Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2003, جريدة النهار, مقالات

الإكليروس / السبت 1 تشرين الثاني 2003

كلمة إذا صورناها عن اللفظ اليوناني تكتب “كليرس”بتسكين الكاف واللام وأضيفت الهمزة منعا لالتقاء الساكنين. وهي تعني “نصيب” أي ذلك الذي ناله اللاويون أو الأحبار عند تقسيم أرض كنعان فلم ينالوا نصيبا فيها إذ كانوا يتقاضون العشور فكان الله نصيبهم. أما في المسيحية فالذين هم أئمة العبادة فنعثر على تسميتهم “اكليروس”  فقط في القانون الكنسي وليس في العهد الجديد حيث يسمون أساقفة وشيوخًا والشيوخ ترادف قسساً أو قسيسين وهي سريانية أو كهنة في مصطلح الكنائس القديمة التي تعرب لسانها مع أن الكنيسة اليونانية تحافظ على كلمة الشيخ وكذلك ما تفرع في اللغات الأوروبية عن الأصل اليوناني priest، prêtre التي تعني أصلا الشيخ.

المعتقد المسيحي أن ثمة من دعاهم الله بنعمته وانتدبهم ليخدموا الرعية بالكلمة وهذه تتضمن طبعا الوعظ والتعليم وإقامة الأسرار الإلهية كالعماد والقرابين (القداس الإلهي) وما اليهما وهي امتدادات او تعابير عن الكلمة الإلهية ولا يمنحهم هذا امتيازًا. إنها شرف الخدمة وتواضعها وتكليفها وتعبها والمحاسبة الإلهية عليها والمراقبة الدائمة في أدائها والتطهر في سبيل إقامتها والدراسة الدائمة للقيام بواجبها. انه افتقاد الرعية وحمل أعبائها واتخاذها بالحنان والصبر اللذين لا يُحدان.

الاكليروس هي العبء الأثقل الملقى على عاتق من تحسبه أهلاً لحمله بعد دراسة وامتحان واستمرار فحص الفاحصين. وما قيل عندنا انك تطيعهم لأنهم في منصب يعلوك لكن الكلمة هي هذه: “أطيعوا مرشديكم واخضعوا لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم” (عبرانيين 13: 17) الكاتب لا يفترض انك تطيع أباك الروحي إلا لكونه مرشدًا ولكونه حريصا على خلاص نفسك إذ لا يخطر على بال الكاتب انه يقدر أن يكون غير ذلك. فانه قد اختير بسبب من قدرته على ذلك. فإذا اختارته النعمة فإنما يتكلم بقوتها وبما توحيه من مضمون. أنت لا تطيع بشريًا إلا بقدر ما انسكبت عليه الكلمة وهبّ فيه الروح ويقودك هذا حيث قاده.

هذه ليست فئوية بحيث يكون ناس فوق وناس تحت لأننا خاضعون بعضنا لبعض كما يقول بولس. ما من طاعة عندنا إلا للقداسة ولكوننا اعتبرنا أن فلانا تاب نجعله شماسًا وآخر استنار نجعله كاهنًا أو قسًا والثالث صار مألوهًا أي شع عليه المجد الإلهي نقيمه أسقفًا. هذا ما عبر عنه ديونيسيوس الاريوباجي المنحول في مطلع القرن السادس. فأنت لا تطيع الكاهن لمجرد كونه كاهنًا. أنت لست خاضعًا لجالس على كرسي. هو في الأصل لم يجلس على كرسي ألا لكون الله أجلسه.

في حكمتنا البشرية نحن لا نستطيع أن نفعل فوق طاقتنا. ندرب الرجل علميا وروحيا في معهد.  بعد هذا في الكنائس الشرقية نزوجه وننتظر أن نرى حكمته في تدبير عائلته ويشهد له القوم وأخيرًا نستدعي نعمة الله عليه لتقويه من ضعف وترشده من غي. قد يفسد في ما بعد. عندنا هنا مجموعة قوانين لتقويمه أو لومه أو توبيخه أو فصله. هذه هي قاعدة الرقابة التي تبدأ وتنتهي بعطف الأسقف وحنوه على الرجل. وأما أن يكون الأسقف غافلا عن حياته الداخلية عن رعايته وغائبا عن ضبطه الأشياء فهذا ممكن وكثير. وان يصبح الكاهن مهملا المطالعة ومتضجرًا من رعيته ومشتهيًا للمال فهذا أيضا كثير لان الشيطان موجود ولأنه يجلس أحيانًا على كرسي الأسقف ويفسد الكنيسة من داخلها. ولكنك سرعان ما ترى أن الروح القدس يستغني عن فاعلية الالكيروس إلا ما كان من إمامة العبادة فيرعى الكنيسة من فوق والأسقف يغط في النوم. من ذلك أنت تستمع إلى الكلمة ويعبر الله بها ولو كان الكاهن ساقطًا وغير متأثر بها إذا تكلم.

السؤال الشرعي المطروح هو كيف تطيع كاهنًا ساقطًا؟ انه لا يستطيع أن يأمرك بما يخالف الوصايا لأنك إذ ذاك تتسلح بالكلمة الإلهية إزاءه وترفض كلاما فيه كفر بالله. الخطيئة موجودة ولا تستطيع أن تبطل الكهنوت. فالذبيحة الإلهية قائمة ولو كان مقيمها في حالة المعصية وقد يكون الكاهن غارقًا في الذنوب ويناولك جسد الرب وأنت متناوله حقًا ولو كان الرجل أداة سيئة. وقد يعظك بما يناقض الكلمة فترمي السيئ في وعظه وتتمسك بالحسن ولو كان فم الرجل دنسا أو يداه نجستين.

التاريخ الكنسي مليء بالخطايا ونحن الذين ندرس هذا التاريخ نعرف الخطايا لكن الكنيسة هي جسد المسيح أي كيانه على الأرض وما ستؤول إليه في اليوم الأخير وفي صلواتها ورتبها ما يقدسك ويعزي وأمام عينيك “سحابة من الشهود” أولئك الذين انتقلوا إلى رؤية الله ويحيطونك بالحب وحولك الشهود الأحياء من أهل الرعية ويحيطونك أيضا بالحب.

المهم أن تحس أن لا شيء في العالم بهي مثل عباداتنا ولا شيء مثلها يحل السماء فيك وهي قادرة إن استلهمتها وتمثلتها وشبعت منها -ولن تشبع- على أن تنقلك إلى الملكوت ويبقى فيك الملكوت يوما أو يومين أو ثلاثة وقد تقع خلال أيام حتى يحل يوم الأحد اللاحق وتعود إلى السجود والاستمتاع بالإنجيل وذوق جسد الرب ودمه الكريمين حتى يصيرا من لحمك ومن دمك ويتحول عقلك إلى فكر المسيح.

يذهلني بعد هذا أن يترك قوم الكنيسة لتصورهم خطايا الكاهن في القرية أو في الحي كأنه هو الكنيسة مع انه يصبح لا شيء إذا سقط ولك أنت أن تلملمه بالنصح والوداعة عله يعود وتقوي محبتك له حتى يخجل ويرتدع وتتعاون والمحبين لتعزيته من الافتراء الذي يفترى به عليه أو من الإهمال الذي يصيبه أو من الفقر إذا بخلت عليه الرعية وتبقى معتبرا انه على سقطاته أيقونة المسيح ولو اسودت قليلا أو كثيرا ذلك أن ربه قادر على أن ينقيه. وتصمد وتصمدون لان السيد المبارك قاد كنيسته خلال عشرين قرنا ببشر أقامهم رعاة أو قادها بلا رعاية أرضية وعطف من السماء على كل واحد فيها.

“الكنيسة جماعة الخطأة التي تتوب” (القديس افرام السرياني). أن تتوب عميقا وكاملاً هو أن تصبح إلها ليس فيك شيء غير الله. قد يكون الله في جبة راعيك وقد لا يكون لكن المسيح حي ويحييك إذا أنت جثوث وبكيت وتبت إليه والى أبيه. إذ ذاك تصبح أنت نصيب الله. وبهذا يجعل الله نفسك نصيبك أي تصير أنت وربك روحا واحدة.

