2003, مقالات, نشرة رعيتي

الروح القدس/ الأحد 15 حزيران 2003 / العدد 24

في الخطاب الوداعي وعد السيد تلاميذه ان يرسل اليهم الروح القدس. “ان لم انطلق لا يأتيكم المعزي” (يوحنا 16: 7). ما وظيفته؟ “متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم الى جميع الحق… وذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم”. نحن نعلم ان المسيح علمنا كل شيء وان أحدا لن يزيد عليه. غير ان كلامه يجب ان نتذكره دوما وان يدخل القلوب. هذا هو عمل الروح القدس.

         تلاحظون في الرسالة المنشورة هنا ان حلول الروح على التلاميذ اتخذ شكل ألسنة نارية استقرت على كل واحد منهم. الروح يلهب القلوب ويوحدها. لذلك نزل عليهم وهم مجتمعون في مكان واحد ليهبهم مواهب. خدمة العنصرة تتكلم على المواهب: “ان الروح القدس نور وحياة وينبوع، حي، عقلي، روح فهم، صالح، مستقيم، عقلي، رئاسي، مطهر للهفوات، إله ومؤلِه، نار من نار بارزة، متكلم، فاعل، مقسم للمواهب…”.

         هذا الروح الواحد ينتج مواهب مختلفة في لمؤمنين، فهذا موهوب لخدمة الفقراء وذاك للتعبد وآخر للتعليم الديني المنظم وآخر للوعظ وذاك للإدارة وغيره لأعمال الرحمة. ومنا من كان له اكثر من موهبة. فالمؤمنون في الكنيسة يتصرفون بحيث لا يحسد احد الآخر ولا يستغني احد عن الآخر. هذه في مجموعتها تجعل الكنيسة جميلة.

         كل موهبة نعمة اي عطاء مجاني اراده الله لك وهو وحده يعلم لماذا خص فلانا بهذه الموهبة وآخر بموهبة اخرى. نحن نستلم ونأتي بثمار. غير ان الروح الإلهي يبني الكنيسة كلها. “الكنيسة جسد المسيح” اي كيانه الممتد في العالم. الى جانب المواهب الشخصية كيف يعيش المسيح في الكنيسة؟ يعيش بالكلمة التي نسمعها وتحيينا اذ يجعلنا الروح نمتصها، ويعيش كذلك بالأسرار الإلهية (المعمودية، الميرون، القرابين الإلهية وغيرها).

         هذه الأسرار نابعة من المسيح، من موته وقيامته. ففي المعمودية مثلا تموت مع يسوع وتقوم معه. الموت والقيامة حصلا لما كان السيد في البشرة (هنا على الأرض). ولكن كيف يتحقق موته وقيامته فيك؟ بالمعمودية التي يتممها الروح القدس. عند ذاك ينصب عليك فعل الخلاص.

         المسألة قد تكون اوضح في القداس. الكاهن يقول: “خذوا كلوا… اشربوا منه كلكم…”. انه يسرد حادثة العشاء السري الذي تأسس فيه سر الشكر (اي سر القرابين). كيف نبني على هذا الأساس او كيف يتم تفعيل هذا الكلام الإلهي؟ هنا يطلب الكاهن من الآب ان يرسل علينا وعلى القرابين الروح، ويطلب الى الآب ان يحوّل – بنزول الروح القدس – الخبز الى جسد الرب والخمر الى دم الرب. ما كنا موعودين به يتحقق الآن.

         نحن في المعمودية والقربان وسر التوبة وسر الزواج في عنصرة تدوم. الكنيسة تعيش بهذا الحضور الدائم للروح القدس  فيها.

         هو مُبدئ كل شيء. لذلك نقول: “ايها الملك السماوي المعزي…” في بداءة كل خدمة إلهية. انه “يشفع ينا بأنّات لا توصف”.هو يحملنا الى السيد والسيد يحملنا الى الآب.

