السيرة, رسامته الأسقفية, مناسبات

القضيب الساهر / كلمة المطران جورج يوم سيامته مطرانًا، كنيسة المريمية في دمشق، 15 شباط 1970.

«وكانت كلمةُ الرب اليّ قائلاً ماذا أنت راء يا إرميا؟

فقلت إني راء قضيبًا ساهرًا.

فقال لي الرب أحسنتَ فيما رأيتَ

فإني ساهر على كلمتي لأُجريها».

                                                            (إرميا 1: 11و12)

الرسوليّ الرائي يؤتى به أسقفا ليرعى شأن الكلام الرسولي يأخذه من أبعاد ويمدّه إلى أبعاد. ولا يكون رسولاً إلا مَن اختاره ربّه على وفق قلبه ليرعى شعبه بعلم وعقل كما يقول النبي (إرميا 3: 15)، بذلك العلم الذي يؤتيه السيد أحباءه إذا ارتشفوا الكأس المقدسة ولاصقوا المساكين، وبذلك العقل الذي يتدرّج إلى مرتبة الألوهة إذا استلذَّ الإنجيل وعكف عليه طيلة العمر. من اختطفته الكلمة تصقله خليقةً جديدة، فإذا بالكلمة تُطيّب شفتيه وتعزّي فتنسلّ إلى الروح انسلال العطر وتَبيتُ فيها لطف إله.

ومن فُوِّض أمر الكلمة إنما تُقيمه على الناس ليَقلع ويَهدم ويُهلك ويَنقُض ويَبني ويَغرس حتى يبقى الحُكْم في الأرض لله ولمسيحه ليزهق الباطل فيتراءى لنا الملكوت في عواصف الوجود. ومن سحرَتْه هذه الرؤية لا يقدر أن يستمتع بغيرها. والرؤية وحدها هي التي تجعله رأسًا للكنيسة، نموذجًا ملوكيّ الملامح على قدرِ تخلُّقه بأخلاق الملك العظيم، وقد شاهدتم في هذا الاحتفال المبارك، أن الانجيل وُضع على رأس مَن انتُدب إلى رئاسة الكهنوت فيما كان الرعاة يستدعون الروح القدس عليه. طلبوا اليه بذلك أن يكون دائمًا تحت الإنجيل وعَنَوا أن أحدًا لا يعلو هامته سوى الله وأنه، بآن معًا، مطأطئ الرأس أمام المتواضعين لكونهم هم الإنجيل. إنه غدًا عالي الرأس لأنه لا يسكن بيتًا أرضيًا منذ صارت السماء سقفه بالدعوة.

وإنْ هو كذلك إلا ليحفظ رعيته في أدب الإنجيل ولا يستكين حتى يقودها من دار غربتها إلى جوار الكتاب القيِّم ليجعلها عروسًا بتولاً لا لوم عليها عند مجيء ربنا يسوع المسيح. ولا يقدر الأسقف على تهيئة أخته العروس ما لم يُفض نفسه حتى الموت. ففي الموت، نحن العيسويين نحتفل بعرسنا. وإذا ذقناه، بنعمة الله، فإنما يظهر الخلق كله وتصبح الانسانية جميعًا بعض قربان.

أجل كشْفُ الكلمة مؤداه للصلاة حسب القول العزيز: «سأُبشّر باسمكَ إخوتي، وفي وسط الجماعة أُسبّحكَ» (مزمور 21: 27). فالرعية، إذا تطهرّت بالإنجيل، تجتمع حول راعيها للتسبيح، لتمتد وإياه إلى الآب. الأسقف هو ذلك الإنسان الذي يُغذّي الحنين إلى الآخرة. هو المهاجر أبدًا إلى محجّة تسري أمامه وتذهب به إلى حياة الأبد. انه لا يرسخ في الدنيا ولا يرسخ فيها قومه، فالكلمة تجري وهو يجري بها، والقداس يصعد وهو يتصاعد به إلى يومَ يستعيد المسيحُ الكونَ في جسده المجيد.

هذا البشير الكاهن يتولى الإمامة الحق، إذا استطاع أن يصبح حَمَلاً لله لا تسلُّط عنده ولا قهر، يستمدّ سلطانه لا من حرف ميت بل من طاقة الحب التي تتفجّر في يديه. «ينزل في كل أمر منزلة خادم بصبر في الشدائد… والفتن والتعب والسهر… والرفق والروح القدس والمحبة الخالصة، بكلام الحق… بالكرامة والهوان، بسوء الذكر وحُسْنه» (2كورنثوس 6: 4-8). كل ذلك في حرية المسيح وبساطته لأن شيئًا في العالم لا يحتاج إلى المحبة وهي لا تحتاج إلى ما عداها لتغلب وتُقيم في الأرض سيادة المسيح. إن رفعة السيد هي عينًا في أنه «تجرَّد من ذاته متخذًا صورة العبد وصار على مثال البشر. وظهر بمظهر الانسان» (فيلبي 2: 6-7).

كرامتنا نحن أن نموت. بعد ذلك ينبعث الكون فينا ويكون كل منا كملاك قائم على الشمس (رؤيا 19: 1). مَن جلس على النور يصبح نورًا. عند ذاك لا يبقى من سؤال. شؤون الزمن التي للناس ينصرف الناس اليها بصحو ومسؤولية ومعرفة، ويُطلّ الراعي على ذلك إطلالة نَصوحًا لأن الكنيسة لا تغيب، فقد سمَّرت ألحاظها على المسيح «به قوام كل شيء» (كولوسي 1: 7) لتنصرف إلى كل حق وعدل وطُهْر جاء به أهل الأرض. إن كل تنهُّد، كل أنين، كل تطلُّع إلى غد أفضل تتلاحم في هامة المسيح الكونيّ. كل نموّ للانسان فرحة عند الملائكة. ولذلك كان كل مسعى نحو الحرية والمشاركة الإنسانية في الأمّة والعالم شيئًا من تمخُّضات الروح في ولادة ما يصنعون.

والكنيسة شريكة بما تُعنى به، بعض مما تعطي نفسها لأجله، بشرية كليًا ولو غير ترابية، متجذرة في تاريخ بلادها، تحمل على منكبيها صليب البلد وتصنع البلد بشهادة العدل والتحدّي النبويّ. ترمي كلاًّ من أبنائها في التزام هذه الدنيا.

هذا الحسّ جعل الناس يعرفون أصالة كنيستنا في هذه الديار. من آمن بتجسد ابن الله يؤمن بالتالي أن أرض بلادنا هي لحمنا وأننا فيها راصدون لمن أراد انتهاكها ظالمًا أو معتديًا.

حقُّ الله على الناس وحقُّ الانسان على التاريخ جُعل الأسقف لإعلانهما في الكنيسة وكانت الكنيسة لإعلانهما في العالم. وإني لأرجو أن يكون ربنا قد منحني هذه الرؤية وأنا أجيء من بيت طقوسيّ الذوق ومن حركةٍ لشبيبةِ كنيستي تروَّضتُ فيها على معرفةِ كونيةِ المسيح وانبعاثية كل حق في روحه. وما أَدركتُ شيئًا مما أدركتُ إلا لأني كنت أقرأ النور على وجوه شبابٍ عاهد ربَّه على تشوُّف أنطاكية جديدة.