لذلك يخطئ من قال، بصورة قطعية حصرية، إن الاكليروس ينشئ الكنيسة. هذا صحيح بقدر ما يطيع هذا الاكليروس الكلمة. الحق أن الكنيسة هي التي تنشئ الكاهن والأسقف لانهما لا يجيئان إلا بوضع الأيدي (الرسامة) أي أن النعمة تجعل الإنسان خادما لها. والنعمة التي تقيم الكاهن هي إياها التي تقيمك في المعمودية. والكلمة الكاملة في صحتها أن القديسين ينشئون الكنيسة وأننا ننمو إذا تشبهنا بهم. ولذلك لا تستقيم أمورنا بأننا نقيم كهنة مثقفين رساليين ولو كان هذا غاية في الأهمية. لكن أمورنا تستقيم إن أحببنا بعضنا بعضا وثابرنا على الدعوة وكلمنا الناس جميعا على المسيح “في وقت مناسب وغير مناسب” وهكذا تصح الكلمة: “آمنت ولذلك تكلمت”. في هذا نحن مقصرون وتأكلنا المآتم والأكاليل والاجتماعيات التي لا بد من القيام بها. لكن البهاء هو أن يصبح كل منا مسيحا آخر وان يتجلى كل يوم حيث أقام ليرى الناس نور المسيح ساطعا فينا ويحسوا أن كلمتنا هي كلمته.

أنت تكون قد أصبحت كاهنا إن لاحظت أن “الأولاد جياع وليس من يكسر لهم الخبز”.  إن أنت تجندت لكسر الخبز الإلهي للجياع تصبح كاهنًا عظيمًا وتغفر لك خطاياك. نحن لسنا في حاجة إلى شيء آخر.

Continue reading
2003, جريدة النهار, مقالات

كتاب خالد / السبت في 30 تشرين الأول 2003

سأحدثكم عن كتاب خالد وعلى سبيل الحصر عن الفلسفة الدينية التي تبدو الهاجس الكبير في هذا السفر الكبير ولا أغوص على ديانة أمين الريحاني نفسه بسبب من القصص والبنية اللذين لا يتيحان لنا ان نحسب هذا المؤلف استعارة لسيرة ذاتية. فمن المؤكد ان وجه خالد مركب وأننا امام نص يريد الريحاني ان يراكم فيه من متاع دنياه الذوقية أشياء كثيرة من أهمها حديث ماروني في مطالع القرن العشرين عن كنيسته وحديث مفكر سوري نشأ في حضن التوحيد على غناه واستوعب الكثير من الثقافة الانكلوساكسونية التي كانت كالغرب كله تتغذى من المسيحية من جهة وترزح تحت أخطاء تاريخها من جهة وكل هذه محشو في حبكة رومنسية خلابة. ما أذهلني في الرجل أديبا ومتأملا انه ارتفع بقوة هذا السرد الى مستوى عال جدا في الادب العالمي.

قد تختفي بعض الحلاوات وراء الترجمة العربية التي كانت بين يديّ ولكن يبدو لي اننا نستطيع قراءة الفلسفة الدينية بلا تشويه كبير.

باختصار كلي لم أعثر في الكتاب على نكران عقيدة كاثوليكية إلا اذا اعتبرنا تعظيم الرجل للديانات الاخرى وانتماءه الروحي اليها لونا من ألوان التلفيق والمساواة بين الاديان تلفيقا. ولكن صاحبنا المتأذي من ممارسات الكهنة والرهبان يهجوهم هجاء مرا وكأننا امام اقرار نظري بالكثلكة ونفيا لبشريتها الساقطة ما يجعلك تحس انه يعلو في مقام التأملات العلوية ويسف في وصف المسالك وكأن له غيرة على كنيسة نقية وكأنه وريث لهذا اللذع الذي لذع به المبشرون الانجيليون الاوائل كنيسة التراث مع اني لم ألمس أي أثر بروتستنتي في كتاب خالد. يوغل في التنكيل حتى التهكم. هو ورفيقه شكيب “غسلا يديهما من كافة الخدعات والمكائد وكاهن الجالية السورية أحلهما من خطاياهما”. هذه السخرية لم تحل دون تأكيده انتماءهما الكاثوليكي.

ولكنك لا ترى عنده ارتباطا بين المسيحية والحياة الروحية التي يشتهيها لنفسه في أميركا. على ذلك وجه واحد وضاح هو وجه ذلك الراهب الطيب الذي كان يزرع الكرمة وكأن انسانيته الطيبة أتته من فتاة أحبها قبل ترهبه. وعلى رغم تعلق خالد بالنساء بحب او بشبق وفي كثرة من الاحايين بالخيال لا تراه يسائل نفسه عن مسلكيته هذه الا اذا استقرأت انت ان الحب وهو أرقى عاطفة في الكتاب كان المزكي لهذا التوثب الجنسي الذي كان عنده وفي هذا كان سباقا – عند حد تتبعي – ببضع عشرات من السنين لبيئات مسيحية متحررة تقول هذا القول. هنا لا أرى فصاما في شخصية خالد ولئن أدركت ضعفات عند من تمسك بأهداب الدين او الديانات المختلفة التي يقول بها جميعا هنا وثمة. النص تلفيقي ما في ذلك ريب. هل الشرق المتعدد المذاهب والبهائية منها يدفع الى هذا الموقف؟ هل البراغمية الانكلوساكسونية الموغلة فيه ترادفها النسبية العقدية؟ هل سحرته بعلبك بوثنيتها وقبضت عليه عشتروت الجبيلية وفي موضع يدين بالآلهة هي ثقافته الروحية الكاملة ام ان سوريا التي هي بلده بوتقة منذ فجر وجودها وخلال كل تاريخها البوتقة التي تنصهر فيها كل الديانات ولم تخرجه اميركا المتعددة المذاهب من هذه البوتقة.
كيف توفق بين تأكيده ان الكنيسة أمر حيوي وجوهري بالنسبة الى العافية الروحية وانتمائه الى كل الديانات بآن معا؟ ما هي مكانة التقمص التي تذكر مرة واحدة في الكتاب بين هذه الاديان التوحيدية التي تنكر التقمص بوضوح لقولها بالقيامة. مرة يقول: “انا مسيحي بنعمة الله” مرددا صيغة من كتاب التعليم المسيحي الذي تربى عليه الاطفال الكاثوليك في العالم.

اذا رمنا اعتبار الرجل منطقيا يبدو لي ان همّ صاحبنا هو الصوفية منذ العهد الفينيقي الذي كثيرا ما عاد اليه. يقول الفينيقي الصوفي ويقول التقشف الصوفي. على ذلك ليس التصوف عنده قائما في ذاته، اذ يؤكد ان الايمان هبة سماوية. للتصوف اذا مضمون وليس مجرد موقف تأثري. ينزل التصوف اليه من الايمان ويبقى السؤال أي ايمان او أية عقيدة. بعد صدور الكتاب بعشرين سنة يرى برغسون التصوف في غير تراث على ترجيحه المتصوفة المسيحيين. أظن ان خالدا في الاخير لا يرى الا هذا الخط المتعالي على كل المؤسسة الدينية.

أجل لا يخلو أمين الريحاني من رؤية التناقض بين المؤسسة الدينية والروحانية اذ يقول (ص160): “انا أكره هذه الأبوة الروحية حين ترتدي ثوب الكاهن وقلنسوة الراهب وسترة الحاخام الطويلة أو جبة الشيخ”. وهذا ما أعلنه على الملأ: “قداسة الفرد، وليس العائلة او الكنيسة”. بكلام آخر لم ير ان الكنيسة هي حركة الله الى الناس في قول الرب: “سأكون لكم إلها وتكونون لي شعبا” بمعنى ان الله يتحرك نحو البشر وهم يتكونون بحركته اليهم. وفي هذا المعنى ليست الكنيسة جسما مجتمعيا ولكنها كما يقول سرجيوس بولغاكوف حياة في المسيح. هناك غشاوة منعت الريحاني ان يرى ذلك وأن يغفر للناس زلات لهم وتقصيرا. قد يكون معظم رواد النهضة قوما لا يرون الكنائس الا مجتمعات طائفية يضغط عليها تاريخها وتولد مسوخا. كيف يجمع هذا الى تأكيداته المتكررة على انه مسيحي؟ في ذروة الرفض يقول: “هناك نجم واحد فحسب في هذا الفضاء الغسقي الغامض فوقنا، وهو لكم مثلما هو لي أنا. وذاك النجم إما ان يكون الاخير في الظلمة الابدية او الأول في الفجر الطالع. اما انه النجم الاول او الاخير في الليل. ومن ذا الذي يقول لنا ايهما هو؟ ليست الكنيسة، على وجه التأكيد ولا هي الدولة الى ان يقول “ان كل فرد من الناس عليه ان يفكر لنفسه وان يريد لنفسه”.

