Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2006, جريدة النهار, مقالات

العائلة ومكوّناتها / السبت في 15 تموز 2006

اتخذ كلمة عائلة بمعنى الثنائي المؤلف من رجل وامرأة واحدة وفي معظم الأحوال يرزق الله هذا الثنائي اولادًا. اخترت هذه الإضاءة المسيحيّة ليس حصرًا، فمعظم الجماعات في العالم تعيش هذا النظام. منطقي يسير اذًا على هذا الإصطلاح. الصفة المعروفة للقاء بين المرأة والرجل في هذه الكتلة لقاء شرعي أو قانوني. ولكن عندي أو عند الروحانيين ليس هو الجوهر ولكن بسبب الطابع الأصلي أو المدني لا بد من تنظيم. غير ان حميم هذا الكيان في ما أفهمه من الأصول المسيحية انه رباط قائم بالله ومشيئته وقائم بالمحبّة التي هي، الى بشريّتها، نعمة الله.

في إطار هذا التعريف المسألة المطروحة هي لماذا تنهار العائلة أو تتشقّق. هناك جواب عالم الإجتماع. الدراسات المجتمعيّة والسيكولوجيّة كثيرة ولكنا نرى في الخبرة ولا سيما في ما نسمعه في المحاكم الروحيّة او جلسات الارشاد أن الشكاوى القائمة بين الأزواج ترتكز على عناصر مختلفة لا حاجة الى بسطها الآن والكثير منها متعلّق بالمال، بالبخل، بتفاهة المعيشة اليوميّة ولا حاجة الآن الى استعراضها، ولكن ما من شك في ان العائلة اذا لم ينته الخلاف فيها الى طلاق تكون بصورة وجود شخصين مطلّقين روحيّا ومتساكنين لادراك الأزواج أن الانفعال مؤذ للطرفين وللأولاد فتراكم الناس بعضهم الى بعض تحت سقف واحد بلا اتصال حقيقي ويحكمهم الضجر والتأفّف والتذمّر والمشادات وكأنّ العائلة في كثرة الأحيان تصير كأنها مجرد مساكنة.

أنا مدرك في الفحص العقلي أنك انت تخطب فتاة لا تعرفها ويتعذّر عليك معرفتها الحقيقيّة في مدة الخطبة، فقد يكون عند الفريق الآخر أساس من الفضائل وقد لا يكون وتكتشف العيوب مرّة واحدة أو لفترة تلو الفترة وعليك ان تقيم بيتًا واحدًا مؤسّسًا على الرمل. والعيوب متجذّرة عند معظمنا والتوبة غير واردة أو واردة قليلاً ويموت المرء على ما شبّ عليه وعليك ان تنتظر ان رفيقك في الحياة يكفن في الرذائل التي تراه عليها. العائلات متشققة في حالات كثيرة ان لم أقل في كثرة الاحوال ويتعزّى كل فريق وانسباؤه بقوله: هذا نصيبي وكأنّ ثمّة حتمًا مكتوبًا عليك أو كأنّ لعنة حلّت بك ولا دواء لها. هذا ما كان كثيرًا في كل حقبات التاريخ وهذا لم ينته. ولكن عندنا اليوم، بعد عصرنة العقل، مسألة جديدة في العالم كلّه بعدما بنى الشعراء الزواج على الحب فيزول بزواله.

#  #  #

يقول الكاتب السويسري الكبير دني دو روجمون Denis de Rougemont إن الحب لم يكن منذ الأزل وانه صناعة عربية نشرها المطربون العرب من الأندلس في أوروبا ولم يقولوا انه يهيىء للزواج بالضرورة ولكنهم قالوا انه كثيرًا ما يعاش الحب خارج البيت الزوجي. هذه مسألة فيها نظر. إلا أن العبرانيين عرف كتابهم الحب ولكنا لا نرى في العهد القديم بالضرورة الحب سابقًا للزواج. انه حر كما في نشيد الأناشيد.

والحب الذي تكلم عنه الإغريق وسموه إروس انما هو هذا الانجذاب التلقائي وأظن ان الكلمة العربية التي تقابله هي العشق وما همّ الإغريق ان يكون بين الجنسين أو الجنس الواحد وأفلاطون مليء بهذه الأفهومة. ثم نرى أن النصوص التأسيسية في المسيحية (الأناجيل وبولس) لم تتكلم على الحب إطلاقًا وفي كل حال لم يجعله بدءًا أو شرطًا للزواج.

ثم جاءت الرومنسيّة في أوروبا وتحدثت للمرة الاولى في الأدب الغربي عن الحب وما يرافقه طبيعيًا من شهوة. يتضح من هذا العرض الموجز أن العلاقة بين الجنسين في كل الحضارات ابتدأت برغبة الجنس وأن الحب جاء تغذية له حتى استقر الفكر الغربي على انك تبدأ الزواج بالحب وما يقارنه من شهوة حتى انفجرت الثورة الجنسية في اوروبا في منتصف القرن العشرين وارتكز الزواج عندهم على الحب. ثم انتقلت القناعة بالحب الى بلادنا شرطًا للزواج وصرت تسمع في النزاعات الزوجيّة تبريرًا للطلاق: انا لا أحب زوجي أو لا أحب زوجتي. فاذا ذهبت العاطفة التي ابتدأت بها العلاقة الزوجيّة ذهب الزواج كله.

كلنا يعرف أن العشق يذهب ويجيء وانه اذا بقي وحده أساسًا للعائلة تنهار العائلة اذا ما انهار. لذلك ترى في كثير من البلدان الأوروبية ان عائلة من ثلاث تنتهي الى الطلاق. لا أعرف دراسة في بلدنا بحثت في هذا الأمر ولا يبدو عندي اننا قمنا بإحصاء أسباب الطلاق أو الإبطال عند المسيحيين لمعرفة ما اذا كنا لحقنا بالوضع الغربي ولكن ما من شك عندي في اننا سائرون على هذه الطريق.

ذهنيًا، هنا تكمن المسألة ولو غطي هذا الموقف بالاسباب التي يدلى بها أمام المحاكم الروحيّة.

#  #  #

الفكرة التي تعاش ضعيفة في الأوساط المترفة والواقعة تحت التأثير الغربي هي فكرة العهد. كل سر الزواج عند المسيحيين قائم على فكرة العهد عشقت خطيبتك أم لم تعشقها وبقيت عاشقًا لزوجتك ام لم تبقً. اللهب لا نعرفه على زخم واحد طوال الزوجية إلاّ قليلاً وآباؤنا يقولون ان من حكمة الحياة الزوجية انها تطفىء الشهوة وان الزوجية تاليا طريق الى العفة.

وفي العفة حديث طويل كثير التعقيد. لكن الإكتفاء بزوجة واحدة بعض من العفة وتقييد للشهوة اللاهبة. آخر الكلام في هذا انك بالعشق وحده لا تكون متزوجًا فإن هذه القوة الرهيبة فينا تحتاج الى إشراف الله عليك بالنعمة التي تنزل عليك ونسميها المحبة.

لذلك لما تحدّث بولس في الرسالة الى أهل أفسس عن الزواج قال انه مرتكز على المحبّة لا على العشق اذ قال: «ايها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيح الكنيسة» والمسيح أحب كنيسته حتى الموت. انت اذًا تبذل نفسك عن زوجتك بإمانة شهوة الإنفصال وكل الرغبات المؤذية المؤدية الى الإنفصال العقلي والقلبي عنها. والقلب الذي أقصده هنا هو القلب الذي يسكنه المسيح فيجعلك للآخر كليًا لأن لك معه مشروعًا الهيًا واحدًا وهو مشروع المحبة.

بكلام آخر بلا إله لك ليس فيك محبة ولا فيك زواج. بلا إله تعيش جسدك وحده. مع الله تعيش جسدك أيضًا والمرافقة وتنشئة الأولاد والنمو المشترك بين هؤلاء جميعًا لتشكلوا كنيسة صغيرة أي مسكن الله مع الناس. والحب في تركيبتنا النفسيّة والبيولوجية يتجسّم في الجنس أيضًا ولكنه يتجلّى أيضًا بكل أطياف الحياة العائلية والقوة التي تبعثها فيك من أجل العمل والفكر والإبداع.

واذا هذا لم يوجد تكون فصلت الجنس عن الحب وتكون فصلت الحب البشري وهو مكان نطق عظيم عن المحبة الإلهية النازلة في العائلة. أنا لست أقول إن الحب زائد جنسًا هو مجال وان المحبة الروحية مجال آخر والتربية مجال ثالث. أقول إن هذه كلّها متلاقية في حضرة الرب وأزيد أن الرب في الجسد كما هو في القلب والعقل.

غير أن هذا التلاحم مستحيل ان لم تؤمن بأن هبوب الروح الإلهي فيك وفي امرأتك هو في الدرجة الأولى الزواج. الجسد على ضعفاته وهبوطه وارتفاعه اذا انسكب عليه الإيمان مقر لله. والتلاقي الجنسي عبادة لله اذا كان الله أكرم ونزل الى هذا الثنائي الطيّب الكريم والى عائلة تقوم على تمجيد اسمه.

كان لي نكتة ظاهرها مزاح وهي ان القديسين وحدهم لهم الحق في الزواج. زواجهم كامل بكل مركباته. الزواج دعوة عظيمة تعني بالأقل اننا بلا مسعى الى القداسة نكون في طريق التهلكة وطريق العبث بحياتنا العائليّة. العائلة لك ان تجعلها ان كنت مؤمنًا بيتًا من بيوت الملكوت على الأرض تصل به الى الصفاء الكبير والحرية المذهلة.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الطفل / السبت 8 تموز 2007

لم يتكلم يسوع عن الطفل باعتباره في العائلة. أصلاً لم يقل السيد كلمة عن العائلة ولا بولس قال ما تعدّى عناية الأهل بأولادهم. على انه وضع رؤية صوفية عن الزوج البشري وعن علاقة الزوجين الى ان تكون صورة عن محبة المسيح للكنيسة الا انه حذّر من الإنتماء القبلي الى العائلة ووحّدنا بما سماه بولس في ما بعد عائلة الله. لكن المعلّم خصص شخصًا واحدًا في فكره وهو الطفل.

غير أن السيد لم يبد اهتمامًا للحياة المجتمعية للطفل في الحديث المباشر عن تربيته ليس لأن المسيحية ديانة «روحانية» كما يتهمها بعض ويلمحون بذا الى انها ناقصة ولكن لأن الأسس تهمّ المسيح فاذا وضعها فكأنه يضع العمارة كلّها.

