Category

2005

2005, جريدة النهار, مقالات

الكنيسة والانبياء / السبت 20 آب 2005

كان يروج في الاوساط المحافظة انك لا تستطيع ان تقول ان الكنيسة خاطئة لان الكتاب المقدس ودستور الايمان يقولان انها مقدسة. وهي كذلك لان رأسها المسيح يقدسها. غير ان الآباء الاقدمين ولا سيما منهم السريان نعتوها بزانية اذا خانت عريسها المسيح.

ان هؤلاء رأوا اليها من منظورها التاريخي المجتمعي وليس من كون رأسها يحفظها بنعمته. صعوبة الكلام على أخطائها في الزمان – وليس فقط على أخطاء أعضائها – يجعلنا نؤكد انها دوما مقدسة وانها – من حيث هي جسم – قادرة على السقوط. من هذه الزاوية اجترأ البابا الراحل يوحنا بولس الثاني ان يعتذر عنها لا أن يعتذر فقط عن معاصي قادة سبقوه وكان في ذلك غاية في التواضع. أظن اننا في مرحلة تواضع هو شرط التحاور مع الآخرين. أجل هي جسد المسيح ولكنها كذلك بسبب من القرابين التي تنشئها وتحييها: غير ان البهاء الذي هي عليه لا يجعلنا نغض الطرف عن كونها جسما سوسيولوجيا تعبره الازمنة الرديئة. هي ما ينظر (بضم الياء) وما لا ينظر، هذا الجانب القدسي فيها، سماويتها يجعلانك تعيش فيها ومنها وبها. أما الجانب الذي يهترىء فيها فيجعلها – من حيث هي جسم – قائم في المكان والزمان قابلة للنقد فلا يسعك ان تختبىء كالنعامة لتقول ان ما أشاهده من السقوط ليس منها.

هناك حقبات تاريخية يزداد فيها التلألؤ وهناك حقبات تتكشف فيها العتمات. هناك التقلب بين الظلمة والنور، يبن ما ينزل عليك من الله وما تقع فيه من أوحال. هذا كله في كيان واحد فلا تكفر أنت بالهيتها ولكنك لا تتعامى عن هذه البشرية المهترئة التي تبدو لك.

انت لا تقدر على ان تتنفس خارج الكنيسة. لا حياة لك بلا هذه العظائم التي كونتها خلال الدهور اذ تجيء من القديسين ولا لقاء لك والسيد اذا لم تسبح بكل كلمات الذهب المتراكمة منذ الفي سنة. لا وجود لك بلا هذه العبادات الخلابة والفكر المتأجج الذي يجعلك ترى جمالات الرب. الذي لم يذق هذه الخلابة يقول أحيانا أنا أحيا وحدي، انا أصلي وحدي. ليس من انسان وحده اذ هذا الجاهل او المتجاهل لا يعرف انه يصلي على انفراد إلا لكونه ابن هذا الكتاب وان دمه من دماء الشهداء وانه يعجز عن ان يتمتم اية كلمة لو لم يكن بولس وصحبه واغناطيوس والذهبي الفم وكل الذين خطفهم يسوع الناصري. لم يولد أحد في صحراء فاننا جميعا شربنا من هذا الماء الحي. فمن ظن نفسه خارجا قد يكون من الداخل وأحياناً من ظن نفسه من الداخل هو خارجاً حقاً.

ليس السقوط محصوراً بالمسؤولين ولكن بسبب من السلطان الذي أعطي لهم من الله وممارسته في الجماعة وتوليهم المال والاوقاف وامساكهم بالقرار واساءتهم الممكنة للسلطة يتفشى فسادهم وتبدو الكنيسة قبيحة بهم. وما من شك عندي ان خطايا الكنيسة كانت تاريخيا خطاياهم. هم الذين يؤرخ لهم. واذا تتبعت التاريخ المسيحي فالى جمالات القديسين حكايا انقسامات وأحقاد ولم يحصل انشقاق بلا كيد واستكبار شخصي أو استعلاء كرسي على كرسي.

الكنيسة كشريحة اجتماعية فيها كل الخطايا التي لك ان تتصورها. لذلك رآها كتاب الراعي لهرماس انها عجوز تلبس أطماراً كما رآها من ناحية اخرى عروساً بهية. الكنيسة فيها قهر كبير وظلم كبير يختفيان وراء قدسية السلطة. عندك اليوم صور مهذبة للاقصاء المهذب لعناصر قد لا تكون دون سواها علماً وتقوى. كل ذي سلطان يتربص التعسف به.

المشكلة ان المطران بشر ويشتبه عليه كلامه وليس عندك معيار لتعرف ما اذا جاء هذا الكلام من الله أم من شهوات هذا الرجل، من جنوحه الى الاستبداد، من مزاجيته. هو وحده اذا تطهر وتاب وأعرض عن شغفه بالدنيا وبنفسه يستطيع ان يقترب من مشيئة الله لينقلها اليك. هذا يتطلب استعفافاً كبيراً وزهداً بالسلطة. فالمفروض ان يمارسها شاعراً بأنه مؤتمن عليها ائتماناً وانه حر من الانفعال ومستعد ليقوم اعوجاج نفسه. عندما يقول بولس عن الرسل انهم «وكلاء اسرار الله» يريد ان ليس لهم كلمة منهم لكونهم استودعوا كلمة الله يفصلونها باستقامة وبلا محاباة للوجوه.

مفروض في الاول بين قومه ان يطلب من الله الحكمة ليتصرف في ظرف محدد بما هو صالح للبنيان. هو يأمر وينهي حسب متطلبات الكلمة ومنفعة الانسان الذي جاء اليه طلبا لنصيحة أو خدمة. يأمر وينهي بما يجعل الناس احسن وأقرب الى معرفة الله. هو مجرد جسر لله.

وإذا كان لا بد من موقف في هذا الوضع او ذاك فيقول ما يقوله كتابه اي ان يستمع الى «ما دفع مرة واحدة الى القديسين» ويترجمه. قد يكون له في الكلام تعابير تصل الى حد الابداع ولكنها كلها من التراث ومن كانوا على التراث أقرب اليه واحب. لذلك لا يصنف احدا ولا يحسب احدا على أحد فيحجبه او ينفيه او يسكته بلا مسوغ اذ لا يتحزب لاشخاص او فئة لكونه حرا من الجميع، خادما للكل، ومثل معلمه غاسل ارجل، غير مقيم على احد خطيئته.

منذ فترة قريبة قرأت لافتة على الشارع العام في قريتي تتضمن دعاء وضعه مؤمنون قالوا فيه انهم يطلبون الى الله «كهنة قديسين». قلت في نفسي ان هؤلاء الاخوة انما تاقوا بسبب صدمات الى ظهور رعاة طاهرين. ويقيني ان ابن الرعية يغفر لراعيه جهلا للاهوت ولا يغفر له نقيصة جارحة.

مشكلتنا ان الكنيسة تقوم على ادارة وتنظيم قانوني ومشكلة المشاكل هي في السلطة اذ الكثيرون يفيدون منها وينتفخون بها ويسيطرون ولا يقدرون الاذى الحاصل من كونهم يتولون الشأن الالهي في زخم شهواتهم وليس طاعة للرب. الكنيسة في واقعها التاريخي مدى يجلس فيه المسيح الدجال كما يقول الكتاب العزيز والمسيح الدجال حسب تفسير كبارنا ليس شخصا محددا بالضرورة ولكنه ظاهرة الدجل.

اذكر عندما اسسنا حركة الشبيبة الارثوذكسية من 62 سنة ان بعض شيوخنا قالوا لنا: من انتم لتعلمونا. وكان الجواب المضمر وغير المقول بسبب التهذيب: من انتم حتى لا تتعلموا. وأتوقع ان يقول لي قارئي اليوم: من خولك حق وصف قيادة كنسية انت منها. جوابي المقول هذه المرة: انا واعظ لأني موعوظ. ومن قال لك يا صاحبي اني لا اوجه اللوم الى نفسي اذا وجهته الى الكنيسة جمعاء. فانا مدقق في امورك وامور نفسي ولا اطيق هدر الطاقات عندما اهدرها انا وتهدرها انت ورجائي ان تعذر وجعي لئلا اذهب انا واياك الى الموت او نقوم منه اليوم لحياة جديدة. الكنيسة ليست ملك احد لأسكت عن تمزيقها.