تراث أنطاكية نريد أن نعلنه عمقًا في دمشق العربية شهداء على أننا في منزلة القلب من المصير العربي. أنطاكية في غناها كله نريد إقامتها في فكر لبنان الحبيب. كنيسة واحدة هنا وهناك لا زيف فيها تخدم الله في مرافق الانسان.

هذه الكنيسة التي اختلج فؤادها للتجدد منذ ربع قرن ونيف أرادت تكليفي برعاية أبنائها في كرسي جبيل والبترون وما يليهما وكأنها تقول لإخواني في جبل لبنان انها تريدني في وسطهم قضيبًا ساهرًا بالكلمة، يقظًا للخدمة. فالله أسأل أن يتمّم قصدها راجيًا إليكم ألا تُهملوني من دعاء رفيق.

Continue reading
رسامته الأسقفية, مناسبات

أرجو غفرانكم وستر ذنوبي وخطاياي / كلمة المطران جورج في وداع أبناء رعية الميناء، شباط 1970.

الكاهن إنسان كلفه الله أن يجمع شتات شعبه بالكلمة والأسرار، وكلفه أيضًا أن يُهذّب نفسه بالإنجيل. فعلى ما قدر ما كان التهذيب للراعي ممكنًا كان تأديب الناس بأدب الرب ومخافته ممكنًا أيضًا.

لقد شاء الله، بنعمة منه، أن أرحل إلى مكان آخر في هذه البلاد لخدمة شعب الله أيضًا. إني لا أزال مبتدئًا على دروب الفضيلة. إن ذنوب الأخ الصغير الذي يرحل عنكم الآن فاضحة، ولهذا أرجو غفرانكم وستر ذنوبي وخطاياي.

Continue reading
1968, لسان الحال, مقالات

المسيحيُّ والمصيرُ العربي / الأحد 21 كانون الثاني 1968

أين المسيحيُّ في بلادنا من المصير العربيّ؟ هذا السؤال يطرحه كلُّ إنسانٍ في دنيا العرب. والجواب النهائيّ عنه مرتبط بنوعيَّة الحياة الروحيَّة في دنيا الإسلام، وبنوعيَّة الفكر الدينيّ فيها، لأنَّ المصير يعيِّنُه كلُّ المعنيِّين به. ولا شكَّ في أنَّ العالم يرجو قيام نهضةٍ دينيَّة عقليَّة في الإسلام، يحملُها ناسٌ لهم منَ الإيمان عمقه وصدقه وأبعاده، التي تتجاوز الظرف والمحنة وردَّ الفعل، إلى الشهادة الكبيرة في عالم حديث.

ولكن، حسبُنا اليوم أن نطرحَ السؤال على المسيحيِّين. إنَّ لهم، إذا عقلوا، موقفًا من كلِّ مصير، لأنَّ المسيح سالكٌ على طرقاتِ الشعوب خفيًّا أو ظاهرًا. إنَّه حيث الشعوب تنمو أو تضمحل، تنجز أو تتخلّف. وهو، بخاصّة، طريحُ آلامها. بادئ بدء، لا يسوغ للمسيحيّ أن يحيد عن الحاسم.

ولكن، هل للعرب من مصير؟ لا أقول إنَّهم مخلِّدون في التاريخ، فقد ينطوون يومًا، والخطَّة موضوعةٌ لانزوائهم. المهمُّ أنَّ المسيحيَّ لا يكون خلوقًا إذا وافق، بصمْتِه أو تواريه أو أنانيَّتِه، على أن يغضَّ الطرْفَ عن مشروع القضاء على العرب كائنًا ما كان رأيه في رقيِّهم وصلاحهم. فإنَّهم مدعوُّون إلى الحياة لمجرَّد أنَّ قوى جبَّارة عاتية تسعى إلى غيابِهم. بسبب ذلك، المسيح نزيلهم، ضيفُ تاريخهم. فالسيِّد لا يضاف في كنيسةٍ أو قربان وحسب، لكنَّه ينضاف أوَّلاً في الألم. وما الكنيسة سوى شاهدة على أنَّه في ديمومة جرح. إنَّها هي حيث الدم، أيّ دم مهراق. فإن لم يكن عند العرب اليوم قوةٌ كافية ليصنعوا مصيرهم، وجب أن يكون المسيحيُّون هذه القوةَ لكونهم يرفضون إذلال الشعوب وتذييلها لفراعنة العصور. لقد عيَّنهم اللهُ مسؤولِين عن المصير العربيِّ، وهو مقحمهم فيه إذا افترضنا أنّهم خارجه. أضعف الإيمان ألاَّ نرى اليوم قضيَّةً تتقدَّمُ قضيّة العرب، أن نلتمس المسيح حيث هم مصلوبون.

قد يرى المسيحي العربي نفسه منتميًا إلى هذه القوميَّة أو تلك، أو قد يحسُّ بلادَ العرب جميعًا موطنه. أمر القوميَّة هنا لا يعنينا، وهو غيرُ قضيَّة المصير أصلاً. نحن لا ننطلق من دعوة وحدويَّة، وربّما لا نشاهد مسيرة واحدة للناطقين بالضاد. جلّ ما أقول إنّنا معًا أمام التاريخ في انحطاط أو في نهضة، معًا إلى مجدٍ أو هوان، وإنَّه يجب أن نبقى معًا بسبب التحدِّي للإنسان القائم في كلِّ عربيّ. إنَّ الصراع القائم في هذه المنطقة صراعٌ بين بشرٍ يريدون البقاء في التاريخ، وبشر مصمِّمين على طردهم من التاريخ، بين ناسٍ يسعَون إلى التخلّص من التخلف، وناس يبتغون جعلهم أجراء لأمة دخيل. الذي لا يحسُّ أنَّه ينتمي إلى العرب بصِلة يكون غير خلوق إذا رضي، بصمت مساوم، أن ينصر المستمتعين والمتملّكين على حساب المحرومين. معيَّة العرب، أن نحيا جميعًا في هذه المعيَّة شرطُ وجودنا الأخلاقيّ.

ما يحول دون اندراج المسيحيِّ في المصير العربيّ هو الخوف. آراء الوجل الموروث الذي يعانيه البعض، ربّما لا يرجو الإنسان الواقعيّ الشيء الكثير من شتات فكرٍ قوميٍّ لم تظهر علمانيّته بوضوح، أو قد توارت بعد تجليَّات عابرة. ولكنَّا لا نرى كثرةً ساحقة من النصارى يأخذون بالعلمانيَّة نهجًا للسياسة والتنظيم والتعليم. إنَّنا ننتظر بزوغ العلمانيَّة عند الجميع على حد سواء. وإذا كان ظهورها، في الأوساط الإسلاميّة، شرطَ اشتراك المسيحيّ بالتاريخ العربيّ، يعني ذلك أنّ المسيحيّ قد سلَّمَ مسبقًا أنّ المسلم وحده يصنع تاريخ العرب، وأنّه هو – أي المسيحيّ- يدخل عليه مترفًا بعد أن يكون قد جنى الثمار من أتعاب الآخرين.

