Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2010, جريدة النهار, مقالات

مسيحيو العراق وغير العراق / السبت 6 آذار 2010

من السهل جدا ان يقال ان هؤلاء تبيدهم او تهجّرهم الحرب الأهلية الدائرة في العراق. أفهم ان يموت المقاتلون من سنّة وشيعة. هذه قاعدة الحروب او أفهم أن يموت الذين يرفضون الاحتلال الأميركي. هذه قصة سلاح. ولكن المسيحيين في الموصل وغير الموصل لم يشتركوا في الحرب الأهلية ولا في المقاومة. لأي سبب يساقون الى الموت او الى إجلائهم عن وطن أحبوه وأسهموا في حضارته منذ عهود سومر وبابل.


ماذا حلّ في العراق الذي كان متعلّقًا جدًا بالعروبة ومن طليعة بلدان العرب في الذهنية المدنية. واذا كانت الحكومة حامية المواطنين جميعا بصرف النظر عن الدين او المذهب لماذا يكون تركيز القتل على هؤلاء ولماذا نتفرّج بهدوء على سفك هذه الدماء البريئة؟ «من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا» (المائدة، 32). لست أطمئن الى تفسير كل إبادة للمسيحيين في العراق بالقاعدة او اية حركة احيائية وأصولية. فالقاعدة وما يشبهها تقتل المسلمين ايضًا، وهل أثير العداء الديني ولم نبقَ في إطار التأجج الحربي، لست أعلم، وعلى الحكم العراقي ان يفتش. ولكن من يسائل الحكم العراقي؟

ممنوع على المسيحي ان يثأر. هو تحديدا غافر لقاتليه. ولكني لا أستطيع ان أقبل قتل عربي لعربي بسبب من ديانته. هذا أولا ليس موجودا في الأصول. ولم تكن -على حد تحصيلي- قاعدة العداء بين الأكثرية والأقلية واردة في العراق قبل هذه الحرب. هناك قتل مجاني لا أستطيع فهمه الا إرادة في تشتيت المسيحيين في ذلك البلد العظيم. من هو صاحب هذه الإرادة؟

أفهم أن الأميركيين ليسوا غيارى على المحافظة على الأقليات. لم يهتموا لها يوما. ونعرف اين تكمن مصالحهم. كنت أحسب أن الأقليات في عهدة الدولة. لا يبدو ان هذا تحقق في هذا البلد الشقيق او ان ثمة فيه دليلا لتحقيق ذلك. لست عالم نفس ولكني أتمنى أن أعرف من علماء النفس ان كانت الحرب الأهلية تثير شعور بغض ضد الأقليات. هل المقتول دقائق قبل ذبحه يحس بأن القاتل أصبح حقا عدوا لشعوره الديني في نفسه؟ ليس عندي عن هذا جواب. ولكن توضيح هذا الأمر أساسي لمعالجة مستقبل التعايش إن كان ثمة أمل في التعايش؟

# #
#
أرفض على ضوء هذا أن يقول لي أحد: الدنيا قائمة قاعدة، وفي جو هذا التخبط العام يقتل (بضم الياء وفتح التاء) المسيحيون. هذه الحجة مردودة اذ لم يشترك المسيحيون في الحرب. وهذا تهرُّب عند أولي الفكر والإخلاص هناك من التأثير على الدولة لتكون دولة. وقبل كلامهم مع أهل الحكم واجب كل العراقيين ان يصرخوا ويحتجّوا جهارا ليزكّوا ضمائرهم ويبنوا معا عند انتهاء الأحداث وطنا حضاريا.

لست مدمنا على قراءة الصحف لأعرف عما اذا كان مسلم واحد في لبنان صرخ بوجه الجناة العراقيين. أهمية الأمر ان يشهد هذا المرء بأخوّته للمسيحيين في الموصل وبغداد وسواهما او يشهد للمشاركة في العروبة. الصمت قتال. يشعرك انك غريب.

سألني غير مسيحي في لبنان: ماذا سيحل بنا بعد محاولة الإبادة لمسيحيي العراق؟ كنت أعزيه بقولي ان مسلمي لبنان ليس فقط يحبوننا ولكنهم يلحّون على أن بقاءنا معهم ضروري لهم كليا. كنت أقوله لإشاعة السلام في القلوب والإقناع بالتعاون مع المسلمين. ولكني أريد ان تقوى قناعتي بأن ليس هناك رغبة في فئات جهادية تكفيرية ولكنها قوية بإجلاء المسيحيين عن طريق الخوف.

# #
#
ما جرى في مصر اعني قتل أقباط من حيث الكيف او المعنى والبغض الذي هو المعنى الكبير ليس جديدا. هذا أمر ظهر منذ عدة سنوات والحكم ايضا لا يتحرك كأنه يخشى الجماهير او بعض الكتل الأصولية. الا تذكرون ان الأقباط كانوا في طليعة من جابه الانكليز في ثورة 1919؟ ألستم تعلمون ان المنظّر الكبير لحزب الوفد كان مكرم عبيد المسيحي. ألم تقرأوا ان البابا شنودة رفض دائما ان يستعمل لفظة أقليات إزاء التحرش الأميركي الذي كان يريد دائما ان يثير هذه المسألة بناء على شرعة حقوق الإنسان؟ المسيحيون في فلسطين التاريخية أمسوا 2% من السكان. القدس التي كان القسم الكبير منها مسيحيا قبل احتلالها أضحى المسيحيون فيها لا يتجاوزون عدد السكان في قرية مسيحية كبيرة في لبنان او قريتين.

ما الفرق بين الجلاء والإجلاء؟ الجلاء شريط من حرير لا يقتل، والإجلاء شريط من حرير يخنق. الحل في ايدي المسلمين العاقلين الأطهار والأقوياء معا. كيف تصنع آلية للجم القتلة، لست أعلم. التأسف الكلامي لا يكفي. الاحتجاج الصارخ لا يكفي. الإسلام لا يأنف ان يستعمل القوة داخل الدولة او خارج الدولة. ان يباد مئات العراقيين مشكلة كبيرة. ان يُذبح عشرة اقباط او اكثر كل سنة في الصعيد مسألة مطروحة حول الكيان المصري وشرعية الحكم فيه. ازاء كل هذه الفظائع لا يستطيع الوجدان الإسلامي ان يبقى متفرجا ولا سيما ان الألسنة والأقلام تتكلم من زمان طويل جدا على سماحة الإسلام. هل يبقى هذا في حدود الأُمنيات ام تصبح المجتمعات الإسلامية حقا مجتمعات حرة لكل مخلوق عاقل؟

نحن نريد ان نعيش مع المسلمين بالمعنى الأوربي لكلمة حرية، ونريد سلام الله عليهم وازدهارهم الكامل على كل الصعد. هذا ما يقوله على الأقل أتقياء المسيحيين. لست أتحدث هنا عن لبنان حيث القلوب واحدة وفي رؤيتي انها موحدة في صدق كائنا ما كان شكل الحكم او تنظيمه. ولي الحق ان أتمنى صمود الإخوة المسلمين ضد الحركات المتعصبة التي تعمل ضدهم بالقوة نفسها التي تعمل بها ضدنا. ولكن المثال اللبناني لا يقي من التحرك الذي قد يأتي من الخارج.

هذا التحرك يحتاج الى تنديد إسلامي من عندنا والى تحريك إسلامي لبناني لتعليم العرب الحرية لكل أجناس البشر أكانوا قريبين أم بعيدين بعضهم عن بعض في العقيدة. ليس المجال هنا لأشير الى ما يحدث في الباكستان وأندونيسيا ضد المسيحيين. انا اؤمن ان المسلمين العرب هم معلّمو الإسلام السمح في العالم. ولكن هذا يقتضي ايمانا حقيقيا بالحرية الكاملة. كيف يستخرج أئمتهم هذا من تراثهم، هذا شأنهم، وليس عندي صبر لأنتظر الى الأبد الاعتراف بحقي ان أبقى جسديا. هذا من شأنه ان يفيد كل الناس الذين يطلبون الله.

الإله الذي يعبده المسلمون طمأنينتي.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

بركات النور / السبت 27 شباط 2010

أن احذروا الغنى التي علّمها يسوع الناصري، بتعبير او بآخر، تدلّ على أن كلّ ما يفهمه الإنسان يزيده رونقًا او جمالا او فهما ويسرّ به او يعتدّ كأنه مُلك له. نحن لا نملك شيئا لأن كل ما نلتمع به ورثناه بتكويننا الجنيني او سكبه الله في النفس. مواهب من الطبيعة او مما فوق الطبيعة وانت استلمت وما استلمته لا فضل لك فيه. تحافظ عليه وتُنميه او تعطّله او تؤذي نفسك به ولكنك لست بشيء.

أفهم الجهد وأهميّته في تنمية العطايا ولكن اذا كانت تضاعيف دماغك غليظة فلن تصبح ذكيا الى الأبد، والتي وُلدت قبيحة قد تُسعفها عمليّة تجميليّة ولكن الى حد. تقبل نفسك كما انت فليس مصابا أن تكون قليل الفطنة وليست كارثة أن تكون الفتاة قبيحة الوجه إن كانت حلوة النفس، طاهرة السيرة.

الجمال لا ينتمي الى عالم القيم لنعترف له بمكانة في سُلّم القيم. هو مجرّد واقع لا نعرف له غاية الا اذا احتسبنا انه نافع في علاقة الجنسين اذا اجتمعا. ربما كان لله مقصد في هذا. هذا في عالم الإنسان وليس في عالم كل الأجناس. ولست أظنّ أنك تستطيع أن تتعمّق أكثر من ذلك. ربما أفاد هذا في عالم الشعر. غير أن القرآن حذّرنا من الشعر بقوله: «والشعراء يتبعهم الغاوون» (سورة الشعراء، 224)

لا يضرّ الإنسان أن يحمل جمالا جسديا ليس منه ولكنه مدعوّ أن يفهم انه ليس هو صانع هذا الجمال وأن الاعتداد به تاليا مرفوض لأنه نكران لعطاء الخالق واعتبار الجمال مُلكا لصيقًا بمن ارتداه وهو ليس أكثر من رداء. طبعا لا يملك الجميل قدرة على القبح، وعندي أن ليس عليه أن يشكر لله هذا الرداء الذي ارتداه لأنه موروث الطبيعة ولم يهبط من السماء.

الجمال خطر ككل غنى، خطر التصوّر أن المخلوق قد يأتي بديلا للخالق ويسرق فضله. قد يعي البهي بهاءه او لا يعيه. الوعي او عدمه في هذا المجال كلاهما تافه. كل هذا من عالم التراب.

مرّة كنت أحضر في روما تنصيب كردينال كانت بيني وبينه علاقة عمل في مجال تقارب الكنائس وكان للشماس دور عظيم في هذه الحفلة. ولما انتهى هذا من أعماله صرخ بهذا القول الكتابي: «هكذا يَعبُر مجد العالم» ليحذّر الشماس الكردينال من الاستكبار.