يبقى الله عنده غير منازع فيكره الالحاد ويحتقره. ربما لأنه تأكيد او جزم لا سند له. ولكن على تأرجح الكاتب الدائم بين قيام الكنيسة والغائها يرى الانسان في الظل الناقص الشبه الظل من الايمان والشك. بعيد هذا بأسطر يقول: “سواء أكان الدواء السحري هو الكنيسة الأم أو الشعر او الفلسفة او الموسيقى، فالنتيجة هي ذاتها ما لم يكن الباعث المحرك صادقا متدينا باخلاص. ونقي التقوى، وساميا وانسانيا”، دينيا ومتدينا باخلاص ولكن أين وبأي ممارسة أي بأي فعل تجسدي لهذا الايمان. ليس نفي للمعابد ولكن ليس من تأكيد لها حقيقي. المهم تربية كرمة للعنب وزراعتها وهذه التربية يجب “ان تكون بصدق واخلاص ورع”. ولا مانع من ان تكون الكنيسة الى جانب الكرمة. أجل لم يخطر على باله ان الناسك الذي ينتج العنب انما قصده الاساسي ان يجعل كأس الخلاص ريا لا مهرب اذا من الجماعة المصلية.

ليس عند الريحاني فرادة في انتقاد الكنيسة المسيحية. كل هذا قيل منذ القرن الثالث وردده الغرب العقلاني والفلسفة العلموية. الريحاني يرى ان المسيحية والكنيسة يرعيان الجهل والتعصب. وعندي ان الجهل والتعصب قد يكونان مسببين اكثر منهما سببين ويختاران الدين وسيلة فالنفس أمّارة بالسوء أكانت دائنة ام غير دائنة وعند كتابة خالد ما كانت الماركسية اللينينية قد ظهرت ولا النازية ولست أعرف في الحياة التاريخية تعصبا وتقتيلا مثل هذا الذي انتجته الايديولوجيات. مع ذلك يصر على قول ان “أخرجوا من خرافات الشيوخ وعلماء الدين، ومتاهات الصوفيين الجدباء، والمستنقعات المميتة لرجال اللاهوت والكهنة”. يريد صوفية ولا يريد صوفية. كنت أتوقع ألا يذهب أديب كبير كهذا الى التعميم الظالم وان يشهد أن رابعة العدوية التي يذكرها بحب والبسطامي وابن الفارض والحلاج وأوغسطينس وفرنسيس الاسيزي ويوحنا الذهبي الفم وباسيليوس الكبير وغريغوريوس بالماس وسواهم لم يغرقوا البشرية في مستنقعات مميتة. تحس كأن الرجل قهره كاهن الفريكة او قس في مانهاتن وانهما كل التاريخ.

متعب تتبع ظلم الرجل. هكذا، مجانا يقول ان اصلاح جمال الدين الافغاني ومحمد عبده باطل. “انه اصلاح يستند الى الشعوذة اللاهوتية والسفسطات او المغالطات التقليدية” في البحر الديني كله مذهب لا ينتقده ابدا وهو البهائية ومذهب يعجبه وهو الوهابية مع انهما على نقيضين.

ما ديانة خالد الأخيرة؟ أظن ان مفتاح قناعته قوله: “سأقيم مذبحا للروح في هيكل المادية، ومذبحا للمادية في هيكل الروح. ولكن الروحية عنده ليست النكران الزهدي للذات، هذا النكران الذي ينتهي الى نوع من البلاهة”. عنده اخلاص ثنائي للمادي والروحي. واذا فهمنا ان مادية الغرب – وهكذا يسميها – هي التكنولوجيا والعمل وبناء الدولة في لحظة يقول ان الغرب يعني بالنسبة اليه الطموح والشرق يعني القناعة حتى يؤكد: “قلبي يقيم دائما في الواحد منهما، وروحي في الآخر”. ما معنى هذا التمييز بين القلب والروح. مع ذلك لا نجد مرة تعريفا عن الروح. يبدو لي انها تلك الافهومة التي جعلت بين اميركا والمهجريين فاصلا وكأنها لفظة تحمل عندهم نوستالجيا الشرق.

الروحي والمادي معا بهذا العطف الغامض ليسا بديانة. ما ديانة خالد اذا في ما عبّر عنه صريحا؟ يقول حرفيا لرفيقته البهائية: “الحب هو الديانة الجديدة، والديانة الوحيدة… الحب هو بهاء الله – والله هو بهاء الحب”. وحتى لا تلتبس افهومة الحب او مضمونه قال هذا عندما كانت يده ممدودة الى صديقته وهنا قال: “كل شيء في الحياة يجب ان ينحل الى الحب. فالحب هو المذيب الالهي. الحب هو عظمة الله وبهاؤه”. قال هذا في موقع مغازلة فالحب هنا إيروسي ولا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بالمحبة الانجيلية.

مع تركيز الرجل على الشرق والغرب والحديث عن الروح والمادة، مع قبوله ورفضه للديانات وذلك في حركة واحدة، في تلاوين هذه اللوحة الكبيرة التي هي ككتاب خالد يبدو لي ان قلب الكتاب هو لقاء الرجل بهذه الداعية البهائية التي أراد ان يوغل في جمالها وأبت يتحول من أراد ان يتنطح الى الفكر الى شاعر يغني المرأة ويجعل من لقائه بها ديانة يحملها في قلبه.

ألقيت هذه الكلمة، الخميس الفائت، في ندوة حول أمين الريحاني لدى “صادر للفن والثقافة”.

Continue reading
2003, جريدة النهار, مقالات

الأحوال الشخصية لدى الارثوذكس / السبت في 25 تشرين الأول 2003

وضع المجمع المقدس للروم الارثوذكس ضمن دورته العادية (تشرين الاول) قانونا جديدا للاحوال الشخصية واصول المحاكمات وجاء اقرب الى التراث والى احساس الانسان المعاصر بآن وتضمن في نطاق الاحوال الشخصية وهو القسم الاول من القانون ثمانية ابواب1) الخطبة، 2) الزواج، 3) البائنة (الدوطة)4،) الهجر5،) انفكاك الزواج، 6) البنوة، 7) التبني، 8) احكام القاصر وتناول في الفصل الثاني موضوع تشكيل المحاكم واصول المحاكمات.

لن اتناول في هذه العجالة كل شيء ولكن ما قد يكون لافتا من الناحية اللاهوتية او ما قد يكون جديدا بالنسبة الى النص الاقدم. لم تستعمل كلمة عقد لتعريف الزواج لانها قليلة الاستعمال عند علمائنا اذ نعتبر هذه الافهومة مأخوذة بمفهوم السر فقلنا الزواج سر.

في باب موانع الزواج استقر على منع الدرجة الرابعة (اولاد العم والخال والخالة) وكذلك على منع زواج الكاهن لو انفك زواجه او ترمل وفي الحالتين ورد ما يسمى عندنا التدبير اي قبول راعي الابرشية بمخالفة القاعدة. بقي ان الزواج بشخص من طرف غير مسيحي ممنوع مطلقا ولا يستطيع اسقف ان يجيزه.