وعندما اشاهد هذا التلف الكبير لا استطيع ان امنع نفسي من الاعتقاد ان الروح القدس هو الذي قاد كنيسته جيلا بعد جيل. انه استعان بأدوات بشرية خانت من البدء او تعلمت الخيانة بعد مراس. ان تكون هناك نيات حسنة ليس همي. الله فاحص القلوب والكلى بعدل. ولكني احزن للأذى الشديد الذي اصاب البشرية جيلا بعد جيل من الذين كانوا محسوبين نورا للعالم.

ماذا انتظر من كنيسة اليوم؟ انتظر ان يجددها عريسها الالهي بأعجوبة وقد جددها من وقت الى آخر بواسطة الانقياء ودائما كانوا قلة. والحاذقون يهمشون القلة لئلا يميتها توبيخهم الصامت. كيف عبرت الكنيسة صحراء العاطفة وكيف لم تختنق؟ كيف طرحت الثياب الرثة عنها وطلبت الى السيد ان يرمي عليها ثوب العرس؟ كيف مزقت ثوب العرس وعادت عارية كالزانية؟

من يهمس في آذان الطاهرين ليجهروا بالحق ولسان حالهم ما قاله يسوع امام بيلاطس «جئت اشهد للحق». «اللهم اشهد اني بلغت» وليمت بالشهادة من يموت ويحي من يحيا. «تعال ايها الرب يسوع» فالاغصان جفت لان الناس اعداء النسغ. واذا ارسلت انبياءك – وعهدك الجديد يذكرهم – فسيقتلهم الباغي ولكننا نعيش من دم الشهداء وكل ما عدا هذا الدم تندر.

هلا انزلت كلمتك من جديد حتى لا يستشري سرطان النفاق ولا يتحول وجودنا مسرحية! هل تستطيع الدنيا ان تسير مسيرتها وكأنك لم تحل فيها. نحن نعرف من صلبك آنذاك. وانت تعرف من يصلبك اليوم. انت تتدبر شؤونك كما تعلم وحتى يوم التجدد العظيم لا تطلب انت منا الا نتوجع. لا تطلب منا الا نصرخ.

انت لا تريد ان نطمئن الناس بالكذب. لا تبغي منا ان نفعل اقل ما فعلت انت في الهيكل لما طردت منه الصيارفة وباعة الحمام. لا تقبل انت ان تريد لهيكلك غير النصوع. اما قلت مرة بواسطة احد انبيائك: «روح افواهنا مسيح الرب؟». سوف نصرخ ونبح ويتهلل الكثيرون لبحتنا حتى يصموا آذانهم ولكن في صمتنا نبقى لك شهودا.

قبل ذلك قد لا تكون «سماء جديدة وارض جديدة» لقد الفنا القحوط وتعلمنا من الجفاف الكثير. غير ان رجاءنا ان مياها غزيرة قد تنفجر في البادية حتى تسقي الازاهير القليلة التي تكون انت وحدك قد غرستها. وحتى تتفجر الينابيع نصلي ونغفر.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

مريم / السبت في 13 آب 2005

في الشرق الارثوذكسي ليس من عقيدة تتعلق بمريم. فاذا سميت والدة الله في المجمع المسكوني الثالث، مجمع افسس 431، فهذا ليس قولا فيها مباشرا. انه قول في ما نسميه تبادل الخواص اللاهوتية والخواص الناسوتية في شخص المسيح. واذا نعتها بالدائمة البتولية نعتا في سياق حديث عنها في المجمع الخامس 553 فان هذا الا من باب تأكيد ما كان فيه التقليد متواترا. الشرقيون لاهوتيون اي يتكلمون على الله وحده ولا يأتون بكلام عقدي عن القديسين مهما سما أمرهم. لكن بهاء الله يسطع عليهم او انت تضمهم الى هذا البهاء في تقواك باعتبار ان كلمة الله يحويهم او يمتد اليهم او هم ملصقون به وليس لهم وجود مستقل قد يدفع مشاعر التقوى فيك الى ان تعتبرهم انصاف آلهة مع كونهم بشرا سويا.

المسيحي الذي يأتي من التراث الشرقي وحده لا يحس انه “يتعبد” لمريم اذا كان الفعل الثلاثي عبد، يعبد. انه يكرم ويأخذ القديسين في دربه الى المسيح وذلك في عبارات من العبادات مركزها الوحيد الله او مسيحه. لذلك لا خطر في الطقوسيات البيزنطية ان ترى مريم منعزلة عن سيدها ومحصورة فيها فضائلها. لا معنى عندنا لعبارات شعبية تجعلك تستعطي مريم في كل حين ناسيا انها مضمومة الى ابنها في مجده اذ ليس لها مجد من ذاتها ولا يسوغ لك ان تنظر اليها على انها تدوس بقوتها الحية. فالمرأة التي تحمل الطفل في البرية ويطاردها التنين ليست هي مريم. انها الكنيسة التي صورها كاتب سفر الرؤيا (الاصحاح 12) بصورة مريمية اذ العذراء الدائمة امامنا هي كنيسة الله.

في تتبعي لكل تراثنا الطقوسي يدفعك التعبير الى ان تظن اننا نخلص بواسطة القديسين. هذا غلط. نقولها ولكن قصدنا ان الذين ارتفعوا الى الملكوت واعلنا قداستهم انما هم شركاؤنا في الدعاء. في هذه الشركة كل منا يصلي للآخر. رجاؤنا فقط ان قوة الصلاة التي يرفعها القديسون مرتبطة بانهم تحرروا من وطأة الجسد ومن الاهواء لان “صلاة البار سماويا كان ام ارضيا قادرة كثيرا في فعلها” (يعقوب 5: 16). المسيح وحده هو المركز ولكن في كونيته واصطفافنا حوله يجعل هو كلا منا يحمل الآخر. سمّ هذا – اذا شئت – توسلات عند الذين هم فوق او شفاعات او ما الى ذلك. لكن القربى بين اهل الارض في الصلاة هي قربى من السيد لا تختلف بطبيعتها عن قربى بالروح سكان السماء. لا نعني اكثر من هذا اذا قلنا: “بشفاعة والدة الاله يا مخلص خلصنا”.

ما يجري حقيقة في قلب الله ان كل اهل السماء يتضمنهم المسيح في ذاته وهم في صحبته عندما يستجيب لنا بمعنى ان احدا منهم ليس جسرا بيننا وبينه فانه الصق بنا من رأسنا اذ قد يقطع رأسنا وهو لا ينقطع من اللصوق. لذلك لا محل لاعتراض القائلين انا ادعو المسيح مباشرة اذ الجواب اني اذا ارتفع دعائي الى قديس فاني لا ازال مع المسيح مباشرة ولكنه هو ليس وحده اذا لبى دعائي لان اصحابه السماويين هم معه ويبقى حاويهم وهم لا يضافون اليه اذ لا تفريق بينك وبين الملتصق بك. هنا الكثرة تغنى في الوحدة والوحدة تبدو بالتعدد. نحن دائما في الشركة.

كل ما في الامر اننا لا ننسى الذين ذهبوا الى المجد وهم لا ينسوننا اذ يجدوننا مثل رجاء او وجود متوقع في هذا المسيح الذي يشملهم جميعا.

مريم لا تخرج عن هذه القاعدة. غير انها اسمى المخلوقات اذ قال الله ذلك بواسطة جبرائيل (او جبريل اقرأ كما تشاء) وفي تأملنا رقادها او موتها واستقبال ابنها لها رأيناها اعظم شأنا من الملائكة. وقد نحا بعض آبائنا الى القول ان الانسان اعظم شأنا من الملائكة. في المصطلح الطقوسي اردنا ان نقول انها حققت في ناسوتها ما لم يحققه آخر واهلها الله لذلك في اختيارها. كنيستنا تعتقد ان والدة الاله ساكنة المجد مع انه لن يكشف قبل اليوم الاخير. وهذا ما نعنيه في اقامتنا عيد الرقاد في الخامس عشر من آب. ولا نوغل ابعد من هذا الحد.

الى هذا، في دنيانا، عندي قولة تتفرع من امومة مريم ان المرأة، كل امرأة ما لم تلد كائنا شبيها بالاله، متخلقا باخلاقه، ناريا كالانبياء، حريصا على نقاوته مثل القديسين لم تلد شيئا. الناس لحم ودم ما لم يصيروا آلهة. الناس كلام ما لم يصبحوا مثل كلمة الله. همّ الله في كل التكوين البشري ان يصنع آلهة.