الواضح لمن يتتبع النصوص التأسيسية ان الطفل في قيمته يأتي من يسوع وإن تجاهلته أجيال كثيرة في بلدان كثيرة لماذا كان يجب أن يؤدب الطفل بصورة عنيفة على توالي القرون لنصل منذ سنوات معدودات فقط الى حقوق الطفل؟ بماذا كان ينبغي ان نكافح عمالة الأطفال وأمية الأطفال ولم يدخل هذا في عقول البشر منذ أقدم العصور؟ لماذا لم يفهم الأهل أن للطفل لغة ومعاملة الا حديثًا؟ لماذا كان لا بد أن يعيش الأطفال في عزلة وان يتعامل معهم الكبار في المراهقة فقط؟ هذا هو سر البلادة العقلية الذي لازم القسم الراقي من البشرية طويلا ويلازم حتى اليوم الجزء الفقير والمقهور منها.

الطفل عالم بحد نفسه ويجب أن تفهمه انت في مرحلية سيره الى بلوغه ورشده. وأظن أن الفضل في عالم التربية الحديثة القائم على علم النفس كشف لنا فرادة الطفل وشخصيته وسره وكيف نسطيع ان نتنازل ليظهر على مواهبه فتعطيه ما وهبت ويعطيك ما وهُب. ولعل هذا اكتشاف لنا جديد بالنسبة الى أجيال قريبة منا كانت تعتقد ان الكمال هو في الكهولة. فأهمل الطفل اذ ظن انه فقط مشروع رجل أو امرأة وانه عندنموّه نعامله عقليًا. فمن المؤكد طبعًا ان أجيالاً كثيرة عبرت ولا تعرف شيئًا عن هذا الوجود الضخم الذي يسبق العقل العاقل الواضح. كان ينظر الى الطفل كأنه حي ينمو جسديًا بانتظار تفتق العقل فيه. كانوا ينظرون الى الطفل على انه يتلقّى واذا خاطبوه فمن عليائهم الى ان يصل الى هذه العلياء بالعقل. كان عالم الطفولة مجهولاً الا من حيث حاجته الى طعام وشراب وكساء ونظافة. كيان بيولوجي غامض التركيب يستخدم الطب لإنمائه وشيء من الغنج لمسرة البالغين.

#  #  #

الذين هم للناصري سلكوا وكأنهم لم يفهموا شيئًا عن قيمة الطفل في عينيه. انها، في الحقيقة، لا تقدّر بثمن. الطفل كان محتقرًا في اسرائيل القديم. لا يتعاطى غير التعليم من لم يبلغ الثلاثين. العمر، قبل هذه السن، يكتنفه الغموض. عند سؤال التلاميذ المعلّم: «من تراه الأكبر في ملكوت السموات» يدعو طفلاً على طريقته التربوية ويقيمه في الوسط قائلا: «الحق أقول لكم: ان لم تعودوا مثل الأطفال لا تدخلوا ملكوت السموات» (متى 18: 3) وكيف يعود الانسان مثل الأطفال. يجيب هو عن السؤال الذي طرحه: «فمن وضع نفسه وصار مثل هذا الطفل، فذاك هو الأكبر في ملكوت السموات». هو طبعا لم يقل من صار طفلاً ولكن قال: مثل هذا الطفل لأنه لا يريد قصرًا عقليًا أو قلة نمو سيكولوجي اذ النضج من شروط من يستمع الى الكلمة جيدًا. ان كلام المعلم مركز بوضوح على قوله: «من وضع نفسه». ذلك لأن الطفل لا يعرف نفسه عظيمًا. لا يريد المعلم منا عفوية دائمًا وكلامًا غير معقول أو غير متزن ككلمات الصغار ولكنه يريد نفسًا كنفس الأطفال أي ما كان يظن، عند ذاك، أنه براءة. ما من شك في أن الطفل يكذب. الطفل بريء لأنه لا يعرف انه يكذب لكونه يعيش في عالم تصورات تحجب عنه الحقيقة. الطفل غير ساذج ويحوك عالمًا من الحكايات يظنها حقيقة. فلكونه لا يفرّق بين الصدق والكذب يحيا خارج الواقع. لكونه لا يعرف يحسب على انه خارج الهوة القائمة بين الصدق والكذب.

يسوع لا يريدنا ان نتشبّه بالأطفال من حيث انهم لا تمييز عندهم بين الخير والشر ولكنه يدعونا الى ان نصير مثل الأطفال من حيث انهم في بساطة لهم حقيقية لا يعتبرون أنفسهم شيئًا (فمن وضع نفسه وصار مثل هذا الطفل). اذًا، انت بالغًا مدعو لا الى ان تصير ساذجا كالطفل لأن الحكمة هبة الهيّة ولكنك مدعو الى بساطة القلب ونقاوته وبهما تتجاوز رؤية نفسك شيئا. قول السيد هو «فمن وضع نفسه وصار مثل هذا الطفل» –ولم يقل وصار طفلاً- فذاك هو الأكبر في ملكوت السموات.

في هذا المنحى يقول السيد: «من قبل طفلاً مثله إكرامًا لاسمي، فإياي يقبل». أجل يريدنا الرب أن نعلي شأن الطفل في حضارة تحتقره أو في مجتمع قد يحتقره. يريدنا أن نكتشف الطفل ومعمودية الاطفال كانت من هذا القبيل. ويريدنا ان نتعلّم من الطفل بساطته لأن كذبه ليس كذبًا.

في تلك الحضارة اليهودية والعالمية آنذاك حيث كان الطفل محتقرًا قال يسوع: «ومن قبل طفلاً مثله إكرامًا لاسمي فاياي يقبل». يسوع يجعل نفسه مثل الأصغرين الذين لم يبلغوا النضج العقلي. ان تقبلهم على انهم أحبة الله، أن ترفع شأنهم كالكبار. أن تحترم طفولتهم هو ان تقبل المسيح بالذات.الى هذا «من عرّض أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي للخطيئة، فأولى به أن تُعلّق الرحى في عنقه ويلقى في لجّة البحر» بعد قليل يعمم يسوع حكمه ويندد بكل من عرّض غيره للخطيئة أي بكل من أعثر الآخر. ويهم يسوع أولا الاّ تعثر هؤلاء الصغار لأنك قد تدفعهم الى المعصية باكرًا ويقعون في أعماقها لأنهم تعلموها وهم صغار.

ذروة الكلام ألاّ تخطىء أمام الأطفال والاولاد ولا مع أحد أو امام أحد لأنك قادر بسوء تصرّفك على أن تزج ناسًا في جهنّم. طبعًا قد تؤثر خطيئة «صغيرة» تأثيرًا كبيرًا. هذا يدعونا الى مراقبة شديدة لسلوكنا. في الحقيقة لست مسؤولاً الا اذا كان عملك سيئًا أو مؤذيًا بحدّ نفسه.

هذا كلّه يدعو الأهل الى رقابة شديدة على كلامهم وسلوكهم وما يشاهدون على الشاشة في حضور أولادهم. المزاح الثقيل وحديث النميمة وسبّ الآخرين وشتمهم، كل هذا يخرّب ضمائر الصغار تخريبًا. الذين تعرف أنهم ليسوا خفيفي الروح ولا يميزون بين الجد والمزح جديًا يصطدمون عند المزاح.

التقوى تقوم على الارتباط بينك وبين الآخرين. لذلك ينبغي أن يأتي كلامك ذهبًا تصلح به القلوب. أي سلوك تسلكه بقسوة، بجفاف يمكن أن يؤذي من يراك. أنت مسؤول عن أخيك لئلا يموت روحيّا وقد يموت. أخوك من قلبك ومن روحك. احفظه بطهارتك.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

العائلة / السبت في 1 تموز 2006

العائلة ليست مؤسسة فقط، هي روح، واذا كنا نشاهد اليوم ضعفنا في التماسك العائلي يذهب في كثرة من البلدان الى حد انفراطها فهذا ناتج من ابتعاد الناس عن القيم التي كانت تجعل العائلة صامدة، ما يفسر لنا جزئيًا تلاشي العائلة هو ذلك التعظيم الرهيب لاستقلالية الحب عن تعبيره في الاسرة. ما يفسر ان عائلة من ثلاث عائلات في فرنسا تنتهي بالطلاق هو اعتقاد هؤلاء المطلقين ان ارتباطهم بعضهم ببعض مبني على الحب حصرًا. انهم معًا، يقولون، ما دام الحب قائمًا فاذا انتهى في احساسهم فإنهم ينهون ارتباطهم.

أنا لست عالم اجتماع لأحلل الاسباب الاخرى التي تضع حدًا للأسرة. اذا كان عندك تقديريًا عشرة بالمئة من المثليين في كثير من بلدان الغرب (لا اعرف النسبة عندنا) فمن الطبيعي ألا يقبل هؤلاء الزواج. لا أعرف اذا كان العامل الاقتصادي يساهم في انهاء الزوجية. سمعت في المحاكم الروحية عند المسيحيين ان البخل سبب من أسباب نفور المرأة من الزوج. ولكن ما من شك في ان ظاهرة المثلية من العناصر المؤثرة في تهديم العائلة وفي المثل العليا التي تقوم عليها.

غير أن الفلسفة السائدة في الغرب ان الحب مفهومًا هوى او غرامًا او هيامًا هو الذي تقوم عليه علاقة الجنس. فالجنس اذًا حر كالهوى فاذا بلغ المتزوجون مرحلة الفتور العاطفي او العلاقة الرتيبة فلماذا تبقى العلاقة؟ فتحويل الحب الى مؤسسة، يقول هؤلاء، يجعل المؤسسة بلا نفع.

في الواقع تبقى الألوف المؤلفة من الازواج مرتبطة بقانون لا تملأه عاطفة. وتتحول العلاقة الانسانية، الوجدانية، الشعورية التي بدأ بها الزواج الى علاقة شبق وتكرار فعل لا يتحرك فيه الشعور او قلما يتحرك وكأن الانسان مقهور بعلاقة كثيرًا ما ضعفت فيها اللذة نفسها اذ تكون قد فرغت من الفرح. والزوجية فرح او ليست بشيء. لذلك عند اخفاق هذه الوحدة الانسانية التي تقوم عليها الزوجية يرتفع السؤال من نفسه: لماذا كل هذا النظام؟ في الحقيقة ان الاحساس بالنظام يتكون من فقدان الحياة العاطفية أما اذا كنت لا تزال على علاقة حب فلا يخطر النظام على ذهنك.