Continue reading
2003, جريدة النهار, مقالات

الروح القدس / السبت 14 حزيران 2003

اذا جاءنا الله نهائيًا في المسيح كيف يستمر المسيح فينا بعد انحجابه عن الانظار؟ قيل في الكتاب وهذا ما يؤمن به كل المسيحيين وقيل في الكنيسة وهذا ما تؤمن به الكنائس القديمة بقوة. لكن ان يجيئك السيد بكلمات وبتجلياته في الجماعة (معمودية، ميرون، قرابين) يفترض تفعيل الكلمات، انتقالها الى قلبك فالفاتر قد لا يلتقط شيئًا والمؤمن الحار يتحرك بها بما هو اعمق واعمق. انت تستدخل الكلمة الملهمة او يدخلها الله اليك. تفعيل الثوابت في النفس، في حركات تجديد للقوة الكامنة، ان تجعل الاحداث القديمة غير منطوية ولكن قائمة حقًا فيك وفي الجماعة هذا هو عمل الروح. الا يكون الزمان فاصلاً بينك الآن وبين موت المسيح و نصره واصطلحنا على تسميته التأوين (ولعلها مصدر من آن). ان تردم هوة الزمان، ان تستنزل المسيح من بعد صعوده اليك والى الجماعة هذا هو عمل الروح القدس وتلك هي العنصرة الدائمة التي ذكراها عندنا غدًا.

في الرسالة التي نقرأها غدًا: «لما حل يوم الخمسين (اي اليوم الخمسين بعد الفصح) كان الرسل كلهم معًا في مكان واحد. فحدث بغتة صوت من السماء كصوت ريح شديدة تعصف وملأ كل البيت الذي كانوا جالسين فيه. وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار فاستقرت على كل واحد منهم. فامتلأوا كلهم من الروح القدس».

«في مكان واحد» وفي قلب واحد وانتظار واحد تلك هي الكنيسة. يجب ان تكون من الجماعة التي استلمت الكتاب حتى ترث الروح اي يجب ان تتلو الكلمات التي قالها يسوع. يجب ان تملأ النعمة كل البيت لانه قائم على طاعة الكلمة. عند ذاك تستقر عليك نار من السماء وتصبح كل نفسك نارًا. وهذا ما سماه العهد الجديد مواهب الروح. وقد تكون النار فيك دائمة الالتهاب، حريقًا عظيمًا ويرى الناس انك مسلم لكلمة الله وحدها فتؤتيك هي كلمات جديدة اذ تكون قد صارت حية فيك فأحيتك فأحييت انت الآخرين بها.

#  #  #

لذلك كانت الكنيسة حية بالاحياء. فهي ليست مؤسسة بالمعنى الحقوقي يجلس فيها ناس فوق ويجلس الآخرون عند اقدامهم. ليس احد فوق ولا احد تحت. لذلك الكل يتكلمون بسبب من الروح الذي فيهم. فالكنيسة ليس فيها طبقات. وفي الاصل وحسب تراثنا القديم نختار للكهنوت من ادرك الاستنارة وللاسقفية من بلغ التأله او الالهة (فتح اللام) اي ذلك الذي تنزه عن الهوى والانفعال لذلك ما كانت الاسقفية مؤسسة بمعنى اولئك المرصوفين ليقبلوا الطاعة ولكنهم يتقبلونها لأنهم غدوا ورثة الله في الارض. فلا يبقى الاسقف اسقفا بالمعنى العميق، بالمعنى القيمي الا اذا استقرت النار عليه وفيه واستمع الى «ما يقوله الروح للكنائس» والكنائس هنا لا تعني الجماعات حصرا ولكن الافراد الذين الروح اصطفاهم. وهؤلاء قد يلومون الاسقف باسم قداسة الكنيسة بروح الوداعة والتنزه من الغرض اي بلا استكبار ويكونون قد اعتبروا انه مسيح الله. هو وهم انكشفت لهم حقيقة هذه القطعة التي نرتلها في العنصرة: «ان الروح القدس نور وحياة وينبوع، حي، عقلي، روح حكمة، روح فهم، صالح، مستقيم، عقلي، رئاسي، مطهرللهفوات، إله ومؤله (بكسر اللام) نار من نار بارزه، متكلم، فاعل، مقسم للمواهب…».