في قراءة بعض لانجيل يوحنا عندما كان يسوع مرفوعا على الخشبة كان الى جانبه امه وشاب يدعى التلميذ الحبيب. يقول التراث عندنا ان هذا الرجل كان يوحنا كاتب الانجيل الرابع ولكن ليس من اقرار في النص بانه كان يوحنا بن زبدى. هنا قال السيد لمريم: “هذا ابنك”. فهمي للنص وما رواء الظرف ان مريم جعلت اما لكل تلميذحبيب. ليس احد يعرف معنى بنوتنا لمريم. الكلام يتعدى مجرد التحرك الشعوري. ما يبدو انه يمكن القول اننا نولد من نقاوتها النموذجية لكل نقاوة. غير ان التراث يقول لنا ايضا ان من بث المسيح في العالم (بالتعليم والشهادة) يصبح هو ايضا مريميا?. هل هذه تسمية رمزية ام اكثر؟ ان لفي الامر سرا. ولكن ايا كان التأويل يبقى ان لنا مع هذه المرأة صلة حميمية لا معنى لها ان لم نصبح، بصورة ما، مريميين اي مولدين للمسيح في الدنيا.

يبقى ان الادبيات المسيحية في الشرق على الاقل لا تذكر السيدة العذراء من حيث هي امرأة. مقام النساء لا يبدو انك تستطيع ان تستخرجه مباشرة من مريم ولاسيما ان الرجال والنساء عندنا يلوذون بها لوذا واحدا. لا يبدو ان الجنس يلعب هنا اي دور. غير ان ابن الله ارتضى ان يسكن احشاء امرأة. لذا لا يمكن مسيحيا الا ان يكرم المرأة اكراما شديدا لكون رحم امرأة واحدة صار اشرف مكان في العالم. آسف طبعا للرؤية الدونية للمرأة كما ترد عند هذا وذاك من كبار المعلمين. ما اتيح لي ان ادقق في هذا الادب وقد لاح لي من قراءة سريعة ان الموقف لم يكن موقف انتقاص من كيانها ولكن موقف تخوف من الاغراء لان حواء تسيطر على عقل الرجل وعلى مشاعره الظاهرة او الباطنة. غير ان العبادات تلغي هذا التخوف اذا طالعت الشعر الطقوسي المتعلق بمريم. القصة ان ام يسوع كانت المرأة الوحيدة التي سحقت طغيان حواء فينا.

مريم مستمرة هدفا وشوقا حاملة راية العفة ولست اريد بها عفة الجسد وحدها ولكن العفة عن شهوة المال والسلطة. الدائمة البتولية تعني دائمة الانقطاع لله والاقلاع عن اي تركز على سواه. وانت في زواجك بتول ان كان الله لا امرأتك هدفك وتأتي زوجك، اذ ذاك، رفيقة لك في هذا التبتل.

ولكن لا يبدو ان لكلام كهذا مكانة في مجتمع يقوم على عبادة الجسد. ان فحش الازياء رمز لهذه العبادة. لا اعتراض عندنا كبيرا ان يعجب الانسان بقوامه او خلابة وجهه ولكن على ان يأتي هذا طريقا الى الكمال الروحي. الجسد مصلى، موضع سجود للرب ومكان لغة، لا تجعله مصبا لكائن آخر. اذ ذاك يبطل، حقيقة، تواصله. لا تقمه في الهشاشة. شدده بالروح الالهي الساكن فيه لتصير كائنا مريميا.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

تجلي السيد / السبت في 6 آب 2005

اليوم نقيم عيدا للنور نسميه عيد التجلي يأتي في سياق حديثين عن آلام المعلم. كلاهما انباء عن الصلب وكأن الانجيليين ارادوا انه هو المكان لانبلاج النور.

الحديث الاول الذي يتضمن اعتراف بطرس بالمسيح تم في نواحي قيصرية فيليبس وهي بانياس التي عند سفح جبل الشيخ. بعد هذا بستة ايام صعد السيد ببطرس ويعقوب ويوحنا الى “جبل عال منفردين”. اي جبل هذا؟ يقول التقليد انه جبل ثابور في الجليل. غير ان هذا لا يتجاوز ست مئة متر في حين ان حرمون او جبل الشيخ ينطبق عليه وصف جبل عال. وفي قداس العيد نقتبس من المزامير: “ثابور وحرمون باسمك يتهللان”. غير ان الحجة التي تجعلني اميل الى جبل الشيخ ان السيد وتلاميذه قبل حادثة التجلي كانوا بقرب الجبل.

ولكن ليس هذا هو المهم. جوهر الحدث ان هيئة المسيح تغيرت قدامهم و”أضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور” (متى 2:7). المسيح لا يغيره شيء من خارجه ولا ينسكب نور عليه. ان التلاميذ رأوا النور الذي كان دائما يلتحق به ويخفيه بسبب من ضرورة اتصاله الطبيعي بالناس فلا يبقى على مظهر ساحر لهم يتجاوز الطاقة الانسانية التي اراد ان يكون عليها وحدها بلا معجزة ضياء دائم تسلخه عن الوضع البشري بحيث يأتي شكله البشري كشكل كل الناس ليتحقق التجسد على قياس البشر. واتخاذ الصورة البشرية العادية نسميها الاخلاء على ما جاء عند بولس: “اخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس” (فيليبي 7:2). والمعنى انه حجب المجد الالهي عن وجهه وجسده.

الامر الآخر ان موسى وايليا تراءيا له وان سحابة نيرة ظللتهم وسمع من السحابة قول يقول: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت “دائما يجب ان نذكر لغة العهد القديم وراء ما نقرأه في العهد الجديد. السحابة هي التي كانت تغطي خيمة الاجتماع في صحراء سيناء. وبهاء الرب يحل بها على المسكن. ذكر السحابة اذا اشارة الى ان حضرة الرب كانت على الجبل. ودخل السحابة هذان النبيان واكد لوقا انهما ظهرا بمجد “وتكلما عن خروجه (اي خروج المسيح) الذي كان عتيدا ان يكمله في اورشليم”. وفي قراءتي ان السحابة ضمتهما وان مجدا واحدا كان يلف المسيح ورفيقيه هذين.

لماذا استحضر السيد موسى وايليا؟ يزين لي ان هذين الاعظمين في التراث العبري لم يشتركا في النور الا عندما جمعهما المسيح اليه. في سفر الخروج قال موسى لله “ارني مجدك… فأجابه الله: اما وجهي فلا تستطيع ان تراه لأنه لا يرى وجهي انسان ويعيش”.

كذلك ايليا لما كان في حوريب (سيناء) لم يكن الرب في اي ما حصل هناك من ريح وزلزلة ونار. بعد هذا كان صوت نسيم لطيف وهناك كان الرب “فلما سمع ايليا ستر وجهه وخرج”. وحتى بعد صعوده في العاصفة على مركبة نارية الى السماء لم يصل الى وجه الله.

هناك على ثابور او حرمون ينضم الركنان النبويان الى المجد الذي كان المسيح عليه في السحابة. واثناء خوضهما في المجد كانا يتكلمان معه عن موته لانه هو ذروة المجد. وهذا يفسر ان المعلم تنبأ لتلاميذه عن موته بعد حصول المشهد.

لم يأت يوحنا على ذكر التجلي اذ يكشفه على مد انجيله وعنده باستمرار انه كلما ذكر المجد يريد به الصلب والموت. من هنا ان عبارة “ابني الحبيب” لا تدل حصرا – كما ارى – على النبوة الازلية ولكن على كون المسيح ايضا ابن البشر. لقد سر الاب بما حققه ابنه هنا في الجسد. العبارة تدل على التلاقي بين اللاهوت والناسوت في المسيح. التجلي صورة مصغرة عن كل ما سيحدث للمسيح بين الجمعة العظيمة وصباح الفصح. اصطباغه في الاردن هو كذلك. كل شيء في الانجيل مركز على سر الخلاص مهما تقلبت الصور وتقلب الكلام. الحياة الالهية كلها في هذا الانسكاب.

ما نسميه نور ثابور في الكنيسة الارثوذكسية هو اصلا ما شع عن المسيح وما ينزل في ما بعد على الناس. وفي عقيدتنا ان ما نستلمه من الله نعمة هو نور ازلي ونسميه “قوى او افعالا غير مخلوقة”. هناك الجوهر الالهي الذي لا يمس ولا يخترقه احد لانك ان فعلت ذلك تصر الها بالطبيعة وانت مخلوق. ولكن ان تشترك بالقوة الالهية الازلية فهذا يجعلك مألوها او مؤلها وجوهرك بشري. هذا سر لا يدرك ولكن اهميته انك ان لم تتقبل شيئا غير مخلوق فلست على صلة بالله حقيقية.