اذا نزل عليك مجد الله واعتبرته لنفسك تكون كمن حسب نفسه إلهًا اي تكون قد وقعت في الشرك. لذلك نقول في الرهبانيّة: «ان الراهب وهو بتول اذا فقد المحبة يفقد بتوليّته». انت فقير وبفقرك وحده تنظر الى وجه الله ليصير لك وجه. واذا حصل هذا لا تستطيع أن ترى وجهك، واذا استكبرت وأخذت مرآة لترى نفسك تصير لا شيء حسب قول مأثور عندنا: «من اشتهى انتهى». تنوجد انت بالفقر فقط. كل استعراض زوال للعارض لأن الله يُفني العارضين «حَطّ المقتدرين عن الكراسي ورفع المتواضعين، ملأ الجياع خيرات والأغنياء أرسلهم فارغين» (لوقا  1: 52-53)

المجد اذا نزل عليك من الله تعيه نعمة ولا تعيه مُلكا. فقد شاء الرب أن يُكلّلك به لقصد يعرفه هو ولا يكشفه لك الا اذا أراد أن تعي مسؤوليتك عند استلامه. من استلم النعمة فقير وعليه أن يعي فقره ليستغني. أما من نسب فضلًا الى نفسه فيمحوه الله. لذلك كانت خير صلاة صلاة التسبيح فهي تفوق دعاء الطلب او السؤال اذ فيه تنال ثم تشكر. اما في التسبحة فلا ترى الى نفسك ولكنك تنظر الى وجه الله فتحبّه وتصبح كلك حنانا.

#   #

#

لعلّ ما يُغري حتى الفتك هو استلذاذ الذكيّ ذكاءه. وما كان ركيزة عقله هذا الدماغ الموروث وقد عمل هو على حرثه. من الكتاب الإلهي نعرف أن الشيطان ذكيّ ولعله سقط من غرور. اما الأعلون في البشرية المتقدسة فليس عندهم وقت ليروا الى أنفسهم اذ يُبصرون فقط وجه الرب. عنده أن من زيّنهم عقلهم ليسوا في نظر الخالق أدنى اليه من المحدودة عقولهم اذ لا فرق عنده بين الناس إلا تقواهم.

ليس ما يدلّ على أن من يسبر غور أسرار الكون يقترب من سر الله. هذه قضيّة قلب: «يا عبد كل شيء قلب» وهذا له ذكاؤه الذي يتصل او لا يتصل بالعقل. وعند آبائنا أن العقل لا يدرك حريته الا اذا نزل الى القلب فتَطهّر فيه ثم صعد الى مكانه. وعندنا أن هذا التلاقي لا يتمّ الا بنعمة من عند ربك وعندئذ يبدأ العقل رحلة التواضع. في هذا المقام تكون الطهارة قد بلغت ذروتها ومن بعد ذلك ليس الا الرؤية.

الذكاء فيه رئاسة وهو خطر ككل رئاسة وسلطان. هذه ليست دعوة الى أن تضربه لأن في ذلك لونا من الانتحار. انها دعوة اليه الا يعمل الا بدءًا من الكلام الإلهي المدعوّ أنت ان تصوغه ببراعة بشرية لا زهو فيها ولا اعتداد «ليكون الفضل لله لا لنا». ووظيفتك عند الناس ما عبّر عنه القرآن: «فذكّرْ انّما انت مُذكّر لست عليهم بمسيطر» (سورة الغاشية، 21و22) بمعنى أن ذكّر بالكلام الذي نزل من فوق وانت اياه مُبلّغ. استحسن الأسلوب. هذا شأنك وليس ربك ضد الإبداع البشري اذا صحّ اننا مبدعون.

قد يأتي الرد عليّ أن الذكاء جاء بالعلوم والفلسفة والآداب وما اليها وهذا جميل. الله لا يهمّه الجمال ولا يهمّه العلم. همّه الحقيقة التي فيك والقادر انت أن تعطيها. العلماء يقتربون من الحضرة الإلهية او لا يقتربون. الأذكياء ليسوا مضمونين من قبل الرب. هو يبارك فقط للفقراء اليه الذين يعرفون انهم يأتون من رضائه. هذا الذي يُكوّنهم مما يفوق كلّ عقل ووصف.

يؤثّر فيّ الغافل عن العلم اذا أتاه ربّّه علما لدُنِيا (بضمّ الدال وكسر النون) ينكشف له كل حب يعلو به. اجل يحتاج الإنسان الى أدوات المعرفة ليتدبّر أمور دنياه. وهو لا يتدبّر في العمق البشريّ شيئا إن فاتته خبرة المحبة التي ليس قبلها ولا بعدها شيء وهي التي تخلص الفطِن والغبيّ بالقوة نفسها. وكلاهما يُدان بالحدّة الإلهيّة الواحدة على فكرهما وأعمالهما.

لستُ أعرف روحانيا واحدا في تاريخ التوحيد احتقر العقل. ولكني أتعجّب دائما من الذين لا يعرفون حدوده ولم يسمعوا بسقطاته او بخطر استكباره. انا ما تكلّمت على القلب المائع بذاته. هذا هو ايضًا استكبار. ولكني كما أخشى صلابة الانفعال وعصبيّة القلوب أخاف من انغلاق العقل على ذاته. هذه ربوبيّة مشركة. اما اذا تذلّلت في حضرة الرب فتفتح أبواب العقل والقلب معا وتكون اتخذت لنفسك مقاما علويا هو مقام العشق.

ما أجمله موقفا للفاهمين أن يساووا أنفسهم بمن دونهم فهمًا اذ يكونون قد شهدوا أن الخلاص هو المحبة. وهذه هي التي دبّرت العقل عند بدء المعرفة في الحضارة التي ورثنا.

كلّ آبائنا قالوا إن الخطيئة الأولى والكبرى الى يومنا هذا هي الكبرياء التي اذا حللتها كانت خلع الألوهية عن الله لكونها عبادة للذات. اما اذا تقبّلت العقل الإلهي فيك تتأله كما يقول الروحانيون في كل مجالات التوحيد. هؤلاء وحدهم يحقّقون في ذواتهم: «قل هو الله أحد» (سورة الإخلاص، الآية الأولى). أما من أقام نفسه منعزلا عن الحكمة الإلهية فينسب الفهم الى بشريّته وحدها.

الجمالات التي هي فقط من الدنيا بما فيها الجسد ولذّاته وسلطانه ورونقه انما هي في حقيقتها زينة لأهل الدنيا وتذهب بهم كما تذهب بدنياهم اي الى التراب اذ كانوا ترابيين. اما الذين استضاؤوا بالنور الإلهي فيصيرون قامات من نور ويعرفهم ربّهم على أنهم له الآن والى أبد الآباد. هؤلاء يقومون فقط أمام الله ويجيئون منه الينا ونحيا ببركاتهم.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الفقر / السبت 20 شباط 2010

الصوم زمان الفقر. أيا كان أمرنا مع القاموس نستعمل لفظة الفقير ولفظة المسكين مترادفين. على ضوء هذا أقول انّ الفقير هو الذي عنده حاجة لا يصل اليها. والحاجة إن تعسّرت تُوجعك. وحيث لا وجع لا حاجة. لهذا كان الناصري الذي توقّع آلامه هو نصير الدائمين في الحاجة اي الواقعين تحت لعنة الدهر، المقصيّين عن انتباه الميسورين، المرميّين خارج الإشفاق وبخاصة خارج المحبة. انهم الطوافون على الأبواب اذا تسوّلوا او الباكون على حرمان أطفالهم من العشاء او الفطور وأعرف عن بعضهم أنه كان يُغمى عليهم في الحرب في إحدى مدارس بيروت اذ لم يجد لهم ذووهم لقمة عيش في بعض أحوال الضيق.

انهم أذلّة ولو جاءتهم صدقة لأن الشعور بالمحرومين كثيرا ما لا يرافق العطاء. هؤلاء كما أصفهم هم المحكيّ عنهم في الإنجيل. ويسوع الذي كان منهم يسمّيهم إخوته الصغار، ونحن نعرف أنه هو وتلاميذه كانت بعض التابعات له يتصدّقن عليهم. وكانوا يأكلون من السمك الذي يتيسّر لهم من بحيرة طبرية ولست أرى دخلا آخر للجماعة. وربما كان بعض مناصري يسوع يتصدّقون عليه ايضا اذ كان بين تلاميذه من يتولى الصندوق وهو يهوذا الإسخريوطي. نعرف أن من كان عندهم أموال هم الصدوقيون. اما باقي الشعب فكان وسطيّ الحال او دون ذلك بكثير.

في هذا الوضع كان للناصري تعليم عن الفقر واضح وتاليا عن الغنى. هناك كلمات على الأغنياء تبدو قاسية. هل هي صورة عن الصدوقيين الذين ما كانوا يؤمنون بالقيامة وكانوا عملاء للاستعمار الروماني. أدنى درجات خلافهم مع السيد انه هو كان يؤمن بالقيامة. والولاء للرومان كان بلا ريب خروجا عن الأمّة. غير أن الأهم من كل ذلك أن كان ثمة المعروفون بالفقراء الى الله وتقديرنا أن مريم كانت منهم وأن زكريا أبا يوحنا المعمدان (او يحيى) كان ايضا منهم وزوجته أليصابات كانت نسيبة لمريم. هؤلاء وصحبهم كانوا مقصيّين عن الذوات في إسرائيل.

*       *

*

بغضّ النظر عن كل هذا التأمل التاريخي، يمكن إيجاز فكر المسيح في موضوع الغنى أنه خطر على صاحبه لكونه شهوة جامحة قلّما يستطيع صاحبها أن يتحرّر منها او لا يقدر على ذلك بقواه الشخصيّة. ويتمكّن من السيطرة على نفسه اذا استولى الله عليها. المطرح الكلاسيكي هو حديث يسوع مع شاب غنيّ حفظ شريعة موسى كلّها وسأل السيد بعد هذا «ما يعوزني؟». أجابه يسوع: «اذا أردتَ ان تكون كاملا فاذهب وبعْ ما تملكه ووزّع ثمنه على الفقراء وتعال اتبعني» (متى 20:19 و21). لست أعتقد أن المسيح يريد لنفسه فئة كاملين وفئة غير كاملين. ليست هي توصية الكمال الرهبانيّ كما ذهب بعضهم اذ لم يرد حرف واحد على الرهبانية في الأناجيل الأربعة. عندي أن القول موجّه الى الشاب بالذات الذي كان تعلّقه بالمال يمنعه أن يكون كليا لله. مُلك هذا الشخص كان يمنعه أن يلتصق بيسوع. لذلك قال له اتبعني. المعنى أنه يجب أن نقطع من ذواتنا كل ما يحول دون اتّباع الرب بصورة كاملة.

