Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2000, جريدة النهار, مقالات

القتل / السبت في 6 أيار 2000

الحياة التي فينا هبة الله يعطيها ويأخذها وليس لصاحبها حق عليها بحيث لا يجوز له ان ينحر نفسه او يؤذيها وليس لأحد حق على حياة سواه. انت تستلم نفسك وتستلم الآخر من الله ويحيا كما يحيا وعليك وجب ارشاده وافتقاده وخدمته ورفع شأنه لتكون له حياة افضل فتصير انت تاليا جميل النفس. من هنا ان ليس لك حق بإماتته لو شاء منك ذلك لأنه لا يملك ان يضع حدا لعمره وقد سلم اليه وديعة. ومن هنا ان لا مسوغ للاجهاض لأن الام لا تملك جنينها ولا تملك انت مريضك لتجهز عليه مهما اشتد مرضه وليس لك سلطان على جثته. ولا تفكر انت عنه في غيبوبته ولو كاملة ففي هذا انتهاك لسر الوجود. ليس جسدك شيئا لتستعمله كما تشاء. انه بعض من شخصيتك. وليس هو ملكا للحاكم ليضربه ولا ملكا للقاضي ليعدمه، الجسد في حالة الخطاب الانساني او هو مطرح الخطاب فاذا لم تنشأ حالة انسانية بينك وبين الآخر يكون قضاؤك على جسد الاخر احتقارا لانسانيته وقمعا للحوار بينكما.

انت والآخر، انت وجسد الآخر تنموان معا الى فوق. اي ان الله يشدكما هو مع جسديكما اليه ويكون الجامع. فانت دائما في مسيرة الى الاعلى والآخر لن يكون معك الا في توقه الى الاعلى. فاذا لم تنجذبا معا الى الرب تبطل العلاقة الثنائية بينكما. تكون استغلالا او عبودية. اذذاك كان المستعبد والمستعبد كلاهما شيئا من الاشياء. فالعلاقة بين ذات وذات ولا تتحقق هذه الذاتية الا اذا انعطف الله عليها. فالذات في حقيقتها العميقة لا تنشأ الا بانفتاحها على خالقها وتاليا بانعطافها الى المخلوق. لأنها، عند ذاك، لا تقول انا فقط ولكنها تقول “نحن”. في المعية فقط تكتمل الانا. كذلك الجسد في انعتاقه من نفسه ومن عبوديته يصبح ممدودا الى احتضان الآخر واقتباله. وعند حصول هذه الثلاثية الجامعة بين الانا والانت وال”هو” الالهي يكون الانسان كله والناس معا الى ال”هو”. وتنفرط هذه الثلاثية بالقتل.

ومن الواضح اذا الغيت الآخر انك تلغي نفسك في الفعل ذاته وتنكر في الواقع هيمنة الله عليك وعليه. كل خطيئة جحود ولكنها جحود لصفة من صفات الله، لصبره او لرحمته او لحبه. القتل هو جحود لله مطلق لأنه نكران لوجوده باعتباره معطي الحياة. انت انما تلغي الآخر لأنك تعتبر ان واحدا من الناس يعرقل مشروعك او مصالحك او شهواتك او حريتك وما اليها جميعا. انك قررت ان تكون وحدك صاحب القرار وتظن ان قرارك هذا هو الذي يحييك وينفذ كلمتك ويؤمن سيطرتك. القتل في الاخير انعزال لتسقط ايهاماتك على الوجود وتعتبر نفسك الإله. انت في فكرك الواعي او اللاواعي بديل الله. في كل معصية انت بديله بمقدار. هنا انت بديله كليا.

راقني ما شاهدته في آخر فيلم انتج عن جان دارك انها بعد انتصارها على الانكليز في معركة اورليان حزنت على كثرة الدم الذي اهرق في صفوف اعدائها. وعلى اعتقادها ان السماء فوضت اليها خوض الحرب لم تطق كل هذا الهدر. فسّر لها القائد ان ليس من حرب بلا سفك دم. كان منطقها اخر. لست ادخل في هذا الجدل الذي جرى بين عذراء قديسة وقائد واقعي. اني احس دائما بالرهبة اذا تلوت المزمور الخمسين: “نجني من الدماء يا الله”. ليس احد منا بعيدا – ولو في الطاقة – عن تجربة كهذه.