لقد شوهدت وجوه قديسين منورة بغير نور الشمس. ولكن بالطبع لا يشاهد أحد هذه الوجوه على نورانيتها ما لم يكن هو نفسه مستنيرًا.

الى هذا قول السيد لتلاميذه: “انتم نور العالم” لأنه هو نور العالم كما قال ذلك عن نفسه. هذه هي استنارة القلب بفضائل الإنجيل وهي مرتكزة على التوبة أي التحرر من الأهواء والشهوات. اللاهوى مقولة في اللاهوت الشرقي تدل على الحرية الداخلية من كل ما يضغط على النفس وما يكبلها بحيث لا يكون المستنير أسيراً لما يعتمل في نفسه من جذور المعصية فيتحول الى وجه الله فيأتي من هذا الوجه انساناً جديداً أو خليقة جديدة كما يقول بولس. طبعا هذه ليست حرية مسجلة الى الأبد في طبيعتنا اذ قد يسقط الانسان اليوم أو غداً. لكن الحرية الحقيقية اذا تأصلت من شأنها ان تصبح ينبوعاً “ينبع فينا الى حياة أبدية”. هذه مسيرة فيها كبوات وليس أحد مضموناً بنعمة يتسربل بها على الدوام. غير ان من عرف الجدة في عمق يكبر حظه في العودة اليها. فكما ان الانسان الموغل في الخطيئة تصعب عليه التوبة كذلك التائب الكبير الذي اكتشف حلاوة الله لا يخطىء بشدة حتى التهور الكبير. الخاطىء انسان تجرحت طبيعته وتشوهت ويحتاج الى ما يشبه الأعجوبة لينهض نهضة كبيرة تحول كيانه من جديد.

غير أنك تلحظ ان بعض الناس الذين ألفوا النور الإلهي لا يطيقون الظلمة ولا يألفونها ويشتاقون دوماً الى النور الذي ذاقوه وتصبح وجوههم مشرقة كوجه المسيح على جبل التجلي.

هؤلاء يهب فيهم الروح ويذهب بهم الى حيث يشاء وكأنهم يقيمون في مسكن إلهي. هؤلاء ينقلون النور الذي فيهم بالشهادة. والشهادة لا الفكر المجرد طريق التواصل بين المحبين. ليس ان ثمة مجتمعاً روحياً صافياً . فالإنسان يحيا بربه وحيداً غير انه يشع ويسطع بالمحبة فاذا انت تقبلتها تتكون فيك صلة بالله مباشرة. هؤلاء يأتون من دواخلهم بعدما تعمدوا بالنعمة النازلة عليهم لأن الله أحبهم وجعلهم لنفسه. وبذا يصبحون ابناء الله في مجانية العطاء الإلهي.

غير ان سواد الناس يعيشون خارج أنفسهم في دنيا هم اصطنعوها وحسبوها كافية لغذائهم. دنيا المال والطعام والشراب والسلطة والمجد الدنيوي. تلك هي دنيا الوهم والتشتت. وهم يتبدون فيها وينالون منها ملذات ترضيهم الى حين ولكنها مليئة بالحزن والقلق والآمال المصدومة وما هو بائد. ينشدون الى آفاق خلابة ليس فيها غذاء ولا فيها استقرار. جوع روحي يستبد بهم اذ لا شيء في هذه الدنيا المصطنعة يقيتك ويثبتك ويقيمك.

هؤلاء لا خلاص لهم ما لم يجدوا نوراً على وجوه الصالحين ويقتبسوه. اذ ذاك تتبدد الأشباح التي اصطنعوها لأنفسهم فيجدون اليقين هذا لا يحتاج فيه المرء الى مادة هذا العالم ومطرباته و”شهوات الخديعة”. لا شيء يغنيك عن ثابور، عن التنقية التي يحدثها الله لقلبك لتصبح قائما بالله والأزل.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

البيان الوزاري / السبت 30 تموز 2005

البيان الوزاري يستحق اسماً أعظم. على مراعاته للظرف هو شرعة الحكم في لبنان. دقته لا تخليه من طابع وجداني يكاد يكون شعراً في المقدمة والخاتمة كأنه رسالة حب الى اللبنانيين والتزام حب. متوازن من حيث شمول أجزائه الوزارات كلها أو معظمها. قلت انه دقيق بمعنى ان بعضاً منه ولا سيما ما يتعلق بالاقتصاد تقني جداً حتى كدت أفهم هذه الفقرة وتلك بعدما نسيت الاقتصاد السياسي الذي درسته قبل ستين عاما. ولعل الأهمية الكبرى التي يوليها للشأن الاقتصادي والمالي يشدنا الى ان هذا الشأن ركيزة هامة في السياسة ان لم تكن الركيزة الكبرى.

لست اعلم مصيره في مجلس النواب وقد سطرت هذه الكلمات قبل مناقشته فيه. ولكن لا بد من الشهادة له ان هذه الحكومة أخرجتنا من الكلام العام، الإنشائي لتجعلنا أمام فكر سياسي من العصر الحديث مع طموح الى تقويم حكم يضارع ما يقوم في الأمم الراقية. وانت اذا لم تتنطح لهذا لن تبلغ الذرى.

الى هذا أتى في أسلوب عربي أنيق يجعلك تحس ان لغتنا قادرة على ان تستوعب المقولات الحديثة ويجعلك تشعر ان الصياغة بعد اتفاق الوزراء على المضمون هي من قلم واحد. التواضع يملي عليك ان تقول بعد الصحارى التي اجتزناها ان الحكومة ان حققت جزءاً منه تكون قد وضعت نفسها ووضعتنا على الطريق الصحيح وعززت آمالنا في نهوض لبنان لأن النهضة غاية الإصلاح والتغيير.

والوزارة بالوزراء أي بعلمهم وصدقهم وطهارتهم. بهذه يستطيعون تجاوز اختلافات في الرأي لا بد منها وتباين في المشاعر. والحكومة بما هي تطلع على آراء الأحزاب والمحللين السياسيين وبما يناقشها النواب قادرة على ان تصوب مسارها وهكذا تكونها الشورى. المهم ان تشد الشعب اليها بما تقدمه من إنجاز وتأمين حاجاته المعيشية. القضية كلها في ان يكون عندك حكم أو لا يكون.

لعل أهم ما نحتج اليه هو ان يثق اللبنانيون انهم غير مسوقين الى الذبح بالإرهاب والتفجير وما الى ذلك. لعلنا لم نصل بعد الى الرعب الجماعي اذ ان نمط حياتنا كان انك تسير على طرق لبنان آمنا ثم تعود الى بيتك مطمئنا. وهذا يتطلب دربة كبيرة عندالمولجين شؤون الأمن واستمرار تدريب للعديد المطلوب ولحمة شعبنا بكل أطيافه. لقد لفتني في هذه الأيام الأخيرة ان الحكومة البريطانية وضعت يدها على تفجيرات المترو بمعرفتها لبعض المشبوهين. لا يستطيع أحد ان يضع حداً للإجرام لكن اليقظة تعاقبهم “ولكم في القصاص حياة”. متى نتنزه على كل طرق لبنان بلا خوف ولا وجل حتى نشعر حقيقة ان هذا البلد قطعة من الجنة ألقاها الله على هذه الارض!

قيل في القضاء شيء، حسناً. من أجل التوضيح لا بد من القول ان المواطن الفقير أو الذي لا سند له ينتظر قضاء عدلا يتجاهل أهل السياسة. أذكر انه جاءني رجل مرة وطلب الي ان أساعده في دعوة أمام المحكمة الروحية. قلت له انا لست رئيساً على رئيس المحكمة. أنا أعمل هنا كوزير عدل أي لا آمر ولا أنهي. وقدعينت هيئة أثق بكل اعضائها. ما زهوت بعمل يعتبره الناس فضيلة ولكني زهوت بمنطقي. هل تدعو بعض القضاة الى التوبة بعد ان تكون حاكمتهم وفصلت من يجب فصله. أليس يتطلب هذا ممارسة تفتيش دقيق يقوم به الطاهرون؟ أنا في مطلع شبابي عرفت قضاة لبثوا فقراء وما كانوا يخشون رئيس الجمهورية نفسه اذا تدخل. بلد ليس في الحكم من يظلم فيه يوحي اليك سلاماً كبيراً.