ما يلفت في باب الانفاق ان «المرأة الموسرة تلتزم اعانة زوجها المعسر والانفاق عليه». هذا مرتبط بمفهوم السر القائم على ان الكرامة واحدة لكل من الزوجين ونتيجة ذلك المساواة في الواجب. وكما تجب نفقة الزوجة الموسرة لزوجها هكذا تتعاون وزوجها للانفاق على البنين. وتبقى تفاصيل تتعلق بنفقة الاولاد عند اليتم. وفي المادة :27 «عند انحلال الروابط الزوجية تراعى اولا وآخرا مصلحة الاولاد في تحديد من يولى تربيتهم». ليس الولد ملحقا آليا بهذا او ذاك من والديه. وهنا امكن القول ان القانون ابرز اهمية الولد اذ اقر في مادته الـ57 حضانة الام حتى السنة الرابعة عشرة للذكر والخامسة عشرة للانثى (في القانون السابق كان الوالد يستعيد الصبي بعد اكماله السابعة والابنة بعد اكمالها التاسعة). هذا مع القول بالسلطان الابوي (لم يأخذ المجمع بالفكر العلماني الحديث القائل بسلطة الوالد والوالدة معا علي الاولاد). بقي القانون قائما في المبدأ السلطان الابوي. على ذلك لم يظل «بطريركيا» حتى النهاية اذ يقول ان سلطان الوالد يزول اذا انتفت اهليته للتربية. ان تطبيق هذا يتطلب قضاة يقتنعون بزوال الاهلية التربوية عند الرجل.

على رغم خطر الظلم للاولاد لاحظ القانون ان حق الحضانة او الحراسة يسقط 1) عند العجز او التقصير الفادح للحاضن او الحارس في التربية والرعاية، 2) عند زواج الحاضن او الحارس اذا الحق ضررا بالقاصر، 3) عند اعتناق الحاضن او الحارس دينا آخر، 4) اذا كان سلوك الحاضن او الحارس يسيء خلقيا او نفسيا الى القاصر.

&&&

الى هذا ادخل المجمع المقدس مفهوما جديدا في الحياة الزوجية عند الارثوذكس وهو مفهوم الابطال. منه اذا جرى في حال ارتباط احد الزوجين بزواج آخر او اذا شاب الزواج عيب من عيوب الرضا او اذا اقيم بالاكراه والتغرير او اذا تبين ان احد الزوجين كان في تاريخ اقامة الزواج غير اهل لممارسة الحياة الزوجية.

في ما اعتبره المفهوم الارثوذكسي للزواج لا يعتد بالاسباب السابقة للزواج اي ليس هناك مقولة الإبطال. المقولة غير الملفوظ بها ان الزواج العائب (ما يعوزه الرضى) لم يحصل. هو زواج غير موجود حسب مفهوم قانون نابوليون. يبقى ان غموضا كاملا يكتنف القول بأن زوجا من الزوجين كان غير اهل لممارسة الحياة الزوجية (هذا غير العجز الذي له احكامه). متى يعتبر احدهما غير ناضج بما فيه الكفاية؟ من يثبت ذلك بعد انقضاء سنين على الاكليل؟ هل القاضي الروحي يستطيع ان يلم بما فيه الكفاية بأن احد الزوجين كان غير اهل للحياة الزوجية؟ ما اخشاه ان يفتح القول بأن احد الزوجين كان غير اهل للزواج عند حصوله بابا لاجتهادات لا تحد وللتقدير المزاجي او النزوي عند القاضي.

لا جديد في موضوع الطلاق اذ يبقى محصورا بعلة الزنى او ما هو بحكم الزنى. الجدير بالملاحظة ان هذا القانون – بخلاف ما يدعي المدافعون عن حقوق المرأة – لا يقيم اي فرق بين الرجل والمرأة. فالاسباب الدافعة الى طلاق المرأة هي اياها الدافعة الى طلاق الرجل. لم يبق اثر لمفهوم فسخ الزواج او لذكر عدم الانسجام بين الزوجين. من هذا المنظار جاء القانون الحالي اشد تضييقا. غير ان القانون تبنى فكرة الهجر وتوسع بها وكانت قائمة قضائيا على سبيل العرف ولكن ما من شك في ان القول بالهجر كان غير معروف في التراث البيزنطي. ولست اعلم مدى نجاحه عند الآخرين. ما من شك في انه افهومة مأخوذة من القانون الكاثوليكي الذي يقيم بالهجر طلاقا موقتا. افهم الهجر الموقت التدبيري لايام او بضعة اشهر طلبا للتهدئة. لكن الهجر الممكن مده الى ثلاث سنوات من شأنه ان يعرض طهارة الازواج لخطر. البت النهائي اصرح ويقع في منظومة التدبير الارثوذكسية.

&&&

اكثر ما هو لافت في هذا القانون ان اعضاء المحكمة الروحية يمكن اختيارهم من العلمانيين الذين يشترط فيهم ان يكونوا قد مارسوا القضاء او المحاماة وبحيث يسوغ ان يكون كل القضاة من العلمانيين. هذا يفصل بين الرعاية والقضاء. وهذا قد يحتم ضميريا على المطارنة ان يسعوا الى المصالحة قبل الاحتكام الى المحاكم. اذ ذاك يكون المتقاضيان قد اختارا الخصومة فتكون المحكمة المدعوة روحية بمثابة مجلس يقضي وفق احكام قانون وضعي.

الامر الآخر الذي اتى عليه القانون ان القضاة العلمانيين يمكن ان يكونوا من النساء. الثغرة الكبيرة في القانون ان يشترط ان يكون القاضي المدني حاملا اجازة حقوق ومارسها ولا يشترط في راعي الابرشية الجالس قاضيا او في من ينتدبه ان يكون قارئا الحقوق. وما من شك في ان بعض الاحكام يبدو ضعفها بسبب من النقص العلمي عند القضاة الاكليريكيين وكأن ما مورس سابقا يفترض ان معرفة الحقوق تنتقل الى الكاهن على البداهة.

لقد تحررنا من جهالة فهمنا لقولة من بولس: «الرجل رأس المرأة» ووردت في مسودة القانون. غير ان الآباء الاساقفة لاحظوا ان هذا قول يبتر الآية اذ القول الكريم هو: «الرجل رأس المرأة كما ان المسيح رأس الكنيسة» وان الذكورة لا تعني لله شيئا ولكن عطاء الزوج حتى الموت على صورة موت السيد عن كنيسته. لا سيادة للرجل على المرأة افضل تحقيق لهذا القانون. اجل هناك سلطة أبوية اذا قرأناها جيدا هي تكليف وواجب اذ تتكلم على التربية وادارة الاموال للقاصر. كذلك هناك حدود موضوعة للسلطة الابوية اذ تسقط بالدرجة الاولى بسوء السلوك عند الاب. في الحقيقة يمكن نعت القانون بأنه يغلب الابوة على الامومة ولكن ليس فيها غلو «شرقي». كان المنطق يتطلب الاعتراف بالسلطة نفسها للأم من اجل مساواة نظرية. غير ان وضع العمل للرجل الذي لا يزال سائدا في هذه المنطقة يمكن ان يبرر هذا السلطان الابوي اللين.

في المحصلة الاخيرة ارجو ان يأتي هذا القانون تربية للارثوذكسيين الذين كان بعض الناس يظن ان الطلاق سهل عند الروم. في النص الحاضر يخسر الطلاق سهولته كثيرا اذ نعود عمليا الى كنيسة الالفية الاولى التي كانت تقول بالطلاق الاستثنائي الصعب الاتيان بالادلة عليه. ما من شك في ان قدسية الزواج في النص الجديد واضحة وان النصوص تربي الناس. غير ان القانون لا يصنع القضاء آليا بسبب من عدم احتراف الكهنة عندنا مهنة القضاء. انهم يجيئون من ممارسة تطول احيانا وتقوى باحتكاكهم بأهل الشرائع غير ان هذا لا يكفي.

الشيء الآخر ان الرجل -ولو كاهنا- لا يزال اسير ذكوريته ويحتاج تاليا الى تربية حقوقية قوية اي الى موضوعية قصوى ليساوي بين الرجل والمرأة وحتى لا يقع فريسة حكم عقلي مستبق فيكون مقتنعا بطهارة جنس او عدم طهارته.

