Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2001, جريدة النهار, مقالات

خميس الصعود / 25 أيار 2001

المفردات خطرة والارقام خطرة في الكتاب المقدس اذ ينبغي ان تفهم من وراء الكلمات المكتوبة ومن وراء الترقيم. ما معنى ان يسوع صعد الى السماء؟ هل من صعود، هل من نزول؟ هل من مكان يدعى السماء؟ أوليس الذين يحيون في معية الله سماويين هنا؟ هل عرش الله محسوس؟ ما معنى ان المسيح جالس عن يمين الله، كل هذه اسئلة تطرح نفسها عليك ان أردت ان ترنو الى السر ولا تخرقه. عندما تقرأ: “الذي نزل هو الذي صعد فوق جميع السموات لكي يملأ الكل” (افسس 10:4) تفهم ان ما يسمى صعود المسيح أو رفعه او ارتقاءه انما يقابل ما سمي نزولا الى البشر والى الموت لأن الآلهة في الشعوب القديمة تسكن الأعالي او الجبال. كان لا بد ان نستعير كلماتنا من الحضارات السائدة ليفهمنا الذين ابتغينا دعوتهم الى الله الحق. فاذا قلنا ان كلمة الله صار بشرا سويا نعبر عنها بلغة المدى وليس من مسافة. “النزول” طريقة نقول فيها ان ابن الانسان غدا واحدا منا اذ تسربل هذه البشرة وكانت الألوهة فيه تتخذ هذه البشرة اتخاذا حتى بلغت البشرية فيه كمالها في خضوعها للآب فبلغت هذا الكمال بموت ابن البشر وانكشف ذلك بالقيامة. فيها تحرر المسيح من كثافة الجسد ومن حدوده ودخل في المجد الأسنى. ان ابن الله كان دائما “في حضن الآب” فلم يبق من سماء وأرض متقابلتين. لم يبق فيه سوى نزول التواضع. المسيح لحمة السماء والارض في كيانه الواحد ومنه الجسد. هذا الجسد هو الذي “رفعه” الله اليه أي كشف انه صار واحدا معه. فاذا كان التجسد انعطاف الله الى الانسان بات الصعود ارتقاء الانسان الى الله وذلك في شخص المسيح على رجاء ارتقائنا جميعا في اليوم الأخير. ? ? ? وأما الآن اذا “نزلت” عليك النعمة فالله منهضك اليه ويجلسك الآن معه في السماويات اذ لك فكر المسيح. ما بت انسانا أرضيا محضا. لم تبق عبدا ولا يسميك المسيح عبدا. في قدرة النعمة المتنزلة صرت فوق على ما فيك من تراب. ستنفض عنك التراب كله ويجعلك الرب ضياء. فالضياء الالهي لا بد ان يبدو علينا وما نفعه ان بقي محصورا في السماء. أية سماء تلك التي لا نبلغ شيئا منها ونحن هنا؟ ملكوت الله يبقى حنينا ان لم يصر ملكوت الانسان، ذلك الانسان الخلاق بدوره، الغني بالفقر، المتسامي بالتواضع. عمل الانسان سير في الله كما كان عمل الله – في تجسد الابن – سيرا في الانسان او تكون الوعود الالهية والكلام الالهي مجرد نوستالجيا. اجل صعود الرب تكملة سيره بعدما اكمل خروجه من اورشليم. وهذا هو معنى الكلام الانجيلي انه قضى اربعين يوما مع التلاميذ من بعد قيامته. لقد قضى اسرائيل القديم اربعين سنة في صحراء سيناء ليبلغ ارض الميعاد ولكنه لم يبلغ الموعد حقا لأنه في المسيح. اربعين يوما قضاها المخلص مع احبائه ليوحي الكتاب ان بشريته تدخل بعد انتصارها على الصليب ارض الميعاد الحقيقية التي هي عند الآب. لم ينل اسرائيل شيئا لأنه لم يكن امينا وقد احتفر لنفسه آبارا مشققة لا تضبط الماء. واما اسرائيل الجديد يسوع فقد اروى البشرية من الماء الحي الذي يفيض منه لتدخل الانسانية به الجنات. هذه كانت عودته وعودة الناس به الى الآب. ? ? ? يقول الكتاب في لوقا: “واخرجهم خارجا الى بيت عنيا. ورفع يديه وباركهم. وفيما هو يباركهم انفرد عنهم واصعد الى السماء. فسجدوا له ورجعوا الى اورشليم بفرح عظيم” (اعمال الرسل 24: 50-52). بركته هي التي تركها فيهم وسوف تعظم فيهم اذا أرسل البارقليط، الروح القدس المعزي والمؤيد، هذا الذي نالوه بعد الصعود بقليل. عمق ذلك انه صعد وبقي ليملأ الكل. واذا ظل يلتفت الينا نكون في التبريك وفي السلام. “رجعوا الى اورشليم بفرح عظيم” اذ لم يكن