مثل هذا التساؤل يخطر على عقل الانسان في اي وضع كان فيه. على سبيل المثال تشك احيانًا في الوطن اذا كانت دولته تقمعك أو لا تقدم لك شيئًا. من هنا انك تهاجر فإنك ما كنت قادرًا على ان تحب بلدك والقائمون عليه لا يحبونك. مثال آخر عشناه كثيرًا في هذه البلاد: اذا احسست ان الرئيس الروحي في كنيستك لا يسهر عليك ولا يرعاك تفتش عن كنيسة تظن انك تجد فيها انتعاشًا لنفسك او حرارة لقلبك. لا تفهم ان وجود الوطن حياة لك ولو أهمله أولو الأمر. لا تفهم ان كنيستك عظيمة في تعليمها وتغذيتها لك كائنًا ما كان سلوك الكاهن او الاسقف. في المثل الاول تكون حولت الاول الى وجود مشروط وفي المثل الثاني تكون حولت الكنيسة الى البشر القيمين عليها في حين ان الوطن روح والكنيسة روح وانت لا تعلم او لا تريد ان تعلم.

#  #  #

قلت: العائلة روح وانت تقتل الروح بالفتور او تحييه اذا ايقنت ان العائلة لا تلغى بخطايا الزوج او الزوجة واذا ادركت ان الحب يتجدد كلما ازددت اخلاصًا وقويت في العطاء، ولست في حاجة الى علم كبير لتعرف ان هذا الجسد يهدأ في آخر الكهولة وان المحبة لا تهدأ لأنها تأتي من الله. ولست في حاجة الى علم كبير لتعلم ان «المحبة اقوى من الموت» واثبت من الجنس. الزواج ليس كله مضجعًا ولكن كله اخلاص.

لماذا الاخلاص؟ لأنك عاهدت كائنًا آخر عليه، ان كنت لا تؤمن بالعهد الزوجي وتؤمن فقط بالعاطفة الجياشة وما يرافقها من شهوة كان الافضل ألا تتزوج. اذا كنت تحسب ان الزواج مؤسسة او قانون ومجرد مكان للحقوق والواجبات فكان الاحرى بك ألا ترتبط. مرة جاءني رجل وامرأته وقالا لي: «اننا اتفقنا على الطلاق». قلت لهما انتما تتكلمان وكأن الزواج عقد ثنائي قائم مقام التراضي وتجهلان انه ليس عقدًا ثنائيًا ولكنه عقد ثلاثي… قالا: من الثالث؟ قلت بل الاول هو الله. اذا كنت لا تؤمن بالله في الحقيقة اي في اعماق نفسك وكنت لا تؤمن ان الرب هو الجامع فما كان عليك ان تقترن بامرأة.

أنا أمضيت اثنتي عشرة سنة قاضيًا في الاستئناف في كنيستي في لبنان وجلست سنتين قاضي محكمة البداية في ابرشيتي وعرفت شقاء عائلات كثيرة جاءت الي للمحاكمة كما عرفت تعس عائلات اخرى جاءتني مسترشدة وفهمت صعوبة الاوضاع كما عرفت ان مواجهتها غير ممكنة ان لم يعد الله الى قلوب متنافرة وكثيرا ما تنافرت لاسباب غير جدية وادركت ان الناس لا يعرفون الصبر الذي لا يحل على انسان الا من ايمانه، والصبر ان تعيش مع الله ورفيقك في الصعوبة، الحياة العائلية فيها عسر كثير لاسباب عديدة اهمها في متابعتي لاحوال النفس ان الرجل لا يعرف امرأته في مرحلة الخطبة واذ به يفاجأ بعيوب تصدمه وتتكشف له عيوب الفترة بعد الفترة ولم يقرأ كلمة الكتاب: «احملوا بعضكم اثقال بعض وهكذا تمموا شريعة المسيح». ولم يعلم هذا الانسان ان التراحم والتواد بين اثنين أفي الزوجة عاشا أم في الحياة الاجتماعية انما لا يحصلان بلا تعب.

#  #  #

لماذا المعية؟ لانك لا تكتمل الا بالآخر الذي ارتبطت بخدمته والانتباه اليه ورعايته بالحب الالهي وليس فقط بعفوية القلب البشري الذي قد يقف او اقله يفتر. ليس من اخلاص فينا للوطن او الكنيسة يقوم فقط على ما نكسبه منهما، ليس من كتابة عظيمة تستقيم للأديب بلا دوام دراسة اذا ما زال الارتعاش، ما من مؤمن كبير لم يعرف انقطاع النعمة الالهية حينا بعد حين وما من قديس لم يخطئ، انت، مؤمنا، لا تنتقل من مجد الى مجد على الدوام. انت تنكسر وتجبر النعمة كسرك وتعيدك الى رؤية محبة الله اياك.

#  #  #

ثم هناك الاولاد الذين هم فرحة لا تفوقها الا فرحة الروحانيين بالصلاة الدائمة التي بها يحسون انهم ابناء الله المدللون، كلنا اختبر في العيلة او عند اصدقائه ان الولد يكلف سهرا طويلا وعناء كثيرا ووقتا غير محدود وقد يطول وقت العناية الى سن متقدمة.

هذا الولد لا يمكن ان تعنى به مربية غريبة تستحيل عندها عاطفة الاهل. اظن ان العائلة تثبت بالاولاد وهم يثبتون بالعناية التي يتلقون والكثيرون منهم يثبتون على الايمان والرجاء والمحبة لكونهم رأوا هذا في ذويهم، يقول معلمي كوستي بندلي في هذا المجال انك لن تعرف الله «أبًا لك الا اذا احسست بأبوة ابيك الجسدي، الانسانية هكذا قائمة على انك تلد ابنك وتربيه وكذلك هو يربيك، ولذلك قالت احدى العالمات الفرنسيات في دراستها حول الجنس ان العائلة على رغم السقوط الاخلاقي العميم – باقية الى الابد. ويقول كل العلماء الذين تتبعوا حالة اولاد المطلقين ان هؤلاء في حالات كثيرة تؤثر فيهم صدمات الانفصال. فالولد ليس فقط ابن ابيه وامه ولكنهما ابنهما مجتمعين فان كلا منا، نفسيا رجل وامراة معًا ولا تتكون شخصيتنا اذا امضينا اياما من الاسبوع مع الوالد واياما مع الوالدة ولكنها تتكون اذا انصبّ فينا الراقدان متعاملين، متلاقيين.

هنا استحضر الفيلسوف العظيم هنري برغسون القائل ان من قطف لذة الزرع يجب ان يحتمل عناء الحصاد، لا تقول كنيستي ان الزواج غايته الانجاب ولكن الانجاب ثمرته المباركة. «المرأة وهي تلد تحزن لان ساعتها قد جاءت. ولكن متى ولدت الطفل لا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح لانه قد ولد انسان في العالم» (يوحنا 21: 16).

الفرح لا يقتصر على ايلادك ولدك ولكن على ايلاد الرجل زوجته او المرأة زوجها. هو فرح العطاء المستمر المضني ولكنه الفرح، انا لا استطيع ان اعرف مقاصد الله في تكاثر الجنس البشري، ولكني احس بأن الله اله الفرح وان ما يهمه من كل قصتنا في الزواج ان نبدع ذاك الذي يرافقنا بدوام المحبة وهي غير مشروطة بما قدمه الرفيق او بما يعطينا الاولاد، انا اعلم ان الانسانية في الحياة العائلية عرفت جمالات روحية لا توصف وحققت قداسة مذهلة. وهذا لن يظهر في انسانية اليوم ما لم تعرف ربها من جديد.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الحكام المترهّبون / السبت 26 حزيران 2006

«إنها محبة جمال العدل التي تجعل الإنسان السياسي خصبًا، منتجًا خير المدينة».

(أفلاطون في كتابه «المائدة»)

أعرف رجلاً قيل له: شركة الطيران الفلانية ترغب في أن توظف أخاك في وظيفة عليا. ولما سأل عن مواصفات العمل قال إن أخي ليست عنده كل هذه المواصفات فلا أوصيكم به. لقد أستطاع صديقي هذا ألا ينظر الى منفعة أخيه بعدما رأى ان آخرين أولى من أخيه بالعمل.

ان تخرج من ذاتك ومن عائلتك وقبيلتك ووطنك لتشاهد الحق وتحكم له قاعدة من قواعد الاستقامة اساسية: فمن أهم مسالكنا الخيّرة ان نعتقد اننا لسنا مركز الوجود اذ لا يقوى الانسان ان يكون حكمًا على نفسه أو حرًا من رغباته اذ يحكم حسبما يظهر له من شخصيته وكثيرًا ما تبدو له جميلة ليجد في ذلك استقرارًا ويحصل على اطمئنان.

لن يعدل الانسان بينه وبين الآخرين ما لم يتخذ الله حكما. والله ليس عنده محاباة وجوه (رومية 2: 11) لكونه يحبنا جميعا بمحبة واحدة اذ تبدأ محبته بالانصاف وليس لك عليه شيء اذا اغدق على أحد أترابك ما لم يغدقه عليك، ليس لأحد منا حق في ان ينال فوق الانصاف. لهذا كان الحاسد خاليًا من كل عذر.

تتنازل المحاكم في حكمتها الى الضعف البشري فلا تقبل شهادة نسيب مخافة من الكذب ولكن اذا كنت مليئا من الحق تشهد له أوتشهد عليه ولك في حديث ود خال من النميمة ان تكون كامل الموضوعية في الكلام على أقرب صديق. ذلك ان العقل عند بعض من الناس حر من الشهوة وله ان يحكم دون الرغبات فتخرج الحكمة على لسان العادلين.

غير أن هذا يتطلب زمنًا طويلاً من النسك وتطهّرا من التحزب لا يحصل الا عند الذين يرون الله دائمًا عن يمينهم فلا يتزعزعون. والفرق كلّه في دنيانا بين من يرون انفسهم في رؤية الله لهم ومن يشاهدون أنفسهم في عيون الناس. المؤمن يعرف نفسه مفحوص الله فيقترب اليه ليقوى فحص الله له وتزداد تنقيته. أما الجاهل على المستوى الروحي فلا يؤمن بنفسه في التكوّن الالهي. لذلك يريد ان يأتي ممن له منفعة منهم لأن الوجود عنده مال يجنيه أو سياسة ينتهجها. انه يملك من هذه الدنيا لأنه منها. يوجد هذا بما يملك ولا يوجد بما هو عليه.

#  #

#

واذا صحّ هذا في كل الناس فمن باب أولى انه يصح في أهل السياسة لأن هؤلاء هم مترهّبون أو ليسوا بشيء. فاذا استعرنا صورة الراهب فلكونه لا يرى الا الله أمام وجهه أوكما يقول الياس النبي: «حي هو الله الذي أنا واقف أمامه» بمعنى اني ليست مسؤولاً أمام سواه ولأن الأمر كذلك يجعلني مسؤولاً عن كل الناس وهذا لا يحصل الا اذا كنت بالحقيقة فقط. فعندما يقول أفلاطون ان الانسان السياسي يحب جمال العدل فهو يعني انه يحب الحقيقة التي يدل العدل عليها اذ ليس في فكر افلاطون من فرق بين الحقيقة والجمال.