هل يغير انتظام قاضيات في المحكمة شيئا بحيث يعظم الانتباه الى الزوجة المتقاضية؟ اظن اننا نحتاج الى وقت طويل للاقتناع بضرورة اجلاس المرأة قاضيا. غير اننا نقدر ان نعطي للطبيب والمساعدة الاجتماعية والاب الروحي دورا في طور المصالحة بحيث تبطل المحاكمة او لا تسير بخصومة كبرى.

اظن اننا لا نزال في حاجة الى تحسين ولكنا خطونا خطوات كبيرة اكثر اتصالا بالعقيدة والعصر. هذا قانون بشري مع بعض إلهام. وهو قابل لملاحظات الاخوة. اتخذناه على رجاء فهم اشد وروحانية اعمق.

Continue reading
2003, جريدة النهار, مقالات

المجمع المقدّس / السبت في 11 تشرين الأول 2003

«الكنيسة ليست مؤسسة. انها حياة في المسيح» (سرجيوس بولغاكوف). هي ليست مؤسسة بمعنى ان قوانين العالم المدني لا تسودها ولو ظهر ان ثمة مسؤولين في ما بينهم تراتبية. في الحقيقة ليست الكنيسة شبيهة بجيش ولا بإدارة مدنية فيها الآمر والمأمور لان هذين مرتبطان بحقوق يحددها نص. الزامات يفعلها التنفيذ والتنفيذ يظهر بالعقوبة. والعقوبة قائمة على الخوف والخوف قائم على وجود سلطة آسرة تتحدد فيها الحقوق والواجبات وآخر حد فيها هو السجن او ما هو اقسى منه.

إذا كانت المسيحية ديانة المحبة معنى ذلك ان امور الكنيسة تحل بالمحبة فقط ولا تقوم على دستور بالمعنى القانوني للكلمة وان الآمر يأمر بمحبة والمؤمن يطيع هذه المحبة. ولذا كانت الكنيسة شركة قلوب. اجل هناك ما يسمى قوانين الكنيسة منذ القرن الرابع وهناك اعراف هيأت لها. لكن القانون الكنسي ليس شبيها بقوانين العالم لانه يعبر عن موقف لاهوتي. صحيح مثلا انك تخضع للأسقف ولكن بوصفه اباك واذا ادبك فهو كمن يؤدب ابنا اي بالمحبة ايضا. صح انك لا تصبح كاهنا الا اذا وضع يديه عليك. لكن صلوات الرسامة عندنا توضح ان وضع اليد (او الرسامة) صورة عن انحدار النعمة على من تجعله كاهنا. “النعمة الالهية التي للناقصين تكمل وللمرضى تشفي هي تنتدب فلانا الكلي الورع من رتبة الشموسية الى رتبة القسوسية”. الاسقف يختفي وراء النعمة التي تنتقل بقوتها وقوة الصلاة التي في الجماعة. واذا اوقف الاسقف قسا عن الخدمة فترة من الزمان فليس هذا عقابا له لان الاسقف يحب الكاهن. والامر اذاً تأديب للاصلاح والتوبة. واذا منعك الاب الروحي من مناولة القرابين فلكي يزداد بالمنع شوقك الى الاسرار الالهية فتدنو منها اكثر اهلية مما كنت. نحن اذاً خارج الدنيا الحقوقية اطلاقا.

ما شكل الكنيسة اذاً. او ما صورتها لو اتخذنا كلمة فلسفية. الحقيقة ان ليس لها شكل لانها حركة. قطعا هي حركة الله الى الانسان وحركة الاخوة بعضهم الى بعض. وما بينهم الشركة، شركة الروح القدس اي الكون بالنعمة الالهية المجانية. وهذا ما عبر عنه انجيل مرقس في مقطع شهير لما جاء يعقوب ويوحنا ابنا زبدى الى السيد وسألاه ان يجلس احدهما عن يمينه والآخر عن شماله في مجده فوبخهما ثم قال لتلاميذه: “تعلمون ان الذين يعدون رؤساء الامم يسودونها، وان اكابرها يتسلطون عليها، فليس الامر فيكم كذلك. بل من اراد ان يكون كبيرا فيكم، فليكن لكم خادما. ومن اراد ان يكون الاول فيكم، فليكن لاجمعكم عبدا. لان ابن الانسان لم يأت ليُخدم (بضم الياء)، بل ليخدم (بفتح الياء) ويفدي بنفسه جماعة الناس”. انت لست آمرا اذاً لاحد ولكنك مبذول في الخدمة. والبذل يعطيك اولية والطاعة للمبذول. فانت لا تطيع الاسقف لانه فوقك اذ ليس في المسيح من كان فوق او كان تحت. لكن القادر على ان يكون كامل البذل لكونه تحرر من الغرض والهوى قادر على ان يأمرك بلا غرض ولا هوى وانت تطيعه لانه تنزه عن كل ذلك. العلاقة هي اذاً بين محب ومحبوب.

وما يؤيد كلامي هذا الحديث الذي ورد بعد القيامة بين المخلص وبطرس لما سأله السيد: “يا سمعان بن يونا (وكان هذا اسمه الاول) اتحبني اكثر مما يحبني هؤلاء؟” قال له: نعم يا رب، انت تعلم اني احبك حبا شديدا. قال له: “ارع حملاني”. اي ان يسوع جعل بطرس راعيا لما اعترف له بحبه. تلك هي الرعاية والحب مضمونها الوحيد وليس من علاقة اخرى بين الراعي والخراف.

ثم لما انتظمت الكنيسة جماعة واحدة بنزول الروح القدس عليها “كانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات”. وذكر الكتاب بعيد هذا: “كان جميع الذين آمنوا جماعة واحدة”. جوهر الكنيسة انها واحدة بالروح الالهي.

وفي المنحى نفسه يقول سفر الاعمال: “وكانت الكنيسة تنعم بالسلام في جميع اليهودية والجليل والسامرة. وكانت تنشأ وتسير على مخافة الرب، وتنمو بتأييد الروح القدس”. غير ان مسألة اثيرت حول ختانة الوثنيين عند انضمامهم الى المسيح او عدم ختانهم فاجتمع الرسل والشيوخ في اورشليم وبت الخلاف المجمع المؤلف من هاتين الفئتين (وليس فقط من الرسل).

كان هذا اول شكل – اذا صح التعبير – اتخذته الكنيسة. المجمعية او الجماعية بالحري هي الترتيب الالهي الذي تسير عليه الجماعة. وهذا تعبير عن روح وليس نظاما بالمعنى الحقوقي. الفكرة التي هيمنت ان الروح يجعل المسيحيين جماعة وليس معنى ذلك ان مجرد انعقاد الجماعة في مجمع ينزل عليها الروح الالهي آليا. وسلكت الكنيسة في ما بعد على حل مسائلها بهذه الهيئة التي دعيت مجمعا وباليونانية سينوذوس اي السائرين معا على طريق واحد. فهم ليسوا مجمعا لمجرد تلاقيهم الجسدي ولكن لتلاقيهم على طريق القائل: “انا الطريق والحق والحياة”. فالجماعة تصير شركة اذا حل الروح القدس عليها والا بقيت قطيعا بلا رأس.

ثم على غرار مجمع اورشليم انعقدت مجامع عديدة اقليمية وعالمية.

وما سمي كل تجمع مجمعا لمجرد التقاء اساقفة ولكنه مجمع اذا ظلوا على استقامة الرأي فقد كفّرت الكنيسة مجامع لكونها انحرفت عن جادة الصواب. لذلك لا نقول نحن ان المجمع آلية تدير بحد نفسها الكنيسة. فأخذت المجامع المتتالية تؤيد المجامع السابقة لكي تثبت شرعية ما سبق اي لتعلن ان ما سبق كان من الله. تأييد الله الظاهر في وجدان الجماعة هوالذي يضفي صورة الاستقامة على الاجتماعات الكنسية. فالسلطان المجمعي يأتيه من صحة الكلمة التي تقال فيه ولا تتبين انت صحتها لمجرد الالتئام.