بعد هذا يصل يسوع الى تعليم يتجاوز هذه المقابلة فيقول لتلاميذه: «الحق أقول لكم يصعب على الغني أن يدخل ملكوت السموات». استعمل فعل صعب وليس استحال فأكمل فكرته بقوله: «مرور الجمل في ثقب الإبرة أسهل من دخول الغني ملكوت الله». صعب جدا على الغني دخول ملكوت الله لأنه يتّكل على ماله. يظن ان ماله يخلّصه. غير ان التلاميذ لما تعجبوا من هذا القول قال لهم: «هذا شيء غير ممكن عند الناس، اما عند الله فكل شيء ممكن». السؤال الذي يطرح نفسه هو هذا: هل يصنع الرب أعجوبة فيخلّص الغني المتمسك جدا او كليا بماله ولا يفعل شيئا للناس؟ السؤال التالي هو ماذا يعمل الغني لينقذه الرب من الجشع، من عشق الفضة كما نقول في بعض صلواتنا؟

المقطع الذي لا يقل صعوبة عن الحوار مع الشاب الغني قول السيد في متى ايضًا: «لا تجمعوا لكم كنوزًا على الأرض… بل اجمعوا لكم كنوزا في السماء… فحيث يكون كنزك يكون قلبك» (6: 19-21). اين يكمن الخطر؟ كسب المال عملية تستغرق قوى الإنسان وتقوده بسهولة الى نسيان الله. هناك خطر البخل والاستعلاء والاعتداد بالنفس القادرة على الربح. إغراء الأغنياء أن يتصوروا حذقهم طريقا الى الكسب الكبير. ينسون الإخاء الذي يأمر بالعطاء. ينسون الموت.

هناك اغنياء في الإنجيل ربحوا الملكوت مثل زكا العشّار، نيقوديمس، يوسف الرامي.

عندنا كلمة اساسية في متى وهي «محبة الغنى» (13: 22). لعلها مفتاح هذا البحث كله. مقابل الغنى لا يرد كثيرا على لسان يسوع الدعوة الى تبديد المال على المساكين. يقابل عنده غرور الغنى الاستغناء بالله. غير أن تعليمه الجارف عن محبة القريب اي كل انسان يسوق الى العطاء. ولم يكن ليسوع ان يتوسع في موضوع العطاء الذي كان كثيرا ما ورد في المزامير واشعياء وبقية الأنبياء. يسوع لا يوازن بين البخل والإحسان ولكنه يوازن بين عشق المال وعشق الله والباقي يأتي زيادة.

*        *

*

يأتي بولس بعد السيّد ويهتم بجمع مال من الدنيا كلها لفقراء أورشليم ويتحدّث عن المشاركة. واذا تابعنا ما جاء في رسالة يوحنا الأولى الجامعة عن أن الله لا تعامله الا كما تعامل الإنسان الذي تراه، نفهم أن الفكر الجامع الذي انبثق عن يسوع الناصري شاع عند أتباعه ومفسري كلمته ولاسيّما عند الآباء القديسين مثل باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم القائلين بأن الإنسان لا يملك شيئا بل هو مؤتَمَن على ملك الله الذي في يديه. بكلام أوضح، التعليم عن الفقر والغنى لا نستكمله الا اذا تتبعنا الخبرة المسيحية في العطاء مبنية على إقامة المؤسسات التي شُيّدت لخدمة الفقراء وعلى تعاطي بعض المومنين وأوّلهم الرهبان الفقر الاختياري الكامل حيث لا يملك أحد فلسًا واحدًا.

لا يمكن فهم التراث المسيحي في هذا المجال الا في هذا أن الرب يريد نفسه حبيبا واحدا لك. ليس انه يريدك جافّا او فاترا مع زوجتك وبنيك وبناتك وأصدقائك ولكن كل هذه المودات وان وجب ان تكون قوية ليست الحب المطلق وفي هذا في الإنجيل كلام كثير.

البنية الأساسية في المسيحية هي انكم جسد المسيح اي قائمون في التماسك الكامل والتعاضد المستمر واذا كنتم جسد المسيح فالإخوة أعضاء فيه أفرادا وما لي هو لك وما لك انت مدعوّ لخدمتي به ولستُ مخوّلا ان أسرقه لكونك أخي. جماعية المُلك هي الأمر الإلهي وانت هالك إن لم تنفّذها بما يوجعك. اما اذا بقيت متكلا على ما عندك ومستريحا جدا لما عندك فهذا فيه عطاء قليل لا يخلّص نفسك ولا يستريح الفقير به.

هذا لم يوضع له ميزان او نسَب او حصص. هذا ليس متروكا لتقديرك الدنيوي. انه متروك لحبك الكبير الذي لكونه لقاء الإخوة يصير لقاء الله. وانت تخلص اذا رأيت وجه الله. وهذا لا تراه الا في المريض والحزين والفقير والمعزول والمهمّش. ان تذوب في كلّ هؤلاء مهما كلّفك الأمر قد يوصلك الى أن تشعر بأنك ممحوّ من دنيا الكبار والنافذين والفاهمين مصالحهم بحيث يحسبونك على شيء من الهبل.

هذا وحده يوصلك الى رؤية الحقيقة.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الصيام الفصحيّ / السبت 13 شباط 2010

نحن فصحيّون أو نشتهي أن نكون كذلك. سندخل بعد يومين في هذا التوق بالصيام المسمّى الأربعيني وهو تربية تُقوّي فيها هذا التوق يوما فيوما وجهادا بعد جهاد لنستحقّ صبغة النور في عيد القيامة. نور للروح ونور للجسد في المساكنة التي بينهما الى حدّ التلاحم. ونحن لسنا في حديث قمع أحدهما للآخر. وإن أباحت اللغة استعمال كلمة إماتة فليس لنتحدّث عن إماتة للبدن، ولكن لكي نتكلّم على إماتة الأهواء والشهوات النابعة منها بغية اتحاد كياننا وكيان المسيح. بلا معرفة هذا الهدف، يأتي صومك متعة حرمان بشكل حمية.

ليس عندنا أمر إلهيّ بالصوم في الإنجيل. ولكن عندنا ما هو أبلغ، أعني صيام المسيح في البرية عندما كان يجرّبه الشيطان. أما زمان الصوم وتنظيمه وأطعمته فرتّبتها الكنائس منذ القديم كلّ واحدة منها في خيارها حتى اصطلحت الكنائس على أن نخصّص فترة أربعين يوما للرب متهيئين للعيد. وقد فهم آباؤنا في خبرتهم الروحية وبعدهم فرويد أن لذة اللسان واللذائذ الأخرى مترابطة، وأنك إن استطبت كثيرا وفي شراهة او رهافة تذوّق ما يؤكل يجعل تشهّيك خطرا على النفس، وتدرك أن الانكفاء عن بعض طعام وعن الخمر يقرّبك من الهدوء، والهدوء الداخلي يهيء لك سبل الرؤية وربما سبل الرؤيا.

لذلك كان قومي الى عشرات من السنين يتناولون وجبة واحدة في اليوم بعد أداء صلاة الغروب، وهذا أمر تحدّث فيه القديس أبيفانيوس القبرصي في القرن الرابع، وكان ذلك قبل التشريع الكنسي الذي اتّخذ فقط في المجمع الخامس- السادس في اواخر السابع.

ثم استرخينا، ولانعدام النص المقنن، أخذنا نفطر عند الظهر، ولكن استسلمنا بالصلوات كلّ يوم اذ الصلاة عندنا هي الغذاء سألني أحدهم مرّة: ماذا تأكلون؟ قلت: «نأكل صلاة». لست أعلم اذا هذا المرء فهم جوابي ولكني أعرف حقيقة جوابي. كيف تدخل في الحركة الصيامية كلها وكيف تسوق نفسك الى ضياء الفصح ذلك كان السؤال، وإن لم تفعل هذا فأنت مستغرق في جسدانيتك حتى غور أخطائها. هل تريد أن تستبق الانبلاج لأنوار العيد لتعرف نفسك إن كانت ذوّاقة لعيد الأعياد وموسم المواسم أَم يكفيك تراكم الأيام تافهة عليك؟ هل أنت متململ حتى تجنح ام تقودك الأيام في حزنها؟

*        *

*

هناك غير البعد التقشّفي الفردي. هناك لصوقنا بالجماعة. نحن نصوم معا لكوننا نستقبل القيامة معا. انت تتطهّر مع الإخوة وفي سبيل الإخوة. نحب أن نعرف أننا جسد المسيح في الجهاد الواحد، في التوثّب الواحد انتظارا لليقظة الواحدة اذا حان حينها.

هذا يرافقه تتابُع مع الصلوات المفروضة وتلاوة الفصول الإنجيلية الموضوعة ولا سيما في الآحاد وهذا كلّّ مسبوك او منسوج لكي ما ترقى من درجة الى درجة في العبادة ومن العميق الى الأعماق لأن النفس الصائمة تحب أن تحب وأن تشفّ لتتقبّل النعمة الراضية عنها وتكونها في بلّورية السلام.

نحن نعرف أن آباءنا الذين رتّبوا القراءات يوما بعد يوم وأحدًا بعد أحدٍ وذكرى قديس بعد ذكرى إنما كانوا صوّامين يوصلون الصلاة بالصلاة والدعاء وبالدعاء، تعبهم راحة، وانتقاص الأشياء عندهم غنى لكونهم يستغنون بما ينزل عليهم ولا تفوتهم بركات ويبلغون نهاية عزمهم متحسّرين على انقضاء صوم مبارك.

ماذا نزل على أكابرنا حتى نسقنا كل هذا الجمالات خلال سبعة قرون وأن نلازمها بدا لنا الحياة. لذلك نتوب في هذا الصوم او نحاول. كيف نصبح ناسا جددا هذا كان السؤال. كيف تتحول وجوهنا الى وجه يسوع هذا يبقى الهمّ. في هذا يتبيّن ايمانك لأن بعض الإيمان مراس والمراس وحده برهان الحب. الكلام في الروحيات بعض روحيات ولكنه ليس كلها. الكل في المصلوبية التي تفرضها المحبة. وفي مصلوبيّتك تنتظر تفجر القيامة على رجاء أن تزول عتمات الخطيئة كلها.

في هذه الأربعينيّة المقدسة وفي تلألئها تشبه كنيسة الأرض كنيسة السماء. كيف تأخذنا الأشواق؟ الكلمات الخارجة من فم الله تصير هي الشوق والإقامة معًا. فالسماء تنزل عليك شرط صعودك اليها.