لا يخفى أنَّ الإيمان بتعَلْمُنِ العرب لا نستطيع فرضه على أحد، ولا سيّما أنَّه ليس قريب المنال، وأعرف أنّ الالتزام السياسيّ لا يقوم على مغامرات خطرة كهذه. ولكنّ المسلمين بشر، والمحبّة تغريهم، ولا يستطيع أحد مقاومتها. إنّها أفعلُ من كل نصٍّ. ومما ييسِّر المحبّة أن يتعلَّم النصارى تاريخَ الإسلام، لأنّهم، إذا عرفوه، يدركون أنَّ تاريخًا آخرَ لم يتجاوزه في السماحة. ولعلَّ أكثر ما فيه من سلبيّة كان ردَّ فعلٍ على الحروب الصليبيَّة وعلى الاستعمار الغربيّ، أي أنّ سلبيته انطلقت أساسًا من أصالته. وإذا كان لا بدّ من الشهادة على الماضي بالحقيقة المتواضعة التي تحرّر وحدها، للاحظنا أنّ ما قاساه المسيحيّون من المسيحيّين فاق، بصورةٍ رهيبة، الشدَّةَ التي تحمَّلها أهلُ الذمّة في بعض حقبات الحكم الإسلاميّ.

Continue reading
1968, لسان الحال, مقالات

إلى مسيحيِّي بلادي / الأحد 14 كانون الثاني 1968

أنتم دعوةٌ كبيرة، طاقةُ خلاص. أنتم كذلك بسبب مَن تسمّيتم واصطبغتم به. وخطأكم احتسابكم أنّكم تقدرون، بدونه، على أن تظلّوا شيئًا. خطأكم الثاني ظنكّم أنَّ غيرَكم لن يكون شيئًا، كأنّ التسميات قائمة بحدّ ذاتها، أو كأنّ «صبغة الله» لا يقدر المسيح على أن ينعمَ بها على مَن يشاء بماءٍ أو من دون ماء. أجل، كلّ شيء آتٍ منَ المخلِّص الذي تعبدون: كلُّ حقٍّ، كلُّ طهر، كلُّ جلال، كلُّ تطلّع. مباشرة أو مواربة، لا خيرَ في العالم ينشأ إلا وللمسيح فيه لمسة. ولكن السيّد يلمسُ مَن يشاء. لا تستطيعون أنتم تقييده. لقد وعد بأنَّه سيسبغُ عليكم إنعاماتِهِ، ولكنَّه لم يقلْ إنَّه ينحصر فيكم. باللهِ، لا تكونوا ملكيِّين أكثرَ من مليككم، وهو «القادرُ أنْ يقيمَ من الحجارة أولادًا لإبراهيم».

أنتم لستم غايةَ العالم. إنَّ العالم لم يُخلَق لخدمتكم. ولكنَّكم أنتم صرتم إلى الوجود لخدمتِه. الخادم يستمع إلى رغباتِ سيِّدِه. إنَّه أذنان ناصتتان ويدٌ تنفِّذ. كلُّ فكرةِ السيادة غائبةٌ عنْ إيمانِكم! إنَّها مردودةٌ عندكم إلى فكرةِ الخدمة. ويستمدُّ السيدُ فيكم شرعيَّةَ حكمهِ منَ البذل. والحكم يزول إذا طغت على المسؤول ذهنيَّةُ الاستماع، تزول أصوله قبل أن يَفنى واقعُه. فلا الربُّ الذي به تؤمنون يرضى لكم سيادةً غيرَ قائمةٍ على الخدمة، ولا من ترعون يقبلون بذلك. ثمّ هذا التفوق الحضاريّ، الذي كان سيبرِّرُ السيادة، أمسى خرافةً أو هو في طريق الخرافة. العلمُ لم يبقَ وقفًا عليكم. والمعرفة في أبعادِها التي هي الإطلالات على الخير، والرقَّة والتذوُّق والرهف، كلّ هذا آخذٌ بالتوزُّع بين الناس. وإذا كانت الحضارة إلى حدٍّ كبيرٍ مرتبطة بالمرأة –لكونها موحية ومربيّة ونصف الدنيا عددًا–، فغيرُ المسيحيَّة تشاركُ المسيحيَّةَ في كلّ هبات الطبيعة، ولعلَّها آخذة في لبنان بالتفوُّق عليها على المستوى الجامعيّ. وليس شيء أحبّ إلى قلبِ المسيح من ذلك، لأنَّ المسيح عميمٌ وليس مُلكًا لأحد، لأنَّه يفعل الخير للجميع، وكان يفعله لغيرِ المؤمنِين بالله. إنَّ تقدمَ أتباع الديانات الأُخرى يفرحه بالمقدار عينه الذي يفرحه تقدُّمُ تلاميذِه. إنَّه مخلِّصُ العالم، وليس مخلِّصَ أتباعه وحسب. إنَّه يُنقذ الكلَّ بالطرائق التي يَعرفُها: بالآداب والتقنيَّة والنضالات الاجتماعيَّة الطيِّبة. لماذا لا نفرح، إذًا، جميعًا معه لفلاح الآخرين؟

سأذهب إلى الأقصى، لأقول إنَّ السيّد مرتبط بالتفجّرات الخلقيّة والفنيّة والعلميّة القائمة في العالم وإنّها، بمعنى ما، بعضُ حضورِهِ في الكون. الفكر المسيحيُّ يتبنَّى هذا الموقف اليوم. إنَّ المسيحيَّة المعاصرة أَخذت تَعي أنَّ حضرة الله لا تنحصر بالتواضع واللطف والمحبَّة. لأنَّها، إن كانت الإحسانَ العميم، فلها أن تختار وسائلَ الإحسان. إنَّ الحياةَ الروحيَّة الشخصيَّة، على ما فيها من إلهام وطاقاتِ تغييرٍ، ليست كلَّ الفعل الروحيّ في العالم. أجل، الدنيا تتحوَّل بالقداسة، وكان للقداسة وجهٌ واحد عندما كان العالم صغيرًا خاليًا من المشاكل على المستوى العالميّ أو كان غير معقَّد المسائل. ولكن، بتزايد التعقيد وتوحُّدِ الدنيا، بتضخُّمِ سكَّانها وحجمها والقدرة فيها، كان لا بدَّ للقداسةِ من أن تتَّخذَ أيضًا شكلاً آخر، شكلَ المعالجةِ الموضوعيَّة، التقنيَّة لأمور النَّاس. الإبداع اليوم مرحلة من مراحلِ ارتفاع الإنسان وسموِّه، حضور خفيّ للمسيح بالعالم. قد يتجلَّى المسيح بعد خفاء. ولكنَّ هذا الطورَ الخفيَّ لحضرته لا بدَّ منه. مساهمةُ تلاميذ السيد بتنشئةِ العالم وقلبهِ الجذريِّ، أمر يفرضه واجبُ محبّتهم لهذا العالم. هذه المحبّة لم تبقَ على المستوى الفرديّ. صارت على مستوى الفعل الجماعيّ، التاريخيّ.

هذا التحويل يقومون به مع الغير لصالح الكلّ. لم يبقَ التحويل الكونيُّ وقفًا على فئةٍ أو على بلدٍ مهما كان عظيمًا. لا، لا يمكن أن يكون عمليَّةَ عطاء من جهة واحدة. إنَّها مبادَلة، مشاركة. ذلك لأنَّ كلَّ هبة تحصل من جهة العظيم لمن كان دونه في ركب الحضارة، يعرِّض الكبيرَ إلى إخضاع الضعيف، إلى اشتراط انسجامه وسياسة تفوُّق. إنَّ المؤمن ليس فقط يعطي بسخاء، لكنَّه يأخذ، أيضًا، بالبساطة ذاتها والتواضع ذاته اللذين يعطي بهما.