يبقى ان الكنيسة تعيش في ازمنة الناس وشاء الله ان تنتظم كنائس مكانية والكنيسة المكانية هي المدى الذي بشره الرسل في الاصل او بشرته الكنائس الرسولية. وهكذا بدا ان الحضور المسيحي بأن تدبير شؤونه في كنائس خمس في الألفية الاولى هي رومية والقسطنطينية والاسكندرية وانطاكية واورشليم. وكل كنيسة من المدى المسيحي تتكلم وترتب شؤونها من طريق مجمع مقدس يؤلفه بخاصة اساقفة المنطقة لا من حيث هم افراد ولكن من حيث ان كلا منهم يحمل كنيسته (أو أبرشيته) معه فتتلاقى هكذا كنائس المنطقة الرسولية الواحدة حول كنيسة تعتبر مركزية كان يسمى رئيسها المتروبوليت وبعد هذا سمي بطريركا اي رئيس الامة المقدسة وقال الضمير الكنسي ان من اقيم بطريركا هو اول بين اخوة متساوين Primus inter pares

ما معنى ان البطريرك هو الاول؟ بما لا يقبل الجدل كان مفهوم الامر ليس ان هذا الرجل آمر ناه شبيه بصاحب النظام الرئاسي كما في الولايات المتحدة. ان صلاحية كهذه لم يعرفها العالم المسيحي في الالفية الاولى ولا يعرفها الشرق الارثوذكسي اليوم. فالبطريرك لا يتدخل في ادارة ابرشية اخرى لان الاسقف موضوع الهيا وليس فوق رأسه في نطاق ابرشيته احد. لكن احدية الاسقف لا تفهم استقلالا عن اخوته في الايمان والعقيدة والاسرار المقدسة لان الشركة الاخوية تمنع الانعزال او الاعتزال لان كلمة الله ليست ملكا للأسقف فهو خاضع لاستقامة الرأي. ولذلك عندما تتم رسامته يوضع الانجيل مفتوحا فوق رأسه لتنزل عليه الكلمة ولا يبقى اسقفا اذا خرج عنها او اخرج منها.

ما مكانة البطريرك في هذا الانتظام؟ لدينا مجموعة قانونية تسمى قوانين الرسل تيمنا بالفكر الاول وتعود غالبا الى بداءة القرن الرابع. القانون 24 في هذه المجموعة يمكن اعتباره تحديدا لمكانة البطريرك وعلاقته بالاساقفة . يقول: “ان اساقفة كل امة يجب ان يعرفوا الاول فيهم ويعتبروه رئيسا لهم ولا يقدموا على امر خطير بدون رأيه، بل ليدبر كل منهم شؤون ابرشيته خاصة. ولا يقدمن الاول على شيء بدون مشاورة الجميع وبذلك يتم اجتماع الرأي ويتمجد الله بالرب في الروح القدس”.

هناك وحدة روحية بين اعضاء المجمع المقدس على صورة الثالوث حيث لا عسف ولا تسلط على صورة التناغم القائم بين الاقانيم الالهية. الامر شورى غايتها “اجتماع الرأي” فلا مجمع بلا بطريرك ولا بطريرك بلا مجمع وليس من ديموقراطية بمعناها العددي. نحن لسنا في نظام حقوقي يفيد ان يفرض المطارنة شيئا على البطريرك وليس من نظام اوتوقراطي بحيث يفرض البطريرك شيئا على الاساقفة. السؤال الذي يفرض نفسه هو هل للبطريرك حق النقض. هذا يرده قول القانون: “لا يقدمون الاول على شيء، بدون مشاورة الجميع”.

طبعا هذا ليس نظاما بمعنى الحقوق الوضعية. هذا سعي روحي غايته تجنب الانشقاق. انه خطر روحي ان تقاوم بالتصويت موقف البطريرك. لكن البطريرك يكون ايضا في خطر روحي ان قاوم الاساقفة مجتمعين. اجل يمكن ان ينتج من هذا تعطيل اداري او غياب اداري. لكن المؤمن يرجو الا يكون هناك عناد وان يستمر السعي بالصلاة والاقناع للأخذ بالموقف الصالح.

لماذا الاجماع كغاية او مرتجى؟ لان الانشقاق خطيئة لا تغتفر حسبما علم القديس يوحنا الذهبي الفم بقوله ان الانقسام في الكنيسة شق لثوب المسيح غير المخيط (المصنوع من قطعة قماش واحدة). هناك دائما رجاء وقد يكون ارجاء الحل أدنى الى الرجاء واذا كان البطريرك “راعي الرعاة” فمعنى ذلك انه المحب الاول واذا كان الاول بين أئمة الحياة الروحية يكون الاقرب الى العدل والاقرب الى الرحمة ولا يعرف قلبه بغضا او انتقاما ويفرض ان يكون زملاؤه موضوعيين وان يتخذوا المواقف الموافقة لفكر المسيح كما يقول بولس. هذه اعجوبة التناغم بين اخوة تنزهوا عن الشهوة وليس فيهم أحزاب ولا كتل.

ليس من شهادة في المؤمنين اقوى من شهادة الوحدة بين رؤساء الكنيسة. والوحدة في ما بينهم ان يتفقوا على ما يرضي الله في الظرف الذي يعيشون. اجل تاريخ الكنيسة لم يكن دائما هكذا ولكن على المرء ان يسعى لتبدو الكنيسة عروسا للمسيح لكي يؤمن الناس.

Continue reading
2003, جريدة النهار, مقالات

الله أم أنا / السبت 20 أيلول 2003

في المصطلح المسيحي ليس من فرق بين الدعاء (الفردي) وصلاة الجماعة (القداس وما يقام مما نسميه خِدما إلهية) التي تقوم بها “الأمة المقدسة” معاً. في الكنائس التي لم يعبرها الإصلاح البروتستنتي هي متشابهة مثل صلاة السحر وصلاة الغروب وهي سبع في الكنيسة البيزنطية وكثيراً ما جمعت الواحدة إلى الأخرى عندما تكون متقاربة في الزمن. صلاة الجماعة تسمى خِدما وفي اليونانية ليتورجية وكانت تطلق في اللغة اليونانية القديمة على خدمة الضرائب أو العمل الرياضي المشترك. ففي الليتورجية يكون الإنسان في خدمة الله. ولكن في الفلسفة المسيحية ليس من فرد منعزل عن الأمة بسبب من المشاركة الروحية بيننا وكون هذا الشعب المنتمي إلى الله هو ما نسميه جسد المسيح. فسواء أدعوت ربك في بيتك وفي الشارع أم في قيادتك سيارتك أنت مع الإخوة. أنت من الكنيسة أي من هذه المعية التي يؤلفها المسيح وأحباؤه.

فإذا انتصبت مصليا وجهك هو إلى الله وكلماته فيك هي التي تنشيء وجهك الروحي، هذا الذي ينتقل من مجد إلى مجد بقدر ما يتنزل عليك النور الإلهي.

فلسفة ذلك أولاً إدراكك انك تجيء من الله ومعرفة الشعب الإلهي إن الله جمعه وأعطاه كيانا، كيان الذي ينظر إلى الله إذ يتكون برؤية الله إياه. من هذه الزاوية تكون الكنيسة لا طائفة مجتمعية ولكنها حركة الذين قال الله لهم: “سأكون لكم إلها وستكونون لي شعبا” (ارميا 23:7 وحزقيال 28:36). لم يقل الرب للنبي: أنا إلهكم ولكن سأكون لكم إلها فاني أنا هكذا لكوني راحمكم كل حين. الله لم يحدد نفسه بطبيعته في كلامه لموسى في العليقة ولكنه حدد حركته. مقابل ذلك انتم لستم شعبي ولكنكم ستصيرون كذلك إن عرفتم أني أراكم وإنكم تطلعون من رؤيتي. لذلك عندما تكلم الله على بني إسرائيل في كتاب هوشع إنهم شعب زانٍ (أي عابد للأوثان) قال “إنكم لستم شعبي وأنا لا أكون لكم إلها” ثم بعد هذا يقول: وسيكون في المكان الذي قيل فيه “لستم شعبي” انه يقال لهم فيه “أبناء الله الحي”.