«مقسم للمواهب» حقيقة اساسية تدعم التكامل بيننا. فهذا موهوب لخدمة الفقراء او لخدمة العبادات، وذاك للتعليم (النظامي) والآخر للوعظ وذاك للتدبير (الادارة) والآخر لاعمال الرحمة وكلنا للمحبة. فلا يزدرين احد الآخر ولا يعتبر العطاء الذي نزل عليه خيرا من عطية اخرى. واذا قارنا آباء الكنيسة نجد ان هذا تغلب عنده موهبة وعند ذاك موهبة اخرى. واذا رأينا الى اللاهوت مثلا فمن الواضح ان الآباء متفاوتون بعمق الرؤية ومتفاوتون بالذكاء. ولكن من كان دون سواه التماعا تحسه اشد انكبابا على خدمة الفقراء. فيتلاقون جميعا لاقامة الكنيسة الواحدة. وفي هذه الحال يصبح الانسان كلمة.

#  #  #

على الصعيد اللاهوتي يبدو لي ان الانقسام الذي حصل بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية في موضوع انبثاق الروح (هل هو منبثق من الآب كما يقول الشرقيون ام في الآب والابن كما يقول الغرب) آخذ بالزوال على وجه التقريب بعدما وضعت روما وثيقة عظيمة اقتربت بها كثيرا من الموقف الشرقي. وفي قراءتي ان الارثوذكسية لن تثير الخلاف القديم في المباحثات بين الكنيستين اذا استؤنفت. غير ان ما يعزي ان الروح القدس الذي كان في التعليم الكاثوليكي غير بارز بما فيه الكفاية اخذ يبرز تعليميا وحركة. مهما يكن من امر فالممتلئون من الروح القدس هم واحد في الكنيستين، هنا وهناك القداسة واحدة وان كنا لاهوتيا لا نتكلم اللغة الواحدة في التعبير عنها. وهنا يبدو السؤال: هل يمكن ان تكون القداسة واحدة اذا لم تكن الكنيسة فعليا واحدة. فالقداسة هنا في حياة الكثيرين ساطعة كالشمس. في الواقع الكنيسة الارثوذكسية لكونها غير مركزية التنظيم تعلن كل بطريركية منها قديسيها وهذا ما يحصل دائما في كنائسنا.

هل الروح القدس مرسل الى الذين ليسوا منتمين ظاهرا الى الكنيسة، موضوع غاية في الدقة. لقد اطلقت منذ ثلاثين سنة عبارة «المسيح القائم في ليل الديانات»، أردت بذلك الحقيقة الكامنة فيها بسبب ما سمي في القرن الثاني عندنا «الكلمات المزروعة» أي تلك التي يبعث الله بها في حريته الى هذا او ذاك من الناس. الموقف الذي اقترحه الآن بعد انقضاء هذه السنوات الثلاثين انك ان لم ترفض الانجيل بصريح قوله او لم تناقضه تكون كلماته قد تسربت اليك ولا تكون مقولة فيك قولاً. غير اني آثر في ما أتمتمه أخيرًا ان أقول اني أحجم عن تقويم (او تقييم) الديانات في منطوقها ولكني لا استطيع ان أحجم عن رؤية القوم في طهارة سلوكهم واذا كانت الطهارة بارزة جدًا تكون قد أتت من روح القداسة اذ الجهد البشري وحده ليس مصدر نقاوة. طبعًا ليس عند المسيحيين حرج في قولهم ان الكنيسة أوسع من الجماعة المسيحية القائمة. عندما يقول الحلاج بعدما قطعت يداه وقد أدركته الصلاة، عندما يقول: «ركعتان في العشق لا يسوغ فيهما الوضوء الا بالدم» لا يهمني فقه الوضوء ولكني أرى ان الروح نزل عليه بالشهادة وانضم الى مصلوبية يسوع.