*        *

*

السماء تنزل عليك وعلى الإخوة الفقراء اذا أحببتهم اذ كان أحد العناصر التي أوجبت الصيام قبل تقنينه في القرن السابع أن ما يوجبه الصوم التصدق على الفقراء بثمن الطعام الذي يمتنع المؤمنون عن استهلاكه، فقد كتب احد الآباء المعروفين بالمُدافعين عن الإيمان الى الامبراطور داعيا إياه الى عدم اضطهاد المسيحيين وذلك في القرن الثاني اذ قال ما مفاده اننا نحن المسيحيين عندنا حسنة، وهو أننا نُمسك عن الطعام إن وجدنا بيننا فقيرا لا يأكل. وقد قال القديس يوحنا الذهبي الفم المتوفى السنة الـ 407 أن روما لم يبقَ فيها فقير وثنيا كان أم مسيحيا بسبب عناية المسيحيين بكل الفقراء. هذا ما يدلّ على ارتباط التقشّف الشخصي بالمحبة الأخوية. وما يدل على أن المسيحية مركّزة ليس على التطهّر الذاتي وحسب ولكن على التعاضد والتمسك الجماعي. هو التنسك من أجل الإخوة.

من الواضح أن روحية الصوم الأربعيني هي التي أثّرت في نشوء الأصوام الأخرى. توزيع الإمساك على فصول من السنة مختلفة يجعل لممارسة الصوم إيقاعات خلال السنة فيتربى المؤمن على الاعتدال ويحفظ نفسه في ما قلّ ليذكّرها بأن اهتمامها آخر. واذا جمعت هذه المواسم الى الإمساك يومَي الأربعاء والجمعة من كل أسبوع ترى أن معظم أيام السنة في الكنائس الشرقية صياميّ وما نتوخّاه من هذا أن نضبط النفس لئلا تستكبر.

«ادخُلوا من الباب الضيّق». تلك هي التوصية الضامنة للخلاص. المسيحية فعلية بحيث انها تسعى الى تطويع المؤمن لربه نفسا وجسدا وليست ضائعة بالتنظير والتخيّل. المسيح فيها حاكم للملكات البشرية كلها حتى تتناسق وتُنتج معا لتجعل الله سيدا عليها، واذا تواضعت أمامه يرفعها من الموت كما رفع حبيبه.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

كنيسة الخطأة / النهار، السبت ٧ شباط ٢٠١٠

عرّف المصلح الروتستنتي الكبير الكنيسة بقوله انها جماعة المؤمنين. عند القديس افرام السرياني عندنا تعريف أدقّ وهي انها كنيسة الخطأة الذين يتوبون. هذا يتضمّن اننا جميعا خطأة وان بعضنا يتوب. اما تعريف بولس الرسول وهو أدقّ منهما كليهما أنها جسد المسيح. انه هو رأس هذا الجسد المتكوّن منه والنازل منه، وهذا يستتبع أن ما نسمّيه الكنيسة كيانه المطلّ على التاريخ. انت من الكنيسة إن سكنك المسيح بمواهب روحه. هو إذًا يعرف من هم له ونحن نعرف بعضنا بعضًا بما يبدو أي بالمعمودية ومشاركتنا في المقدسات.

من هذه الزاوية ليست الكنيسة مؤسسة قائمة على تراتبيّة درجات او مناصب. هي حياة في المسيح كما قال الأب سرجيوس بولغاكوف العظيم. المنظور في الزمان والمكان مجتمع مسيحيين، تراكُم مسيحيين وهي رؤية في عالم الاجتماع اي ما يسمّى في لبنان طائفة قابلة أن تصير كنيسة اذا هذه الطائفة كانت تتحرك بالتوبة، اي اذا كانت تسير نحو مجد الله.

أنا وأنت نرجو أن نصبح من الكنيسة. وسيقول الله لك ذلك في اليوم الآخر. بانتظاره نحب بعضنا بعضا او نسعى، وإن لم نحب نبقى جماعة من الدنيا اي من السياسة، وليس لنا نصيب مع المسيح وليس هو نصيبنا. لذلك ليس في الحديث عن الكنيسة مكانة للعدد ولا للمال ولا للأوقاف. وأن يُعدّ المسيحيون حوالى مليارَي نسمة فهذا من باب علم الاجتماع وليس من باب اللاهوت. المسيحية نوعية وجود. في مجال الحق ليست الأجساد شيئًا. الى هذا ليست المسيحية عائلات ولا قبائل ولا رعايا منظمة إكليروسًا وعوامًا. هي الروح القدس فاعلا.

المسمّون مسيحيين بناء على معموديتهم فقط هشاشة لأن كل ما كان من العالم الهش. المسيحيون ليسوا من هذا الدهر. انهم من الدهر الآتي اذ وهبهم ربّهم المُلك الآتي كما يقول يوحنا الذهبي الفم في قداسه. لذا لا معنى لقول الناس ان موقف المسيحيين او بعض منهم هو كذا او كذا في سياسة العالم. المسيحية ليس لها كلمة في السياسة. قد تكون ثمة كلمة لمجتمع القوم المسمّى مسيحيًا. هذا لا علاقة له بيسوع الناصري. ما يُحزنني في بلدنا أن الطوائف المسيحية تتحدث في السياسة. هذا غير ممنوع عليها. غير أن هذا كلام يخصّها من حيث انها مجموعة من الدنيا اذ لم أسمع من زعيم من زعمائها أيّ ذكر للمسيح ولم ألحظ استقاء من الإنجيل.

يبقى أن هؤلاء المسيحيين غير الممارسين او الممارسين موسميا هم إخوتنا لكونهم معمّدين بالماء والروح او بالروح والنار. نهتم بهم اهتماما بالغا لأنهم خراف يسوع علموا أَم لم يعلموا. يستطيع الإنسان أن يجهل هويته. نقرأها له عنه يحبها فينتمي. الإنسان ينتمي الى الرب لا الى بشر. لذلك نسعى معا الى إصلاح ما يعتبرونه مؤسسة لأنها حاضن. والعبادات حضن واللاهوت المستقيم الرأي غذاء. كل شيء هو للإخوة.

عطاؤنا لا يمنعنا أن نتألّم في الكنيسة. قد لا تكون بيئة موجعة مثلها لأنك تتوقع الخطيئة في كل مكان وتتوقع أن تكون الكنيسة مكان البر. الذين ترجو منهم متعة روحية لا يصل اليك منهم شيء او يصل ما يخيب ويحزن ويعيدك هذا الى عزلتك في جماعة الرب. الكنيسة في واقعها التاريخي بشر والبشر واقعون في بشريتهم وهي عند بعض نتنة. عندما يصوم الرجاء يبتعد الكثيرون اذ كانوا يحسبون انهم يعاملون من عليه صبغة الله ولا تجد أية مسحة ألوهة على ناس فرضت عليك معاشرتهم واذا بقلبك يبكي في كل حين.

الجهالة الدينية في اوساطنا المسيحية مريعة. كيف يحيا ألوف من الناس بلا أدنى اطّلاع على أبسط أركان العقيدة؟ والمصلّون ماذا يفهمون من كلمات صلواتهم؟ هل نحن نجمع المؤمنين على مختلف أعمارهم ليذوقوا الإيمان ويحيوا به؟

هذا غياب. من المسؤول عن الجهلة ومن المسؤول عن تشويه الإيمان وعن تفه الكلمات التي يعرض بها. الجهلة ايضا أحباء يسوع. من يقول لهم انهم كذلك؟ يقول لنا علماء الإحصاء ان المسيحيين منذ ألفي سنة هم ستون مليار إنسان. هؤلاء كلهم ماذا عرفوا؟ ماذا فهموا؟ الى أين وصلوا بالحب؟

اذا كانت كلمة الله هي الإيمان اين كنا، اين نحن من الإيمان؟ بشر، بشر، بشر. المريع انك لا تجد إلها على الأرض. من مصلحة الناس أن يحسبوا إلههم في السماء اذا تربّع فوق هو لا يحاسبنا هنا. بلنأكل ونشرب لأننا غدا نموتا (1كورنثوس 15: 32).

من يشعر أن انطباق سلوكه على الكلمة هو كل حياته وأن ما دون هذه النوعية من الحياة لحم ودم ولهو وزينة. ولعل بعضا يتحرك وكأن الطقوس تعطيه كل شيء. عندي أنه في هذا التراث المسيحي او ذاك هي قمة الوجود او دسمه او فرحه. ولكن اذا سكرت في أشكالها ولم تمتصّ معناها لتُحوّلها الى نار فيك تصبح مائتة ومميتة. تنهي فيك التوثب الى أحضان الرب وتظلّ سجين هذه الأرض.

وتدخل في السجن اذا تحوّلت الكنيسة عندك الى مؤسسة. يهمك عدد الناس في طائفتك وأموالها وظهورها اليوم وأمجاد أمسها ومقارنة مجدك بمجد الآخرين. منافسة الأمجاد أنظومة دينية عند بعض بحيث تكون شاهدًا على ما هو بشريّ. تجمع في ذهنك وأحاسيسك ما يمكن تسميته دينا ولكنه ليس بالإيمان.

أجل لا معنى بلا شكل، بلا صورة وقد تكون الصورة غنية وكثيرا ما ذقنا الصورة ولم نذق معناها. قد تتعصب مثلا لما تسمّيه انت الأرثوذكسية ويكون شيئا بشريا بحتا لا علاقة له بالمضمون وتكون في الواقع مفتّشا عن نفسك، عن بقائك في هذا الدهر ولا سعي فيك الى ملكوت الله. أحيانا تصعد الى أطر الصورة اذ فيها جمال. تركّب لنفسك دينا جميلا ولكن ليس فيه روح الله ونعلنك ارثوذكسيا اذ ينبغي أن تنال جنازة أرثوذكسية تتوقع تأبينا لك فيها وتكون قد دخلت الكنيسة من بعد موت ليُقال عنك حسنا ولا سيما اذا كنت من كبار القوم. هذا الدين الحسّي يحمل في نفسه طيّات حياة وطيات موت ويُشيّعك كثيرون أرواحهم مائتة.

يبقى أن كل هذه الجماعات المهمّشة، المكسورة هي من إخوتك. انت لا تحكم على ما يبدو منها ولا تدين ولا تستعلي عليها. في رؤيتك اياها كثّف محبتك لها.  تدعو لها بأن تعرج على الله حتى تحبه يوما حبا كثيرا. تكون كانت بعضا من كنيسة الخطأة. تصبح بعطائك كنيسة خطأة تائبين وانت لا تعلوها لأنك ربما عدت عن توبتك. غير أني موقن أن من عرف التوبة يوما وسقط يعود اليها لأنه يعود الى نكهة ما ذاقه قديما في نفسه من جمالات الله.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الابن الوحيد / السبت ٣٠ كانون الثاني ٢٠١٠

الابن الوحيد اذا قيلت عن المسيح هي إياها الابن الحبيب. لم يسمّ في العهد الجديد ولد الله. مرة واحدة في رسالة يوحنا الأولى الجامعة قيل إنه مولود من الله. سُمّي الناصريّ مولود مريم. البشر نعتهم الكتاب بأنهم أولاد الله. القول اذًا إنه ولد من حيث هي تسمية غير واردة عندنا إلا في بعض المواضع الطقوسية النادرة جدا. الابنيّة او البنوّة هي التسمية. غير أني لست معالجا مصدر الابنيّة مباشرة كما ورد في دستور الإيمان النيقاويّ في عبارة بإله حقّ من إله حقّا. قصدي أن أصل الى هذا من بشرية المسيح.

