنا له. ولعلنا نسينا ان اثم الغفلة عظيم. قد يكون الصغار الصغار اعظم في عينيك من الكبار علّم الأكابر انهم واحد مع الأصاغر. أدعو ايضا من اجل المستكبرين الذين لا يعرفون انفسهم اذلة. على جهلهم هؤلاء هم لك ايضا فالقبيح عندك كالجميل اذ لا تستقبح انت ايضا من تاب.

ليس احد منا قائما بقوته. انت القدوس والقدير وحدك. المخدوعون بقدرة عقولهم وكيدهم وضمهم كل آفاق الدنيا الى شهوات صدورهم ارحمهم هم ايضا وأعدهم الى التواضع الذي ناديتنا جميعا به حتى يسكنوا اليك ويستمدوا منك طرق سلوكهم عسانا نحن التائبين اليك نضم الجميع الى حنانك. نجنا من الدماء يا الله اذ خشيتي ان تبغض قاتلي البلد ولا تغفر لهم. والأعزة عندك محتقرون في هذه الأرض.

قد همس الشيطان في آذان الكثيرين وقد سمعنا القليل او الكثير من هذه الوسوسات وصدقناها. قد يظن اهل الحل والربط ان في ايديهم الحلول لأنهم يؤمنون بذكائهم. لست انا ديانًا لشعبي فإنك جعلت الدينونة بين يديك. وليست نيتي ان اقول ان بينهم اغبياء ولكن كل منا يفحص عقله وقلبه يرى ان كان بطريقة او اخرى انقاد الى شيء من الغباء وأسهم في دمار هذه البلد.

#          #

#

انت رب لكل طوائف هذا البلد. كلها باللسان موحدة والقلب انت تعرفه. قوم قلوبنا، طهر نياتنا لنعبدك مما من القلب ينضح على اللسان فنستقيم.

إسلام العالم سيبقى بعد ملايين من السنين. وسترى الطاهرين منهم لك. وإيماني انك ستحفظ المخلصين من المسيحيين حتى نهاية الدهور. كذلك ايماني بأن جمع الشعوب في ملة واحدة ضرب من الخرافة. وما يؤنسني يقيني ان الانسان له ان يحب من اختلف معه في المعتقد وتقاليد المعتقد وما تحول منه الى جماهير حضنته كما تشاء او كما قدرت. كذلك يقيني ان بيننا عقلاء كثيرين يحافظون كل منهم على ما استلم من ربه وما خذله. ليست القضية ان يجتمعوا حول مصالح هذه الدنيا في حكمة هذا الدهر ولكن حسب الحكمة التي توحيها -انت لهم في قلوب منكسرة- لا تبح يا سيد لأحد منا اي نوع من الاستباحات ولا اي شعور بالاستعلاء ولا اي تنطح للسلطة ان كان حقا قادرا على الحب وعلى اجتماع المحبين لإعمار لبنان فكرا وعملا.

هذا طبعا يقتضي ترتيبا لأمور تبلغ احيانا ذروة في التعقيد ولكن هبنا الا نعقد الأمور استكبارا او طمعا في التسلط. حبهم لك يعني في ما يعني انه لا حق لأحد باسم الدين او المذهب ان يقود هذا البلد وحده وممنوع على اية طائفة ان تربط كرامتها بهذا المنحى او ذاك من السياسة. هذا يطرح مسألة الطوائفية التي ارجو ان تسمح لي بالا اجعلها بعضا من دعائي. هذه لن تذهب الا بدوس قدميك لها.

اما الطوائف فلا يهمك ان تكون مكونة فقط من اجساد. انت ترى وجوها جميلة في كل تكوين تاريخي ومن كان جميلا لديك يتعاون ومن تستحسن من كل صوب، لذلك ترتكب معصية ضد الانسان تلك المجموعة التي تعتبر نفسها الأبهى والأفعل والأبقى. «كل جمال عشب وكل جماله كزهر الحقل. يبس العشب، ذبل الزهر لأن نغمته الرب هبت عليه. حقا الشعب عشب» (اشعيا 40: 6 و7). وفق كلام نبيك أقول كل طائفة عشب. واذا قالت كلمتك تكون او الأحسنون فيها يكونون. وانت تتمجد فيهم ولا تنظر الى امكنة صلاتهم بل الى صلاتهم.