#  #  #

أمام هذا الذي تراءى لنا استحضر دعاء لقديس بيزنطي هو سمعان اللاهوتي الحديث قال: «تعال، ايها النور الحق، تعال أيها الحياة الابدية، تعال يا ايها السر الخفي، تعال يا من لا يقال ولا يدرك، تعال ايها النور الذي لا يعتريه مساء، تعال ايها الرجاء الذي يشاء خلاص الكل، تعال يا قيامة الموتى. تعال يا من يبقى ثابتًا وهو في كل ساعة يتحرك الآن نحو الثاوين في الجحيم… اسمك لن يقوله أحد… تعال يا من أحبته نفسي ولا تزال تحبه. تعال وحدك اليّ وحدي. تعال يا من فصلتني عن الكل وجعلتني وحيدًا في هذا العالم وصرت رغبة فيّ وأردت ان أريدك. تعال يا من لا يبلغ اليه».

وبأشياء كهذه غنينا الروح والمنكسرة قلوبهم عاشوا منه على رجاء التهاب الكون به حتى تغدو هذه الدنيا نورًا محضًا.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

المطران/ الأحد 8 حزيران 2003 / العدد 23

العلاقة بيني وبينكم لا ينبغي أن يسودها الانفعال لا مني ولا منكم. هي علاقة تحكمها الكلمة الإلهية وتسودها المحبة من جهتي إليكم ومن جهتكم على ما ارجوه. لقد خطونا خطوات كبيرة في التعاون والمشورة، ويزين لي أننا قدرنا معا ان نقيم أبرشية تحلو ليسوع على رغم ضعفاتنا جميعا. غير ان التآلف العظيم ينبغي ان ينبع مما يريده الله.

بولس في رسالته إلى تيطس يسمّي الأسقف وكيل الله ويأمره ان يعظ بالتعليم ويوبخ المناقضين (1: 7-9). ويقول الرسول في الرسالة إلى العبرانيين: «أطيعوا مرشديكم واخضعوا لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم» (13: 17). القديس إغناطيوس الأنطاكي في رسالته إلى أهل أفسس يقول: «عليكم ان تكونوا برأي واحد مع أسقفكم»، وفي رسالة اخرى له يطلب إلى المؤمنين ان يطيعوا أسقفهم كما يطيعون المسيح.

الكثير منكم يسلك هكذا وبعض لا يسلك هكذا. أنها لخطيئة ان ينفرد بعض عني في ما يقومون به من أعمال. الحمد لله ان هؤلاء قلة ولكن غيرتي عليهم تقودنا إلى ان اذكّر الجميع حتى لا يجربنا الشيطان بالانقسام. انه انقسام ان يتفرد أي مجلس رعية بقرار رئيسي يتضمن مسؤوليتي عن الأوقاف. فقد ذكّرت الجميع بأكثر من رسالة ان أي تغيير في المباني من قيام مبنى أو ترميم كنيسة أو تغيير بملامحها متعلق بي مباشرة. ان مجلس الرعية لا صلاحية له إطلاقا على إقامة حائط صغير أو هدمه أو أي شيء مثل هذا اذ يكون هكذا تصرف تصرف المالك وهو ليس بمالك.

لا أنا ولا أنتم تملكون شيئًا. الله وحده هو المالك. ولكن هنا على الأرض لا بد من ان يتصرف احد بهذه الأوقاف استثمارا أو استبدالا. والقوانين المقدسة القديمة تقول ان الأسقف نفسه لا يستطيع ان يبيع الا بعد مشاورة أساقفة الجوار. ولذا نربط اليوم موضوع البيع بالبطريرك. المؤمنون لهم رأي في كل مسألة وقفية في القرى، أستشيرهم خطيا. فمن باب أولى ان يستشيروني لأتخذ قرار إنسان جعله القانون الكنسي وليّا، وجعله العرب لما دخلوا بلادنا وليّا، ويؤيد هذا إلى اليوم القانون اللبناني. مع هذا أرى تغييرا في معالم الكنائس داخليًا أو خارجيًا.