وإذا كانت هذه الرؤية المسيحيَّة للأمور اليوم، فهذا يعني أنَّكم، أنتم المسيحيِّين، ينبغي لكم أن تقبلوا أنفسَكم في كلِّ بلد في حال عطاء وحال أخذ، أي في وضعِ مشاركة. أنتم في موضع العطاء، لأنَّ المسيح أنعم عليكم بالكثير. وإذا جعلتم أنفسكم في موضع الأخذ، فليس ذلك استمتاعًا واستلذاذًا، بل لأنَّه، أيضًا، نعمة ينعم اللهُ عليكم بها بواسطة الآخرين.

هكذا، قد يسهم بلدنا، في المجال العالميّ، في فكرة المشاركة التي لم تكتشفها الأمم العملاقة حتّى اليوم. وكثيرًا ما تأتي اليقظة للصغار. ولكنْ، ما هو أهم من ذلك مباشرةً هو أنَّكم تكونون قد تفتَّحتم إلى أنَّ الحياة هي أن ينسى الإنسان نفسَه وأنَّه، في وجدانِه الآخر بحقّ، يجد نفسَه في آخر المطاف. إنَّكم، حتّى الآن، لم تعرفوا الآخَر في الربّ. نظرتم إليه في قباحته. وكلُّ إنسان، بتقلُّباته وضعفاته، لا يخلو من سخفٍ ومراوغة وأنانية. ولكنَّ شناعة المخلوق لا تزيل عن وجهه مسحةَ الخالق. كلُّ إنسانٍ، في الدعوة وطاقات الله الكامنة فيه، في امتداداتِه إلى اللاَّمتناهي، كلُّ إنسان مسيحٌ، وعليكم أن تنظروا إليه فقط من هذه الزاوية. إنَّكم، عند ذاك، تُحيون فيه الإنسانَ الإلهيَّ الذي يمكنه أن يصيره. بل هناك الأعظم: إنَّكم أنتم لستم بشيء، إنَّكم بلا مسيح إن كنتم لا تنظرون إليه كذلك. وعند ذاك، لماذا تدعون بعضكم بعضًا وتدعون الآخَرِين أن يقرُّوا بتفوُّقكم؟ وإذا كان حضورُ المسيح يقومُ فقط على المحبَّة ولم تكن هذه فيكم، فلا حقَّ لكم في بناء البلد، ولا سهمَ لكم في بنيان الإنسانيَّة. إنَّكم منَ المحبَّة تستمدُّون معناكم، لأنَّها هي عندَكم كلُّ شيء، وبدونها تصبحون العدم. بدونها تعودون إلى الشراسة البدائيَّة.

أنتم، في الأساس، قائمون نواةً تموت، ليحيا غيرُها. بيدكم سرُّ الحياة، لأنَّ واحدًا علَّمَكم كيف تقبلون الموت. لعلَّ فلاحكم كلَّه في هذا الاختفاء، في تلك الطفرة الدائمةِ التي تَنقل حدودَ الكنيسةِ إلى حيث تتفانون. الـ”نحن” عندكم ألاَّ تقولوا «نحن». ماهيّتُكم كلُّها ألاَّ تفتِّشوا عن ماهيّتكم. حَصانتُكم ألاَّ تتحصَّنوا، أنْ ترموا بأنفسكم في وعر الطريق، في متاهات الدنيا. أنتم، وحدكم، لا تستطيعون أن تسودوا، لأنَّ «رؤساء العالم يسودونهم وعظماءَهم يتسلَّطون عليهم»، وأنتم لستم من هذا العالم. فخرُكم أنَّكم تزولون وجودًا روحيًّا فاعلاً، إذا صرتم أقوياء حسب منطق هذا العالم، أو شرفاءَ على المنوال المعهود. فقد «اختار اللهُ الخسيسَ من العالم والحقيرَ وغيرَ الموجود، ليعدم الموجود» (1كورنثوس 1: 28).

هل تؤمنون بذلك؟

Continue reading
1967, لسان الحال, مقالات

مِنْ أجلِ مَن؟ / الأحد 27 آب 1967

أرجو ألاَّ يكونَ مسيحيُّو بلادي بعيدِين عنِ المسيح. المسيحُ في طوافٍ دائم، خارجٌ للقاء الآخرين. لا يعتزل، لا يخاف، لا يتفرَّجُ. إنَّه مرميٌّ في العالم، مشلوحٌ على خشبة، يحيا عليها قصَّةَ حبّ. بالدمِ التزمَ الأرضَ ومَن عليها. بثَّ فيها روحًا يقيمُها منَ الموت، ولم يرتفع عنِ الدنيا إلاَّ ليكون، منْ أجل الدنيا، في دوامِ انعطافٍ ودوامِ رحمة.

وإذا خرجَ الإنسانُ، فإنَّما يخرجُ منْ نفسِه، منْ عزلتِها، منْ خوفها. يخرج بالحبّ «الحقّ الحقّ أقولُ لكم: إنْ لم تقعْ حبَّةُ الحنطة في الأرض وتمتْ، فهي تبقى وحدَها». هنا، يصرِّحُ الكتابُ أنَّ الفديةَ ممكنةٌ فقط بالموت، وأنَّ الذي يبقى وحدَه متلذِّذًا نفسه فإنَّما هو، بالنهاية، مهلكُها ومفصول عنِ الشراكةِ الكبرى التي تكوِّنُه. وهذه هي المفارقة أنَّ الإنسانَ يتكوَّن بالتغرُّب عن نفسِهِ، بنسيانِها. «مَنْ يُبغض نفسَه في هذا العالم، يحفظها إلى حياة أبديَّة».

المسيحيُّون أيضًا، جماعةً، ممدودون. يعانقون الكون. ولكنّ الوهم في أنْ ينضمَّ الإنسانُ إلى الإنسانيَّة قبل أنْ ينضمَّ الى جارِهِ. ملازمةُ القريب مقياس الصدق والعمق في المحبَّة. وأقرب الناس إلينا الجريح، الطريح على الإهمال، المكبوب على طرقات التاريخ بغضًا مجانيًّا. قلقي على مسيحيِّي بلدي أنَّهم لا يقلقون. يضطربون إذا هم لم ينبطحوا في «حقوقِهم» وهُدِّدَ شعبهم، إنْ بدا في الأفق شبح انتقاص لما ورثوه من جاه. أرجو ألاَّ يكونوا في وادٍ ومسيحُهم في وادٍ، ألاَّ يكونوا ناسَ الأخذ والقبض والمطالبة والانطواء، والمخلّص يحمل كلَّ حقيقة العطاء. رجائي ألاَّ يكونَ هاجسُهم صيفًا طيّبًا واكتنازَ صحَّةٍ ودرهم مع توهُّم نور وإشعاع. إنَّ هذا لا يكون اقتفاءً لآثار السيّد، ذهابًا إلى الآخرِين.

أين هذا من كلامِ الله لإبراهيم: «انطلقْ منْ أرضكَ وعشيرتك وبيت أبيك إلى الأرض التي أُريك»؟ وبعد هذا الكلام، يأتي الوعد: «وأنا أَجعلُكَ أُمَّةً كبيرة وأُبارك وأُعظِّمُ اسمَكَ». كلُّ ذلك لأنَّك انطلقت. لأنَّكَ، إنْ تربَّعتَ في مدينتِكَ أور حيث المتعةُ والجمال والمدنيَّة المترفة، فلن يفيد إيمانُكَ أحدًا. ولكنْ، إنْ نجوتَ ممَّا أنتَ عليه منْ أطايبِ الحياة وعبرتَ إلى حيث أُريدُكَ أنْ تكون، «فأنا ترسٌ لكَ، وأنا أَجركُ العظيم». وعلى هذا «أخرجه الله إلى خارج، وقال له أنظر إلى السماء…» تلك التي يأتي منها كلُّ عونٍ، ويفترض التطلّع إليها أنَّنا نلنا الحريَّة منَ العزلة والخوف.