شيء معهم الا المسيح. وعندما اطلق روح يسوع الكنيسة في الكلمة ما بتنا نعرف شيئا فيها الا يسوع. واذا قال بعض الناس انهم لا يحبون الكنيسة – المؤسسة ولكنهم يحبون يسوع فلاحتسابهم انها شيء اضيف الى المسيح. الذي ليس فيها من روح يسوع ليس منها وليس منه. انه من الصدأ فينا. لقد فوض الرب الى الكنيسة امره على رجاء ان تبقى امينة وهي لا تقدر ان تبقى كذلك الا على الرجاء. والمؤسسة خانت وسوف تخون. انها تزني مع آلهة غريبة. غير ان الله يقيم ناسا فيها من الموت وقد اقامهم جيلا بعد جيل. هؤلاء كانوا ابناء وهم يشدون اليهم الضعفاء والساقطين ويظلون لربهم شهودا. هؤلاء هم دائما في حالة الصعود لأنهم ولو سلكوا في هذا العالم فانهم يسيرون في الله والله وحده همهم ونفحتهم ولا يبتغون من هذا العالم مجدا. ولكونهم صاروا كلمة الله يقرئونها هذا العالم ويقرأ الله فيهم ان هذه الدنيا باتت الآن بعضا من ملكوت. ? ? ? لقد اقفلت يوم صعود المعلم حلقة التلاقي بين الله والبشر ولم يبق يعذبنا سؤال حول مصيرنا: اين نذهب من بعد موت او ماذا في السماء او اين تكون الروح من بعد فراق. في عالم الحب ليس من ابنية. انت اذا كنت مع حبيبك لا تسأل عن مكان او بلد. انه هو المكان والبلد ولا تسأل عن الزمان الذي تذهب اليه معه. حبيبك هو الزمان. كذلك ان كنت في المسيح فأنت في حالة الصعود الى ابيه وابيك. انت مثل السيد في حضن الآب. واحتضانه اياك يخبرك بكل شيء. اما قال بولس: “اشتهي ان انحل لأكون مع المسيح؟”. هذه المعية هي كل شيء. وما عدا ذلك من الكلام عن السماء والارض والجحيم فهو تربية او صور. وانتهاء الازمنة او عدم انتهاء الازمنة فهذا تصوير في لغة الناس. هذا ليس كلاماً في العشق. ان نموت غداً او الا نموت غداً ولكن بعد سنين فهذا يصرفنا عن رؤية وجهه الذي هو وحده مقامنا. ? ? ? من بعد ارتقاء السيد الى ابيه باتت الانسانية الطيبة في حالة تصاعد او هذا هو المرجو. الذين انعم الله عليهم بنوره في بصيرتهم أفي الشعر كانوا والفن والاجتماع والسياسة ينفذون قول القديس يوحنا الذهبي الفم في قداسه: “نسجد لك في كل مكان سيادتك”. والفنون جميعاً والنضال الاجتماعي الخير، هذه كلها امكنة لسيادة الرب. والرب ينعشها بنفحاته. وكما بارك تلاميذه عند صعوده يبارك كل محاولة بشرية للوصول اليه. كل له لغته في الصعود. العمل السياسي اريد له ان يكون ارتقاء الى الله والا كان مجرد متعة بشرية. الصعود يعني في اللغة السياسية اننا لا نستطيع ان ننزل الاوطان الى الهاوية او ان نهملها الى الشرور التي تترصدها. اجل ليس ارتفاع الوطن بالازدهار الاقتصادي وحده ولكن ترك البلاد الى الفقر هو إحدارها الى الجحيم وحرقها. واذا كان لنا اليوم ان نتكلم بشرياً على الصعود فإلى جانب لبنان قلبنا فلسطين واطفال فلسطين كما قال البطريرك اغناطيوس الرابع (هزيم) في الكلام الذي وجهه الى قداسة الحبر الروماني. ذلك ان هؤلاء الشبان شهود حقيقيون للعدالة البشرية. كيف يعقل اهمال النفوس لمن ينتهك جمال الطفولة، لمن لا يريد ان يقيم القوم في مقدساتهم، الا يحسون بأنهم من هذه الارض المباركة التي كانت معراجاً الى السماء؟ كيف يجوز القتل، كيف تجوز الابادة في ارض اريد لها ان تكون ارض السماء. أوَيُقتل الذين يشهدون بتمردهم للانسان العظيم الطالع من الحرية؟ هذا حق الله على الناس ان يحبوا بعضهم بعضاً وان يصروا على ان كل شعب له حقه في الصعود الى الله والى كرامته والى ان يتحدث لغته. سر الصعود يشمل كل نشاط عظيم في سبيل ظهور انسان جديد في هذا الشرق الذي منه طلع نور الله في العالم. ان يبارك الله لنا وان نحيا في الفرح كل يوم وفي كل بقاع الدنيا هذا هو لأهل كل دين ميراث المسيح الذي حيا من موت لتزول مملكة الموت.