يَبْلغني من وقت إلى آخر قول الناس: «ها الضيعة ضيعتنا والوقف وقفنا. شو دخل المطران؟». جوابي المتواضع ان الوقف ليس ملككم لتتصرفوا به وحدكم. فإن أجدادكم لما وقفوه وقفوه للكنيسة كلها. فإذا سُمّي وقف ما: وقف دوما أو سن الفيل أو بيت مري أو بحمدون على سبيل المثال، فليس الا من باب انه واقع هناك وانه من اجل لا مركزية الإدارة ينفق دخله محليا. ليس معنى هذا ان الأهالي يقررون وجهة الإنفاق أو الاستثمار. المطران يترك لهم بحريته مسؤولية التدبير لهذه الأمور لأنه لا يقدر ان يكون في كل مكان. ولكن لكون الأهالي مطلعين على الواقع، لا يتفرد المطران برأيه بل يشاور.

خذوا الأمور ببساطة المسيح وتحرروا من الفردية والانغلاق وتعاونوا بإخلاص فقد أثبتت الوقائع خلال ثلاث وثلاثين سنة ان هذه المطرانية لا تطمع بأوقافكم المحلية ولم تطلب منكم قرشا واحدا للأبرشية ككل. «اني لم أشتهِ فضة احد أو ذهبه أو لباسه». غير اني مكلف إلهيا بالحفاظ على نفوسكم ولطفها وقداستها وتاليا مكلف بوحدة الأبرشية.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

مجلس الرعية أيضًا وأيضًا/ الأحد 25 أيار 2003/ العدد 21

لا شيء يعذبني ويعذب بعض الكهنة مثل مجالس الرعايا وهي مجالس تسودها عقلية مغلوطة. هناك مجالس تعمل بروح المسالمة والأُخُوّة والتقوى. هناك صعوبة في تطبيق القانون لأسباب تختلف بين مكان ومكان. القانون يقول اننا نختار الأعضاء من بين المؤمنين الممارسين الذين تجدهم في كل قداس إلهي. غير ان الواقع يدل اننا لا نرى كل أعضاء المجالس يشاركوننا الخدمة الإلهية. وأنت لا تعرف مُسبقًا من سيأتي إلى الصلاة ومن يتخلف، فالقصة الحقيقية ليست في ان تجد من يعرف ضبط الوقف والمال، إذ القصة ان تجد دائما من عنده روح الرب.

ان تكون عضوا في مجلس رعية هو ان تتعهد الكنيسة بمعناها الروحي وان تسهم مع الكاهن في شدّ المؤمنين إلى الكنيسة على الأقل بحضورك الشخصي واصطحاب أهل بيتك إليها. ربما كان الحل في ان تُنشئ دروسا لاختيار مرشحين لمجالس الرعايا الأكثر غيرة والأعظم معرفة. غير ان الفكرة التي تسيطر علينا في كل قرية هو ان تختار الأعضاء من العائلات المختلفة وان تقيم توازنا بينها وبين جبابها، ولكن قد لا تجد في كل جب ولا في كل بيت من هو أهل لملء المنصب والقيام بالمسؤولية. أحيانا لا بد من اختلال التوازن لتحصل على الأكفاء المؤهلين لخوض المسائل الروحية والإدارية والمالية التي تفرض نفسها في كل رعية. حرام ان نتعب المطرانية بفرض الاختيار من كل بيت.