         أتخذ معمودية الأردن منطلقا لكلامي على الابنيّة. قبل أن عمّده يوحنا  المعمدان أو السابق قال عنه هذا:بهوذا حمَلُ الله الذي يرفع خطيئة العالما (يوحنا 4: 29) أي انه في سياق الحديث عن موته وبعد اصطباغه شهد بأن هذا ابن اللها. هذا ليس قولا واضحًا عن أزلية العلاقة بين الآب والابن. هنا عندنا ابنيّة مكشوفة في بشرية المسيح المصطبغة في الماء. يوحنا الإنجيليّ ونهجه أن ينزل من ألوهيّة المسيح الى بشريّته يصعد هنا من البشرية الى الألوهة.

         متى الذي يركّز على البشرية يذكر المعمودية. بعدها «انفتحت السموات ورأى السيد روح الله نازلا مثل حمامة وآتيا عليه، وصوت من السماء قائلا هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررتُ» (3: 16 و17) هكذا عند مرقس بصورة شبه حرفية. كذلك لوقا.

         ماذا يعني هذا الكلام الواحد في سرد حادثة المعمودية في الأناجيل التي نسمّيها إزائية (متى، مرقس، لوقا) بسبب من تشابهها الكبير في عيد الظهور الإلهي (6 كانون الثاني) الذي يسمّيه العامّة الغطاس؟ تقول العبادات عندنا انه إعلان عن سر الثالوث المقدّس. ولكن لماذا يُنزل الله هذا الكشف بمناسبة صبغة المسيح في الأردن وهذه الصبغة نعرفها في لاهوت العهد الجديد ولا سيما عند بولس انها رمز لموت المسيح وقيامته (النزول في الماء هو النزول في الأرض، والارتفاع عنه ارتفاع عن الأرض).

         أظن أن مفتاح فهمنا لهذه النصوص المتشابهة هو ما ورد في إنجيل لوقا عن التجلّي.

#                                   #

#

         صعد يسوع الى جبل ليصلّي. لعلّ الجبل ثابور ولعلّه حرمون اي جبل الشيخ بوفيما هو يصلّي صارت هيئة وجهه متغيّرة ولباسه مبيضا لامعا، واذا رجلان يتكلّمان معه وهما موسى وايليا اللذان ظهرا بمجد وتكلّما عن خروجه الذي كان عتيدا أن يكمّله في اورشليما (٢١:٩-٣٨). هو في مجدٍ خرج منه، والنبيان في مجد نزل عليهما من فوق، وكان الحديث عن آلامه. هذا ما عناه القول: خروجه في أورشليم. ثم بكانت سحابة فظللتهم (أي التلاميذ الثلاثة الذين رافقوه الى الجبل). فخافوا عندما دخلوا في السحابة. وصار صوت من السحابة قائلا: بهذا هو ابني الحبيب. له اسمعواا (٢٤:٩ و٢٥).

         هنا على الجبل ليس عندنا عبارة بوبه سُررتُا، ولكن عندنا حديثه مع موسى وإيليا، وهنا أتجاسر أن أستقرئ أن ما قاله الآب على نهر الأردن معناه أن سرور الآب بالابن يدلّ بالدرجة الأولى على سروره بالابن المتألّم اذ هكذا تمّت مشيئة الآب. وأثناء الحوار مع النبيين انكشف المجد عليه ومنه على موسى وإيليا. الله يظهر على ابنه المجروح على الصليب وقد قال يوحنا الإنجيلي غير مرة ان الصليب مكان المجد.

         وإذا لم يكن من مجد في السماء وعلى الأرض إلا مجد الله من جملة هذه الأقوال نتبيّن أن موضع المجد الإلهي بامتياز كان جسد المسيح في جراحه. وعندما يقول يوحنا في مطلع كتابه: بوالكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا ورأينا مجده مجدًا كما الوحيد من الآبا. يكون قد ربط بين مجده ووصفه وحيدا من الآب. ووحيد وحبيب واحد في العهد الجديد. ويكون يوحنا مردّدا، على طريقته، ما قيل  في صبغة المعلّم في الأردن وتجلّيه على الجبل. ويكون نزل من كلامه عن الكلمة في بدء روايته الى بشرية المسيح ليرى مرتسما عليها المجد الإلهي.

         بعد نزول الكلمات تصاعدها. هذا ما نلمسه في أجلى بيان في بشارة متى اذ يقول: بليس أحد يعرف الابن الا الآب ولا أحد يعرف الآب الا الابنا (٢٤:١٠). هذه الآية لا يمكن فهمها ما لم ندرك أن جذر عَرَفَ، يعرف في كل الكتاب المقدس ولا سيما  في العهد العتيق لا يعني إلا تلك التي تربط الرجل بالمرأة. التي هي وحدة بينهما حتى صيرورتهما كيانا واحدا (وفي التكوين ثم عند بولس جسدا واحدا). اي ان الآب والابن معا، وبسبب من التبادل بينهما، يحب الواحد الآخر حبا يقف عندهما ويجعلهما كيانا واحدا. المحبة عندنا هي وحدة الألوهة وهي تشكل الرابط بين الوجوه الثلاثة (وهم ليسوا ثلاثة رقمية) ونسمّيهم الآب والابن والروح القدس.

         من كل هذه الأقوال نستقرئ أن فكر العهد الجديد يجعل كل مجد الله على وجه يسوع المسيح. الانسان البارّ والطاهر الذي فقد كل انفعال بشريّ وتنزّه عن كل شهوة نرى أن أنوارا إلهية ارتسمت على وجهه. هنا نرى أن بشريا واحدا مولودا من امرأة كما يقول بولس اسمه يسوع الناصريّ مصبوب عليه كل مجد الله وليس عليه أي ارتسام من مجد هذا العالم.

         لقد أراد الله لفهم سر علاقته بهذا الإنسان الفريد أن ينشئ جسده من مريم بروحه، وكشف أنه كلمته ومن معانيها أن ما يقوله هذا الإنسان يقوله الله نفسه بحيث أمكنك أن تهجّئ الفكر الإلهي اذا استطعت أن تقرأ وجه يسوع المسيح، واذا أحببته تكون قد أحببت الله، واذا استطعت أن تذهب معه الى الصليب حاسبا أنك ترى مجده في الحقيقة، قد تصعد الى مجد الله. من بطن مريم الذي اختاره الله له تتابعه خطوة خطوة في عجائبه وأقواله، فترى لمسات أبيه عليه لتصل الى الصليب حيث وضع الله عليه كل هندسته وكشفه لك مخلّصا.

         هندسة محجوبة بالدم ثم ينكشف الحجاب بالقيامة يسطع منه النور الذي بدا أولاً في نهر الأردن وثانية على جبل التجلّي وأخيرا على الجلجلة التي سكب الله عليها كل معرفته للكون وفيها ربط الله نفسه بالإنسانية جمعاء، فهي قد نالت الخلاص بهذا الإنسان الممزّق علمت أَم لم تعلم. وأنت اذا أردت المجد، كل المجد الممكن  لإنسان أن يتلقّاه تعرف المسيح طريقا وحقّا وحياة وتقف عند هذا، حتى اذا رفعه الله الى السماء يرفعك معه، واذا أجلسه عن يمينه ويُجلسك فيه عن يمينه لتصبح بشريتك بعد أن نالت المجد عديلة بقوتها وبهائها للألوهة القائمة من الأزل الى الأبد. والأبدية التي دُعيت انت اليها تجددت به أزليّتها لمّا حلّ الابن في أحشاء البتول بمعنى انك انت المخلوق بعد الأزل تنتقل بالحب الى ما قبل الأزل كأنك غير مخلوق.

         انت الذي أبدأك الله تصير كأنك غير مبدوء به لأن المسيح في سر محبته يكون قد خطفك الى عدم البداءة.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الحكم المدنيّ / السبت 23 كانون الثاني 2010

الحكم المدنيّ حكم وجوديّ أي قائم على وجود ناس مرتبطين بعضهم ببعض ببناء المدينة التي ينتمون اليها وامتدادا لهذا ينتمون الى تجمّع مدن وقرى يسمّى وطنا ويرثون هذا الوطن من التاريخ الذي جعله كيانا أرضيا يحتوي بشرا لا صفة لهم إلا بكونهم مجتمعين جسديا، متعاونين في تراكم إنساني، في تفاعل إنساني لا ميزة لأحد منهم على آخر واجتماعهم اجتماع مهن يعيش الكل بها لأنها متكاملة ونافعة لعيش واحد.

كل مهنة تستند الى الأخرى ومجموعتها اقتصادهم وفق المقولة الرومانية القديمة: «في البدء حياة وبعد هذا تأتي الفلسفة» اي انهم لا يجعلون أي معتقد عنصر مشاركة فيما بينهم. الحياة وحدها كما هي في بساطتها وجمالها ضمانة استمرارهم، ولا يحتاجون الى شيء غير الحياة يقضونها بينهم وفي عيالهم ولا أفق لهم سواها تنبسط امامهم كما ينبسطون عليها.

هذه قراءة الوجود البسيط الذي لا يسأل عن ديانة أحد ولا يسمح لديانة أن يكون لها انعكاس سياسيّ. والأمر ليس لمؤمنين دون مؤمنين من الطرف الآخر. الديانة تفسير، والوطن وجود لا تفسير فيه. فيه حق أدنى من الأخلاق المجتمعية الضرورية للتعايش بلا موت. ومعنى ذلك أنك لا تقتلني ولا تقصيني بسبب إيماني عن المعايشة الجماعية ولا تعطّل وجودي في الحكم ولا تسند الحكم تمايزا لفئة دينية تريد حكما يزعم أن السماء تكلّمت عليه.

انت تنظّم العيش مع كل اهل البلد يستلهمون ما يستلهمون ولكنهم لا يفرضون على حياة الأرض ما لا يرضى عنه اهل الأرض في معيّتهم. هذا لا يمنع فريقا أن يقترح ما يشاء، والاقتراح يقاس بما ينفع الأرض. الوطن فيه أديان مختلفة ومذاهب. هذه لأصحابها خيارات، ولكونك تحافظ على حياة الآخر تستقبل خياره بفرح ولا تفرض عليه شيئا إن لم يكن متأصلا بمنافع له ولك وذلك في عدل له ولك. وله أن يؤثر خياره لأنه هو خياره وتُسرّ أنت بحريته.