Continue reading
2001, جريدة النهار, مقالات

تقاسيم قيامية / السبت 27 نيسان 2001

لماذا إذا تكلم الإنجيليون على يسوع في القبر أو عليه منزلًا عن الصليب لا يسمي أحدهم هذا “الشيء” جثة أو جثمانًا؟ دائمًا سألت نفسي هذا فأدركت أن السبب الوحيد هو أنهم اقتنعوا أن هذا الموت ليس نهائيًّا وانه ما اعترى يسوع نتن. ما صلبوه للموت. صلبوه للحياة. بهذا المعنى شبه لليهود أنهم قتلوه. في الحقيقة القتيل هنا أباد القاتل أعني اسرائيل. وحده في تاريخ الناس قتل الناصري أعداءه بلا سيف على هذه المفارقة أنه يحيي قتلاه.

قد لا يحتمل القارئ كل اختطافي إلى القيامة. انك ان خرجت إليه لا تعود إلى هذه الجثة القابعة فيك. يسوع يتراءى وأنت جسداني. أنّى لك أن تعرف المجد. صمنا لنمتلئ قليلًا من مجده قبل أن يسطع في الفصح، لنقرأه مجيدًا، لنمزج الجثة التي فينا بشيء من النور، الذي فيه.

في معراجي إليه استوقفتني ثلاثة ظهورات فإن عيني قلبي لا تستطيعان أن تظلا مفتحتين على ضياء كثيف. عند اشتداد الضياء لا ينفع القلم. مع ذلك دفعت عيني إلى الرؤية وريشتي إلى الهذيذ والوتر ليس لي.

اتخذ لوقا بادئًا لأني في ما اتخذه آراه يوحنائي النكهة ويوحنا يطيب كثيرًا. تلميذا عمواس سمعا من الجماعة انه قد قام وكانا يتحاوران في هذا وهما سائران إلى قريتهما. “اقترب إليهما يسوع نفسه وكان يمشي معهما”. هو يقترب ولا يقتحم ثم يرافق ولا يلغي. “ولكن أمسكت أعينهما عن معرفته”. هكذا كانت دائمًا حالة صحبه بعد انبعاثه إلا مرة واحدة سأذكرها. أمست عنهما المعرفة فانه هو معطيها وما كانا بعد مهيأين لها إذ تتطلب أن يكونا فصحيين في كيانهما وما بلغا هذا بعد.