هذا من حيث الاختيار. اما من حيث سَير الأمور فالمطلوب دائما ان يعيش كل الأعضاء روح الأخوة بحيث يحترمون بعضهم بعضا، ويعيشوا سلام المسيح فلا يسيطر التمسك بالرأي الذي أدليتَ به إذا أثبت لك الزميل خطأ رأيك. ولا مجال في المجلس ان تتشكل كتل متنافرة فتلازم أنت كتلة والآخر كتلة أخرى فيأتي العناد ولا تتم مناقشة «حزبية» أو مناقشة قائمة على التحيز. بلا تنازل الواحد للآخر في سبيل الحقيقة والحق لا تسير الأمور سيرا حسنا. وحدة الكل أفضل من الإصرار على رأيك. كل الآراء تتضارب والحجة ترد الحجة، ولكن الإخلاص أهم من التفرد بالرأي حتى فرضه.

الشيء الآخر هو ان نقبل ترك المجلس إذا انتهت ولايته. فهيئة المجلس بطبيعتها غير دائمة. وهذا ما أصر عليه المجمع المقدس لأنه أراد ما يسمى في الديموقراطية «تبادل السلطات».

الحكمة من تغيير الأشخاص هو ان نجد فرصة للمؤمن الصالح الفهيم ان يدخل ليظهر مواهبه وتستفيد منه الكنيسة. كل إنسان يموت يستغنى عنه الا إذا كان عظيم المواهب، نادرا بحيث تخسر الكنيسة لو استغنينا عنه. هؤلاء قلائل. يجب ان تترك الفرصة للمؤمن النشيط المعطاء ان يدخل.

ثم لا يشكل المجلس أسرة مالكة تبقى إلى الأبد. فإذا لم يُجَدد لعضو بعد انتهاء ولاية المجلس لا يعني اننا نشكو منه. الفكرة الوحيدة عندنا انه يجب تشجيع الفئات الطالعة التي لم نكن نعرفها ثم اكتشفناها. ان مغادرة مجلس الرعية يعلّم الأعضاء التواضع ويظلون في الرعية مطلعين على ما يجري ومساهمين في الفكر لأن كثيرا من المشاريع التي تتداول يعرفها الكثيرون الخارجون عن المجلس فإذا ابدوا رأيهم يكونون كالحاضرين.

إذا أردتم ان يبقى هذا القانون مفعلا لا بد لنا -بنعمة الله- ان نزداد في التقوى وفي روح المسالمة وان تسلس الأمور في المناقشات حتى نكون في الواقع إخوة حقيقيين بعضا لبعض.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

هل تُغيَّر كلمات الكتاب؟/ الأحد 18 أيار 2003 / العدد 20

الأحد في 4 أيار أقمت القداس الإلهي خارج لبنان وبعد هذا اجتمعت إلى بعض من أبناء الرعية لتناول القهوة فسألني احدهم لماذا نذكر في صلواتنا «صهيون» و«إسرائيل»؟ الا نستطيع ان نلغي هذه الكلمات ونستعيض عنها بغيرها؟ وكنت مدركا انه يريد ذلك حتى لا يدخل إلى أذنيه ألفاظ تذكّر بدولة إسرائيل. فيما يتعلق بصهيون أجبته انها اسم لرابية من الروابي التي تقوم عليها أورشليم. وأتى داود إلى هذا المكان بتابوت العهد فصارت الرابية مقدّسة. ولما بني الهيكل ونقل التابوت إليه اتسع نطاق صهيون حتى شملت الهيكل. وكثيرا ما يطلق اسم صهيون على أورشليم كلها. ثم اتخذت حركة اليهود الحديثة اسم الصهيونية للدلالة على الاستيطان هناك. فعندما نستعمل نحن آية من الكتاب المقدس ورد فيها اسم هذه التلة لا نكون قد قبلنا بالصهيونية التي اشتق اليهود المعاصرون اسمها من صهيون، الرابية.

أما إسرائيل فهو يعقوب، ثم أطلق الاسم على نسله الذين سماهم الكتاب بني إسرائيل. ثم أطلق الاسم على المملكة الشمالية من فلسطين. واستعمل الأنبياء الاسم بمعنى روحي، وكذلك فرّق بولس الرسول بين إسرائيل حسب الجسد وإسرائيل حسب الروح. وفي إنجيل يوحنا لا تحمل الكلمة معنى القومية بل تشير إلى إيمان الشخص.