#            #

#

ليس مرادك ربي ان تلقن اللبنانيين فقه السياسة. هم خبراء في هذا الحقل، علمهم الصدق اولا والا ينتقصوا من مجد الجماعات الأخرى لأن كل مجد زائل كعشب البرية. هم يفرحهم كثيرا انهم يتقنون فن إدارة البلد. ولكن قلة منهم تعلم ان الله ليس حليف اي مكون مجتمعي في هذا البلد لأنه فقط حليف من احبه.

ولعل افضل إلهام يحتاجون اليه ان عشق المال باطل وانه كان خراب البلد في مرحلة ليست ببعيدة. قلت هذا لأني رجل طاعن في الشيخوخة ورأيت ازمنة اجمل. انت قادر الآن ان تجعل الأيام الآتية اجمل من كل ما مر علينا من ايام.

عالجنا يا رب علاجا سريعا لأننا مشرفون على الموت الروحي. من زكى نفسه لأي سبب سياسي بتحليل يعتبره صحيحا وقتل نتيجة تحليله هذا مآله غضبك.

ارحمنا يا رب ارحمنا لأننا لما جرحنا البلد اخطأنا اليك وهذا هو الموت الكبير. توبتنا اليك تسوقنا الى ان نتوب الى الآخرين والى ديمومة لبنان لخدمة بني الانسان. آمين.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

الخطأة الذين أنا أَوّلُهم/ الاحد 23 كانون الثاني 2011/ العدد 4

من هو تيموثاوس الذي أُرسلت اليه رسالتان؟ من أعمال الرسل نرى ان بولس لقي هذا الشاب في لسترة وجعله معاونه الأمثل. كان أبوه يونانيا اي وثنيا وكانت أمه يهودية واعتنقت الإيمان المسيحي وتعلّم الكتب المقدسة اي العهد القديم منذ نعومة أظفاره.

كانت تنتابه وعكات كثيرة واهتم بولس لصحته وختنه لتجنب المتاعب التي يثيرها المسيحيون المتهودون. ورسمه مشايخ الكنيسة. الرسالات الرعائية وهذه منها تعكس لاهوت بولس.

في الرسالة الأولى الى تيموثاوس يقول معلّمه بولس أنْ «صادقة هي الكلمة وجديرة بكل قبول» وهي كلمة التي كان يعلّمها الرسول ويسمّيها إنجيله أي ذلك الذي أخذه مباشرة من السيد منذ ظهوره له على الطريق المستقيم، وهي أن المسيح جاء ليخلّص الخطأة اي نحن جميعا، ثم يعرّف نفسه على انه أوّل الخطأة وهي الكلمة التي على كل واحد منا أن يـقولها عن نفسه، اذ ليس لأحـد مـنا أن يـقارن نـفسه بالآخرين فلا يقول عن نفسه أنا أَفضل من هذا وذاك بهذه الفضيلة او تلك، وعليه أن يرى نفسه آخر الناس لأن الرب وحده يدين سرائر الناس حسب إنجيلي (والكلمة لبولس) بيسوع المسيح.

فليس لأيّ إنسان أن يـقول عن نـفسه إلا أن الرحمة تنزل عليه وتنقذه من كل خطيئة. واذا رحمه الرب، يكون هذا بطول أناته. عند ذاك يرى الناس رحمة الرب عليه ويعرفون انها ستنزل عليهم لينالوا الحياة الأبدية التي تبدأ بالمعمودية وتبقى معنا في الأسرار المقدسة والإيمان.

«فلمَلِك الدهور الذي لا يعروه فساد ولا يُرى، الله الحكيم وحده، الكرامة والمجد الى دهر الداهرين». هذه هي حركة اختطافنا اليه في التسبيح. الحركة الاولى نحو الله هي السؤال او الطلب. واذا نلنا الطلب الذي يكون لخلاصنا، نشكره. وهذه هي الحركة الثانية نحو الله. وبعد هذا لا يبقى الا التسبيح.