بكلام أبسط المجتمع العام يتعامل مع شرائح تنتمي الى ديانات مختلفة وهذه الشرائح تحيا بدياناتها وقد تستمدّ منها مواقف سياسية -لأن الدين في الحياة بما فيها الجانب السياسيّ- ولكن هذا لا علاقة له بالعدد ولا بتوازنات عددية. الأديان مصدر استلهام ولكن لا علاقة لها بقيام مؤسسات الدولة. قد تستوحي المصادر الدينية استيحاء لقانون وضعيّ، وقد يأتي القانون الوضعي حرا من اي استيحاء دينيّ ولكن لا يصدم ضمير الناس وإخلاصهم الروحيّ.


# #

#

عندما أقول حكما مدنيا اذًا لست أقول حكما خارجا عن القناعات الروحية عند الجماعات او مناقضاتها. اقول فقط ان المواطن ذو هوية وطنية اي يعتبر أنه عضو في مجتمع وطنيّ واحد ليس مؤلفا من أجزاء دينية. هذه لها وجودها الحر وشرعيتها وملء حقّها بامتداد غير قسريّ اي لا تقمع او تضطهد او يضطهدها آخر. وتخاطب بعضها بعضا لأن انقطاع الخطاب تقوقع وانقطاع حياة. الجماعات الدينية تتحاور دينيا اذا شاءت، وهذا من شأنه أن ينعش البلد. هذا مستوى والتحاور السياسي بين الناس وطنيّ ولا علاقة له بالطوائف لأن الطوائف لا وجود لها وطنيا. التلاقي الفكري او التباعد الفكري شيء آخر.

يتّضح من هذا الكلام أن المستوى الوطني والمستوى الطوائفي لا يلتقيان. إنهما هويتان مختلفتان كليا. عندما أقول ان المستويين لا يلتقيان أريد أن طائفتك ليست درجة من الوجود تصعد عليها لتصل الى الوجود الوطني. ذلك لأن الدين ايمان نازل عليك من الله ويمسّ قلبك ووجدانك وعقلك وسلوكك وتربيتك ومعاشرة اهل الإيمان الذي انت منه. وهؤلاء جماعة مستقلّة قاعدتها غير قاعدة الوطن الذي يأتي من هذه الأرض.

عند هذا السؤال الذي يطرح نفسه بالضرورة هو ما العمل اذا كان الناس يختلط عليهم المستويان الطوائفيّ والوطنيّ بحيث يرون أن الطوائفيّ يجب أن يخترق الوطنيّ، أن يدخل فيه، أن يستوطنه بحيث تتم سيطرة الطوائفيّ على الجمع الوطني او يستخدم الوطن للطائفة. في بلد كهذا أتوقع أن الارتفاع من الطوائفيّ الى الكيان الجمعيّ صعب للغاية، فاذا تطيّفت النفس لا ترتقي الى ما يجمع الناس كلهم ومعا: «ان النفس لأمّارة بالسوء» (يوسف، ٥٣).

لا يكفي الخطاب الداعي الى الوحدة الوطنية بمعنى تخطّي الطائفية. فالناس يعيشون هويتين على الصعيد السياسي. ليس شعور الإنسان بإخلاصه لإيمانه يعرقل التدرّج الى الوطن. المشكلة في خلط المستويين الطوائفي والجمع الوطني، تصادمهما هو المشكلة. كيف تجتنب التصادم، هذا هو السعي.
يسامحني القارئ إن بنيت كل هذا التأمل على قول المسيح «مملكتي ليست من هذا العالم» (يوحنا ١٨: ٣٦). هذا لا يعني أن المسيح لا يريد روحه أن يسود العلاقات البشرية. هذا يعني أن السياسة لها ذاتيتها المبتلة بالروحيات والخلقيات، ولكنها نطاق له قواعده وتقانته ولغته وأسلوبه وان ملكوت الله له قواعده ولغته وأسلوبه.

هذا يعني أن اللعبة السياسية تقوم على حكمة كبيرة تجعلنا نميّز بين مستويي الوجود في هذا الدهر، ولا يعني أني ادعو الى التضحية بالعدد والوظائف والمناصب في سبيل نوعية مرجوّة ولكنها غير محققة. في حكمة هذا الدهر، القويّ في عدده تدفعه شهوة السلطة الى استصغار الصغار والسيادة عليهم. أعتقد ان الحياة كما نعيشها تقضي بأن نحمي الصغار والقلّة لئلا يحقق عند الكبير كلام التنزيل القرآني: «ان النفس لأمّارة بالسوء» ويجب أن يتحقق بآن معا عند أهل الإنجيل: «مملكتي ليست من هذا العالم».

يبقى الأساس أننا لسنا من هذا العالم ولكنا فيه حسب قول يوحنا الإنجيلي.

أعلم أن كل الوجودات متشابكة في الحياة القومية وأن القدرة على التمايز بين الأشياء اي فصلها وجمعها لأمر في غاية الصعوبة. ولكن إن لم نسعَ الى هذا لا نبني وطنا ولا نبني دينا غير مكبّل بالسياسة. هناك تحرير للوطن من وطأة الطوائف وتحرر للإيمان من دخول السياسة اليه. هذا إصلاح يقتضي نزول نعمة الرب علينا وتربية اجتماعية كثيرة في قوّتها حتى نخلد الى السلام.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الإكليروس وعامّة المؤمنين / السبت 16 كانون الثاني 2010

كل بحث لاهوتيّ قائم على كلمة الله والتراث الذي ينقلها ويفسّرها. وكلمة الله ليست قانونا وضعيا ولا تتضمّن قانونا وضعيا. وليس من مقولة مدنية او سياسية ترعى النظام الكنسيّ. وما من قرار للسلطة الكنسية ذا قيمة او إلزام ما لم يكن موافقا لكلمة الله والتراث. فالكنيسة ليست مجتمعا ديموقراطيا قائما على سيادة الشعب وتنفيذ هذه السيادة بالتصويت.

الكنيسة كلها من حيث هي مرتبطة بالكلمة قال عنها الله مجتمعة: «أما انتم فنسل مختار وكهنوت ملوكيّ وأمّة مقدسة» (1بطرس 2: 9). وليست قائمة على تقسيم فئويّ بين إكليروس وشعب، فإن كهنوت الكاهن او الأسقف لا يخرجه من الكهنوت الملوكيّ الذي يحمله الشعب كله بمعنى أن من سُمّي إكليريكيا هو من الشعب له تفويض إلهيّ خاص من أجل إقامة الكلمة والأسرار، وهذا لا يجعله طبقة او طغمة اذ ليس في الكنيسة من طبقات.

هنا تجيء كلمة «علمانيين» المشتقّة غالبا من لفظة «عولم» السريانية التي تعني هذا العالم، وفي الفهم الشائع انها تترجم كلمة «لاييك» الفرنسية التي تحمل معنى دهريا ناتجا عن فلسفة الأنوار التي سبقت الثورة في فرنسا. وهذه اللفظة تختلف كليا عن الكلمة اليونانية «لاييكوس» التي تعني العضو في شعب الله، وللالتصاق بالمعنى اليوناني آثر آباؤنا العرب ترجمة لاييكوس بصيغة الجمع بلفظة العوام اي كلية المؤمنين ولا تحمل معنى الخفض لقيمة المؤمن العادي.

فإذا كنا جميعا شعب الله وكهنوتا ملوكيا وأمّة مقدسة على الرجاء، ليس من احتمال لقيام إزائية بين المرسوم وغير المرسوم بحيث توضع صلاحيات إدارية لهذا وصلاحيات لذاك، إذ الإدارة مقولة قانونية وليس في الكنيسة أصلا قانون بالمعنى الوضعي. واذا لم تكن ثمة إزائية لا يرد البحث عما يستطيع أن يقوم به الأسقف وعما لا يستطيع الا بتصويت هيئة من العلمانيين. فإذا وُضعت الأيدي (الرسامة) على رجل ليصير أسقفا، لا ينفصل عن «الأمّة المقدسة»، بل عليه ان «يسمع ما يقوله الروح للكنائس» (رؤيا 2: 7) اي للجماعات المصلّية المتغذية من جسد الرب. استمع ما يقوله الروح القدس ولا تسمع الى كل من سُمّي مسيحيا يحفظ مسيحيته على بطاقة هويته.

*       *

*

الأمّة المقدسة لا تعني اذًا مجموعة المسيحيين المستقيمي الرأي بالتسمية. هناك فرق بين مَن مارس ومن لا يمارس. المعمودية لا تكفي لتصير مسيحيا. إن لم يكن الروح الإلهيّ فاعلا في نفسك ومكوّنا لعقلك، فمعموديتك كانت مجرد حمّام على ما يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث. اذًا ليس من مسألة عنوانها الإكليروس والمجتمع الأرثوذكسي الحديث. ليس من مسألة عنوانها الإكليروس والمجتمع الأرثوذكسي المرصوص او المصطفّ. العلاقة بين الأسقف والعوامّ هي في الكنيسة حيث لا سلطة بمعنى القانون الوضعي. واذا قال المسيح «كل سلطان أُعطي لي في السماء والأرض» (متى 28: 18) يعني بذلك كل قدرة لأنه هو القائل «مملكتي ليست من هذا العالم». من يعرف شيئا من اليونانية يفهم أن العهد الجديد لم يستعمل مرة كلمة سلطة بالمعنى الذي يعرفه الشرع الروماني.

في الكنيسة سلطة المحبة فقط، وهذه المحبة وحدها تجعل الأسقف رقيبا (وهذا معنى لفظة أسقف)، فاذا راقب يراقب بمحبته واذا كان هو المعنيّ رسوليا ليكون رقيبا، فليس عليه من رقيب. هناك فقط المراقبة الجماعية التي يمارسها المجمع، وهي ايضًا ليست ذات طبيعة حقوقية. انها تأتي من محبة الإخوة المطارنة بعضهم لبعض.

هنا يأتي موضوع شكوى العلمانيّ على مطرانه. هذا يتم أمام السيد البطريرك ومجمع المطارنة بناء على تهم معلّلة مستندة الى القانون الكنسي القديم الذي يعدد ويصف معاصي المطران التي تستوجب محاكمته.

ليس واردا تاليا أن تشكل هيئة علمانية تُسائل المطران اذ تكون عند ذاك رقيبة على الرقيب. خارج مقولة الرقابة، كل مؤمن يسأل المطران ما يشاء. هذا سؤال وليس مساءلة. فاذا لم يستقبل المطران السائل، يلحّ هذا عليه مرة او مرات او يصطحب من يلحّ عليه لأن الحقيقة أقوى من المطران وأعلى. وإنه لشيء عاديّ أن تصدر الحقيقة عن العلماني. هذا ما تفرضه سلطة المحبة، والبنوّة تنادي الأبوة. والسؤال ليس فقط عن الأوقاف وأحوال المال، ولكن يتناول بالدرجة الأولى الأمور الروحية واللاهوتية اذا أخطأ المطران فيها أو كان في حاجة الى أن يتقوّى بها.