إبراهيم لم يسألْ عن أخلاق الذين نُودي لينطلقَ إليهم. لم يبحث عن راحتِهِ. كان عالمـًا بأنَّ مَن سار أمام ربِّه، باستقامة وتواضع، إنَّما يبلغُ ربَّه. هذا المسلكُ لا نغامر فيه إلاَّ بالحياة، ولكنَّا لا نغامرُ فيه بالموت. عندنا ضمانة الحبَّة منَ الحنطة التي، إذا ماتتْ، لا تبقى، بتاتًا، وحدها. عندنا الوعدُ بأنَّها، إذا ماتت، تأتي بثمرٍ كثير.

منْ أجلِ مَن يجب أنْ يُهلكَ نصارى لبنان أنفسَهم؟ السؤال يعود بنا إلى سؤالٍ أسبق: مَن هو قريبي؟ عن هذا أجابَ يسوعُ، وقال: «كان إنسانٌ منحدرًا منْ أورشليم إلى أريحا فوقع بين لصوصٍ فعرَّوه وجرَّحوه وتركوه بين حيٍّ وميت». ما يزال الجريحُ هناك، ليس على كلّ طرقات الدنيا، لكنْ على الدروب التي داستْها، في جوارنا، أقدامٌ كافرة. ليس علينا أنْ نغادرَ لبنان، لنرى المأساة، المأساة تطوِّق لبنان. علينا فقط أنْ نتحرَّر منْ روحيَّة الصحّة الجيِّدة، من الوجل التاريخيّ، وقد أدركنا أيامًا وكأنّها ما بعد التاريخ. لقد هجمَ الوحشُ على فلسطين ومزَّقها إِرَبًا إِرَبًا كما مزَّق الناصريَّ قديمًا. والعالمُ سجدَ للوحش، ويقول: «مَن هو مثل الوحش. مَن يستطيعُ أنْ يحاربَه» (رؤيا 13: 4).

هذه هي تجربةُ العالم اليوم. المؤمنُ بالمسيح لا يستطيعُ أنْ يردّها ردًّا كلاميًّا. لقد شاء الله، بحكمتِه الأزليَّة، أنْ يجعلَ العربَ، وحدهم، أعداء الوحش الرؤياويّ. إنَّ مصارعتَهم ليست ضدَّ دمٍ ولحمٍ، بل ضدَّ المسيح الدجَّال. في هذه المرحلة المطلّة على ما بعد الزمن، تبدو اسرائيل وجهًا من وجوه المسيح الدجّال. ولذا، كانت نصرة العرب مناصرة للمسيح. وكان لقاؤهم إيمانًا وبرًّا وتأهُّبًا للسماء.

أجل، قضيَّةُ العرب قضيَّةٌ سياسيَّة، ولكنَّها ليست كذلك وحسب. هي أمرٌ إنسانيّ، أمرُ المظلومِين والمجرَّحِين منْ كلِّ صوب. غير أنَّها ليست كذلك فقط. شأنُ العرب، اليوم، هو شأنُ المسيح في محاربتِه وحشَ الرؤيا. العربُ، اليوم، هم تماسّ التاريخ لما بعد التاريخ. العرب، اليوم، بابُنا إلى المطلَق.

Continue reading
1967, لسان الحال, مقالات

العالمُ المسيحيّ / الأحد 10 آب 1967

كانتْ محنةُ العَرَب آخرَ دليلٍ للتفريق بين «العالم المسيحيّ» والدين المسيحيّ. في بعضِ الأذهان، كان ثمَّة شيءٌ يُسمَّى الدنيا المسيحيَّة. لقد استمرَّ هذا المفهومُ بعد القرون الوسطى لمَّا كانت أوربا ما تزال تتكلَّمُ عن حضارةٍ مسيحيَّة في القرن الماضي. ثمّ باتَ منَ الواضح أنَّ الماركسيَّة والرأسماليَّة – وكلاهما غيرُ مسيحيّ – توزَّعا العالم. في الشعوب البيضاء، لم يبقَ الدينُ مهيمنًا على المسيرة الحضاريَّة، ولو كانت هذه تحملُ رواسبه. فبانحلال الإمبراطوريَّات المسيحيَّة وتفشِّي العلمانيَّة[1] والفكر التقنوقراطيّ، تفرّغ مفهوم «العالم المسيحيّ» من كلِّ فحوى. وصارتِ الكنيسةُ المسيحيَّةُ أقليَّةً في الدنيا المسيحيَّة عينها. ومنْ جهةٍ أُخرى، أَخذَت أجزاء أخرى منَ العالم تنفتحُ إلى قيمٍ مسيحيَّة. ولعلَّ هناك تلمّسًا لحقيقةِ اللهِ في الفنِّ وصدقِ الكفاح السياسيّ وعدالته، وذلك في بقاعٍ لم تكن نصرانيّة يومًا أو بُترتْ عن مصادرِها النصرانيَّة.

أعتقدُ أنَّنا، ابتداءً منَ الإيمان، يجبُ أنْ نهلِّلَ لزوالِ «الدنيا المسيحيَّة». إنَّها كانتْ عالمَ الكذب الذي يَخلطُ فيه المراؤون، من كلِّ صوب، بين الرموز والحقائق. لقد ذهبَتْ إلى الأبد مملكةُ الروم و«أوربا المسيحيَّة»، لكي يُتاحَ مجالٌ للمسيحيَّة الشرقيَّة والمسيحيَّة الغربيَّة أنْ تعيشا للمسيح فقط، لا للمنافع الدنيويَّة. طوبى للمسيحيِّين لكونِهم خسروا الدولةَ وكلَّ سيطرة. هذا هو حظُّ الله الوحيد في السيطرة عليهم. كانوا يمنعون الله عن الناس، لأنَّهم كانوا يثبتون برَّ أنفسِهم. أمَّا الآن، فالمؤسَّسة المسيحيَّة، والحمد لله، كلُّها في أزمة. لقد انقرضَتِ الأمجادُ «المسيحيَّة» الباطلة، ليكونَ اللهُ وحده قيومًا صمدًا.

مع ذلك، ما يزالُ البعضُ يقولون بوجود دولٍ مؤمنةٍ ودول ملحدة. في اعتقادِنا، النهضةَ المسيحيَّةَ في العالمِ لن تتمَّ إلاَّ إذا انهارتْ آخرُ دولةٍ محسوبةٍ على المسيحيَّة. قيامةُ المسيح –وهي المبتغاة– قيامته منْ ترابِ التاريخ في فجرٍ جديد رهنُ هذا الإنهيار. يجب أنْ تتلاشى أحلامُ العزِّ والسؤدد كلّيًّا منْ قلوب المسيحيِّين، ليصبحَ المسيحُ غلاَّبًا فعلاً. المسيحُ لا يُلازمُ تاريخَ أُمَّةٍ أو مجموعةِ أُمم. إنَّه غيرُ مرتبطٍ «بكياناتٍ» مسيحيَّة. المسيحيَّةُ هي المسيح، كلمتُه وتجلِّيه، عدله وتواضعه. أما ما ينشأ منْ مال وجول وطول على ضفاف المجرى الإيمانيّ، في انسيابهِ إلى الأبد، فلا شأنَ لنا به. ليس هو كنزنا. من هم للمسيح، لا يوالون كتلةً ولا جبهة، ولا يخشَون أحدًا. لا يستطيعون أنْ يفهموا العلاقةَ بين إيمان تدَّعيه دولةٌ وبين قصفها مدنًا آمنة. اللهُ، عندهم، لا ينصر بالسيف أحدًا.