هذه الحركات الثلاث هي الصلاة. نتوسل اولا لنيل ما هو للخلاص. لنا أن نطلب الصحة ووسائل العيش دون أن ننسى أنها تقودنا الى الله. الصحة والطعام والشراب ليست غاية. هي طريق الى خلاص النفس وتنقيتها. هذا وحده السُكنى مع الله في هذا العالم والعالم الآتي. مُعاشرتُنا الرب في كل يوم هي الخلاص عينه.

أن نعيش في طلب الغفران في التواضع نتيجة قول الرب: «صلّوا في كل حين». نحن لا نستطيع أن نتلو الصلاة في كل حين، ولكنّا نطلب أن يرفع الرب قلوبنا اليه في كل حين. وهذه صلاة لا كلام فيها. واذا أدركنا هذه الدرجة في العلاقة مع الآب والابن والروح نكون في السماء منذ الآن، نصبح مسكن الله، أحرارا من كل شهوة مؤذية، منجذبين الى وجه الآب الذي هو البدء والنهاية.

وهذا لا يتحقق لأحد ما لم يرَ نفسه مثل بولس «آخِر الناس»، اي اذا تواضعنا، والتواضع فضيلة ما من بعدها فضيلة. هي التي تؤهلنا أن نقول مع بولس ان المسيح جاء ليخلّص الخطأة الذين أنا أوّلهم. عند ذاك يرفعنا الله الى عرشه.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

بناء الكنائس في دار الإسلام / السبت 22 كانون الثاني 2011

سأرى الى هذه المسألة في جانبيها النظري والعملي منذ بدء ظهور الإسلام. جاء في التنزيل: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيَع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا» (سورة الحج، ٤٠). يقول الله هنا ان البيع وهي الكنائس يذكر فيها اسم الله. هذا موقف من المعابد المسيحية ودي.

عند الفتح لدينا العهود العمرية التي تنهي عن هدم الكنائس في الكلام الآتي: «هذا ما أعلن عبد الله عمر، أمير المؤمنين، اهل ايلياء (هذه كانت التسمية الرومانية للقدس)، من الأمان. أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها. انه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم. ولا ينقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا شيء من أموالهم. ولا يضار أحد منهم…». وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين.

وهذا طبعا يتمشى مع اعتبار التنويع الديني قصدا من مقاصد الله: «ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة« (هود، ١١٨) بحيث لم يشأ الوحي أن ينصهر الموحدون في ملة واحدة على قول الوحي: «ورضيت لكم الإسلام دينا». وقبل نزول هذه الاية لم ترد كلمة الإسلام مرة واحدة بمعنى ان اهل الاسلام هم حصرا الذين اتبعوا رسالة محمد. واذا كان اليهود والنصارى يصلون على طريقتهم فهذا يفترض اماكن تجمع لهم للصلاة. وفي حال اعتبر عمر ان العهد الذي اعطاه اهل ايلياء عهد الله أفهم من هذا انه لا يتبدل بتبدل الأزمان.

فيما كنت اتأمل في هذا سمعت منذ ايام معدودات ان دولة المغرب تمنع بناء كنيسة فلم أفهم القصد من ذلك اذ ليس في هذا البلد الطيب شقيق مواطن مسيحي واحد. من يخشى المغرب في حالة الفراغ الكامل من المسيحيين؟

المملكة العربية السعودية تحرم تحريما قاطعا بناء كنائس ربما استنادا الى حديث شريف مفاده ان لا تجتمع ديانتان في الجزيرة. ولست اظن ان المملكة تمنح جنسيتها لغير مسلم. فالمنع يقع تاليا على المسيحيين الأجانب الذين يقصدون المملكة للارتزاق. غير ان دولة الإمارات تشاد فيها كنائس بمعرفة السلطات وإذنها. وبهذا تكون اجتمعت غير ديانة في جزيرة العرب.

في هذا الاتساق نشرت “لجنة العمل ضد عدم التسامح في البلدان الاسلامية” في 17 كانون الثاني 1997 في باريس لصالح المسيحيين المميز ضدهم (وهذا تعبيرها) في المملكة العربية السعودية طالبين من السلطات منحهم الحق لممارسة دينية موافقة لإيمانهم الحق في المجمعات للصلاة.