والعدل عنده كما عند أهل أكابر اليونانيين عدل من أجل المدينة. وعنده أن خير المدينة يأتي من العدل لأنها مدينة أحرار التي اذا ظلمها الحاكم يحولها الى مدينة عبيد ولا عقل بلا حرية. تفقد طبيعتها كمدينة يسوسها الحكماء وهؤلاء يسوسون أشخاصًا والعبيد ليسوا بأشخاص أو ما كانوا كذلك قبل نزول الوحي. فمن أجل العدل لا يتعاطى الفيلسوف – الحاكم شأن المال. والقضاة في الاسلام فقراء لأن الفقر الكبير كالغنى الكبير يؤمّن لك الحرية.

العدل عند القضاة أصعب من العدل عند الحكام لأن الأدلة قد تأتي مغلوطة أو الشهادة كاذبة. والمشهد في الجزاء كثيرًا ما يؤثّر في العاطفة. والهدوء الداخلي يحتاج الى ترويض كبير. واستقلال القاضي عسير اذا خشي المؤثرات السياسية التي يريد اصحابها إخضاعه. إن عدل القاضي – اذا تغلب على معاثر حياته – يحررك من الخوف ويجعلك تؤمن بأن الفضيلة ممكنة وبأنك قادر على تجاوز الخصام الحقوقي. بينك وبين آخر تشادّ. لا تستعمله، تحوله حالة نقاش أمام القوس. فالمنازعة لها أن تجري في سلام وتسلّم من الأمة حقك وكثيرًا ما تقتنع انه هو الحق اذ قالته أفواه لا يرقى الشك الى صدقها. لا تحيا أمّة بلا طمأنينة.

غير أن العدالة التي يتوقّعها المواطن هي الصادرة عن الحكام في حدود صلاحياتهم. أفهم ان السياسة مذاهب أي اتجاهات ومواقف وانها كثيرة التعقيد. غير ان أهم ما يهم المواطن فيها الإدارة وعندما يقول الفرنسيون: «الوزراء يعبرون وتبقى المكاتب» ويريدون بذلك الموظفين الكبار، يفهمون ان الادارة أكثر استقلالاً عن السياسة من الوزارة وفي بعض محطاتها هي تصريف أمور الحياة عند المواطنين وقد يكون اقوى عنصر في الادارة الاستقامة واستقبال أصحاب المعاملات بتهذيب وربما ببشاشة وهنا أيضا لا محاباة للوجوه لأن المعاملة اذا ما تلت غيرها فلصاحبي المعاملتين الاهتمام الواحد عند الموظف. ولكون هذا قائمًا في الملاك ولا يحتاج الى رضاء أحد في حكومة تحترم نفسها وتمسك بالترقية حسب الاستحقاق. هذا ممكن تسميته الأمن الإداري الذي تفرضه الديموقراطية، وجوهرها ألا نذبح بعضنا بعضًا وان نتفاهم بالحسنى ونتناقش بالحسنى. فإذا حمى النظام الديموقراطي تنوع الأفكار والتزام المواقف المختلفة فمن ثمار ذلك ألا يُحرم مواطن حقه في تسيير معاملته. من باب صفاء نفسه ان يثق دائما بأن الدولة قائمة لتمنع عنه الظلم وتوصله الى مطلبه الحق. بكلام آخر هكذا ينبغي ان تكون دوائرنا سليمة بحيث لا تأتي صعوبة حياتك من الحكم ودوائره. ينبغي ان تكون الدولة حاضرة بحيث لا تجعلك تحس بوطأة تأتي منها أو تنغيص معيشتك. فاذا حصل نتوء بينك وبين القابضين على زمام الأمور فقد تيأس ليس فقط من أولي الأمر ولكن من كيان البلد. وهذا حافز للهجرة ما في ذلك ريب.

#  #

#

من المؤكد طبعًا ان الإنسان ضعيف لكن واجب الأمة نحو القائمين على الإدارة تأمين معاشهم حتى لا يصيبهم اغراء أو يكونوا بلا عذر اذا وقعوا فيه. حقيقة هذه القولة في العهد الجديد: «محبة المال أصل كل الشرور». وصراع هذه الشهوة رهيب. لكن الإداريين كالمتدرجين في المحاماة ينبغي ان يتلقوا دروسًا في اخلاقيات الادارة وان يترقوا من دراسة. أعرف ان الخطيئة لا تموت ولكن ويل لدولة لا تريد ان تصير ينبوعًا روحيا يطارد الخطيئة. ان الدولة لمن العناصر التي يتنقى بها المجتمع. القديسون وحدهم لا يحتاجون الى الدولة.

متى يسمع الحكام عندنا كلمات كهذه من العقلاء؟ هل تعلم الطوائف عندنا ان تعليم الاخلاق المتعلّق بالحكم جزء أساسي من توجيهها؟ أفهم ان الزهد صعب وان الانسان يخشى الموت ولذلك يشتهي المال الذي يحصنه من المرض ويغدقه على تعليم أولاده وما الى ذلك. المؤمن الكبير هو من يتعلّم ان يموت وان يكون صغيرًا في أعين الناس وهاربا من المجد لأن مجد هذا العالم هو العائق الكبير بينك وبين الله.

هنا يأتي الكلام عن الوزراء وهنا يجب ان نعين الناس في ضعفهم. النواب سيشتهون الوزارة لكونها تزيدهم مجدًا ولو أتعبتهم. وما من شك في ان فصل النيابة عن الوزارة يدل للوهلة الأولى على انه ضد المجد الباطل وأدنى الى الشفافية من اختلاط الأشياء بعضها ببعض. لكن هذا كله يفترض انك لن تبلغ جمال العدالة الذي اشتهاه افلاطون لأهل السياسة ما لم تكره أمجاد هذا العالم وتصمد أمام اغرائه وان تقرر ان تصير راهب البلد. ماذا لو وقف وزير مسلم تقي قرأ كتابا في الأدعية وليس مثله كتاب عشق إلهي وقرأ على الزملاء دعاءً طويلاً وأقاموا بينهم ميثاقًا على ان يكونوا جميعًا رهبانًا مع احتفاظهم بأزواجهم وأولادهم وسيارة واحدة وأثوابهم الأنيقة ولا يشتهوا شيئًا آخر. هكذا يكونون قد قرأوا كتاب «المائدة» أو الحب لأفلاطون ومزقوا كتاب «الأمير» لمكيافيللي حتى أحج اليهم كما أحج الى أديرة مدينة الله انطاكية العظمى.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

أحد جميع القديسين / السبت 17 حزيران 2006

أحد جميع القديسين يقع غدًا في كنيستي. وقد وضعناه في هذا التاريخ أي اسبوعًا بعد حلول الروح القدس على الانسانية لنقول ان القديس ينزل من السماء على معرفته بما قاله الرسول: «لنا هذا الكنز في آنية خزفية…» (2كورنثوس 4: 7). الموهوبون من أهل الأرض رتب: «اهل السياسة وأهل الأدب وأهل الفكر». كل هؤلاء يأتون من الأرض ويعتبرون أنفسهم شيئًا. وحده القديس يرى نفسه لا شيء ويرى ان الله الذي يلامسه هو كل شيء.

وفي البدايات أقول إن هذا الانسان يتشبه بالله فهو مألوه مع كون جزء منه مصنوعًا من تراب. هذا ما هو يراه. لكن الرب يقرأه نورًا أي يقرأه على انه منه. الأبطال يجيئون من الأرض. لذلك لا يعرف القديس نفسه بطلاً. واذا اتفق على انه شاعر كبير أو مفكر كبير يعرف ان هذا لا علاقة له بالقداسة وان انضم اليها. ويعرف انه يدان في اليوم الأخير. وان رصفناه مع أهل السماء فهؤلاء كلهم سيدانون إلاّ من أهرق دمه حبًا فدماؤهم هي الصك الذي يجعلهم ملتصقين بالعرش في ذبحهم اذ ليس من دليل على الحب مثل الدم المراق. والى جانبهم مريم الجالسة على يمين المستوي على العرش اذ لم يكن عندها شيء لنفسها بسبب من اندماجها الكامل بالحبيب.

الاكبرون عندنا يعيشون شعور الخوف من الدينونة لعلمهم بخطاياهم. والقديسون كبار لأنهم يعرفون خطاياهم. وهذه من اولى درجات السمو. ونحن طلاب التاريخ الكنسي نعرف ضعفاتهم لما كانوا في البشرة. وهم مع علمهم بما أوتوا من مواهب لا يستكبرون ويهبهم ربهم معرفة تقصيرهم والمعرفة هذه أولى خطوات تقربهم وتكشف لهم الرؤى النازلة عليهم من أبي الأنوار.

المحبة هذه تبين لهم بعدهم عن الله اذ يعرفون ان القربى تأتي من تنازل الله عليهم ولا تأتي اليهم من جهودهم. والقربى في فهمهم هي قرباه لا قرباهم. ولا يقولون عن أنفسهم انهم متحدون به ولكنهم يتركون لله وحده ان يكون القريب. واذا أعلنت الكنيسة قداستهم فهي لا تحكم على درجات القربى لان هذا متروك للدينونة. وتكون قد كشفت أنهم أرادوا هذه القربى على قدر ما للإنسان ان يقترب وتقول إنها تعرف مقاصدهم لما كانوا على الأرض وتعرف جهودهم وانها تسعى الى تقليدهم لانهم كانوا شركاء الله في قداستهم.

ونقول هذا لنعني ان الرب جاء الى هذه الارض لنكون شركاء مجده ونحن في هذا الجسد بعدما علمنا ان الملكوت هو في داخلنا وان ابن الله أمسى عشيرنا في الجسد ليردم الهوة التي أقامها الفكر الديني بيننا وبين الله عندما جاء المخلص. نحن لا نقول بالاختلاط بيننا وبين الله لاننا لن ندرك طبيعته لا هنا ولا فوق ولا نخترقها ولكنا نعرف انه هو تجاوز الهوة بين جوهره وجوهرنا لما تنازل الينا وكشف لنا اننا مدعوون الى ان نجلس في احضانه.

وهذا متاح للعالم والجاهل فالعلم والجهل مقولتان لا يهتم الله لهما ذلك لان كلاً منّا امّي في حضرته وكلنا عدم أمام ظهوره. والعلم زينة وليس عند الله زينة. و«العلم سيبطل: كما قال الرسول ويبقى الحب وحده بهاء هذا العالم وبهاء الملكوت.