#   #

#

بسبب اهمية الدم ورد في الكنيسة القديمة ان الكاهن الذي يتسبب غير عامد بموت انسان يفصل عن خدمته الكهنوتية فورا. كذلك جاء في القوانين ان الكاهن او الاسقف الذي يصفع انسانا انما يجرد من الكهنوت فورا. علاقة الناس لغة او ما من علاقة. واللغة من اللوغوس الذي تكلم عليه انجيل يوحنا اي الكلمة. الصلة التي بينك وبين الآخر هي هذا الكلمة والا انتفيت ونفيته. هذا يطرح مشكلة المجازر.

ان ينبري قوم ليبيدوا قوما آخرين بسبب من الخوف يعني ان القتلة الخائفين يظنون انهم يثبتون انفسهم بالوجود وحدهم خارج المعايشة وذلك لأن المائتين مختلفون. هابيل يقتله اخوه لأن هابيل كان راعيا وكان قايين (او قابيل في الاسلام) ذا مهنة اخرى. الآخر ليس من بلدك او عرقك او دينك او حزبك. لذلك وجب ان يموت. ولكونه لا يستطيع ان يموت قانونيا تبيده انت بلا محاكمة والمحاكمة حوار. بطريقة ما، كل مجزرة مجزرة باسم الله أكان هذا معبودا في السماء ام معبودا في الارض. كل مذبحة “دينية” بمعنى ان العرقية او العقائدية السياسية دين. والدين بمفهوم ما لا يحتمل الخطأ ولا الخطائين. “ستأتي ساعة يظن كل من يقتلكم انه يقدم عبادة الله” (يوحنا 16: 2). هناك ليتورجية الابادة. هناك ابسال او تحريم باسم الله يستند الى ان الله يفوض الى “المختارين” إماتة من يحسبون انهم ليسوا لهذه الإله. منطق الابادة الجماعية ان الدنيا على لون واحد يجب ان تكون.

هذا يختلف كليا عن منطق الجيش الذي لا يقول انا ذاهب لاقتل. يقول اتمنى – لو كان ذلك ممكنا – ان اعيد الحق الى نصابه، ان ادافع عن وطني بلا قتل واحد وآسف اذا مات العدو. الجيش ليس عنده عدو. عنده خصم موقت ينبغي الا يؤذي والا يحتل لأن في الاحتلال اذى للنفس واذلالا. ولذلك كان القادة الكبار خير من قاد في زمن السلم لكونهم يكرهون الدم. فلسفة الجيش انه يحمل الامة كاملة وهي ليست جوهريا معادية لامة اخرى.الامم الراقية جدا لا تشحن مواطنيها بالبغض. وفي المثال الحربي للامبراطورية البيزنطية، هذه لا تعرف الحرب الهجومية، الجيش فيها درع السلم او قوة رادعة لا تلتمس القهر.

غير هذا منطق الميليشيا لأنها “جيش” فئة. انها لا تحمل القضية العامة. انها ازاء ميليشيا اخرى. والفئة لا قضية لها لأنها قامت تحديدا لتلغي. من هنا ان االحرب الأهلية، اية حرب اهلية كانت دائما معصية. بهذه الفلسفة وجب محاكمة الحرب التي دارت في لبنان. وما لم يتب كل فريق ارتكب مجزرة لا نكون تبنا الى الوطن اي الى الكلية الانسانية التي يحملها. ولا يكون الله غالبا الا اذا اعترف كل فريق للآخر في حضرة الوطن الكلي انه اساء.

في هذا المنطق لا اعرف اسوأ من القول الشائع عندنا: “عفا الله عما مضى”. فلا يغفر الله عنا وليس من طبيعته ان يعفو الا اذا رأى كل منا انه اجرم بالغاء الآخر او بتمني الغاء الآخر.

فالذي غمس يديه بالدم او الذي اشتهى موت الآخر او هجرانه او تهجيره او تحجيمه واحد في خطيئة الالغاء. كل مقتول كائنا ما كان معتقده بريء لانه كان نصيب الله، الله لا يريد احدا ان يقاتل باسمه. هو يعرف ان يميت من شاء. ما من احد وكيل الله في مجال الموت.