عندما ترد كلمة «إسرائيل» في الترتيل أو في قراءات الأنبياء فلا يخطر على بال إنسان مطّلع انها تعني دولة إسرائيل الحالية. التسمية الحالية أوجدها اليهود الذين أنشأوا دولتهم سنة 1948 لكي يستفيدوا من كون المسيحيين يعرفونها في العهد القديم وينقادوا إلى توحيد الكلمة مع الدولة التي اغتصبت فلسطين أو قسما منها. هذه شطارة يهودية لا تقودنا إلى شطب الكلمة من الكتاب المقدس. فإذا اقتبستَ من الكتاب الإلهي فينبغي ان تكون أمينا لنصوصه وتفسّر للناس اننا نحن المسيحيين لا نتعَرف إلى أرض الميعاد ولا نبارك اتخاذ اليهود المعاصرين هذه الكلمة ليدلوا على أنهم ورثة هذه الأرض.

عندما نقول في الغروب عن المسيح «نور إعلان للأمم ومجدا لشعبك إسرائيل»، وذلك في إنجيل لوقا، نعني بذلك ان يسوع أتى نورا للوثنيين ولليهود وانه جامع الاثنين. فإذا قلت كبعض المرتلين: «نور إعلان للأمم ومجدا للمؤمنين» أو ما شابه ذلك تكون مغيرا المعنى الذي قصده لوقا. كيف تغير: «الرب من ينابيع إسرائيل» التي نرتلها في كل فترة الفصح؟

لماذا لا يعترض المسلمون على استعمال كلمة إسرائيل في القرآن؟

نحن نؤمن بالعهد القديم أي نؤمن بأنه مُلهَم من الله وهو ليس فيه إشارة إلى قومية ولا يمكن دعم أية قومية به. الكلام القديم يبقى في موضعه. وعوضا ان تتخدش آذاننا بسبب المعنى الحاضر الذي أعطي للكلمة، نفسر استعمالنا لهذه الكلمة. إخواننا الأقباط الذين هم مثلنا رافضون لدولة إسرائيل الحديثة لم يبدلوا كلمة من طقوسهم، وعلماؤهم يشرحون لهم ان ورود اللفظة في الصلوات لا يدفعنا إلى قبول هذه الدولة التي قامت ظلما على حساب الشعب الفلسطيني. فهل إذا زالت دولة إسرائيل نعود إلى استعمال الكلمة؟

الكلام الإلهي يبقى هو هو وندخل نحن في فهم هذا الكلام كما قصده الأنبياء والمزامير.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

الحياة الفصحية/ الأحد 11 ايار 2003 / العدد 19

مما نسمعه كثيرا ان الارثوذكسيين الصوامين يأسفون على انتهاء الصيام اذ تتكثف فيهم حياتهم الروحية او تلتمع. ومن الاوضح اننا نحلم بالأسبوع العظيم ونحن الى عباداته التي كتبها الروحانيون عندنا خلال قرون بما أوتوا من نعمة. ولكن المواسم لا تدوم والتعييد هو عينًا ما يخترق العادي والمألوف ليأخذك الى الأعلى حتى تنزل من الأعلى بعد ان تكون قد تجملت فيه واستغنيت وتنشر هذا الغنى على كل ايام السنة.