العلاقة علاقة حركة تأتي من نعمته علينا ومن إيماننا به فإذا نظرنا إليه نكون عائدين إليه وان لم ننظر إليه لا نكون شيئا. هو يتحرك فنتحرك.

العودة إلى الله جزء أساسي من خطبة الوداع، هذه التي ألقاها المسيح على تلاميذه بعد العشاء السري عشية الآلام. جوهر الكلام أني ذاهب إلى الأب. وعلى الصليب “يا أبتاه في يديك استودع روحي”. وفي الرؤية الأخيرة للتاريخ يقول: “ثم يكون المنتهى حين يسلم (أي المسيح) الملك إلى الله الآب” (1 كورنثوس 24:15). الآب هو نقطة المنتهى وقلوبنا إليه.

***

          وإذا كان الزمان ينتهي عند الآب فالبدء أيضاً منه. ولذلك هو يرسل إلينا روحه في بدء كل صلاة وبلا هذا الروح لا نستطيع أن ندعو. “فالروح هو الذي يشفع فينا بأنات لا توصف”. فحياتنا الجسدية وحياتنا الروحية كلتاهما مجيء منه وعودة إليه. أما ماذا نفعل نحن بهذا؟ الجواب عن هذا السؤال نابع من تمييزنا بين صلاة طلب أو سؤال وصلاة شكر وصلاة تسبيح. المشكلة في صلاة السؤال فالشكر لله واتجاهنا إليه والتسبيح هو الاتجاه المطلق. أما المشكلة فتأتينا من الطلب. عندما يلح يسوع على أن نطلب أولاً ملكوت الله وبره فلمعرفته أننا نغرى بالتماس شؤون الدنيا كالطعام والمال والصحة وما إليها. هو لم ينهنا عن طلبها ولكنه أصر على طلب الملكوت أي سيادة الله علينا بالفضائل ثم قال: “والباقي يزاد لكم”. ماذا يفعل، إزاء هذه الوصية، معظم الناس؟ هنا في لبنان “صحتك بالدني”. وكان المسيح تهمه عافية المرضى وشفاهم من حنانه. ولكن قد يشفيك الرب أو لا يشفيك إذ قد تكون في الأوجاع أقرب إليه. هو وحده العارف بذلك. التمس أنت العافية ولكن لا تعتبرها كل شيء ولا أغلى شيء. ولكن بالله عليك إن لم تكن واقعا في فقر مدقع وما كان أولادك جياعا فلا تطلب ان تزيد ثروتك لأن زيادتها قد تؤذيك. لا تطلب أجمل عروس في بلدك لأن جمالها قد يؤذيك. كن فقيراً إلى الله في كل شيء لأن الغنى على أي صعيد قد يسمرك على نفسه. قد يسكرك الجمال وتسكرك الثروة ما في ذلك ريب. وحتى تصحح صلاة السؤال لا تنس الشكر بعدها إذ به تعترف أن ما نلته إنما كان برضاء الله عليك وعلى رغباتك الصالحة. واعبر من السؤال والشكر إلى التسبيح لأن الله يتخذك فيه ويسحرك بوجهه.

          خشيتي من الطلبات وهي في الكنيسة كثيرة أن تقف عندها بحيث تعتبر أن الله مسخر لك ولما تشتهي. أنا لست أقول: لا تطلب. ولكني أقول أن تطلب الصالحات وما ينفع خلاص نفسك. وإذا طلبت فتيقظ دائما حتى لا يصير شأن دنياك بما فيه شأن صحتك مشتهاك الأول. أخشى أن تحيد عن الله إلى هذا العالم، أن تصير أنت المرتكز وكأنك جعلت الله في حالة سخرة. أهل عهد القديم كانوا يحسون بأن الله راضٍ عنهم إذا اقتنوا بقراً وغنماً وما إلى ذلك أو أرضاً. نحن كل هذه لا نسميها بركات في العهد الجديد. ولذلك تجرحني إذا تكلمنا على غني هذه العبارة: “الله أنعم على فلان”. ما الدليل على ذلك؟ وإذا قال السيد إن دخول الغني ملكوت السموات عسير فهل يزيدك ربك من رزق الأرض ليجعل دخولك إلى السماء عسيراً؟

          الله ينعم فقط على الذين يحسنون كثيراً لأن قلبهم مفعم بحب الفقراء. والباقي كله حذق في الأرض وفي تملكها. السؤال إذًا هو هذا: هل أنا مركز الصلاة أم إن الله مركزها. الرب يقودك إليه فلا تتصرف وكأنه ينقاد إليك. هو يستمتع بك ويفرح ولا مانع أن تفرح باستجابته أي سؤال منك على أن تذكر رحمته ولا تسر إلا لكون استجابته قد قربتك إليه. في حالة واحدة لك أن تفرح بكسب المال وهو انك تعده للفقراء أو لأولادك الجائعين أو بسبب من عوز شديد. لا تفرح باستعادة صحتك إلاّ لكونك رأيتها عطاء من فوق يمكنك من خدمة أوفر لمجتمعك. هذا ما يؤهلك ألا تبقى مركزاً لصلاتك. فإذا وقعت بمركزية الأنا تفسد صلاتك وتصبح معبوداً في عينيك.

          فليكن رجاؤك إذًا أن يصبح الرب إلهك بالمعنى الذي شرحنا في البدء أي أن يكون دائما في حركة إليك إذ الخوف أن يغض طرفه عنك إن أنت أهملته فلا تستحق نظره. لذلك نصرخ مع داود النبي المرنم: “لا تصرف وجهك عني لئلا أشابه الهابطين في الجب”. أنت في الجب إن صرت منسي الله. أما إذا رفعت إليه عينيك ففي عينيك المصليتين سحر له. أنت قادر على أن تجلب الله، أن تستسلم إلى خطفه إياك. ولكن إن حولت وجهك إلى ذاتك وأهملت وجهه تصير عمود ملح كامرأة لوط. هي التفتت إلى الوراء أي إلى عدم السير. انه لانقطاع سير أن تنظر إلى جوفك (المال والصحة وما اليهما). ليس سيئاً أن تحلو لك الاستجابة ولو في أمور دنياك ولكن ما هو أحلى بكثير بعد الاستجابة أن تنساها وتشكر وتتهلل وان تبارك الله وتسجد. والسجود يعني شيئا واحداً انك اعترفت انك لست بشيء وانك راغب في أن تصير شيئا فقط في عينيه.

Continue reading
2003, جريدة النهار, مقالات

انحناء الله عليك / السبت 6 أيلول 2003

منذ خمسين سنة تقريبا كنت اتمشى مع والدتي ونسيبة لها امام الجامعة الاميركية في بيروت. وكانت هذه المرأة تنتمي الى هذا الرعيل الذي سبقنا، المولود جسديا في الكنيسة الارثوذكسية وتقلب على غير بيئة فكرية فسألتها: هل تؤمنين بالله. اجابت نعم اؤمن بأن هناك قوة فوق العالم. ثم سألتها: هل تصلين. قالت: لا. قلت لها: “انت لست بمؤمنة”. اذ  الايمان يبدأ باعتقادك ان هذا الاله الذي فوق الكون يتصل بك وانت تتصل به. وهذا ما يسمى الصلاة. لا ايمان بلا وصل.

اظن ان الملحدين بمعنى الكفر الكلي بالخالق قلة في لبنان. ويمكن كتابة تاريخ الجحود الكامل في هذا البلد من بعد نشوء المتصرفية ولاسيما عند جيل سبق الحرب العالمية الاولى. رغم ذلك يبدو لي ان معظم الناس متدينون (او كما كان ينقح لي المغفور له الشيخ صبحي الصالح دائنون) لا بمعنى انهم ملتهبون جميعا بالعشق الالهي ولكن من حيث ان لهم علاقة بالله عن طريق الصلاة او الدعاء. غير اني اود، وبلا محاكمة للنيات، ان افحص قليلا طبيعة هذه العلاقة في الوسط المسيحي لاني اعرفه واتفحصه بمقاييسه.