ان عدو الحياة ليس الموت ولكن الخوف. هنا تأتي مسألة التنصت الذي أشار اليها البيان. ان تضخم ممارسته وشموليتها شرائح كبيرة من المواطنين تدل على خوف الأجهزة الأمنية من الناس. فاذا صار الخائف ضحية فالمخيف ضحية أكبر لأنه هو الخائف الأمثل. هذا يعطي للأجهزة المتنصة قدرة على أهل الحكم والنواب وأهل الشأن العام بعامة. وهذا يخترق حياة العائلات وحميميتها والمصالح الاقتصادية ويعرض علاقات البشر لخلل وشكوك. فاذا كانت المجالس بالأمانات فبالقوة نفسها التواصل الهاتفي وما اليه هو بالأمانات أيضا. القانون الجزائي في فرنسا يعاقب الزوج الذي يقرأ الرسائل التي تتلقاها زوجته. أين نحن من هذا؟

يبقى لي ان استخرج من البيان أحب شيئين الي. أولهما البيئة التي يستوقفني فيها أمران أولهما البحر وثانيهما الشجر. فالبحر شهوة السابحين، الميسورين منهم والفقراء، والسباحة يجب ان تكون مجانية كما هي في قبرس. واذا كان عند البحر فندق فتعبره الى المياه غير مستأذن. ماذا يفعل الفقير اذا قال له طبيبه لا شفاء لحالتك الا البحر. الشواطىء الكثيرة عليها بناء يحجب الرؤية اي يحجب الفرح الا عند الذين اعتدوا وبنوا حيث يحظر القانون البناء. الطبيعة متعة لكل انسان وقد تقود الى انتعاش روحي.

أما الغابات عندنا فقد اخذ حيرام ملك صور يقطع منها ليبني بها سليمان الهيكل و”أرسل حيرام الى سليمان قائلا: قد سمعت ما ارسلت به الي. أنا أفعل كل مسرتك في خشب الارز وخشب السرو” (1ملوك 5: 28). منذ قبل الميلاد الى اليوم نقطع نحن شجرنا. ويزين لي ان كل من اجتاحنا تابع مشروع الاقتلاع حتى تصحر البلد اذ ليس عندنا أكثر من 4 في المئة من مساحتنا شجراً . وكلنا يعرف فوائد الأحراج (حفظ التربة، استدرار المياه، صناعة الخشب). كنت مرة في دير لنا كبير في فنلندا فسألت رئيسه مم يعيش هذا البلد؟ أجابني يعيش بالدرجة الاولى من صناعة الورق الذي نستخرجه من الخشب. موارد رهيبة ممكنة يهملها اللبنانيون.

في تصوري ان تشجير كل لبنان في خطة عدة سنوات ممكن. الوسائل كثيرة ومنها البذار التي ترميها الطوافات قاردة على ان تجمل جبلنا والهضاب وان تفيد من هذا في مجال الصناعة. وفي تقديري أيضا ان الكلفة ليست باهظة في برنامج طويل المدى. دائما كان يحز في صدري ألم رؤيتي لجبال جرداء في شمال لبنان في طفولتي ومطلع الشباب. كنت أتعزى عن غياب الشجر بأشعة الشمس تتقاطع وتتغير بذا ألوان الصخر عند الغروب. لكن البلد لا يعيش فقط من مشاعر أطفال.

أصل الى الثقافة. هالني ما قاله لي أحد وزراء الثقافة المتعاقبين ولا أريد ان أسميه لئلا أجرح تواضعه. قال: لم يكن في الموازنة قرش واحد لوزارتي، لما تسلمتها، وكان علي ان أتدبر أمري. ان لم تخني الذاكرة قال: دفعت من جيبي نصف مليون دولار حتى تتحرك الوزارة. أرجو ان يكون لها في الموازنة الحالية أكثر من بضعة قروش ولا سيما اذا طال عمر هذه الحكومة اذ عندنا اليوم وزير أكاديمي واستاذ جامعي وتمرس في الحضارة سنين طويلة ويعرف تاليا “مهنته”.

السؤال هو كيف نترجم الأمنيات الواردة في البيان الثقافي عملاً . هل نطمح مثلاً الى ان يصبح كل لبناني عازفا على آلة مثل كل ألماني؟ ما العلاقة بين هذه الوزارة ووزارة الإعلام بحيث تطغى الاولى على الثانية في البرامج الفنية التي ينقلها التلفزيون. أولاً لماذا هذا الغزو المصري لبرامج عديدة حتى كادت اللهجة المصرية طاغية على الشاشة ثم لماذا نأخذ الكلام التافه من لغتنا الشعبية والعامية قادرة على لسان راق. وكأن هناك ارادة مصوبة لإخراج كل هذا السفه المقيت بما يقال انه هزلي وهو ليس بشيء، بما يدعى فنيا لكونه يدغدغ الغرائز الدنيئة اذ يبدو لأصحاب البرامج انه كلما أوغلوا في العراء الرخيص يتحببون للمشاهدين.

ربما اخذنا ننتج المقبول في عالم السينما ولكن في خفر وقلة. أرجو ان يكون السينمائيون قد تدرجوا في أعلى معاهد الغرب والسينما تصبح أحياناً مدرسة ذوق رفيع. والذوق الرهيف اذا بلغناه من جوامع أهلنا.
ثم من يقرأ في لبنان؟ الواضح مثلاً ان السودان يقرأ أكثر منا. من عنده مكتبة صغيرة؟ لا مانع عندي من استعمال الانترنت. لكن الصورة التي تتقبلها مؤذية. للعينين. والى هذا لا شيء يعوض الورق تقلبه بين يديك فتعود الى هذا الفصل منه وذاك حتى تزداد ثقافة ادبية انسانية ولو ذهبت الى العلوم والتكنولوجيا.

ما قد يتعلل به الناس في ضعف مطالعاتهم ان اختصاصهم يستغرق أوقاتهم. أفهم ان هذا إغراء جذاب. ولكن يؤلمني ان أرى بعضا من الاختصاصيين لا يفقهون شيئاً خارج دراستهم فيغيب عنهم التاريخ والشعر وعلم الديانات وكأنهم أمّيون. ليس نادراً ان تلقى لبنانياً جامعياً لا تعلو ثقافته الحقيقة مستوى عامل بسيط وهذا يدفع هذا الانسان الى التعصب الديني مثلا لأنه لم يراقب في ثقافة واسعة غرائزه أو عدائيته.

الهاجس الثقافي يتعدى إطار الجامعة لأنك ان كنت أسير دراستك لا يكون عقلك بالضرورة ناميا وذواقة. أجل الثقافة دربة وإرث ولكنها أيضاً سياسة. ولا شيء يريح مثل اجتماعك الى انسان مثقف. يريحك مبدئياً لأنه يقبلك. ما ألذها رياضة ان تسبح في عقل انسان آخر ويسبح هو في عقلك فتريان انكما قد خرجتما من الضيق وعانقتما العالم في سعته والتاريخ في مداه والديانات في تشعبها وأعماقها فتلمس ان المثقفين عصبة واحدة ولو اختلفوا في المنحى والحركة والقناعات.

قد يصعب تحصيلنا الثقافي لأننا أهل لغتين أو ثلاث. لست أعلم ان كان إتقان العربية واجب وزارة التعليم أو وزارة الثقافة ولكن كيف يدعي لبنان انه ينتمي الى العروبة وتكاد لا تسمع خطيباً لا يلحن. من يقرأ النحو اليوم او من يدقق نصه على ضوء “لسان العرب” أو أقله “محيط المحيط”؟ من قرأ القرآن ونهج البلاغة؟ من يصحح لكتاب الصحف مقالاتهم؟

كان الله بعونك يا دولة رئيس الحكومة وأعوانك. نتمنى عليكم ان تنفذوا البيان الوزاري فقرة فقرة في إصرار كبير مهما لقيتم من عثرات. كلامكم وعد يقيدكم ويقيدنا. بارك الله لمسعاكم تبريكاً كثيراً . لا تملوا أمام ضعاف النفوس والذين لم يصلوا الى تطلعاتكم. الانسان تنقذه تطلعاته.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

النبي والسلطان / السبت 23 تموز 2005

دائما يستوقفني الياس النبي الذي اقمنا عيده هذا الاسبوع. ليس لان محبتي له سهله، وليس لاني اهوى العنف في سيرته او ما صوّر كذلك للتعبير عما هو اعمق. لعل بعضا من المؤمنين يحركهم انه قتل كهنة البعل الذي سيطرت عبادته في السامرة على يد ملكة شريرة ذهبت الى هناك من عندنا وكانت تعيث فسادا وثنياً في البلاط.