         السؤال الحقيقي هو كيف تجعل كل حياتك مملوءة من بركات الصيام والفصح الطيب؟ كيف تضع في نار محبتك وتقواك وقودا حتى لا تنطفئ؟ كيف تظل على هذا الانبهار الذي يعرفه كل ارثوذكسي امام الخدمة الإلهية ولو كان وضيع المعرفة. ما من شك ان العارف يأخذ من النصوص معاني لا يقدر الجاهل ان يأخذها. ولذلك لا تتقد الصلاة الا بالصلاة كما ان اي شيء لا يتقن الا بالتكرار وبدراسة تفاصيله. لذلك كان الانقطاع عن الخدمة الإلهية سببا لعدم استمتاعك الحقيقي بالصلوات الأكثر اهمية. هناك تماسك بين المعاني لا بد ان تتقصاه لتصل الى الأعماق. لا تفوّت اية فرصة تمكنك من المشاركة في اية صلاة في رعيتك او في غيرها لأنك هكذا “تأكل” الصلاة وتزداد فهمًا.

         غير انه ينفعك كثيرا ان تلتزم بجوقة إن كانت أذنك جيدة. كذلك ينفع ان تستمع كثيرا الى مسجّلات بيزنطية وان كانت متفاوتة الإتقان. والأهم من ذلك ان تقرأ هذا القليل الموضوع في العربية عن الليتورجيات لأن الفهم العقلي يساعدك على التذوق الكامل. والأهم الأهم ان تقرأ الكتاب المقدس كل يوم غير مهمل العهد القديم الذي يغذي كثيرا صلاة الغروب وصلاة السَحَر وغيرها. ما هو ثابت ان الخدمة الإلهية عندنا لا يمكن فهمها ان لم يكن المؤمن عارفا بالكتاب الإلهي. كل الصلاة تأتي منه وتشير اليه. وخوفي ان الكثيرين ممن يدعون معرفة طقوسنا يتوهمون المعرفة. في الحقيقة يمكن التعريف عن الطقوس على انها الكتاب المقدس مشروحا للجمهور المسيحي عن طريق سكب الكتاب بعبارات اخرى وتتوجه الى الأجيال السابقة التي كانت تستسيغ هذه العبارات ولكنها تستعين لفهمها بما كانت تعرفه من العهدين القديم والجديد اذ كان الآباء يعظون منهما. الوعظ في جوهره عند الآباء كان شرحا لكلمة  الله.

         اليوم يمكنك معرفة الكلمة اكثر من الماضي القريب بسبب وجود مكتبة ارثوذكسية تحوي بعض الشروح او تُدخل الى الكتاب.

         غير انك لن تبلغ ذورة الفهم – ان لم تكن لاهوتيا محترفا – الا اذا قمت بصلاتك الفردية خير قيام. فروح الصلاة تأتيك من المواظبة على الصلاة صباحا ومساء في بيتك. ذلك انك ان لم تكن مشبعا من محبة الصلاة تضجر في صلاة الجماعة. حتى لا تضجر لا يكفي ان تفهم. ينبغي ان تؤمن انك تنمو روحيا بصلاة الجماعة وتنقل فرحك الى الآخرين. اذا احببت جمال بيت الله بمعنى محبة صلاة الجماعة، يأتيك يوم تتضجر فيه من مغادرة الكنيسة. قد تقول في نفسك يوما يا ليت كل حياتي عبادة. سوف تدرك هذا حقا ان صارت حياتك فصحية اي مليئة بمحبة المسيح المنتصر على خطاياك. في الحقيقة ان لم تكن تائبا لا تجد في الصلاة تعزية.

         هذه العناصر المتكاملة من صلاة ودرس وتطهُّر تجعلك بصلاة الجماعة تحيا وتحيي غيرك.

Continue reading

Popular posts

إقرأ / الأحد 21 تموز 2013/ العدد 29

يقول بولس الرسول إلى تلميذه تيموثاوس: «اعكُفْ على القراءة والوعظ» (1تيموثاوس 45: 3). يحث الرسول تلميذه على قراءة شخصية للكتاب ولا يرتضي فقط أن يستمع الى ما يُتلى في...

2010 / السبت 26 كانون الأول 2009

كل الأزمنة رديئة لأن أهل السياسة يظنون انهم يصنعونها. ليس انهم سيئون. كل فئة من الشعب ملوثة او بعض منها ملوّث. الزمان الذي يسمح له الله ان يكون ينسى...