بعد هذا التداخل نشر الشيخ أبو بكر جابر (أو الجابر) رئيس قسم الدعوة الاسلامية (انقل عن الفرنسية) في جامعة المدينة في لموند (20 /8/ 87) ردا أهم ما ورد فيه ان المملكة العربية السعودية ككل يعتبرها الاسلام مسجدا لا يمكن ان تجتمع فيه ديانتان.

في زمن هذه المناقشة الصحافية كان في المملكة ثلاثمئة ألف مسيحي من العرب والهنود وغيرهم قصدوا ذلك البلد للارتزاق وربما بلغوا اليوم عددا أعظم من هذا. فالمنع من صلاة الجماعة يقع على هؤلاء وهم يتوقون ان يقتربوا الى الله حسبما يعرفون وتعرف السلطات هناك ان لا خطر منهم على الاسلام اذ “لا ردة في الاسلام”.

اليس من الممكن في احترام متبادل بين السعوديين والأجانب ان يسمح لهؤلاء بما هو الحد الأدنى من الاعتراف بحريتهم، ان يسمح بدعوة قس أو بضعة قسوس لإقامة الصلاة في أيام الآحاد او أقله بدعوتهم مرة أو مرتين في السنة أي في الميلاد والفصح لإقامة الصلاة للمسيحيين وذلك في تخصيص قاعات لهم في المناسبات؟

هذا لا يكون الا اعترافا رمزيا بوجود انسانية كامل الاعتراف بها في هؤلاء المهاجرين ويكون هذا تطبيقا للقاعدة القرآنية: “لا اكراه في الدين”.

أما في مصر فالمسيحيون كانوا يصلون حتى فترة قصيرة متى شاء لهم رئيس جمهوريتهم ان يصلوا. يشيدون معابدهم ويرسمونها اذا أراد ومتى أراد. والآن انتقلت المشيئة في كل محافظة للمحافظ أعني المشيئة المطلقة بلا شرط ولا معيار قانوني ولا سؤال عن حاجة أصحاب الاستدعاء وعددهم. السيد المحافظ مرجع نفسه. ونفسه مرجعها مزاجه.

كل جزئية في حالة الكنيسة بأمر السلطة فالترميم قد تقتضيه حالة البناء وقد يسقط على رؤوس العباد. من الترميم المطلوب مثلا ابدال حنفية ماء معطلة بحنفية جديدة. هذا يتطلب استئذانا.

للدولة المصرية الحق باتخاذ الاسلام دينا لها ولكن هذا الدين هو يقول انه لا يقيد الآخرين بحيث يبيح لهم حق العبادة ويعتبر ان الاختلاف والتعدد مشيئة الله. أنا لا أود ان اتكلم هنا على الديموقراطية وحقوق الإلسان. هذه لغة غريبة احترمها. اني أريد ان أخاطب دولة اسلامية لشعب عزيز وشقيق من ضمن المنطق الاسلامي، من سورة الحج، من ايام فجر الاسلام كما سماه احمد أمين كان أعظم سماحة من أيامنا هذه. أنا في إطار التعامل المسيحي – الاسلامي أتحدث انطلاقًا من لغة الاسلام.

لقد فهمت دولة الامارات وربما دولة البحرين بان الاعتراف بالضيف هو أولا الاعتراف بحريته ان يصلي حسب قلبه.

Continue reading

Popular posts

من الشعانين إلى الصليب/ 23 نيسان 2000/العدد 17

دخول السيد إلى أورشليم يعني قبوله الصلب. كان هو تنبأ غير مرة عن آلامه وقيامته. فبعد ان أَنهض صديقَه لعازر من الموت، دخل إلى المدينة المقدسة وفي هذا حقق...

عناد الله / السبت أول كانون الأول 2012

انت لم تخلق الناس ورماك الرب في أيديهم فانه ما نجاك من الوحوش وهي بطبيعتها كاسرة وانت في غابة ولو اشتهيت ان تعيش مع حملان. ولو شاء ربك ان...