فإذا كان الأمرُ كذلك، جازَ للمؤمنِ أنْ يتساءَلَ، مثلاً، في أيَّةِ جبهةٍ منَ الفيتنام هو المسيح. أيمكن أنْ يكونَ مع صليبيَّة؟ أليس هو، دائمًا، منْ جهة الضحيّة كائنةً ما كانت عقيدتُها؟ أَليستِ القوَّةُ هي التعدِّي؟ وإذا اضطرَّ الضعيفُ إلى أنْ يهابَني، ألستُ أنا مضطهِدًا الضعيف؟ العنف، كلُّ عنفٍ يطردُ الربَّ خارجًا. عندما أظهرُ ذكائي بحيث يصبحُ رهيبًا للجاهل، ألستُ، بفهمي، متحدِّيًا الجاهل؟ إذا لم أَخدمِ الناس، كلّ الناس، لا أقدر على أنْ أَرفعهم إلى رتبة أحبَّاء. وإذا لم أَجعلْهم أحبَّاء، فإنَّهم عبيدٌ لي، وأنا عدوٌّ لإنسانيَّتِهم وعدوٌّ لنفسي.

المسيحيُّون هم مَن دعاهم ربُّهم، ليكونوا له على هذه الصورة. الإنسانُ لا يُولدُ نصرانيًّا، وبالحقيقةِ لا ينصِّرُهُ أحد. هو يقبلُ صبغةً تُغيِّرُ كيانَه، أو لا يقبل. المسيحُ ليس معطى لنا نهائيًّا. المسيحيَّةُ في ديمومة سعي.

المسيحيَّةُ ليستْ دنيا، ليستْ قصَّة، ليست تاريخًا، إلاَّ إذا كانتْ دنيا اللهِ وقصَّةَ الله وتاريخَ الله. ولعلَّ تاريخَ الله يُكتَبُ اليوم، في كثيرٍ منْ صفحاتِهِ، خارج «العالم المسيحيّ». العالم الثالث، هذه الصرخة منَ العدل، فيه منَ الحقيقة ما هو أبعد وأعمق منْ كلِّ الحضارةِ البيضاءِ، لأنَّ الحقيقةَ دائمًا منْ نار. مسيحيُّ العالم الثالث ليس جزءًا منَ المدنيَّة «المسيحيَّة» المترفة. هو منْ دنيا المحرومِين، ولا يستطيعُ أن ينفصلَ عنهم، لينضمَّ إلى مدنيَّة المال ومدنيَّة القوَّة.

حنين المؤمنِ، اليوم، هو إلى أفريقيا وآسيا وإلى العرب. قد يكون هذا الحنينُ المحكَّ الوحيدَ للإيمان الحيِّ اليوم.


[1] لا أقصد بالعلمانيَّة، هنا، استقلال بنية الدولة عن الإدارة الكنسيَّة. العلمانيَّة، بهذا المعنى، قيمة مسيحيَّة لكونها تميِّز بين الأبديّ والزائل. لكنِّي أقصدُ بالعلمانيَّة كلمة sécularisation الأجنبيَّة وهي الدعوة إلى بناء كلِّ فكر وكلّ حضارة بلا رجوع إلى الله.

Continue reading
1967, لسان الحال, مقالات

العربيَّة وحياتنا الروحيَّة / الأحد 11 حزيران 1967

«اللغة أداة تواصل وتفاعل»، قالها أدونيس الإثنين الماضي في الندوة اللبنانيَّة. واللغة واحدة، أو كذا يجب أن تكون، لأنّ الوطن واحد، أو هكذا نرجو أن يصير. اللغة روح وتراث وتطلّع، قالب للرسالة التي نحمل، وشيء من مضمون الرسالة. الشكل والمعنى يتزاوجان تزاوجًا بديعًا. قد يكون العقل الإنسانيّ واحدًا في العالم المتحضِّر، ولكنّ الأرض والشعر وطريقة التعبير تلونّه. العقل، الذي لا ينحصر في العلم، ليس واحدًا في الدنيا. ولذا العقل – الفنّ، العقل – الحياة، العقل – الحسّ الاجتماعيّ له لونه إذا كانت العربيّة أداةَ الإحساس والتعبير، أو كانت لغةُ أخرى أداةَ هذا الإحساس.

من هذا القبيل الحياة الداخليّة، التي تغلي وتتحرّك، لا يمكن أن نسكبها إلاَّ في قالب لغويٍّ واحد مألوف. قد نتموّج بين لسان ولسان في حقبات مختلفة منَ العمر، ولكنّنا نبلغ مرحلة يتركّز فيها حسّنا الداخليّ، وينتقي لنفسه الثياب اللغويّة التي يراها ملائمة لحقيقته. هذا لا يمنع أن نفهم شعرًا أجنبيًّا ونتحسَّسه، وهذا لا يحول دون الإفصاح عن فكرِنا بلغة أجنبيَّة. ولكنَّا مدركون، بآنٍ، أنّها مستعارة، أنَّها أمستْ من غير كياننا. نستعملُها لأنّها مفيدة، معاشية، ليس لأنّها نحن.

لماذا يختار العربيّةَ مَن يختارها؟ قلتُ من يختارها، أعني به ذلك المثقَّف الذي تروّض الفرنسيّة تروّضًا كبيرًا، واستخدمها خطابة وكتابة؟ هذا الذي كانت له قدرة على الانتقاء، لماذا يلازم العربيّة؟ الجواب الوحيد هو أنّ هذا الإنسان اكتشف أحد أمرَين: تجذّره وتجذّر بلاده بالتراث العربيّ، وضرورة استيعاب هذا التراث للإبقاء على بلادِه في محيطها الطبيعيّ والتاريخيّ، أو أنّه اتّصل بالشعب العاديّ اتّصالاً جعله يستمدّ حساسيّة جديدة من البسطاء الذين لا يتقنون لغة أجنبيّة. في الحالتين، هذا الإنسان امتدَّ امتدادًا روحيًّا. كان هذا الإنسان «ثابتًا في الحقِّ الحاضر»، كما يقول بطرس الرسول. استقى من الماضي في الحالة الأولى، واستحضره خدمةً للناس، أو لَطَمَهُ الناسُ العاديوّن على وجهه، فاستيقظ من تغرّبه الحضاريّ، ليكلّمهم لغتَهم، ليقول لهم إنّهم أحياء ويساوون كلّ مثقّفي الأرض. العربيَّة، بهذا المعنى، اختيارٌ أخلاقيّ، تركٌ للترف العقليّ، اندماج بالعامّة.