#   #

#

من اراد ان يحيي الاخرين يموت هو. لذلك كان المسيح هو المحيي. ان “اسلامه” على الصليب ينسف بالكلية اي لاهوت قتل واي تقديس عسكري لأية ايديولوجية واي تحريم يقود الى العزل واية عقيدة انتقام واي احقاق لحق الله بالقصاص واية دعوة الهية تستخدم السيف. “اردد سيفك الى غمده لأن من اخذ بالسيف بالسيف يؤخذ”. متى 26: 51). لم يفوض الرب الى احد محاكمة احد في هذا المجال وهو وحده يدين سرائر الناس ويدعها حرة في المعصية وحرة في البر وهو لا يفصل بين الصالحين والطالحين ويشرق بشمسه الواحدة عليهم جميعا ويمطر عليهم وينعم على الكل عسى يأخذ كل منا ما قدر له ان يأخذ.

لست ارى امكانا لتربية الانسان على المسالمة ما لم يؤمن بالله. ان لم يكن الله موجودا فأنت اله. ان هذه الموجة المتصاعدة من القتل في كل مكان ما لها من تفسير الا عبارة الانسان لنفسه أكان فردا ام جماعية. طبعا الاحجام عن الجريمة يمكن تأسيسه على خوف العقاب. هذا في مجال العلاقات الفردية. ولكن حيث لا عقاب اي في نطاق الحروب الاثنية والطائفية فما من تعليل معقول الا ان الهك يلغي الإله الآخر واعني بذلك ان قراءتك لهذا الاله المجسم في مجموعتك او المعبر عنه بحركتها يلغي القراءة الاخرى او التجسيم الآخر والحركية الآخرى.

ما سمي المجتمع التعددي ان هو الا ثقافة التنوع اي اعتبار ان ثمة غير قراءة للإله الواحد او ان له اطلالات كثيرة في مجتمع واحد تؤلفه مجموعات صغرى. ما يسمى اليوم التربية على السلام قد يكون ملتبسا كثيرا اذ يكون في بعض المناطق من العالم قبولا للخيانة. لكن الفكرة بحد نفسها وطهارتها تنطلق من ان كل بلد يجب ان يعيش حرا ليتمكن من التعاون. وفي البلد الواحد ان كل مجموعة اثنية او دينية لها الحق في الخطأ وان الخروج من الخطأ هداية من ربك او ثمرة حوار وذلك انك تخطئني واخطئك وان لا مجال للخروج من التأزم الا اذا اقررت انا بدءا بحقك في الحياة لأتمكن من مكالمتك. معنى ذلك ان هذه المعايشة يجب ان تؤسس على شيء غير براغماتي ولست ارى غير الله اساسا.

مات الله فينا فصرنا الله. لذلك اجزنا كل شيء. هل يعود الله؟ اظن ان الانجيل عندما قال: “المجد لله في العلى وعلى الارض السلام “اراد ان تمجيدك الرب شرط لمحبتك السلام. والسلام اسم من اسماء الله في المسيحية والاسلام. متى يعطينا هو ان نحب هذه الصفة فيه؟

Continue reading
2000, جريدة النهار, مقالات

الدينونة والحب / السبت 4 آذار 2000

في كلام الانجيل عن الدينونة شيئان يلفتان: أولاً اننا ندان على مقدار الحب الذي بذلنا وثانياً ندان على المواهب اذا استغللناها لانه يجب ان تنسكب للناس لتصير قربانا لله ولأنه يجب ان نثرى ونجمل في ما الرب أغدق علينا ولا نطمر الوزنات كعبيد كسالى. أما في ما يتعلق بالحديث الذي تذكر فيه الدينونة اسما فيعجب المرء ان الرب لا يسائلنا عن صلاة أديناها او صيام قمنا به ولا يأتي على ذكر الوصايا العشر ولكن على المحبة ان مورست. وليس ذلك لكون الفكر الانجيلي يهمل الشريعة الموسوية القديمة ولكنه يرى ان المحبة كمالها الوصايا العشر ايضاح تعبير عن رؤية لله في القلب وعن رؤيتنا للانسان في الله. ومن لم يبلغ هذا يحتاج الى تدريب الوصية والقانون.