تقضي قاعدة المحبة بالشورى. وهذا ما كان ايام الرسل لما اجتمعوا في اورشليم ليبحثوا في قضية قبول الوثنيين في الكنيسة. الرسل رأوا انهم في حاجة الى استشارة الإخوة. ينتج عن ذلك أن الأسقف الذكيّ يستشير لعلمه بأنه لا يعرف كل شيء والتشاور يخفف عنه أعباء كثيرة وتأتي قراراته مستندة إلى قبوله بمن له تقانة وخبرة.

أفهم ان اجتماع عدة أشخاص حوله يزيده علما وقد يزيده تواضعا. ربما ليس صعبا على اي أسقف أن يجمع مجلسا استشاريا او شوريا assemblée délibérative  لها الحق في كل سؤال ويلزم نفسه بالاستماع اليها وأن تناقشه ويبقى مقيّدا بضميره وقناعاته اللاهوتية. واذا اقتربنا الى الواقع لا بد أن نلحظ بالممارسة أنه يشاور الناس بأمور دنياهم اذ لا بد ان يكون بينهم من أولي الاختصاص. وأزيد على هذا انه حسن أن يُخضع الأسقف ماليته الى مراقبة شركة للمحاسبة وان ينشر تقريرها او يبلغه الى المجمع المقدس (وعندنا في هذا قرار) فيبرئ هكذا ذمّته امام الجميع. وهذا ليس فيه انتقاص لسلطانه الأسقفي.

*         *

*

تبقى القضية الاجتماعية والاهتمام البالغ بالفقراء. هنا تعظم مسؤولية العلمانيين ولاسيما أنهم عالمون بأمور العمل والمشاريع العمرانية ووجود عدد من الأثرياء الذين نرجو أن يزيد كرمهم. هناك عملية تنظيم كبير حتى لا يبقى في الطائفة بائس وان كان «الفقراء معكم في كل حين» كما يقول السيد المبارك. هناك أوضاع اجتماعية لا بد من فهمها ومواجهتها، وهذا يقوم به الكثيرون في رعاية الأسقف والكهنة الذين هم على اتصال بكل الشرائح المجتمعية. العلمانيون هم في الميدان بحكم موقعهم حتى لا يظلّوا حصرا مستشارين.

الى هذا القضية السياسية بما فيها عدالة الحكومة في شأن المناصب والوظائف في الحكم. هنا أرى فسحة كبيرة للنواب وأهل السياسة. اجل قلنا منذ عقود ان الأرثوذكسيين هم أولاً كنيسة وليسوا مجتمعا مدنيا قائما في ذاته. ولكن آن للأرثوذكسيين أن يعرفوا انفسهم طائفة لبنانية غير مهمّشة مدعوّة الى بناء الوطن القائم حتى الآن على الطائفية. يجب على الأرثوذكسيين أن يدخلوا اللعبة كما دخلها غيرهم لأننا لم نصل بعد الى الآخرة. ليدرسوا اذا بهدوء هل هم مغبونون. ليفتشوا عن حقوقهم ويستفيدوا من الدولة. اذ ليس من المعقول ان تخدم الدولة بالتخلّي عن حقوقك فيما الكل مهتمّ بحقوقه.

اجل لا ينبغي أن يعزل المطارنة عن هذا السعي لكونهم آباء لأبنائهم في حاجاتهم، ولكن السعي الحثيث الى هذا وتنظيمه مسؤولية أولى للعلمانيين. لا يسوغ أن تحس فئة من الشعب أن السلطات المدنية مهملة لها.

هذا لا يعني عندنا أن للطائفة الأرثوذكسية سياسة واضحة، محددة خارجية كانت أم داخلية. وقد لا يريد الكثيرون منا اصطفافا أرثوذكسيا على اي صعيد من الحياة الوطنية، ولا يريد الأرثوذكسيون تراصا لهم سياسيا وبعضهم ينخرط مع الطوائف الأخرى او الأحزاب في الشأن الوطني ولاسيما انهم انضمّوا الى أحزاب عقائدية او غير عقائدية. ولكن هذا لا يمنع أن يحتجّوا على انتقاص حقوقهم في مجال الانتخابات النيابية اذا كان هذا واردا وفي مجال الحقوق البلدية او الاختيارية. أفهم ان يحسّوا انهم في حاجة الى العدل.

ولكن كل هذا لن يسير سيرا حسنا اذا بقي عدد كبير منهم أرثوذكسيين اسميا حسب التوصيف الطائفي في لبنان. بلا تحسّس دينيّ كبير والتزام لحقوق الله عليهم وانخراط جادّ في ثقافتهم الروحية لا تحلّ مشكلة بينهم وبين رؤسائهم الروحيين. بهذا فقط ينتقلون من الرؤية الوضعية، الزمنية الى رؤية روحية تكون الزخم الكبير لحياتهم في الإيمان وفي الوطن والحكم.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

أخلاق اللبنانيين / السبت 9 كانون الثاني 2010

هذه مسألة كبيرة يهتم بها كل اللبنانيين وعلى رأسهم الصالحون. هؤلاء تقلقهم لأنها تعذّبهم. ولكن هل من رأي واحد في الموضوع؟ شعبنا تجذبه فضائله وما من شك في وجودها. الضيافة عندنا وحسن الجوار والسعي الى السلام وتجاوز التشنّج وسلامة العائلة والحب الرومنسي لهذا البلد طبائع قائمة ولا تجعلنا في أسافل دركات الوجود. مع هذا ليس من مواطن واحد يعتقد اننا أمّة من القديسين، ولست أظن ان شعبا واحدا في الأرض يدّعي القداسة لنفسه.

السؤال الذي يفرض نفسه في هذه الإشكالية هو هل لنا أن نتحدّث عن أنفسنا موضوعيا. في هذا أظن ان كل رأي فينا مرتبط بخبرة كلّ منا اذ يأتي الإنسان من صدماته فيشكّل من مجوعتها رأيا يعمّمه، والمستحيل أن تُجمع على رأي او على آراء متقاربة. وما يخيفني أن المعاصي تستوقفنا وحدها على وجه التقريب ولا نرى الحسنات الكثيرة. انا لا أستطيع ان أقتنع أن الأبرار فينا قلّة. لسنا جميعا نحب الاحتيال على الدولة وخرق القانون. ولسنا كلنا أدنى الى الغش في المعاملات. ولعل معظمنا على خطاياه يحب الإخلاص لعائلته، ولسنا كلّنا متعصّبين دينيا. قد نكون متعصّبين لطائفتنا. هذا شيء آخر، وعند الهدوء نرى جمالات روحية في أبناء طوائف اخرى، بل نتجاوز هذا المستوى ونرى ان في الدين الآخر بهاء روحيا وقيما خلقية ونتكلم حسنا على الأديان الأخرى ولو اجتمعنا في حلقات من دين واحد او مذهب واحد، ونميل الى ان التعدد الديني فيه بركات. ولعلّ ما يعنينا على هذه الرؤية اننا أمّة مختلطة و«شعوب» متعاونة في الحياة اليومية. وقد يكون هذا أساسا مرتبطا بصداقات شخصية وعائلية لا شك في عمقها، ونفهم أحيانا ان الصفات الحميدة عند مسلم او مسيحيّ تعود كليا او جزئيا الى مصادر ايمانه والى كتبه، وقد يعود هذا الى كوننا نؤمن بإله واحد هو مصدر القيم، وعندي ان الملحدين في لبنان قلّة نادرة وقد لا تكون هذه المجموعة مجرّدة من ممارسة القيم ولو لم تقرّ بأن مصدرها هو الله.

اما الآن فهل بتنا بعيدين عن وعينا لكلام الله ومتطلّباته في دنيا المعاملات بعدا كبيرا؟ هل كل الشرائح الاقتصادية تعيش على نوع من الحياد الخلقي ام تختلف مسالك الشرائح بعضها عن بعض. ما أذكره جيدا لاطلاعي على التعامل المالي في منتصف الثلاثينات من القرن التاسع عشر من العائلة التي أنتمي اليها أنها ما كانت تشكو من سوء التصرف عند المدينين لها.

كان المستدين بمئات او ألوف من الليرات العثمانية الذهب بلا سند يردّ دَينه في الوقت المحدد ويعترف بالدين مبلغه. بعد هذا وعند مطلع الثلاثين من عمري لما أمسيت خادما لرعية في منطقة أخرى كنت ألمس صدق الكلام وطهارة المعاملة. هذه كانت القاعدة وكان الناس يدلّون على الكذوب. كل هذا يعني أن شيئا طرأ على علاقات الناس، وفي تحليلي أن هذا بدأ منذ السنة الـ 1936 عند سقوط الليرة اللبنانية وبداءة الحرب العالمية الثانية. الا يمكن ان يطرأ عامل آخر اليوم يساعد على تقويم العقلية واستعادة الناس للقيم؟

ولكن الأخلاق العامّة مرتبطة بالوضع السياسي العام بصرف النظر عن الطاهرين الأحرار من الضغوط المجتمعية. يبقى ان قوة الدولة سبب من أسباب التخلّق السليم، وهزالتها سبب للعكس. إن حِرْصنا على صحة الدولة وسلامتها هو حرصنا على الأخلاق الفردية. شدّة الحكم سبب في نقاوة التصرف عند الأفراد، واسترخاؤه يقود الى استرخاء الأمة.

غير أن نقاوة الحكم لا تستتبع آليا نقاوة الشعب. هنا تلعب الأديان دورها بجعلها الله، حقيقة، ينبوع الإيمان فالتصرف. تبقى الأديان العامل الكبير في تحويل الطبائع. وما علينا أن نلحّ على المرشدين والواعظين به هو أن تقوّي الكلمة الجانب السلوكيّ عند المؤمن ولا تنحصر في التعليم الديني النظري والعبادات. هناك ورشة كلامية كبرى ينبغي ان يكون هاجسها الدعوة الى احترام القانون جزءًا مما تتطلّبه الكلمة الإلهية. الحثّ على الواجب المدني هو بعض من الحث على التوبة والتطهّر من شهوة السرقة لأموال الشعب.

أجل هذا لا يكفي فالفضائل الفردية كلها اذا صقلناها تصبّ في فضائلنا الاجتماعية وتنقّي العلاقات بين الأشخاص فينشأ مجتمع روحيّ المنحى تريده الجماعات الدينية كلها.