هذا لا يعني أنّ العامّة يفهمون بالضرورة كلَّ ما يُكتب بالعربيَّة، وقد يطرح هذا مشكلة المبنى في العربيّة ذاتها. ولكنّ العامّة في رجاء أن تفهم إذا كان الأدب قائمًا بلغتها. أدونيس لا ينفي أن يكون ثمّة أناس قلائل قد أدّوا خدمة بلسان غريب، واضطروّا هم إلى استعمال هذا اللسان لظروف تتعلّق بحياتهم أو حياة فئة من اللبنانيِّين. هؤلاء مَن ينكر فضلَهم ومساهمتهم الكبرى في تأسيس البلد؟ ولكنّهم من جهةٍ نضجوا في ظلِّ الانتداب، وكان بعض شعبنا في حيرة من أمرِ مصيره وأمر ارتباطه مع الجوار. والأفراد القلائل، الذين نبغوا في الشعر والسياسة، لا يصحُّ اتّخاذهم قاعدةً لتنشئة البلد.

البلد، إذا بقي مُحيَّرًا بين لغتَين، محيرٌ ليس فقط بين ثقافتين، لكنّه متردّد أيضًا بين عالمَين. اللغة رمز، ولا شيء مثلها رمز. الثنائيّة اللغويّة، أي اعتبار لبنان على لغتين أصيلتين، إنّما هي اختيارُ لبنانَين، استمرارٌ للفئويّة فيه.

أنا لا أقول، بالضرورة، إنّ هذا التقسيم تقسيم طائفيّ. فلدينا الآن مثقّفون مسلمون يؤثرون استعمال الفرنسيّة أو الإنكليزيّة أداةً لهم للتعبير. ولكنّ الثنائيّة اللغويّة هي، قبل كلِّ شيء، تكريس لسيادة الحضارة البرجوازيّة في لبنان، وللسياسة البرجوازيّة فيه. إنَّه لبنان الصالونات والترف العقليّ واللاعقليّ، كلّ هذا الذي تلفظُه المدنيّة الغربيّة في احتضارها.

اللغة الأجنبيّة، في كلّ بلدان العالم، كانت لغةَ المجالس المستريحة. وقد يكون السؤال: لماذا تريدُنا أن ننتقي بين هذه الثقافة البرجوازيّة اللطيفة، الغنيّة، وثقافة لم يثبت شيء أنّها قادرة على اقتحام الوجود؟ بالضبط، كان أدونيس يتنكّر «للجمود وللجوء إلى الماضي والنوم في الموسوعات». قال عنها إنّها «قبورٌ محفورة بإتقان بارع لدفن هذه اللغة». الدعوة دعوة إلى الحياة، والحياةُ هي في الشعب كلِّه. وهذا الشعب قادرٌ على أن يوحي لغةً جديدة. تولستوي ولرمنتوف وغيرهما في روسيا لم يكن أدبهما ما كانه إلاَّ لكونهما اتّصلا بالناس العاديِّين. ثمّ من الذي قال إنَّنا سنقرأ المتنبّي وأبا العلاء وحدهما من دون دانتي وشكسبير وجوته؟ ولكنَّ المهمّ أن نتمثّل هذا التراث الأجنبيّ وأن نخلق، بعد هذا التمثّل، أدبَنا الخاصّ. الكبار لن يفعلوا في أمّتنا ما لم يكونوا مقروئين بلغة هذه الأمّة، ما لم يتحوّلوا إليها طعامًا تقدرُ على هضمه. إنّ لقاء الموروث، عربيّة وغربيّة، بعقولنا لقاء غير ممكن ما لم يكن الأدب كلّه أدبًا متطلِّعًا إلى كلِّ الناس في بلادنا. كلُّ ترداد لأيِّ أدب في الماضي مضرّ أعربيًّا كان أم أجنبيًّا. العربيّة، التي نتكلّم عليها ليست استظهارًا لما كان، لكنّها اللغة التي تتفاعل مع ناسِ اليوم.

من هذا القبيل، اللغةُ الواحدة كانت، في رأينا، ضرورةً روحيّة. إذا كان تثقيف الكلِّ هاجسَنا، إذا كانت ترجمةُ الروائع العالميّة همَّنا، إن كنّا نبتغي لغة تحمل عصريَّةَ الفكر لأهلِ البلد، فالعربيّة وحدها محمل كلّ ذلك. العربيّة واجب مَناقبيّ.

Continue reading
1967, لسان الحال, مقالات

مفرقعات الأعياد / الأحد 7 أيار 1967

لم يمت الإله الوثنيّ فينا، ولم نتجاوز ذاك الذي كان يظهر بالبرق والرعد. وعندما كانت الإنسانيّة تتصوّر ربّها على هذا الشكل الناريّ، إنما كانت تلتمس فيه شهوة العنف التي فيها. والغرائز متأهّبة دومًا للتفلّت. ومن مظاهر انفلاتها، الرصاص والمفرقعات التي يستعملها شبّان، صاحون أو سكارى، عملاً بالمادة 6 و6 مكرّر. والحقيقة أن الخلاف ليس بين المسيحيّة والإسلام بل بين الطوائف – الأحزاب، بين مجوسيّي الإسلام ومجوسيّي المسيحيّة، لأنّ المتعبّد للنار مجوسيّ إلى أيّة ديانة انتمى. فالوثنيّة لا تنقرض. حسبنا الإهمال لتعود قويّة تتحكّم بمن يوحّد الله تحكّمًا شرسًا. والله ظرف من ظروف الرجعة الوثنيّة وشهواتها. والناس سذّج إذا سمّوا لهيصة ابتهاجًا. والذي يخدع البشر مجرّد قيام «الهرج والمرج» يوم التعييد، فيحسبون أنّ العيد مرتبط بالتهييص. والحقيقة أن الرغائب الحيوانيّة تتدفّق في المواسم، لأنّها تستحيي أن تظهر بلا مبرّر. تصطنع التبرير، فتطلي الشهوة بشاعتها بمسحة من تقوى. وبعض التقوى نافع للخطيئة في قحتها.

والمصيبة أنّ المفرقِعين ومن يتساهل معهم، لهم لغة، وللمؤمن الحقّ لغة أخرى. المؤمن يذهب إلى الله ليلقاه في التواضع والسلام، ليُسكت كلّ شهوة في حضرته. واللاعبون بالنار يؤمّون ساحات المعابد ليلعبوا. إنهم طلاّب لذّة. والذين لا يحتجّون عليهم إنما يتسلَّون بتسليات أولئك. يترفّعون بسبب من رهف وتهذيب. ومع ذلك يحبّون أن يلعب ولدان الحيّ البالغون بهذه الدمى. المهذَّبون لا يفقدون يدًا ولا عينًا ولا حياة. لا يفهمون إذا شرحنا لهم أنّ هذا كلّه يقضي على العبادة إداء وسماعًا وخشوعًا، كأنّ أحدًا لا يهمّه جديًّا أن تكون الأعياد تقديسًا والمواسم معارجَ إلى السماء. كلّ موضوع الله وقضيته ملهاة لكلّ هذه الجماعة الراضية عن هذا السيرك.