لعلي احب هذا النبي اولاً لاسمه وهو في لغتهم ايلياهو اي الله هو الاله اي انه لا يقبل ان يعبد الها آخر ولا ان يعبد احد الها آخر. وكان يعبر صاحبنا عن هذا بقوله: “حي هو الرب الذي انا واقف امامه”. والقولة لها غير معنى بدءا بأن الله وحده حي والوثن غير حي ولا يحيي اهله ولو بانوا كذلك في البهيمية المستترة بالنهم والترف. واذا كان الله وحده حيا فأنا واقف امامه اي لست واقفا امام الملك آحاب (الذي كان آنذاك) بعدما حاد عن معرفة الله فصار ترابا من الارض لا كلمة فيه. وتوسعا? لذلك اقول ان من له روح النبوءة لا يقف امام مخلوق ليستمد نفسه منه. فكل حقيقة في كياننا لا نؤتاها من بشر الا اذا كانوا الهيين اي نازلين من فوق.

قد يكون تسآل الناس: من اين لرجل فقير، اعزل لا عائلة له ولا سند، ان يقف في وجه الملك وهو عالم ان هذا قادر على قتله (وقد حاول اغتياله)؟ قوة هذا الرجل كامنة في ايمانه الكامل بأن الملك غير موجود ولو كان بيده ابادتنا، لان ابادتنا هي ايضا لا شيء، لان الكلمة النبوية لا تباد. يسلم الملك الى القادر ان يسمع الى الانبياء. بلا الهام ينسكب عليك تظن نفسك مليكاً اي واضعا جسمك على كرسي وحولك عسكر.
قال ملك لولي عهده: “انا ذاهب في طريق اهل الارض كلهم. فتشدد وكن رجلا واحفظ اوامر الرب الهك لتسير في طرقه… لتنجح في كل ما تعمل وحيثما توجهت (1ملوك 2: 2 و3). واذا حكمت فاحكم بحكمة وعدل. وقال الشيوخ لاحد الملوك: “ان كنت انت عبدا لهاذ الشعب في هذا اليوم وخدمته وأجبته وكلّمته كلاما حسنا، فانه يكون لك عبدا كل الايام” (1ملوك 12: 6 و7). الرئيس اذاً خادم ومحب فاذا ذهبت محبته الى الآخرين تعود اليه.

الناس رعية الله على قول داود: “الرب يرعاني فلا يعوزني شيء”. وقد قيل في العهد القديم عن الملوك انهم رعاة بمقدار تخلقهم بأخلاق الله.

لذلك كان الملوك في تلك الايام يقربون من انفسهم الذين يكلمونهم باسم الله لئلا يجنحوا. النبي لا يعمل السياسة، لكن المسؤول يعملها في خضوعه لله. المشكلة الواقعية اذا رأى المسؤول ان الرأي الالهي هو في ضميره وغلّب شهوته على ضميره. وخشية التباس الامور على المسؤولين كان بعض الاساقفة والرهبان في الدول المسيحية هم ضمير الملوك. هذا أدعى الى الاطمئنان. حدث مرة ان قتل احد القياصرة اباه الروحي. لا حاجة الى سيف اذ يمات الضمير بلا سفك دم.

الغيرة على الله جعلت اليأس بالقتل كهنة البعل او كانت المذبحة قراءة للكتاب. في الكنائس الجديدة التي تبنى في منطقتي لا اسمح بتصوير مار الياس ذابحا. اخشى ان تعبر هذه الايقونة عن شعور الثأر الكامن في كل واحد منا. ليس الله بجزار ولا يمثله جزار والمسيح ارتضى ان يكون قتيلا.

بعد المذبحة هددت الملكة ايليا بالقتل “فخاف وقام ومضى لانقاذ نفسه” ووصل الى جبل حوريب الذي هو سيناء ولما انتهى الى الجبل اذا بريح عظيمة شديدة تهب” ولم يكن الرب في الريح. وبعد الريح زلزال ولم يكن الرب في الزلزال وبعد الزلزال نار ولم يكن الرب في النار وبعد النار صوت نسيم لطيف”. في هذا كان الرب وأفهم هذا الكلام على ان الرب وبخ ايليا على ابادته كهنة الوثنية فان الرب يرعى الوثنيين ايضا ولا يريد ان يهدر دمهم العابدون للاله الواحد. ليس عند الله من ضحية تمجده بالموت.

لعل من اهم ما جاء في سيرة النبي دفاعه عن فقير يدعى نابوت. كان الملك يريد ان يشتري كرم هذا الرجل او يقايضه فأبى. فقالت الملكة لزوجها اني سأتخلص انا منه فقامت بمسرحية دينية اذ امرت الشيوخ والأشراف ان ينادوا بصوم ويجلسوا نابوت في صدر القوم واتت بشاهدي زور قالا: “قد لعن تابوت الله والملك” وقتلته. فواجهه النبي موبخا توبيخا شديدا: “قد بعت نفسك لعمل الشر في عيني الرب. هاءنذا جالب عليك الشر وكانس نسلك”.

لا يقبل اهل النبوءة الظلم ويقولون في فاعليه كلاما شديدا ولا يأبهون لما قد يلحق بهم من اذى. الروحاني رادع الملك اذ يريده دائما قويما ليعكس في السياسة حكم الله. ذلك ان السياسة ليس فيها ضمان من نفسها. اجل كانت منذ اقدم العصور دول ولكن الدولة بالدرجة الاولى في اشخاصها وهؤلاء يجب ان يحركهم أهل الله. وويل لهؤلاء اذا صاروا من أهل الدنيا.

لم يكن له موضع في الارض فلما أـتمّ طوافه فيها رفعه الله اليه. فلما كان مع تلميذه أليشاع عند الاردن وكانا يتحادثان “اذا مركبة نارية وخيل نارية قد فصلت بينهما. وصعد ايليا في العاصفة نحو السماء” (وفي الترجمة اليونانية “كأنه الى السماء”).

طبعا ليس من مركبة نارية ولا من خيل نارية. هذه مركبة الحب الالهي الذي اختطف ايليا طوال حياته واراد الحب ان يقيم ايليا فيه. ولما صعد يسوع الى الجبل استدعى النبي اليه كما استدعى موسى وتجلى معهما وشاهد ايليا الله للمرة الاولى على وجه المسيح. لم يكن ملتقاه مع ربه في حوريب ولكن على جبل ثابور في الجليل.

ارثه الذي نرث تفعيل اسمه: الله هو الاله ولا سيادة لسواه. ونحن تغرينا هذه الدنيا اي تلهينا عن وجه الرب لنتعبد لها ولما فيها ونستمع الى وسوساتها. في كل العهد الجديد – بتعبير او بآخر – نحن سكان السماء ولو عاشت اجسادنا على الارض. المهم ان نحيا هنا في السماء.

هذا لا يعفينا من مهمات لنا في الارض ان تكون لنا عائلة وتجارة وسياسة وما الى ذلك. غير اننا لا ننتمي الى اي بيت او مصدر رزق او تركيبة دولة. هويتنا ليست من هنا ولو عشناها هنا. اجل لا تلغي السماء الارض ولكن ليس هناك من ثنائية بين السماء والارض فاذا سكن العدل الارض فكأنها منذ الان سماء. ولهذا قال المخلص: “ملكوت الله في داخلكم” فلا نحتاج الى مركبة نارية لنذهب الى ما فوق اذ ليس من فوق ولا من تحت او جنبات. الله روح فبالروح والحق نحن عابدون له. وليس لله عرش حسي بعدما سكننا بالمسيح. ما من عرش له الا قلبي وقلبك واذا اخذ هو القلوب ينضم اليها. واذا انضمت اليه لا تموت.

الياس الحي صورة عن اختيار الله لأولئك الذين يقولون الله وحده الهي ويحاولون ان يكونوا له خاصة وحكرا. منه ينزلون الى هذه الدنيا احرارا منها وعاملين فيها يحيونها ولا تحييهم. قد يكونون قلة ولكن لله دائما اصحاب في هذا العالم وهم خاصة الخاصة. اشتراهم ربهم بمحبته وبها يغريهم واذا كبروا بمعرفة محبته لهم يعسر عليهم الانتماء الى الزائلات. وهم الذين يحفظون العالم لان الله حافظهم. فاذا ابصرتهم ابصرته بعدما امسوا له ايقونات تزداد بهاء كلما انزل عليهم البهاء.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

التغيير الجذري / السبت 16 تموز 2005

تساءلت في هذه الزاوية غير مرة ان كان من إناسة لبنانية أعني بها دراسة الإنسان اللبناني من حيث انه ناتج من اعتقادات ومخلفات تاريخية تفسر تصرفاته الأخلاقية ولا سيما في تعبيرها المجتمعي. طبعاً ليس عندي جواب عن سؤال رئيسي كهذا يقودنا الى إصلاحات تربوية من شأنها ان تنتج انساناً لبنانياً جديداً متحرراً من السقوط العميم الذي نحن فيه منذ أجيال أو قرون.بالمقارنة انت تستطيع ان تتحدث عن الإنسان الفرنسي أو الإنسان الألماني من حيث ان كلاً منهما قائم على نمطية تفكير وعيش وإحساس”، نمطية كونها التاريخ والعقيدة الدينية والدولة وما طرأ على هذين الشعبين. هل يمكنك ان تصف الإنسان اللبناني بعامة لتعرف كيف تعالجه؟ هل تتغير المؤسسات بتغير هذا الإنسان؟أجل المقدسون استثناء في كل بقعة من بقاع العالم. انهم ناموس لأنفسهم ويطبعون التاريخ ولا يطبعهم إلا قليلاً . لقد التقى كل منا رائعين في هذا البلد ولكنهم قلة ككل القديسين وقلما يفهمون السياسة. من هنا ان اشعاعهم شخصي ولا يشكلون بيئة.