#  #

#

أنا لا أنفي عن أحد سعيه الى الالتماع والنجاح الدنيوي. ففي هذا شيء من الخدمة. وهذه الدنيا يجب ان تكتمل على صعيدها. ولله سرور بكل لمعة وبالمعرفة غير المنتفخة. فالمواهب البشرية ترشد الى الله أحيانًا. غير ان هذه المواهب ليست بشيء في حد نفسها واذا أنت وضعتها عند قدمي الرب فقد ينهضك الى القداسة. وان لم تضعها فأنت مستكبر أي تظن نفسك شيئًا ولست، اذذاك، بشيء.

واذا عدنا الى عبارة جميع القديسين فلكي نقول إن المختارين عند الله هم أكثر مما نعرف أي ان القديسين ليسوا جميعًا في التقويم ولنقول إنهم يشفعون بنا على الدوام وان الفردوس غير مغلق وانه هو وطننا الحقيقي ومن كان فيه يستضيء بنور لا يعروه مساء.

أفهم ان هذا الكلام لا يعني شيئًا لكثيرين وان الله غير مطلوب عند كثيرين لأن انسان هذا العصر يعبد نفسه ويعبد ملذاته وربما اتبع أخلاقًا اجتماعية وعادات مألوفة فاطمأن اليها وظن انها تصنع له توازنًا يعيش فيه. قلت عبد الانسان نفسه فأسلم الى العواصف التي تهب في نفسه وجعل منها شعرًا وفنًا وربما جعل منها فكرًا وحسبها المطلق لانها هي فيه أي اعتبر ان ما يتخبط فيه شيء عظيم لمجرد ان هذا التخبط هو فيه وان له ان يكشفه للناس لكي يدخلوا هم أيضًا في العاصفة ولذلك لم تبق من ضرورة ان يترجم هذه العاصفة بكلام مفهوم لانه منذ سقراط هو سبيل التواصل ولكن الحقيقة عنده ان ينقل العاصفة اليك حتى تماثله بالتخبط.

هذا الغاء لله بمعنى انه الغاء للوضوح وتاليًا كان هذا الغاء للوجه البشري فيرسم لهم قامة أو ما يشبه القامة بلا رأس وليس لك بالضرورة ان تتحسس برأسك أو تؤمن انه ضرورة لاكتمالك لينظر وجهك الوجوه الأخرى وتتكامل بما فيها من ضوء، واذا غاب وجه الانسان فآليا يغيب وجه الله وقراءتك للأشياء من خلال الله. كل هذا طبعًا نقض لمفهوم القداسة.

#  #

#

العصر الحديث، بناء على كل هذا، يقول لك إن الموجود هو ما يجب ان يوجد اذ ليس عندنا معيار لتحسين الموجود. فما من شك في انه إذا غاب الله يغيب معه المعيار. واذا أراد الإنسان إظهار ذكائه يقول لك ان العقل هو الإمام. سؤالي انه إن لم يكن إمام غير عقلك انت اذ ليس من عقل خارج العقول. وعقل اينشتاين غير عقل بائع الخيار. ولو كان العقل لا يخطىء لا تدربه انت بالمعارف. فاذا اجرمت كثيرًا وذبحت عشرة أشخاص يكون لك عقل ذابح أي مبرر لذبح آخرين. واذا سرقت حتى اليسر فتسرق الأكثر لتصل الى غنى أكبر. العقل زئبقي لانه ذاتوي يتأثر بشهواتك وهي ترشده كما يرشدها. هو قوة معطوبة ككل القوى التي فينا. ومن قال بالعقل بصورة حادة مفرطة وبأنه المطلق فلكونه أيضًا يعبد ذاته ولا يعبد الذي تكلم مرة واحدة بالأنبياء وأخيرًا بابنه كما يقول أنصار ابنه اذ السؤال هو ما المرجع الله أم انت.

هنا – وعلى هذا الصعيد – تأتي مقولة القداسة التي تقول الرب هو المرجع وانت تسمع اليه. واذا واليته أو آمنت به يدفعك هو ان تقول قوله وتقتدي به ولك بكلامه ان تخلص وبلا كلامه ان تهلك. واذا اصغيت اليه حسنًا فلك الحظ ان تقوّم مسلكك ليصير مسلكك كلمته فتهذب قلبك وتنزهه حتى لا يقول فيه عقلك المعطوب ما يلطخ هذا القلب فيزداد عقلك سوءًا وطريقك اعوجاجًا.

واذا سلم قلبك من الخطأ والخطيئة ينمو ايمانك اذ يصبح عقلك سليمًا بالله ومعافى ويبدأ مشوار القداسة. هذه تبدو مسعى عسيرًا جدًا لان الانسان غير صادق ولا يريد لنفسه جهدًا كبيرًا. الله يريدنا ان نتعب لانك ان لم تحمل صليبك لتتبعه فلا تصل الا الى خطاياك أي الى عبادة نفسك. اما اذا رأيت نفسك تتكون من القاء نفسك على صدر المسيح فتسمع كلمات لا يسوغ النطق بها تجعلك انسانًا جديدًا.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الروح القدس / السبت 10 حزيران 2006

غدًا يعيّد الارثوذكسيون لحلول الروح القدس على الإنسانية. يقول صاحب «محيط المحيط» ان العنصرة التي هي العيد عبرانية معناها اجتماع أو محفل. وفي الأصل اليوناني هو عيد الخمسين لوقوعه خمسين يومًا بعد الفصح. وعبارة الروح القدس وردت دائما معرّفة ولو قال بعض أدباء المسيحية العرب في العصر العباسي روح القدس ليجعلوا كلامهم مفهومًا في المحيط الذي كانوا يخاطبونه. مدلول اللفظتين معًا انما يؤخذ من الكلام في الثالوث ويعني الأقنوم الثالث فيه. وهو بحسب دستور الإيمان منبثق من الآب وهو في الكتاب روح الابن أيضًا.

هذا على مستوى الأزل. وأما على مستوى الزمان فالروح يرسله الابن الممجد بالقيامة بعد صعوده الى السماء أي انه ينقل اليك فحوى المسيح وقوة فعله لمّا كان بيننا في البشرة كما يبث فيك حركة كلامه في الإنجيل فيحييك به. فالمسيح ولو تجلى في زمن مضى انما يأتيك بزمانك أنت. وهذا ما اصطلحنا على تسميته بالعربية تأوين الخلاص ونحتنا مفردة تأوين من آن ومعناها ان نلتمس من الله ان تصبح فاعلية الخلاص ساكنة في الوقت الذي نعيشه. فعندما نسرد كلام المسيح «اصنعوا هذا لذكري» اللاحقة لقوله: «خذوا كلوا هذا هو جسدي» و«اشربوا منه كلكم هذا هو دمي» لا تعني الذكرى ان تنتقل بالخيال الى حدث مضى ولكن كما يوحي اللسان اليوناني ان حققوا اليوم والآن الحدث الذي انقضى من طريق التأوين بحيث نحيا الحدث كأنه واقع اليوم. لذلك تقول الكنيسة الارثوذكسية: «اليوم عُلّق على خشبة» أو تقول: «اليوم يوم القيامة» فتوحد الزمن الذي يعيشه المؤمن بالزمن الذي عاشه المسيح.

فاذا قال بولس اننا في المسيح أوقال ان المسيح فينا فهذا كلّه فعل الروح القدس. أي انه هو الذي ينقلنا اليه أو ينقله الينا فيجعلنا. من حيث نحن جماعة، جسد المسيح أي كيانه أو حضوره أو مداه. من هذا القبيل لما حل الروح على التلاميذ يوم الخمسين جعلهم كنيسة. طبعًا الكنيسة ولدت بحب المسيح لها على الصليب. تلقت هذا الحب وجعله الروح نارًا وبهذا المعنى تعمدت بالروح والنار.

ولما نزل الروح «ظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار فاستقرّت على كل واحد منهم». الكنيسة صارت واحدة واقتبل كل واحد منهم معمودية النار ونشأت فيه موهبة روحية أو مواهب. هي وحدة في اختلاف أو في تعدد المواهب. فهذا يصلي بحرارة وذاك يفهم ويعلّم والآخر يرعى الرعية جيدًا أو يدير حسنًا أو يرفع شأن الفقراء. كل هذا من الروح على تنوع. فاذا تمسحنت لا تدخل في قالب. ولو كنت على الايمان الواحد فلك تعبيرك وللآخر تعبير.

هناك من فوض اليه الرب ان يجمع مواهب الناس ويجعلها تتفاعل وتتكامل وهو الأسقف. له موهبة الوحدة أو توحيد العطايا. يعظ ويهذب ويؤدب لتتكامل العطايا الالهية في الجماعة. هو ليس عنده كلمة من نفسه. هو مطيع للكلمة الالهية ويحييها الروح فيه لينقلها في زمان الناس الى رعية مصابة بالامراض الروحية فيعالجها لتصبح على صورة المسيح.

لذلك يقول الرسول: «لا تطفئوا الروح» فاذا اخضعتم الناس لقوالب وكررتم ما قاله الأسلاف تكرارًا تكونوا مخضعين الرعية لمزاجكم الخاص أو لكلمة رغباتكم وليس لكلمة المسيح. وتنشأ الانقسامات في الكنيسة لأن كل واحد يقول كلمته كما تنفثها فيه شهواته أو يتكلم عن حسد وغيرة وبغض وكبرياء فتظهر كلمات من بشرتنا وليست من الروح.

ازاء كل هذه الشرور تقول عباداتنا غدا: «ان الروح القدس نور وحياة وينبوع… مطهّر للهفوات. اله ومؤلّه. نار من نار بارزة». هو حياة بمعنى انه يفجّر فيك «أنهار ماء حي» فتمسي انت كالروح. ذلك ان المسألة التي تطرح نفسها هي ما علاقة الكلمة (المكتوبة) في الوحي الروح. عندك انجيل ثابت. هذا ليس حكرًا على العلماء. أجل هناك منهج علمي لدراسته قائم على معرفتك النص الأصلي وتحليله اللغوي واضاءته بمعطيات التاريخ وعلم الآثار وما الى ذلك. ولكن هناك أيضًا عبور الكلمة الى قلبك، الى كيانك، لتصير انت بدورك كلمة ليس بمجرد ترداد المعقول الأصلي ولكن بحيث تصبح كلمة حية ومحيية. هذا ممكن فقط اذا ألهمك الروح الالهي المعنى الذي تحتاج اليه نفسك لتنتعش فيلهمك الروح معنى من الجملة الواحدة ويلهم سواك معنى آخر ويأخذ بيدك ليقودك الى القداسة.

أجل الروح مفسر الكلمة بمعنى انه يكشف غناها لك قارئا. ولذلك قال بولس: «لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى». ومع ان الروح أمين للمسيح الاانه يعطيك اليوم غنى بالقولة الواحدة وغدًا غنى آخر. هناك شيء مستند الى تفسير آبائنا وبحث العلماء ولكن هناك شيء غير التفسير وهو الإحياء.