مذهلة هذه الفوفاشيّة التي نواجه فيها المهزلة. فاللاعبون في السيرك يعرفون كلّهم قواعد اللعب. أمّا المتفرّجون فلا يعرفون. المصلّون الذين يتغاضون عن الرصاص لا يدركون أنّ مَن تسمح له بالنار إنما يستزيد. ولذلك من تكلّم عن توجيه هذه التظاهرات أو تحديدها أو حصرها في وقت معلوم إنما يهذي. منطق النار أن تبقى، أن تلهب، أن تلتهم الدنيا. النار تجعل في نفس القابض عليها نشوة. ولها عشّاقها المدمنون. وإذا كانت الزقّ هنا فكيف يرتدع السكير، أو كان الرصاص وما إليه بمتناول اليد فمن يقمعه؟

لذلك يجب ألاَّ يُباح دخولها إلى ساحات المعابد أو داخلها. السلاح يدنِّس الهيكل. والنار دائمًا سلاح الشيطان، وسيلة مجنونة تعطل الشعائر. والدولة، بتغاضيها، مسؤولة عن هذا التعطيل. والمصلُّون الودعاء ليسوا شرطةً ليقمعوا بدائيّة هوجاء تنتهك حرمة مقادسهم. القانون الجزائيّ يحرِّم التعدي على العبادات. أيّ التعديات أقوى من هذا؟ القيّمون على الحياة الروحيّة لا يستطيعون أن يشوا بأحد ولو أساء إلى ربهم، وقد لا يطاعون إذا نبّهوا ولاموا. السلطة المدنيّة مسؤولة، أكانت الأدوات المستعملة مرخَّصة أم غير مرخَّصة. المادة الجزائيّة هنا ليست حمل أسلحة أو متفجرات. فقد يدوي المسموح به ويعطل الصلاة. الدولة تستطيع أن تبتر. إنّها تستطيع أن تحمينا من العدوان، من عدوان أبنائنا. فقد تكون نيّة ابنك حسنة إذا جاء ليقتلك. هذا لا تبحث أنت فيه، ولكن تتمسك بحياتك. الشبّان الصاحون أو السكارى، وكثيرًا ما يكونون لطفاء خارج معركة المعابد، هؤلاء بأطيب نيّة أعداء حريّتنا الدينيّة. يمنعوننا من الوصول إلى إلهنا. سِيركهم يجب أن نطرد أو ننكفئ إلى البراري لنصلّي. فما دامت النار في حرم كنائسنا نحن في حالة اضطهاد.

Continue reading
1966, لسان الحال, مقالات

إلى راعٍ[1] / الأحد 9 تشرين الأول 1966


[1] وُجّهت إلى المطران اسبيريدون (خوري)، متروبوليت زحلة، إثر انتخابه.

ستفصلنا البحار غدًا اذا أدرجك أسقف أنطاكية في المصفّ الرسولي. في هذه الأويقات التي أقضيها بانتظار الطائرة وأستطيع فيها وحدها أن أُناجيك، شئتُ أن أقول لك، في شركة الإخلاص، ما قد لن أجرؤ عليه غدًا بعد أن تكون قد أحاطت هامتك هالةٌ من نور.

سيدور الشرير حولك ليُمزّقك. لن تعصمك ملائكية لم ينلها احد. ولكن في خضمّ الرعاية ستكون مأخوذًا بين حكمة العالم وحكمة الإنجيل. والأُولى دائمًا أسهل ويحتسب المرء فيها نفسه أنه ذو فطنة. والكتاب العزيز لا يطلب أن نُلقيها جانبًا ولكن أن نُخضعها للحكمة الأُخرى المرتكزة على اللطف والعفة والتواضع ويثيرها أمامك، في لحظات اعتكافك الحقة، ذلك الجسد الدامي الذي عُلّق من أجلنا على الخشبة. لـمّا قال: «لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض» كان عالـمًا بأن قلب الانسان في ما يكنز وبأنه إن لم يحلّ في القلب البشري دون سواه لن يكون في ذلك القلب لمحة من الملكوت. هذه الاختطافات إلى عرشه لن تكون على فمك وفي أعمالك ما لم تكن فقيرًا، معرّضًا إلى التشرد، إلى إهمال الكثيرين حتى تظهر أمامه، في كل يوم، صفر اليدين، متعطشًا إلى الرحمة، حافيًا عاريًا كأنك إزاء عتبة السماء. العراة وحدهم يلجون السماء.

في تجرُّدك هذا الكامل لن تأبه لوجه مخلوق لأن الحكم يكون فيك لله. سيتخبّط الناس حولك في «شهوات الغرور»، كما يقول الرسول العظيم وأنت في منأى عن العاصفة لأنك ترى الله عن يمينك في كل حين وتعرف أنه مخلّصك. ولكن إن تسرّبت اليك محبة هذا العالم لتسترضي هذا وذاك وتكسب مجدًا فليس لك أن تنتظر إكليل المجد الذي أَعدَّه الله للذين يحبّونه. الله أكبر من رعيتك وأكبر منك. إن جعلتها تشعر بأنها صغيرة أمامه وبأننا جميعًا أقزام أمام عزّته، تكون قد ساهمتَ في التجلّيات التي أتى الناصريّ من أجلها.

وفي مجمع الأحبار لن تكون بلا تجربة. الحكمة الدنيوية تقرع أبوابه أحيانًا بقوة. القيادة الكنسية هي نفسها ضمن السفينة التي تتلاعب بها الرياح. ولكنك عالم أن الأنواء تسكن فقط عندما يستفيق المعلّم. أنت ومن شاركك المسؤولية الكبرى في سياسة أُمّة الله لن تأتوا بشيء اذا نظر أحدكم إلى الآخر. ستكونون كل شيء اذا تطلّعتم إلى السيد النائم إلى جانبكم في السفينة واستغثتم. عند ذاك يأخذ ألحاظكم كلكم ويُسمّرها على آفاقه.

ساعتئذ سترون أنطاكية الجريح. ستُغذّونها بدمائكم. ستُضمّدونها بلحمكم، هذه التي أبقتها دموعها جيلاً بعد جيل شهادة للأمم. وقتئذ لن يسألكم أحد عن قانون لأن دمكم المسفوك قانونكم. تكون، أنت ورفقاؤك، ماسحين كل دمعة من عيوننا. ستُعيدون إلينا ايماننا بأنّ أبوّة الله ممكنة أيضًا على الأرض لأنكم حاملوها. أعطونا إلهًا حيًّا، إلهًا حيًّا فينا جميعًا، إلهًا نُفاخر به الشعوب.

لا بدّ لي أن أقف هنا. بعد قليل يجب أن أكون في المطار. هي أسطر أملتها عليّ عشرون سنة من تلك المصاحبة الطيّبة التي كان فيها وجهُك الصبيح أبدًا فرحًا للكثيرين. وكانت البشاشة، بالطبع، دليل انفتاح على خير ما في الحياة. أستودعك حنان الله رفيقًا لأتلقى غدًا منك بركة الأب والسيد. استلِمْ عصاك بالحزم والدعة بآن. سنشرب معًا، يوم الأحد الكأس واحدةً في قارّتين. الله معك.

Continue reading

Popular posts

خيبات / السبت ١٧ تشرين الثاني ٢٠٠٧

الرجاء المنتظر مني إبداؤه رجاء الى الله وليس أملا في مخلوق. فهذا يهبط ويرتفع وقد تعرفه بمقدار يجعلك تقول هذا الرجل يتلو هبوطه هبوط وغالبا ما سيقع على الصخر...

المسيح يحيا فيّ / الأحد 21 تشرين الأول 2007 / العدد 42

في الرسالة الى أهل غلاطية منشغل بولس الرسول اننا لا نتبرر بأعمال الناموس الموسوي ولكن بالإيمان بيسوع المسيح. فالمسيح غاية الشريعة القديمة. فقد بطل الناموس يحييني وما حيا به...