العهد الجديد لا يلغي موسى. يتجاوزه. يأخذنا الى العمق. ويريدنا ان نخرج من العمق لنتعاطى الصيام. وقبل ان نتعاطى الصيام شاءت الكنيسة ان تضعنا امام الرؤية الكبرى وهي ان الله في الانسان الآخر وانه يستحيل عليك ان ترى وجه الله الا اذا رأيته في وجه بشري مدمى او جسد جائع او نفس طريحة في وحشتها. الله لا صلة لنا به الا هنا ليس من خلال الناس ولكن في الناس. واذا قال يسوع: “لا أحد يأتي الى الآب الا بي” فإنما لا يكتفي باعتبار نفسه الوسيط بين البشر وخالقهم ولكنه يوسع مدى كلامه ليعني ان أحدا لا يأتي الى الله الا اذا وجده في الانسان الآخر.

استعدادا للصيام الكبير نقرأ غدا انجيل الدينونة في متى ومطلعه: “كنت جائعا فأطعمتموني” وبعد هذا “كنت جائعا فلم تطعموني”. ليس من شيء آخر. في آخر الازمنة او في آخر مطاف الانسان الفرد يحاكم الله الانسان على قلبه. شيء في الاخير سيحدث وهو ان الله يدين سرائر الناس. معنى هذا ان الله لكونه الحقيقة فاضح الانسان، انك لا تستطيع ان تمازح الله. انت يمكنك ان تكون مهرجا هنا او مخادعا او متذاكيا وتركّب كل تبرير يغطيك وتتلاعب بين ميدان الابليسية وميدان الألوهة وكلاهما فيك. لكنك لا تستطيع أن “تبلف” الله لا اليوم ولا غدا ولا تقدر -ان كنت قديسا عظيما- ان تتعاظم امامه لأن قداستك، اذ ذاك، تنهار وتعود قزما كما كنت قبل محاولة القداسة.

الأهمية في فكرة الدينونة ان الناس جميعا يمثلون صغارا في حضرة الرب، عراة لا يغطي عورتهم شيء ولا يحمل أحد في يمينه تذكرة دخول الى السماء لكن رب السماء يمد ذراعه من الداخل ليأخذهم في رحمته. ليس اننا نموت روحيا لو تباهينا بفضيلتنا ولكن “برنا امام الله كخرقة الطامث” كما يقول اشعياء. الله وحده يقرأنا ويقرأنا دائما قباحا ويرحضنا بماء حنوه لانه هكذا يروقه ثم يخلع علينا حلة النور لندخل الى النور.

الدينونة في اليوم الأخير واردة في صريح الأناجيل الاربعة وليس المجال لتجريدها من صورة الاله – القاضي. والله يقاضي شعبه ويصدر أحكاما يجب تنفيذها. هذا كله مرتبط بصورة الله الرهيب المعاقب والمثيب. والله يدين الانسانية بالنار كما يوضح اشعياء وذلك في ما يسمى يوم الرب. هذه هي صورة اليوم الآخر. غير ان امامنا صورة اخرى يتفرد بها انجيل يوحنا الذي يعلم ان الدينونة حاصلة اليوم. “هذه هي الدينونة ان النور قد جاء الى العالم وأحب الناس الظلمة على النور لان اعمالهم كانت شريرة” (يوحنا 19: 3). الدينونة حاصلة في القلب البشري خارجا عن المقولات القضائية. لقد دين العالم لانه قتل المسيح. العالم فضح نفسه بهذه الميتة. والمعنى الاخير للجريمة التي ارتكبتها البشرية على الجلجلة انها أصرت على ان تبيد ما كان الهيا فيها اي ان تقتل الحب. غير ان يسوع اعطى موته معنى انبعاث للبشر وتحقق المعنى بقيامته. وازاء نورها تندرج بالمسيح او ترفضه.

واذا كانت الدينونة، اساسا وفي عمقها، تجري في النفس البشرية وهنا، اذا كانت انكشاف النفس الحقيقي في حضرة الله وصدقه لا تكون جهنم سوى احتراق النفس بشهواتها. ما من نار الا فيك وما من سماء الا فيك. كذلك انت سماء للناس او جحيم لهم.