وهكذا لا يردد المؤمنون بيسوع الانجيل اسطوانة ولكن ينقلونه رسالة شخصية قد لا تحيي ناقلها بالقوة التي يحيا بها سامعها.

هذا ليس ضد تعليمنا ان الكنيسة خزانة المعرفة. ولكن يخطىء من قال إن كل آية لها تفسير واحد. علميًا وفي السياق التاريخي يصح هذا لكن الإثراء ليس واحدًا لي ولك. من هنا ان الكنيسة ليست هي خزانة معرفة بمقدار ما هي ينبوع روح يتدفق كل يوم من فوق علينا نحن الارضيين ليجعلنا آنية للروح القدس ولو كنا آنية من خزف.

أجل كنا نعرف ان أسرار الكنيسة كالمعمودية والقرابين والتوبة والزواج وما اليها كلها من عمل الروح لأنها كلها محتواة في شخص المخلص ولكل – على طريقته – اتحاد بالمخلص. هذه تجليات يمكن ان نعيشها في عمق كبير اذ تاثير السر الكنسي يختلف بين مؤمن ومؤمن. غير ان غاية الاسرار على تنوعها ان تنشىء فيه القداسة. والروح هو الذي يحدثها ويغذّيها فيك.

أجل، في كل سر إلهي كنسي ينزل عليك الروح. والكنيسة هي في تحققها كنيسة الروح. المهم ان تفتح نفسك للعطاء الالهي حتى تصير حاملاً للروح. هناك من كان الله لباسهم، من كان نور وجهه مرتسمًا على وجوههم.

هذا يضطرنا الى جهد عظيم، الى بذل للنفس لا يحد ولا يتوقف. وهذا الجهد نفسه يأتي اليك بالروح. انت بالقداسة تبلغ القداسة. انت منحوت الروح يوما فيوما حتى تحل عليك وعلى البشرية جمعاء العنصرة الأخيرة في القيامة.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

خميس الصعود / السبت 3 حزيران 2006

خميس الصعود الذي حل من يومين اصعب الاعياد فهمًا على المسيحيين لان الكتاب وضعه في لغة المدى اذ يقول سفر لوقا «وصعد الى السماء» ثم تقوى الصعوبة في الدستور النيقاوي القائل بعد ذكر القيامة «وصعد الى السماء وجلس عن يمين الآب». من الواضح ان هذا الكلام يقابل في الدستور عينه: «نزل من السماء وتجسد». ومن الاوضح ان كائنا روحيا لا ينزل ولا يصعد ولا يقاس بالأبعاد فالابن فيما كان في البشرة كان دائما في حضن الآب فان جسد مريم الذي اتخذه مسكنا له لم يحصره وبقي كلمة الله في العالم كله ولم يحده العالم. لما قال لي احد كبار الأئمة: «نحن نرفض التجسيم» (تلك كانت مفردته) لان التجسيم حلولية، اجبته: كان يكون حلولية لو ذاب الابن في احشاء مريم وصار العنصر الالهي فيه مادة. انه – حسب تعبيرنا – اتخذ المادة اتخاذا ولم يَصُرْها، لقيها وداخلها ولم يتحول اليها.

فاذا تكلمت عن الصعود الالهي فيعني هذا صعود جسد المسيح الى الله من بعد القيامة اي صرنا في تمجيد ناسوتية المسيح ومعادلة الناسوتية واللاهوتية اذ ادركت الاولى الثانية بسبب من ارتضاء المسيح للموت ونهوضه من بين الاموات. الله لا يرفع اليه جسدا ترابيا. انه يرفع اليه ذاك الذي «فيه يحل جميع كمال الالوهية حلولا جسديا» (كولوسي 2: 9).

بالموت والقيامة تم اتخاذ الله جسد المسيح اتخاذا كليا وما نسميه صعودا انما هو التعبير عن هذا السر. صورة انتقاله الى السماء تعبر عن قوله: «انا ذاهب الى الآب». في الحقيقة انه لا يذهب ولا يأتي ولا ينزل ولا يصعد ولكنه يضم ألوهته الى الجسد والجسد الى ألوهته ويجب ان يقول هذا كلام بشري لان الانسان جعل السماء فوق والارض تحت واتت لغته من المدى والزمان ويبيت في مفهومه الاله ولا يقع الله تحت المفهوم لان المفهوم يحده. لقد استعمل الله اللغة واللغة تضعه تحت المعقول.

ويلتزم الله هذه المحدودية ليحبنا ويحيينا ضمن مقاييسنا لكن ذوي الحس الروحي يسعون الى تنزيهه والاتصال به في القلوب.

الديانات القديمة جعلت الآلهة على رؤوس الجبال والى هذا اشارت ايضا في العهد القديم. والشرائع الالهية تعطى من جبال وعليها تتجلى الآلهة. ويسمو الانسان من الارض الى الله لان الله ساكن العلو وهو في مقام السمو او السماء. وهذا كله لغة. ولكنك اذا تخلقت باخلاق الله او غدوت مألوها او متألها حسب المصطلح المسيحي فيتم لك هذا حيث انت ولا تضطر الى ان تذهب الى مكان آخر واذا احسست ان السماء نزلت عليك فما هذا الا لغة. لذلك لم يصعد المسيح الى مكان اذ ليس من مكان يصعد اليه. ولا نزل الى الجحيم نزولا لان ليس تحت الارض من جحيم. واذا قلنا انه نزل الى الجحيم فاننا نعني انه دخل نطاق الموت لكي يحطمه ويزيله ويجعل ما فوق الانسان وتحته نورا. انت ساكن النور وليس فوق النور وتحته وعلى جنباته الا النور.

لا يهمنا المكان الذي «صعد» منه المسيح. هناك تصوير اورشليمي او اطار اورشليمي لا بد منه. المسيح صعد بمعنى انه اجلس بشريته عن يمين الآب اي جعل بشرية الانسان اذا تمسحنت وصارت مثل بشرية يسوع مقترنة بالله وحاصلة على كرامته ذاتها. هذا هو معنى انها باتت عن يمينه.

كل من حد الله بحيز او حده بصعود او بنزول انما لا يقدر ان يصل الى حقيقته او طبيعته وتاليا يبقى هزيلا. انت لا تدركه باي صورة. تشير اليه باللغة. المرقاة اليه ليس اياه. ليس لله بيت. هو يسكن عراءه وانت اليه فقط من عرائك.

وعندما ارتفع المخلص الى السماء – اذا شئت تعبيرا – ضم بشريته الممجدة الى مطلق الله. المسيح في بشريته في السماء بمعنى انه يسكن المطلق في لاهوته وناسوته معا. انا لا احب كثيرا لفظة مطلق لانها غير محررة من الاغريق. الكلمة الانجيلية هي الكمال. ما حصل في الصعود ان السيد اعلن قيام بشريته في الكمال. ذلك المساوي للكمال الالهي.

واما نحن فمدعوون الى ضم بشريتنا الى بشرية المسيح. لهذا دعانا الرسول الى فكر المسيح. وهذا الفكر يتخذ بشريتنا اتخاذا وتاليا يشفيها فتصبح على صورة بشريته اي سالكة على طريق المجد. لذلك قال المسيح: «انا الطريق». فاذا احببته تكون عند بدء الطريق واذا ازداد حبك تمشي على الطريق على رجاء وصولك الى منتهاه.

وهذا هو كمالك ان تريد اكمال الدرب حتى لا يبقى لك درب تحيد به عما رسمه الرب لك من درب. وفي هذا قال الرسول: «فأما وقد قمتم مع المسيح، فاسعوا الى الامور التي في العلى حيث المسيح قد جلس عن يمين الله» (كولوسي 3: 1). القضية كلها اذًا ان فكروا كما يفكر المسيح وهكذا تكونون في العلى. اذ يوضح بولس بعد دعوته هذه ان «ارغبوا في الامور التي في العلى لا في الامور التي على الارض، لانكم قد متم وحياتكم محتجبة مع المسيح في الله. فاذا ظهر المسيح الذي هو حياتكم، تظهرون انتم ايضا عندئذ معه في المجد».

الكلمة الاخيرة ليست صعوده بل ظهوره ولا ينحصر ظهوره في ذاته لانكم بعدما امتم ما كان فيكم للبشرة واتحدتم بالمخلص الظافر وسرتم اليه وعلى طريقه لتكونوا منه تكون النتيجة ظهوره وظهوركم معا. ما كان الصعود الا استعدادا لظهور المسيح وكنيسته العروس والانسانية الممجدة فحيث كان وكنا فهناك العرش والبشرية التي تغني الجالس على العرش «نشيدا جديدا» وهؤلاء سيملكون الى الابد وسيقولون: «للجالس على العرش وللحمل التسبيح والاكرام والمجد والعزة الى ابد الدهور» (رؤيا 5: 13).

ذلك ان الصعود هو صعودنا في هذا السكر الصاحي الى البهاء الاخير.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

العداء للمسيح / السبت 27 أيار 2006

أصر اليهود على قتله ورضخت لهم روما. دائمًا هناك من يحلو له أن يقتل المسيح لأنه مقلق. في عصر «التنوير» الاوروبي كان المسعى الاخلال بالكنيسة بعد رفض الثوار للاكليروس. هذه هي القاعدة التاريخية انك اذا شتمت الكاهن تصبح عدوًا للمؤسسة الروحية التي هو خادمها. وبعد محاولتك هدم الكنيسة تجتاحك رغبة في قتل المسيح. ووراء ذلك قتل أبيه. فالاسهل عليك قتل الله بعد قتل ابنه لأن ابنه من لحم ودم ولك ان تقول للقارىء أو المشاهد ان يسوع الناصري «عمل» شيئًا بجسده اذ كان له جسد. عند ذاك تصل الى الشك في عفته وتصل تاليا الى الشك في الروايات التي كتبها اتباعه الاوائل أو اتباعهم والتي سموها الانجيل. واذ كانت هذه هي المرجع تنهار الكنيسة كلها.

عندما نرى ان قناة National geographic تذيع البرنامج التلفزيوني المسمى «انجيل يهوذا» في الفترة القصيرة التي تهيىء للفصح أي في الوقت الذي يكون فيه المسيحيون مشدودين الى رئيس ايمانهم لتطعن بصحة الانجيل وصدقه لا يسعني ان اعتقد ان اختيار هذه الفترة كان من قبيل الصدفة. ثم لا اقدر أن اتصور – لكثرة النشرات – المشكلة الا انها موجهة لزعزعة الايمان. لم أسمع مرة بحديث علمي يلقى غير مرة على الشاشة. هذا البرنامج وظاهره علمي لم يك علميا. فيه الكثير من الاستيهام. وليس من باب الصدفة ان هذا البرنامج بالذات يسبق فيلم «شيفرة دافنتشي» الذي يتناول سيرة المسيح من جانب آخر ولكن ذمًا وتشويها».