حدثاه عما جرى بتفصيل حتى قال لهما: “أما كان ينبغي أن المسيح يتألم ويدخل إلى مجده”. ودعم قوله بحجج من كتب العهد القديم بقي هذا في العقل حتى “إتكأ معهما وأخذ خبزًا وبارك وكسر وناولهما”. هذا ما جرى قبلًا بينه وبين تلاميذه في العشاء السري. وينتهي الفصل بقوله انهما عرفاه عند كسر الخبز. ما أوحى به لوقا هنا انك في القداس تنزل عليك القيامة كل قوتها. ولكن المهم هو القداس الممدود في حياتك اليومية. ان أنت غدوت جليس يسوع وأعطاك في هذه المعاشرة ذاته تدرك أنه قام من بين الأموات لأنك تكون قد ذقت قيامة نفسك من مواتيتها. تقرأ قلبك الحي وتعرف أنه نشأ عند فجر الفصح.

في ذلك اليوم “جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا والظلام باق”. جاءت وحدها ولا يذكر يوحنا أنها رافقت بقية النساء. كانت علمت من بطرس والتلميذ الآخر أن القبر أمسى فارغًا. ولكن لم يدر في خلد المرأة أن السيد قد قام. كل شيء يدل على أن الاتباع بمن فيهم النساء لم يكونوا سريعي التصديق بالقيامة. لم يكن عند أحد استعداد عاطفي لتقبلها. ورد عندها هي افتراض عبرت عنه: “أنهم أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه”.

“ولما قالت هذا التفتت إلى الوراء فنظرت يسوع واقفًا ولم تعلم أنه يسوع”. ليس أحد مهيأ ليبصر نورًا إلهيًّا يلتحف بإنسان. إذذاك، قال لها يسوع: مريم. دخلها صوته مع اسمها. اسمها كان فيه. هي الآن وحدها المسمّاة. ولكون نوره تدفق عليها فعرفته أي صارت هي أيضًا من نور. غريغوريوس بالاماس يقول في عظة له على التجلي ان من تجلى على ثابور لم يكن هو الرب. التلاميذ، عند ذاك، تجلوا فرأوه كما كان. ولما استنارت مريم قالت له بالآرامية: ربوني الذي يعني يا معلّم. في هذا لم تكن تعترف بشيء جديد ودنت منه لتتبارك بتقبيل قدميه. القبلة تعني انه لم يزل من هذا العالم. أنت لا تستطيع تقبيل الله. لأنك دنس الشفتين. ولذلك لمس الرب شفتي إشعياء بجمرة وقال له: “ان هذه مست شفتيك فانتزع اثمك” (6: 7).

قبل أن يصل فم مريم إلى قدمي المخلص شاءت أن تمسك بهما فقال لها: “لا تمسكيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي ولكن اذهبي إلى إخوتي أني صاعد إلى أبي”. يا مريم لا تستطيعين أن تستنيري كليًّا الآن. أنت استضأت بقدر لأنك لا تزالين من لحم ودم. أنت لا تزالين ذات أشواق ولم تدخلي بعد إلى آخر أعماق السرّ. المحبّة التي ليس فيها لحم ودم لم تنزل بعد لأن الروح القدس الذي يعلمكم كل شيء لما يأت. انه هو الذي يزيل منكم ما كان فيكم ترابًا. هذا ضياع وقت ان تفكري كيف كنت معكم أنت والتلاميذ وحاملات الطيب وأمي. هذا كان مجرد إعداد لهبوب الروح الذي سيعمدكم بعد قليل بالنار فلا يبقى فيكم غير النور. النار ستجعل كلا منكم صافيًّا فصفيا. وسيظهر منكم قوم يعرفون الحب كاملًا ويشهدون لي بالدم فان كنيستي لا تحفظ الا بالدم. أنت الآن اذهبي إلى تلاميذي وقولي لهم اني ذاهب لأعد لهم وللأحبة من بعدهم مكانًا. المهم الآن قبل أن يتمجدوا أن يقولوا للناس أني قمت وذاهب إلى الآب.