اعتقادي الجازم ان الوثنية ما ماتت بدخول الانجيل هذه البقاع. هذا يذكرني بجملة رائعة قالها لنا، طلابا في باريس، قرب السوربون، الاب جان دانييلو رحمه الله: “انا وثني فرنسي احاول ان اتنصر”. نحن ايضا وثنيون كنعانيون تلقى بعضنا الانجيل بعمق وتلقاه آخرون بحيث حفظوا في قلوبهم عبادة عشتروت (الجنس) وبعل (القوة) ولم يلتقوا اله المحبة المصلوبة، الغافرة، الحية ابدا والمحيية. واقاموا الصلاة مغلفة بالبهاء الامبراطوري البيزنطي عند بعض وبأشياء اخرى عند بعض. ولكن ما رأوا الرب المدمّى ولو حكت عباداتهم عن الدم المهراق. لعل هذا يمسهم عاطفيا مرة في السنة ولكن الاحتفالية المفرطة في الجمال من شأنها ان تغطي سر الحب الالهي وجرحه القلب البشري. وما اريد به استنزال الله (ولا يعني الدعاء اقل من ذلك) تسطح في مجتمعية العبادة. ما من شك ان صلاة الجماعة في كنائس التراث لا بد لها ان تؤدى افقيا فالاخوة مرصوفون اليك وهناك لغة لتنزل اليها موحدين وموسيقى محسوب لها ان ترافقهم. ولكن الجماعة يمكن ان تتسطح وتتفه في حين ان كل هذه العمارة الطقوسية يقصد بها ان يسمو قلب الفرد (وهو دائما منفرد) الى وجه الله المبارك.

غير ان القلب بما اصطلح عليه الساميون لا يعني مركز الشعور ولكن مركز الفهم. والخوف من الصلاة، أوحده كان المؤمن ام في الجماعة، ان ينتظر العواطف تحرك احشاءه، ان يحس بحضرة الله وما الى ذلك من مشاعر. وليس هذا هو المبتغى اذ المبتغى وحده ان تؤم بصلاتك كلمة كلمة وان تتعهد الطاعة وليس المطلوب ان تلتهب عشقا لله نتيجة صلاتك اذ قد يكون هذا وهما كبيرا يحجب وصلك الحقيقي بالله. في هذا السياق قال لي مرة كاهن ليس من كنيستي في حلقة مسكونية: انت في وعظك وفي ما تكتب لا تقصد ان تحرك العاطفة. قلت له اصبت وهذا مقصود لأن الكلمة الالهية فيها وحدها قوة التحريك الوجداني ولو حاولت ان احرك مشاعرك بكلمات من بلاغتي لكنت مضيفا شيئا على الكلمة الالهية.

اذا دققنا في اهم صلاة عند المسيحيين وهي القداس لوجدتم ان الاناشيد التكوينية لها  مثل قدوس الله وما بعدها عندنا وعند الموارنة وما يهيئ للتلاوين (الرسائل والانجيل) والقانون الشكري الذي تسميه العامة الكلام الجوهري لا تتوجه الى العواطف ولكن الى ما هو اعمق منها اعني الايمان اي الى هذا الالهي المنسكب علينا. فالنعمة تستجيب للنعمة كما اللجة للجة. ان ابتعاد الموارنة  عن اللوحات الدينية المتأثرة بالنهضة الايطالية والتماثيل للدليل الاكبر على ذلك وتبنيهم الايقونة السريانية او البيزنطية (والعودة لم تكتمل) انما هو الدليل الاكبر على اكتشافهم الفن الالهي المبني على جلال المسيح وتجليه. والحاح الارثوذكسيين على اللحن البيزنطي التراثي النسكي الملامح انما هو ايضا عندهم الاشارة على انهم يلتمسون الارتفاع الروحي الصرف الذي يأبى شهوانية الطرب.

ولكن في هذه الكنيسة او تلك تعبد جانبي لا تخلو منه الكنيسة البيزنطية وهو اقوى عند غيرها حيث تسومح بالهياج العاطفي ولاسيما ما يتعلق بمريم. واقل ما يقال فيه انه يجانب الاعتدال الطقوسي والاتزان العقائدي. ربما اتى هذا من ان الجمهور تعب من الوجه التعليمي في العبادات اذ يقوم على صحوة كبيرة وعلى علم والجماهير تريد ان تثار عواطفها ظنا منها ان الله هو المحرك. ويزين لي ان السلطة الكنسية الواعية خطر هذا التعبد الجانبي مدعوة الى مقاومته ولا  تطمئن الى ان هذا الجمهور العددي يعني ان هذه الحشود تقية. انها ليست تقية لكونها تعبد إلهة المشاعر عشتروت المغلفة باسماء القديسين.

***

الفن خطر والكلمة خطرة وانا لا ادعو فقط الى ان تنحصر عباداتنا بالمزامير وتلاوة الكتاب الالهي. ولكن لنا تراث الآباء الذين حتى في كتاباتهم الشعرية ما حادوا عما “دفع مرة للقديسين” وما سعوا الى طرب الذهن ولا القلب. انا لست ادعو الى تأليف خدم الهية جديدة بالكلية بالنسبة الى ما تسلمناه من الاوائل وان انت بنيت عليه ما يوافق احساس اهل العصر وهمومهم وهذا مبتغى.

انت لست مركزا على ما فيك اليوم او ما عندك في حضارة اليوم لان هذا قد يقود الى تمجيد الذات والى ما هو اقرب الى البشري. والتراث الذي انتقل الينا انما هو الهي وهذا ما ينبغي المحافظة عليه ولو البسته حلة جديدة. المهم ان تؤمن بما ورثت ثم ان تشذبه مما علق به من زوائد موغلة في بشريتها او لحميتها وان تذهب بما اوتيت الى حضرة المسيح الآتي اليوم وغدا والذي ينتظرك في اليوم الاخير. انت تعبد الله الذي كشف حضرته وجه يسوع وانت سائر اليه. العبادات على قدمها تذهب بك الى الاله الآتي اليك كل يوم. اليوم تعبر عنه في الطلبات التي ليست العابد مضطرا على كلماتها الثابتة. يمكن ان يغيرها لتوافق هواجسه اليومية. الثابت هو  سر القربان النازل الينا بالروح القدس ويأخذنا الى يوم ربنا يسوع المسيح في تجليه الاخير.

نعبد الله في الآن ولكنه آن الله. التاريخ المنا. نحمله ولكنا نملأه بالابدية والا كان زمانا مكرورا وفارغا. نحمل العابر لنقدسه ولكنه لا يأسرنا لان ما نطلبه اولا هو ملكوت الله وبره اي هذا المديد والعميق معا. ومن ادرك سر الملكوت يكون قد استوعب معنى الصلاة.

ماذا يعني ان الصلاة جميلة؟ اسمع الارثوذكسيين يقولون: كان القداس جميلا. ما معنى ذلك عندهم؟ على ما اتصور ان الاصوات كانت جميلة وان اداء الكاهن كان كذلك. عندما اسمع هذا الكلام اقول لهم: كل قداس جميل وانا اعني ما قاله افلوطين: “الجمال للنفس ان تجعل نفسها باطراد شبيهة بالله”. ذلك ان خبرة الجمال هي دائما خبرة الحق. وفي هذا كان غوغول يقول: “اذا الفن لا يأتي بأعجوبة تحويل نفس المشاهد لا يكون الا هوى عابرا”. الجمال هو الجمال الفصحي اي رؤية الحق وسط آلام المسيح ومشاركتنا هذه الآلام ان نحن اصبحنا نورا. المسيح تنازل اليك لترتفع انت به. وفي هذا يقول الرسول: “ونحن جميعا نعكس صورة مجد الرب بوجوه مكشوفة كما في مرآة، فنتحول الى تلك الصورة، ونزداد مجدا على مجد” (2 كورنثوس 18:3).

الصلاة عن الفرد وفي الجماعة هي تلك المسيرة القيامية. هي انحناء الله عليك في محبته الثالوثية وتصاعدك اليه. هنا ندرك رحمانيته وحنانه. بهذا انت مؤن اي بهذا يصبح الله مأمنا لك وتصير انت محضونه واذ ذاك ترتفع على صدر المعلم لتسمع نبضات قلبه فتصير هي فهمك الكياني اي عقلك الحقيقي.

Continue reading