كل هذا قريب من المسرحية الغنائية Jesus Christ Superstar التي تعظم أيضًا يهوذا الذي يظهر على انه لم يشأ تسليم المسيح. وضع غير كتاب عن الرسول الخائن. الغاية الواضحة فيها تبريره أو الصفح عنه وهذه هي الطبقة الظاهرة من هذه الادبيات. الغاية واضحة وهي النيل من المسيح. الاثر الأدبي الذي صدر في السنة الـ1951 هو «تجربة المسيح الاخيرة» لنيكوس كازانتزاكي – واحدث الكتاب ضجة أو رجة عندما أخرجه في أميركا سكورتشيزه – حيث يتخيل يسوع على الصليب ان الافضل له كان ان يتزوج بمريم المجدلية وان ينجب. «شيفرة دافنتشي» الذي نقل الى السينما وعرض منذ ايام في مهرجان كان، يكرر تخيّلات كازانتزاكي. أجل قدمه مؤلفه دان براون على انه قصة ولكن القارىء العادي لن يلغي من دماغه عندما يرى الفيلم ان الناصري تعاطى الجنس وهذا ظهر منذ سنوات في فيلم دانماركي قرأت عنه في الصحف الاوروبية يؤكد هذا بصورة قبيحة جدا. وهذا كله ان دل على شيء فانما يدل على شيئين: طغيان الجنس على عقول بعض المؤلفين وعلى ان المسيح لا يخرج عن كونه انسانًا يشتهي الجسد ويستمتع به.

#   #

#

لقد نشرت «النهار» السبت الماضي دراسة قيمة عن «شيفرة دافنتشي» للأخت باسمة الخوري تلخص فيها الكتاب وتكشف اخطاءه التاريخية واللاهوتية. تلفت هذه الدراسة الى ان قصة براون اعتمدت انجيل فيليبس وانجيل مريم المنحولين أي من تلك الكتب التي سماها اصحابها أناجيل ولم تعترف بها الكنيسة. وهذا الرجوع الاعتباطي الى الاناجيل المنحولة يذكر بانجيل يهوذا المنحول أيضا وهي كلها من الكتب الغنوصية التي كانت تحتقر الجسد وتعتبره صنع اله الشر ووجدت كلها في نجع حمادي في مصر.

يذكر براون مؤلف «شيفرة دافنتشي» استنادًا الى انجيل فيليبس المنحول زواج يسوع من مريم المجدلية وهذا الانجيل يعود الى القرن الثالث الميلادي أي يبعد ما لا يقل عن مئتي سنة عن واقع سيرة المسيح. وتؤكد الاخت باسمة الخوري ان ليس في انجيل فيليبس هذا الزائف ما يشير الى اقتران يسوع بمريم المجدلية.

لا أستطيع أن أفهم اصرار هؤلاء الكتاب على القول بعلاقة ما ليسوع – زوجية أو غير زوجية – الا ارادة لهم لتدمير المصادر المسيحية أعني الاناجيل. الجنس كان سيئًا وكان شرًا في الاناجيل المنحولة التي استند اليها كازانتزاكي وبراون وسواهما. اذا كان الامر كذلك لماذا الالحاح على ادخال يسوع الناصري في نطاق الحياة الجنسية؟

لا داعي عند المسيحيين في جدالهم هذه التيارات المحقرة ليسوع ان يقولوا ان زواجه كان ممكنًا. أولا لان الباحثين لا يبحثون في الممكن ولكن في الواقع. ولو كان هذا الزواج قد حصل لتكلمت عنه الأناجيل ولا سيما انها تحدثت عن بضع نساء كن يحسن اليه والى تلاميذه. ولم يكن المعلم تاليًا معتزلاً جنس النساء.

غير ان ما يدعونا من حيث العقيدة الى ان نقول انه لم يتزوج هو ايماننا بأنه ابن الله الحي الذي تمت بتجسده الوحدة بين الوهته وبشريته وانغلقت هذه الوحدة في اقنومه فيقوم بجسده من موت ويمجد جسده هو ولا ينتشر جسده في أولاد له.

#  #

#

لا يهمني أن اتقصى واقع تأثر هؤلاء الكتاب باليهود المعاصرين الذين ظهرت كراهيتهم للمسيح في برنامج «جسد المسيح» (Corpus Christi) الذي شاهدته في قناة Arte ودعي الى الكلام فيه – لادعاء الموضوعية – علماء يهود أو ربانيون.

ولكن بصرف النظر عن التسرب اليهودي – وعلى افتراض انه لم يكن – في كل الكتب التي أشرنا اليها ردي البسيط على كل الذين ادعوا ان السيد كان له علاقة ذات طبيعة جنسية بمريم المجدلية ان هذا القول مجرد ادعاء غير مستند الى مراجع. اذا أردت ان تتصور ذلك استبقيك في صفوف المتخيلين. ولكن عندما تكتب عن شخص تاريخي توحي انك انتقلت من اسلوب القصة الى منهج التاريخ. براون أراد أن يقول إن يسوع، في الحقيقة، اتصل بمريم المجدلية وهذا تجاوز لقراءة التاريخ ويحق لي، اذ ذاك، ان أحس أن براون يتسلّى أو يمزح أو أن له عداء للناصري وليس لأي عداء تبرير.

بلا أساس تاريخي لا يحق لك ان تقرأ شخصية تاريخية. ان في هذا لتضليلاً. والحديث في الجنس له دائمًا رواج في هذه البشرية المتفلتة.

الى هذا أقول ان يسوع حي وانه غلب العالم وان مملكته باقية الى الأبد فالعداء رخيص ويزول عند كل فجر للحقيقة والمحبة. لقد حان وقت الجدية لمقاطعة المؤمنين مسلمين كانوا أم مسيحيين الفيلم لانك اذا قدست المسيح بنا ء على الكتاب الذي تؤمن به لا تستطيع ان تتسلّى أو ان تتفرج على عمل سينمائي يجرح شعورك الديني ولا تقدر على ان تتحمل مشهدا يدنس فيه شخص السيد فيما لو نزل هذا الفيلم الى الأسواق.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

وجه الله / السبت 20 أيار 2006

آخذ الصلاة هنا حسب المصطلح المسيحي أعني ارتفاع النفس الى الله أكانت صلاة في الجماعة المقامة في أوقاتها أم الدعاء الفردي المؤدى ظاهرًا خارج الجماعة ولكنه مقرون بها لكون قلوبنا متناغمة متلاقية اذ الانسان المنتصب في حضرة الله واقف دائمًا مع الإخوة.

فمما أمره الرسل أن تلقى أخاك في الايمان في مكان واحد، أن تنتظم معه بقول وحركة في عمارة ولحن وكلمات تخرج من القلب والعقل في فصاحة التجويد والانشاد طلبًا لجدية الجمال. فأنت تقوى بأخيك اذا التمستما الحقيقة معا وأن انشأتكما الكلمة لتصير معه ومع الآخرين الأمة المقدسة. والذين يتركون عباداتهم انما يحيدون الى اعتزال الحب المصلي ولو لم أنكر على واحد منهم قدرتهم على الامتلاء من الله في عزلتهم.

طالما استعمل بعض كلمة «طقوس» بمعنى انخفاضي يصل أحيانًا الى حد الاستعلاء على المصلّين في بساطة نجواهم وكأنهم يتهمونهم بالسطحية أو الشكلية أو اللافهم وقد غاب عن ذهن هؤلاء ان العابد الصادق انما تدفعه طاعته لله ورغبته في ان يكون مع أحبته والاستمتاع بالكلمات التي صاغها القديسون وتروض بها الناس جيلاً بعد جيل.

ان التقوى مراس أو فيها مراس. ان تكون محصنًا بصلاتك صباح مساء وظهرًا وعند المغيب يحيطك بأسوار قد تمنع عنك غزو الخطيئة وتقيمك في حالة التلقي الحاضن لكلمات الرب. قصتك معه أو بعض من القصة ألفة كلامه. ومعناها العميق ليس فقط أن تتقبل الكلمة تضاف الى كلماتك ولكنها تلغي الكلمات الناهدة اليك من شهوتك فان كلمة الرب اذا غذتك تطهرك من إثم كلام لك خداع.

مصليًا في الجماعة وفي انفرادك انت واقف أمامه، لا ترى سواه فاعلًا. مع ذلك قد يحيد بك جمال الطقوس عن مضمونها وروحيتها. وهذا، بخاصة، في الكنائس الجميلة عباداتها، الغني تنظيمها، المكثفة والمتنوعة نصوصها. دائما أزعجني قول بعضهم: «كان القداس جميلا» اذ عند تحليل هذه العبارة تجد ان الناس استساغوا اتقان الترتيل والناحية الفنية بعامة. فاذا تفحصنا نوعية اقبالنا على العبادات ولا سيما اذا كنا غائبين عن المعاني نرى أنفسنا أمام هذه الكارثة أن المسيح دفين الطقوس. ولكن هذا لا يستتبع انه عليك ان تلغيها لتجعل لنفسك صلوات جماعية هزيلة الشكل والاداء. ليس من معنى لا صورة له، لا يتسربل كلمات مجودة اللفظ. وفي المسيحية التراثية يجمل المعنى بالايقونة والترتيل وفق التراث ولو قبلنا تجديدًا معقولا».

#  #

#

والفهم يتطلب ترويضًا على المعاني والرموز خارج المعبد وعلى معرفة الكتاب المقدس الذي هو نفحة العبادات وأصل تركيبها وتعابيرها. هناك شبكة مفاهيمية وتراث ينقل الكلمة الالهية. هناك أجيال صلّت قبلنا ودفعها الى صلاتها الروح الالهي وتركت لنا كنوزًا من المعاني لا تفنى. وانت تبدأ مما ورثته عن الابرار ولا «يوضع أساس غير الذي وضع».

وتدخل أنت على الميراث اذا شئت ان تصلي أو تدعو ولا تؤلف اذا دعوت على انفراد ما ليس متصلاً بمفردات الخلاص الذي نزل عليك وأنشأك ورباك وأصلحك. واذا دخلت صلاة الجماعة فأنت وحدك ماثل في حضرة الله أي أنك انت تصلي ولا أحد يقوم مقامك. الاصفياء من الاخوة يقيتون روحك اذا هي ارتفعت وانت تقيتهم ولكنك واقف في ما عندك من ضعف وقوة، في ما تستغفر انت وتتوب ولا ينوب عنك أحد بالتوبة ولو قوى صلاتك بما تراه عليه من حرارة. انت لا تذوب في الجماعة واذا وقفت فيها لن تقف حارًا ما لم تكن عظيم الانتباه على صلاتك الفردية.