الآب هو كل شيء يا مريم. سيفهم واحد منكم، وهذا سألقاه على طريق دمشق، سيفهم هذا أن النهاية ستكون إذا سلمتُ الملك لله الآب لأن غايتي في أبطال الموت هي أن يملك وأنا نفسي سأخضع له في هذا الناسوت الذي أحببته أنت لما أنقذتك من موت الخطيئة. يا مريم أنا صاعد بعد قليل وهذا فوضت إليك أن تقوليه للتلاميذ. لكن هذا لا يكفي. يجب أن آخذ كل ناسوت في جسدي ولا أستطيع أن آخذكم إلا إذا زالت الترابية كلّها فيكم. ما جئت له، يا بنيّتي، هو ليس لآخذ فقط هذا الجسد الذي رأيته أنت ينكسر من أجلكم ومن أجل كثيرين. هذا لا يرضيني يجب أن أتخذ كل جسد في ناسوتي ليتمكن بولس هذا حبيبي بعد سنوات من أن يكتب “أن الله سيكون الكل في الكل”. أنّى لأية حبة تراب، إذذاك، أن تبقى؟ يا مريم يجب أن نشتاق الآب.

***

الظهور الأخير في الإنجيل الرابع على بحيرة طبرية كان لسمعان بطرس ولتوما وابني زبدي واثنين آخرين من تلاميذه. ثم بعد هذا يذكر النص التلميذ الذي كان يسوع يحبه. على ما جاء في التقليد هو يوحنا الحبيب أي واحد من ابني زبدى. غير أن النص لا يقول ذلك. لم يعرفوا أنه السيد حسب القاعدة التي استخرجناها انك بالنور تعاين النور.

من كل الذين تراءى لهم القائم في البشائر الأربع لم يعرفه أحد إلا هذا. لماذا؟ في العشاء الأخير هذا كان متكئًا في حضن يسوع. في الفلسفة المشرقية هذا يعني أنه كان يستمد من المعلم الحياة. وما قال الكتاب مرة أنه أحب يسوع ولكنه قال إن يسوع كان يحبه. ولما أومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون هذا الذي سيسلم الرب إذذاك اتكأ على صدره وقال له يا سيّد من هو.

ما يأتي إلى الذهن هو أن التلميذ كان في حاجة إلى سؤال المعلّم. ولا يقول الكتاب أن يسوع قال بصوت عالٍ هو ذاك الذي أغمس أنا اللقمة فأعطيه. التلميذ الحبيب أخذ همسة. وإذا تذكرنا أن إنجيل يوحنا فيه دائمًا طبقات من المعاني وأن الحسيّ دائمًا صورة عن غير الحسيّ لأدركنا أن اتكاء التلميذ الحبيب على صدر المعلّم من بعد اتخاذه الحياة من حضنه انما يعني انه اتخذ الفهم من المعلم لأن القلب عند القدماء مصدر الفهم. هذا الذي كان في قلب المخلص لما كان مع الآخرين على بحيرة طبرية كان المسيح نوره في قلبه قبل أن يقوم فاستطاعت عيناه أن تتحولا وتشاهدا. أن تعرف نفسك في المحبوبية هذا وحده يجعلك إنسانًا فصيحًا.

كتبت هذه السطور في القاهرة بعدما شاركت بطريركها الأرثوذكسي بطرس في الذبيحة الإلهية في كنيسة مار جرجس في مصر القديمة. هناك، في هذا المكان عاشت أول جماعة مسيحية في هذا البلد. مئتا يوناني وبعض عرب أو أكثر من هذا قليلًا كانوا يقيمون العبادة للناهض من بين الأموات. تذكرت قوله: “لا تخف أيّها القطيع الصغير”. انك قد أعطيت القيامة. ولا تخش خطاياك. ستمحى بنفخة من فمه ولا يبقى فيك إلا نشيد الفصح. نحن دائمًا قلّة. نحن دائمًا نشيد.

Continue reading