اجل الدولة مربّية والمجتمع يربّي. منذ سنوات عديدة قرأت في جريدة لموند الفرنسية سؤالا من اربعة او خمسة أسطر عن مسلك لرئيس الجمهورية القائم آنذاك: «اين يقضي السيد رئيس الجمهورية صبيحته بين الساعة العاشرة والساعة الحادية عشرة»، وكان هذا طبعا إشارة الى سلوك له يخالف الإخلاص الزوجيّ. في اليوم الثاني او الثالث من نشر الخبر أذاع الناخبون الكاثوليك انهم لن يمدّدوا له الولاية إن بقي على هذا.

الأوربيون يمزحون ولكن ليس في كل شيء. في هذه الحال بيّن الناخبون في فرنسا انهم لا يقبلون بحياة خاصة لرجل يمثّل الأمة. الموظف الكبير او السياسيّ عندنا اذا كان فاسدا يكون قد زاد على دخله الشرعي دخلا غير شرعي اي يكون قد اعتدى على من يعيش من راتبه او دخله اذ يكون قد لبّى شهوة الراشي وقام بعمل يخالف القانون الذي هو حارسه. من كان راتبه قليلا نحلّ له مشكلته رسميا ولا نُبيح له ان يشتهي ثروة.

يبدو أن بعض اللبنانيين غير مقتنعين بأن ثمة فرقا بين الحلال والحرام. وهذا لا ينسحب فقط على المال. هناك فساد لا دخل فيه للمال. يأتي من الخوف، من الزبائنية للكبار. لا شك ايضا أن هناك هدرا في هذا العمل او ذاك غايته الإنفاق على النساء. الإصلاح ليس فقط في العقاب ولكن في التحرر من الخطيئة. تنقية الذات من الشهوات المؤذية هو المبتغى. الحرية من المعصية هي حرية للشخص وللبلد معا.

الى هذا الجهد الشخصي في سبيل الحرية الداخلية اي حرية النفس للعلماء دور الى جانب الدعوة الدينية. هنا أناشد علماء المجتمع والنفس والأنثروبولوجيا (الإناسة) أن ينكبّوا على مسألة الأخلاق اللبنانية وذلك بعد دراسات بعضها عملانيّ. لست أعلم اذا قامت بعض هذه الأبحاث عندنا. واذا لم نقم بها فلنباشر عّها تنفع وتساعد الأخلاقيين عندنا وعلماء الدين أن يربطوا فكرهم بمعلومات آتية من مراقبة الناس. هناك تضافر بين القوى أساسيّ عسى نرى عوامل غير سياسية تسهم في تكوين تصرفاتنا.

هل هناك أخطاء وقع فيها معظم اللبنانيين بسبب من عوامل ناتجة من البيئة، من المنطقة، من معتقدات شعبية؟ فإذا وجدنا مثلا أن هناك خطايا متشابهة هنا وثمة او ضعفات في كيان المواطن متأصلة، كيف نعالج هذا في مؤسساتنا الدينية والتربوية والجمعيات الأهلية والندوات الثقافية للأحزاب.

كيف نتجنّد في سبيل لبنان منقّى؟ يخطئ من يعتقد أن كتاب التربية الوطنية هو وحده موضع الحل. المدرسة ليست وحدها مكان التطهّر ولا العائلة وحدها ولا المعبد وحده. هناك مواضع مختلفة ينبغي ان نكتشف تكاملها وتعاونها في سبيل الإعداد لمواطن صالح.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

ملل ونحل / السبت في 1 كانون الثاني 2010

كل بلد ملل ونحل. والملة قوم على دين فليس من معتقد يقوم بلا ناس وليس من انسان لا ينتمي الى معتقد والملحدون أنفسهم واحدهم الى الآخر. الدنيا تقوم على مجموعات الفرق بينها وبين الاوطان ان الوطن مصنوع، تاريخي، ركبته الظروف واما الدين فمن المسلم به عند اتباعه انه جاء من الله والانتماء اليه انتماء الى الله أي الى هذا الذي ليس مثله يحرك القلوب.
ولكون الجماعة الدينية ليست جزءا من شيء يكون لغوا كل هذا الحديث الذي يفيد ان الولاء للوطن يجب ان يصير بديلا من الولاء للطائفة وكأنك تقول اترك المحل الذي فيه إله الى المحل الذي ليس فيه إله. القضية لا توضع اذًا على مستوى القلب. تبقى على مستوى الترتيب السياسي.
تبقى كذلك لأنك اتخذت قرارا سياسيا يقول ان الطائفة مجموعة سياسية يمكن جعلها على مستوى الوطن الذي هو جماعة سياسية أكبر أو أوسع. أنت لا يمكن ان تقارن الا بين مجموعات من طبيعة واحدة. لذلك اذا كان عندك مشكلة حياتية مرتبطة بتعدد الطائفة فلا حل لها الا بإزالة التعدد السياسي أي بذوبان الطوائف احداها بالاخرى فلا تقرأ الوجود الطائفي إطلاقا وترى الناس كلهم مجتمعا مدنيا صرفا.

أول سؤال يطرح نفسه هو هل ترى الطائفة نفسها وجودا مدنيا بحتا. اذا قرأت «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهوى عن المفكر» لا يرى المسلمون انفسهم وجوديا خير أمة ولكنهم هم في حركية هذه الأفضلية عند امرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. هم يصيرون مؤمنين بتحركهم. واذا قال العهد الجديد عن أتباع يسوع انهم أمة مقدسة فيفهمون انهم يحققون ذلك بمسيرتهم الى البر. طبعا الوطن يتعامل والناس كما هم أي اذا أمروا بالمعروف أو لم يأمروا واذا سلكوا على دروب القداسة أو لم يسلكوا. لا يمكن الدولة ان تعطي اعتبارا للمستوى الروحي في الجماعات كما انها لا تستطيع تجاهل إيمان الناس وتصدمه. لذلك كان إنشاء مجلس شيوخ يعنى بامتياز برؤية الوجه الروحي للتشريع اختراعا لبنانيا جميلا أعمق من تجاهل فرنسا وبعض الدول العلمانية للأديان كليا. ان الغاء الطائفية السياسية أمر يفرض علينا الإخلاص ان نواجهه بصدق وبلا خوف. ما مضمون الإلغاء؟ يبدو لي ان مهمة الأمة وليس فقط مجلس الشيوخ ان توضح بعض الأمور الأساسية: هل يتضمن إلغاء الطائفية ان يأتي الرؤساء الثلاثة من أي مذهب كان وان تلغى أية صفة دينية عن أي موظف وفي الجيش، ان الغاء الطائفية السياسية تدبير تشريعي يرافقه غيابه عن النفس. لولا هذا الواقع لكان أكثر تخريبا من الطائفية السياسية.

# #

#

في التأزم الديني أو المذهبي أو الطائفي القائم ممكن استغلال الغاء الطائفية السياسية وتضخيمها بحيث يأتي الرؤساء الثلاثة وكبار الموظفين والنواب من الطوائف السائدة عدديا بسبب من حملات متشنجة مسعورة لإلغاء الصغار. قبل ان يوضع مضمون وتفصيلات لإلغاء الطائفية السياسية نكون قد ارتمينا في المجهول الوجودي من أجل الوجود النظري الذي يبدي انه التجاوز الأمثل لخلافاتنا.

اما القول بأن تغيير النفوس قبل النصوص فهو في حقيقته المثالية السياسية دخول في الملكوت أي ارجاء الموضوع الى الآخرة. هل تأتي «الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية» وسيلة للتوفيق بين الآخرة والاولى. هذا يذكرني بشعار كبير تصدر القانون الروماني:«ما القوانين بلا اخلاق وما الاخلاق بلا القوانين؟» كل الأعوام التي تلت الحرب شدد الفكر اللبناني على دولة المؤسسات والقانون. كلنا يفهم ذلك امام التفلت العميم من القانون وهذا قول عظيم في نظامنا الطائفي ويبقى عظيما بعده.

# #

#

ما يحزنني كثيرا ان الطوائف آمم صغيرة أو قبائل وان كل جماعة تُعرَف بعددها لا بما شاء رب كتبها ان تكون. بكلام آخر لا نقارن قيم الإسلام ولا قيم المسيحية لنعمل سياسة. شعوب متناصرة أو متقابلة للتفوق في السلطة والله لا علاقة له بشيء من هذا. «خير أمة أخرجت للناس» في قول و«أمة مقدسة» في قول. لا يبدو ان هذا يوظفه احد أو يقدر ان يوظفه ليحب، ليبني وطنا. مشكلتنا مشكلة لغوية. لفظة أمة اذا استعملت بلا نعت لها مدلول في الدستور ومدلول آخر في كل حزب يستعملها.

هل نعت الأمة الذي نستعمله هوية؟ كيف نلغي الطائفية السياسية ولسنا متفقين على معنى واحد للفظة في القاموس؟ يجوز ان نكون بلا هوية. أنت لست في السياسة مضطرا الى هوية تأخذ بمجامع قلبك. أنت في هذه الدنيا تنتسب الى بلد. هذا خيار للعيش وتعمر مجتمعا لا شعر فيه ولا رومنسية وطنية ولكنك تعمر لبنان حضاريا بأعلى مقاييس العمران.

اظن ان المجتمع اللبناني لا يمكن ان يقوم الا على هيكلية خاصة به نابعة من مكوناته وذاكرة تاريخية له ثقيلة ومهما اردت حاضرك حرا من وطأة التاريخ تبقى مشدودا الى الماضي ولو لم تكن اسيرا له. العبء الملقى على عاتقك ارجو اننا نسير على الانعتقاق من حمله. أنا لست اشك ان كل فريق ديني يحمل ذكرى مقهورية ولو اختلفت عن الأخرى في الرؤية اليها وتحليلها التاريخي والنظري. هنا يمكن ان تعلم الدولة شعبها. فإن كان الطهر فيها يتعلم الشعب هذا الطهر فيما نتعاطى الشأن العام ونشرع في تقدير الفريق الآخر بحيث نرى كفاءته وصدقه والممارسة خير درس.

# #
#

فلتتشكل الهيئة الوطنية المكلفة بدرس موضوع الغاء الطائفية اذا كان معظمنا يدعي احترام الطائف. وقرارها غير مقيد بفترة زمنية. ولكن لترافقها المقامات الارشادية والمفكرون بكل ما من شأنه ان يطهر النفوس من الخوف والشك حتى تتزاوج النفوس والنصوص وقت يرتضينا الله.

ولكن على الغائكم الطائفية السياسية اذا بقي هذا الشعب فقيرا لا تكونون عالجتم شيئا. مع الطائفية صعوبات كأداء لا ريب في ذلك. ولكن الجوع آفة وبعض منا جائع. مع الطائفية او الغائها ينبغي ان يأكل شعبنا اكله وان يتعلم ويتداوى. هذه لن نختلف فيها. متى نفيق لنرى الآكلة ونكافحها ونحيا.

Continue reading