في الكنيسة أو في بيتك مبتغاك ان تجيء من الله لعلمك بأنك لست على شيء. كثيرًا ما سمعت في أوساط الكسالى: هذا مرتكب ومع ذلك يذهب الى الكنيسة في الآحاد وكأن هؤلاء المتباعدين عن الصلاة غير مرتكبين. الخاطىء الذي يرتاد الكنيسة انما يقر ضمنًا انه انسان خاطىء. وانه جاء ليستغفر ويطلب من هذه الجماعة حبها له اذ يقر بأنها أخوية قلبه. يعرف نفسه مكسورًا، مريضًا، وجاء ليستشفي. دائمًا في المصلي اعتراف بالخطأ ضمنيًا كان أو صريحًا. من صلى مع الجماعة أو في بيته كان على شيء من التواضع، من الامحاء أمام الوجه الالهي الذي يطل عليه.

عمق الصلاة أن يحس المؤمن انه فقير الى الله، انه يتكون برضائه وانه دون ديمومة ذلك ليس بشيء. بدء الصلاة في هذا الاعتراف. وهذا يتضمن الاقرار انك لن تصير شيئًا الا بالتفاتات الرب اليك. واذا تكونت سنين طولى بهذه الالتفاتات لا يبقى فيك شيء منك ولا هذا الغرور الذي يدفع الأكثرين الى ان يحسبوا ان ما لديهم انما هو ثمرة جهدهم وقد علّمنا آباؤنا الكبار اننا ندخل الملكوت برحمة الله. المصلي الدائم هو ذاك المسترحم الدائم الذي يريد أن يمشي على دروب الرب ليبقى له من الرب نصيب.

#  #

#

من صلى وفق قلب الله أي التماسًا للملكوت لا طلبًا لهذه الدنيا انما تكيف النعمة قلبه وتزيده احساسًا بمقاصد الله فيصبح بصلاته الموصولة لله مجانسًا أي يقتني ما يسميه بولس «فكر المسيح». فاذا اكتسبه يصلي حسب عقل المسيح أي ينسج كل صلواته وفق «الصلاة الربية» ويطلب مشيئة الله فقط. فاذا نظر الله اليه بعد طول مراس يراه لنفسه مرآة. طريق هذا الانسان تصبح طريق الرب. بهذا المعنى قال الكتاب اننا ذرية الله اذ بسبب هذا التكوين الداخلي لنا نصير أبناء الله.

بعد هذا تدعو بكلمات أو بصمت عن كلمات العقل. يدخل قلبك في النجوى. أجل. لكونك أخًا للمؤمنين ولكون كلمات الكنيسة هي اياها كلمات الرب وسهرًا على تواضعك تمارس الخدمة الالهية التي تؤدّى في البيعة. هذه ضمان لتصلي بروح الله وهذا يقين انك تخلص مع الآخرين وبالآخرين. وهذا ما يؤهلك – اذا كنت خارج المعبد – ان تعبد الله بروحك أي بلا كلمات. فالكلمة الوحيد للآب يسكن فيك بالروح فإن «المولود من الروح هو روح». حياتك كلها تصير نطق الروح فيك.

هذا كلّه يسيل فيك دموع التوبة الدائمة حتى لا ترى وجها غير وجه الله وتصير انت بدورك كلمة فمن رآك يحس انه يرى المسيح.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الصدق / السبت 13 أيار 2006

في لسان العرب الصدق نقيض الكذب. ويبدي هذا التعريف القاموسي ان الكذب أكثر شيوعا لأن الكذب سببه الخوف، ومنه خوف العقاب عند التلميذ أو الموظف أو اي خائن لأية أمانة أو المرتكب لأية معصية أو الواقع في أي مأزق. هؤلاء كلهم مركزون على الأنا التي تبغي إنقاذ نفسها أي الاستفادة من هذه الدنيا. وفي هذا قال الأعشى: «فصدقتها وكذبتها/ والمرء ينفعه كذابه». وهل الخطيئة، كل خطيئة، غير الاستمرار في ما نحسبه الوجود، هذا الذي يظهر ويجعلك قائما في أعين الناس الذين هم من الدنيا وقد ارتضوها مسكنًا لهم أو مسكنًا فيهم.

أما الصادق فهو الذي انتصر على الخوف لأنه يحيا بالحق ويقوله. هو الذي يقابلك ويعايشك برؤيته أو بهذا الإله الذي يحييه. هو قائم في اليقين ويؤمن ان عليه ان ينقله الى الآخر ليحيا هذا به بدوره اذ الحقيقة مشتركة ولو اكتشفها واحد. الأنا عند هذا الانسان ليست منغلقة وتنوجد من انفتاحها على الأنا الأخرى، الصادق يدرك انه يتكون ليس فقط بمعرفة الحق ولكن بانتشار الحق. فاذا أتيت من الحق الذي تعرفه تشتهي ان يأتي منه الآخر. في النهاية الانسان الصادق رسالي، مسكوب ويعرف أن الله نصيبه اذ قد يأتيه الضر من اشاعته للحق ولكنه يعرف انه لا يثبت الا في النور ولا يهمه الا ان ينزل عليه البر من الضياء العلوي.

واذا نحدرنا من الرؤية الى الأرض يمكن تصور سوسيولوجية الكذب. لماذا يقول المتنبي: «لا تشتر العبد الا والعصا معه»؟ لا شك في ان الوضع الاقتصادي يلقي ضوءا على الطبائع. ما من شك في ان مجتمعًا ينتج عبيدًا بظلمه أو اشباه عبيد يدفعهم الى التملق والاختباء واخفاء بعض تصرف ما من شك أيضًا في عالم اليوم في ان المجتمعات التي تعيش على شيء من الرخاء أقرب الى الصدق في مجال التعاطي العام ويبقى اخفاء الخيانات في الحياة الخاصة. يبقى وضع التقرب من اكابر القوم للحصول على منافع أو للتسابق في المرافق السياسية في الحزب الواحد. ويبقى في المجتمعات الكنسية وهي قائمة على الهرمية ان يتقرب الادنى الى الأعلى بالكلام المنمّق او المديح. الترقية في تجمعات كهذه ليست مبنية فقط على الفضيلة ولكن على بعض من تحزّب وتكتّل لا علاقة له بالله.

#  #

#

عظيمة هي تعزية من يرجو قولاً صادقًا من صاحب مقام واستمرار الصدق عنده. انت تتقوّى دائمًا بانسان ركن أو ببعض من أركان لتخرج من ضعف أو حيرة وليزداد صدقك.

واذا عثرت على صدق في بيئة ملوّثة بالكذب تتشجع كثيرًا ويقوى رجاؤك. يبدو ان الكثيرين لا يحلمون ان يختار الصادق له مقامًا في الوسط السياسي. أنا لست مختلطًا بهذا الوسط ولا أميل بطبعي الى أن أدين أحدًا ولكن في متابعتي صحيفة أو صحيفتين والإعلام المرئي كل يوم، يتبين لي أن هذا أو ذاك من أهل السياسة ينقض نفسه في فترة وجيزة جدًا لم تتغيّر فيها الأحوال السياسية ليتخذ موقفًا معاكسًا بالكليّة في يوم آخر.

أفهم أن يتوب ناشط سياسي، أن يتراجع عن مواقف سابقة بصراحة كاملة ولكن المواطن يحتاج الى أن يسمع لماذا يخطئ هذا السياسي وبماذا يخطئ نفسه في مواقف له سابقة، ذلك إن تسبب بأذى للأمة كلّها ولا يكفي أن يقول: «عفا الله عما مضى». الله لا يعفو اذا استغفرته فقط. يعفو اذا فضحت سلوكك الماضي ببساطة وتواضع وفسّرت طريقك الجديد وأثبت صدقك. يجب أن تعرف الأمة كلّها سبب قناعاتك الجديدة.

السياسي لا يخرج اذا كذب عن القاعدة العامة. انه يكذب لأنه يخاف. ان يكذب النائب لإصراره على العودة الى المسؤولية الحاضرة يعني انه يخاف على أن يبذل نشاطًا خارج النيابة يكفيه وسائل العيش. ان يتملّق الأعلين من القوم بغية الوصول الى مقام أعلى يعني أنه يسعى الى منافعه الخاصة. لما قال يسوع الناصري: «ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا» أرسى قاعدة تقيّد الجميع بالصدق في كل ظرف وفي كل زمان. وغاية القول ان تريد النعم اذا قلت نعم وان تريد اللا اذا قلت لا.

#   #

#

سياسة أيضا هي الحياة العادية عند أصاغر القوم وأكابرهم الذين يجب أن يتعايشوا بصدق حتى يطمئن أحدهم الى الآخر ويأمن مسيرته في الوجود. أنا عشت زمنًا قديمًا في لبنان حيث كنت تستدين مبلغًا كبيرًا بلا كتابة سند وكنت ترد المال في حينه. كان جو الصدق في ذلك الزمن مسيطرًا على المعاملات واذا أردت أن تدعم قولك كنت تقول: «فلان قال لي كذا وكذا». لم يكن هذا مستغربًا وما كان أحد يظن أنك انسان ساذج.

أنا لست أقول إن الصدق يفرض عليك التصريح بكل ما تعرفه. الصراحة فضيلة اذا وجب التصريح، والكتمان واجب في مقامات الكتمان. انت لا تخبر بأخبار الناس في ما يؤذيهم ولكنك تشهد حيث وجبت الشهادة على ما قاله بولس: «الايمان بالقلب يؤدي الى البر، والشهادة بالفم تؤدي الى الخلاص» (رومية 10: 10). لذلك أوجبت المسيحية الشهادة حتى الدم حتى لا تقوم هوّة بين القلب واللسان أي حتى لا تقع الشخصية في فصام. الموت، اذذاك، يصير فيك وفي الآخرين حياة.

واذا ساغ السكوت عن بعض من وقائع لأن السائل قد يكون فضوليًا بلا مسوغ فلا يحق لك ان تخفي الحقيقة الالهية اذا طلبت اليك لأن من واجبك أن تدعو اليها لكونها تخلص.

أجل في الكتابة أو القول لك احيانًا أن ترجئ قول الحق الى حين اذا كان الآخر لا يستطيع تحمّله. قد لا تصد الآخر صدًا كليًا ولكن لا تشوّه الواقع. قد تنتظر في تخطيط حكيم خلاص الآخر وقتًا مناسبًا لتنبيهه أو تنتظر وصوله الى نضج عاطفي أو ذهني لتقول له الحقيقة كاملة. هذا من باب رعايته وحبك له. أعرف ان الخيار بين المواجهة وإرجاء القول صعب جدًا… ولكن أذا كنت مليئا بالنعمة الالهية ومتروّضا على الشهادة يلهمك الله أن تؤدّيها في زمن مبارك.

Continue reading