لماذا توخيت علماً ووصفاً سوسيولوجياً؟ ذلك إن الوعظ والتوجيه الروحي في عصرنا أخذا يرتكزان على ما نعرفه عن الناس ولا ينزل من تعميمات. وفي حسباني انه بات علينا ان نعرف اللبناني معرفة دقيقة ليأتي الكلام الروحي مصيباً الهدف.

قناعتي ان الروحانيين – إذا وجدوا – قادرون إذا تسلحوا بالتربية وعلم النفس والاجتماع على ان يغيروا أخلاق بلد في ثلاثين أو اربعين سنة. فقد أُسند الى مُرَبّ كبير تغيير الأخلاق في إنكلترا من أخلاق شعب هائج، غضوب مثلنا، الى شعب هادىء ودقيق المعاملة وصادق وذلك منذ ثلاثة قرون ونجح الرجل في استخدام المدرسة بلوغا لهدفه.

لست مطلعاً اليوم على كتاب التربية المدنية عندنا. أمنيتي ان يكون وافر الحديث في الأخلاق لا أن يغرق في الشأن المدني الصرف ولكن المطلوب ان ينقح مناقبنا كما هي لا أن ينقح مناقب الألمان. فاذا رأى علماء الإناسة اننا مركنتيليون أو عشاق مال وتالياً مستسهلون الرشوة فيصاغ التعليم لنكافح به شهوة المال. وعندئذ نتكلم عن فرح العفة أو الترفع أو نتكلم عن احترامك للذات الاخرى بحيث لا تلوثها ولا تلوث نفسك بالرشوة.

انت تتعامل مع الإنسان الآخر من حيث هو غاية وأنت غاية وليس هو وسيلة لك ولا أنت وسيلة له. مجرد اقتناعك بذلك يطهرك ويدلك على تعاط للمال جديد. وتنتظم العلاقات بين الناس بحيث يعيش معظمهم بالعفة على هذا الصعيد ولا يموتون جوعاً ولا يفتقرون.

اذذاك يثبت للناس ان الاستقامة سر النجاح (حتى في هذا البلد فكيف إذا تنقى). إذا صارت الاستقامة هي القاعدة تكون كذلك عند العدد الأكبر من المواطنين. يتغير النمط.
قد يتطلب هذا منك تقشفاً في البدء ومراقبة للذات قوية ولكن عندما يتغير السلوك عند عامة القوم أي عندما تتكون أخلاق في المجتمع كله في باب من أبواب الأخلاق تدفعك الرقابة الاجتماعية إلى ان تلازم السلوك السوي. ليس ان المجتمع مصدر المسالك ولكنه حاضن لها ومغذيها.

أجل هناك عنصر خوف في حسن السلوك الا عند الأبرار الذين لا يخشون إلا الله. وقناعتي قارئا للعهد الجديد انه لا يخلو من عنصر الخوف ولو ساد الإنجيل المحبة. ولا خوف من الخوف لأن المجتمع في الحقيقة هو الناس الذين حولك ويحبونك أصلا. اعتقادي ان ثمة معدلاً اخلاقياً ولو تجاوزت قلة المعدل بصورة مذهلة، بطولية. هؤلاء لم تلدهم أمهاتهم. جاؤوا من الله وكأنهم هنا روحه.

الى الاستقامة قيم أخرى تتركز اجتماعياً . منها عفة اللسان النابعة من سلام داخلي ورؤية ان الناس أحباء الله وان اكرامك إياهم واحتشامك أمامهم أساسي في تكوينك وتكوينهم. أظن أننا هنا نهتك هذا اللون من العفة كثيراً وهذا ناتج من الغضب وهو بدوره ناتج من البغض. القواعد الاجتماعية هنا لا تكفي اذ لا بد من تطهّر داخلي وتزيّن بالمحبة. مع ذلك ترى مثلاً ان الشعب المصري والشعوب الخليجية أكثر عفة منا. هذه الشعوب يتخاصم أفرادها لسانياً ولكنهم قلما يستعملون الكلام البذيء والشتائم المخلوطة بألفاظ متهتكة أو جاحدة للعزة الإلهية. الغضب مع اللفظ الفاسق من أهم الظواهر اللبنانية.

أنا مراقب للحالة الأخلاقية في لبنان منذ سبعين سنة. والشهادة التي أؤديها هنا اننا في دنيا العمل كنا أكثر استقامة من اليوم وان التدهور الأخلاقي الكبير في هذا المضمار بدأ مع تدهور سعر الليرة اللبنانية السنة الـ1936 وتفاقم مع الحرب العالمية الثانية. وفي المناخ هذا كان الشعب اللبناني مقتنعا بأن القضاء نزيه وعالم. وهذا الأمر كان وضعي المهني يسمح لي بأن أتابعه شخصياً منذمنتصف الأربعينات. فالواقع يبين انك اذا كنت قابلاْ للتدهور الخلقي فأنت قابل للتحسن الخلقي. وهنا أعود إلى الوضع الاقتصادي. وأتصور ان من بذل جهداً كبيراً في انتاجه مثل الفلاح والصناعي يكون أقل تعرضا للخطيئة من المتداول المال الذي لا جهد فيه.

انت لا تستطيع ان تحيا بلا رجاء وبلا قناعة ان الفضيلة على رغم مجانيتها وفرح الإنسان بها إنما هي الطريق الأساسية للوجود المجتمعي. المدينة الفاضلة يمكن ألا تكون حلماً. بالتأكيد سيبقى شاذون. هؤلاء تؤدبهم الدولة وهذه بدورها تنمو صعداً اذا ابتغت كل الشرائح ذلك الحد الأدنى من الفضيلة الذي يؤمن استمرار المدينة فاضلة، ليست غاية الرب ان يجعل الفردوس وحده مكان السمو الروحي. غايته ان ينعكس النور الإلهي على أرضنا. لقد أعلن ملكوت الله هنا ليتحقق شيء منه في هذه الدنيا والاّ كان الدين تسلية كلامية.

من دعا الى الله وصوب الكلمة على خطايانا لا يقولها بصورة غنائية. لست أقول ان الكلمة الإلهية محصورة بالأخلاق. ولكنها ليست محصورة فقط بالإلهيات. الإلهيات ينبغي ان تطل على ما نسميه في المسيحية الرعائيات. انت تتعلم العقيدة لتعيش في ظل الله أي لتعيش منفذاً الكلمة في يومياتك بدءاً من العائلة ووصولاً الى المهنة والمعاملات. لست أدعو الى ان تنتقل الى اللاهوت التطبيقي بحيث تزيل الطابع الوجداني والشعوري عن الدين. لكن إهمال التطبيق إهمال لغاية الكلمة وهي ان نكون على مثال الله في هذه الدنيا فنرث الملكوت في النفس أولاً . ومن كانت نفسه في الملكوت هنا هو وحده الذي يرث الحياة الأبدية.

واذا انتظم المجتمع تنتظم الدولة. بينهما حركة ذهاب واياب. فالمجتمع يقدم للدولة عناصر بشرية سوية. والسلطان يقوّم الناس ويجعل بينهم سلاماً منظوراً فيما يحل الله في قلوبهم سلامه العميق.