بسبب من اللدنية الالهية قال اسحق السرياني: “كل من كان في جهنم تجلده المحبة الالهية… اذ المحبة تعمل بطريقتين مختلفتين. انها اياها ألم في المغضوب عليهم وفرح في المغبوطين”. الله نفسه نور لبعض ونار لبعض وهو وحده المسكن اذا سكنت فيه واليه او انت المسكن اذا استقر هو فيك كما يقول يوحنا الحبيب.

غير ان إله الانجيل قال شيئا أعظم. “كنت جائعا فأطعمتموني”. هنا المسيح الذي يعتقد متى راوي هذا القول انه ابن الله جعل بينه وبين الفقير تماهيا وكذلك مع المريض والسجين ومن اليهما… عشراء يسوع صعاليك الارض. لكونهم اخوتهم نفوهم فباتوا في غربة صاروا أخوة يسوع. لقد حصرك المسيح حصرا محكما لما جعل اقترابك من المستضعفين منهم شرطا لاقترابك منه. ما يوجع يسوع ان المحتاجين غرباء.

ان قدرة الانسان على التكيف بأوضاع مزرية لمذهلة. قد يأكل قليلا جدا ويبيت في كوخ ويحتمل المرض لعجزه عن زيارة طبيب والدفع. ليس هذا هو الاكثر ايلاما ولكن ان يجعلك الميسور المستعلي تحس بدونيتك لانه يريدها ليثبت في شبق المال والسلطة هذا أشد وجعاً من العوز. في رقة بالغة يسمي الناصري هؤلاء: “اخوتي هؤلاء الصغار”.

ولكن في انجيل الدينونة يقول ما هو أبلغ. يقول: انهم هم اياه. “كنت جائعا”. لم يقل في موضع آخر عن شيء انه هو هذا الشيء. قال ما كان قريبا منه. قال: “الكلام الذي أكلمكم به هو نور وحياة”. لكنه لم “يقل: هذا الكلام هو انا بصورة اخرى” ولو عناها. وعن القربان قال: “هذا هو جسدي” ولم يقل هو انا ولو عناها. هنا يقول: هذا الفقير هو انا.

يبقى سؤال شرعي في فكر القرن التاسع عشر: ما نفع الاهتمام بالفقراء. المهم الغاء الفقر. هنا لا أناقش وسيلة الالغاء، الثورة مثلا او مكان الالغاء، الاقتصاد السياسي. والتنطح لذلك يبقى هاجسا نبيلا جدا ان أمكن. انا همي ان أحب الآن بوسائلي وفي محيطي لان الفقير محبوبي اهم مما انا أعطيه وانا أهم عنده من عطائي.

غير ان ما يعطى قليل لأن الحب قليل. وعندما لا أعطى انا المحتاج شيئا فأنا غير محبوب. انت لا تحسن الى الفقير. هو يحسن اليك ان أخذ. انت تخدمه على انه سيدك. من أبسط الاشياء الا تعرف يسارك ما فعلت يمينك لأنك تكون لم تحس ان المعوز تصدق عليك بأنه أعطاك فرصة حب. ولقد أحس بذلك يوحنا الذهبي الفم لما سمى العطاء للفقير “مذبح الأخ” معليا اياه على مذبح الكنيسة ولم يقدم تفسيرا على تفضيله هذا لكن الفكر الانجيلي يعلمنا ان العطاء الحق محك الصدق في علاقتك بالله. واجترىء على القول ان من أحب الاخوة حبا كبيرا لا يدان وذلك أسوة بالشهداء وهم عند معلمينا لا يدانون لأنهم أدركوا المحبة الكاملة.

كم يؤلمني ان أرى البخل عميما وذلك في ايام البحبوحة كما في أيام القحط. كم يصدمني أن ألاحظ ان الدين عند الكثيرين كلام وعند بعضهم ان “الكلمة صار جسدا” وفي سياقنا صار عطاء لنصبح جميعا المسيح بعضنا الى بعض وهكذا اذا أمسكنا عن طعام نفهم انه رياضة نثب بها الى اولئك الذين كتب علينا ان نجعلهم علينا ملوكا.

Continue reading