هذا البلد في خطر الفناء اذا استمر السقوط الأخلاقي الذي نشكو منه. تحدثت في المناقب فقط عن نماذج. نحن قبل أي إصلاح في نظم الدولة في حاجة الى رؤية جديدة في حقل القيم بل في حاجة الى الإيمان بالقيم أي في حاجة الى تغيير ذهني يجعلنا نترجم الله في لحمنا ودمنا وعيوننا ونحن صاعدون على مركبة الحب.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الله والآخر / السبت 9 تموز 2005

كل شيء يبدأ بالفكر وينتهي الى الفكر. والخطيئة تنشأ فيه وقد لا تتحول فعلاً ظاهراً. لكنها تفسد النفس ويموت الانسان، اذذاك، روحياً ولو بقي على قيد الحياة. من هنا ان الكنيسة المسيحية تتمسك بما تدعوه استقامة الرأي بحيث يأتي عقلك موافقاً لعقل الله. ما نقل الى العربية استقامة الرأي هو في اليونانية أرثوذكسية المؤلفة من كلمة أرثوس” أي المستقيم وذكصا وتعني الرأي كما تعني المجد. أنت أرثوذكسي اذا تكلمت صحيحاً في الله أي وفق ما أوحاه وكذلك اذا مجدته وعلوت اليه كما يليق بطبيعته. وازدواج المعنى لكلمة “ذكصا” يدل على ان معتقدك اذا انحرف لا تقدر على ان تعبد الله كما يريد ان تعبده.

والعبادة والعبودية واحد في العربية بحيث انك لا تقدر على أن تعبد ما لم تستعبد عقلك ومشاعرك وقوتك وحكمتك لله فتأتي، اذذاك، كلها منه أو تكون صورة عما فيه من قوى. تصبح هي نعمة لكونه مغدق النعم. وهذا ما يجعلك على مثاله بعد ان خلقك على صورته. فاذا تقت اليه وتحركت اليه أي اذا صارت هذه الصورة فاعلة فيك تصبح على شبهه، على شبه فكره وعلى شبه حبه.

والعبد ملك لسيده وليس له سيدان. في المسيحية ان معرفتك لنفسك حبيب الله وحراً بهذا الحب يقودك الى ألا تعرف أحداً سواه ولا تؤله غيره بدءاً بما فيك وما تذهب اليه شهوتك. والانسان يتوق دائماً ليس الى الأصنام التي لا يؤلهها احد بما هي أوثان ولكنه يتوق الى أشباه الاصنام أي الى ما فيه من شهوات مؤذية اذا فعلها تدمر كيانه.

لقد استرسل آباؤنا في الحديث عن الشهوات وسموا أصولها الأهواء ومنها ينبع الارتكاب. لذلك كان المعنى المفيد لوحدانية الله اليوم ليس ان تتنكر فقط لتعدد الإله بعد ان ساد التوحيد مناطقنا ولكن الصنمية الآن هي ان تجعل أي هوى من أهوائك إلهاً أي قوة تأتي انت منها وتطبعك.

فعلى سبيل المثال يكون اشتهاء جسد آخر اذا جاء عمداً واستفحالاً مؤذياً لأنه يبدل الها باله ويجعل قواك كلها مسخرة لهذا الإله الجديد فتصير مثل ما تعبده اي جسداً محضاً وتزول فيك محبة الله. الإله الجديد يملي عليك مسلكك وانت ما تسلكه. “من يصنع الخطيئة عبد للخطيئة ومن صنع البر عبد للبر”. واذا توغلت في هذه القولة الإلهية أقول: ان من يصنع الخطيئة يصير كله خطيئة اي يطرح نفسه في العدم الروحي الى ان ينقذ الله منه بالتوبة التي فيها يصير الانسان مألوها، مشدودا الى الله في كل حنانه وكل حكمته وكل قدرته. ينتقل من انسان جسداني الى انسان روحاني ليس بمعنى انه يتجاوز حواسه ولكن بمعنى انه يتجاوز استبداد حواسه وانفعالاته ويصبح الروح الالهي عاملاً فيه.

ليس الروحاني بلا عين واذن ويد ورجل ولكنه ينظر الى ما يتحكم برؤيته ويسمع الى ما لا يطغى على فهمه ويمسك بما لا يكبل يديه ويسعى الى حيث ينجو. الروحاني مثل كل الناس مظهرا ومثل الله عمقاً ويسود حواسه ولا يعطلها. هو لا يلغي جسده فإن ألغاه مات. انه لخرافة ان يقال ان المسيحية تبيد الجسد وتتجاهله. هي قائمة أساساً على ان كلمة الله الذي صار اسمه المسيح اتخذ جسداً وأبصر وسمع وأكل وشرب وسلك على قدميه وفتح فمه كما يقول في متى وخاطبهم ولكنه كان أبداً متجلياً أي أبداً حراً من حواسه. كان فيها وكانت تخصه ولا يخصها.

هو لم يكن مقهور ألوهته تسيره على هذه الأرض كأنه بلا إرادة بشرية اذ قال عن سلوكه في البشرية: “اني أفعل في كل حين ما يرضيه” (أي الآب). معنى ذلك انه في بشريته كان يتمم مشيئة الله. وينتج من ذلك اننا مدعوون في انسانيتنا الى ان نخضع نحن لمشيئة الله واننا قادرون بالنعمة على ذلك. بهذا المعنى نحن روحانيون.

لم يتبسط يسوع الناصري في الحديث عن الخطايا ولو اشار الى بعض منها لأنه كان يريد المحبة. لا بالارادة الصلبة نحن نقترب من الله فاذا ما صرنا عنده بالحب نصير الى الاخوة أيضاً وكأننا معهم في “قبلة مقدسة” كما يعبر بولس. لم أعثر في العهد الجديد على ما يشير كثيراً الى ترويض الارادة ولكنه مليء بالقوة التي تفعل ارادتك أي بالمحبة التي هي تعبير آخر عن ان لك الهاً واحداً أي قطباً واحدا لحياتك يستقطبك الى النور الذي فيه فتتلاشى فيك عتمات الشهوة.

في أحادية هذا الاستقطاب حذرنا السيد كثيراُ من عبادة المال وسماه إلهاً ليس لأنه كذلك حقاً ولكن لأنك أنت مغرى بأن تحوله بعبادته الى إله. وينتج من ذلك غياب الإله الحقيقي عنك وتحولك تالياً الى إنسان لا يحس بالإله الحقيقي ولا يحس تالياً بالانسان الآخر. ذلك ان غياب الله عن بصيرتك يلغي فيك أيضاً حضور الانسان اذ لا تستطيع ان تبصره ما لم يتحول قلبك من رؤية الله الى رؤية الانسان. فاذا جعلك الرب صديقه يجعلك بالضرورة أخاً للانسان الآخر. ومن هنا ان ما استحوذت عليه من الرزق ليس لك بحق الهي ولكنه يخص جميع الذين حولك وما انت سوى مؤتمن على أشيائك. تديرها وتتصرف بها لخدمة الناس جميعاً حسب ظروف حياتك اليومية. وعنذذاك لا تنتظر المحتاج يأتي اليك ولكنك تذهب اليه لتعطيه ما يعود اليه .من هنا ان الذي تسميه ملكك وما هو بملكك.

لعل الخطر الاكبر من اشتهاء المال انه يحول كل مسعاك اليه ويشوه فكرك بحيث تراه المحرك الاول للنشاط البشري فتظن ان الناس اليه وانه يحل كل معضلات الانسان. أنا لا انكر نفعه وقدرة الانسان الذي يحوزه على مواجهة كثير من الصعاب. غير ان بعض اغرائه ان يجعلك تلوذ بالأثرياء حتى تحصيل اجتماعيات أفضل لك فيضعف تقديرك للفقير المجاهد الفاضل. الخطر هو في التركز على مقتنيات هذا الوجود، الى ما يسميه يوحنا العالم اذ يقول: “لا تحبوا العالم ولا الاشياء التي في العالم… لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة… والعالم يمضي وشهوته”. لعل الكثير من الجهد الروحي يكمن في ان نميز بين ما يزول وما لا يزول ليس فكرا فقط ولا عملاً ونمكث نحن في الباقيات الصالحات.
غير ان خطر المال لا ينتهي بهذا فقط. انه الطريق الى السلطة أي ان تحل انت في السلطة لتسود الآخرين. التسلط هو صميم الخطيئة لانه الغاء الاحياء الذين حولك بسبب من اعتبار نفسك مركز الوجود. والتسلط نكران لمن له وحده سلطان على الأحياء والاموات ومن بيده مقادير التاريخ والحياة الابدية.

ما من شك في ان شهوة السلطة اثارة للعبودية أي استدرار لعبادة الناس اياك. و اذا نجحت في ذلك يبطل عندهم الفكر وتزول الروية أي تنتهي الارثوذكسية بمعناها اللغوي الذي اشرنا اليه. وتعظم شهوة السلطة عندك اذا رأيت نفسك قادرا على أشياء كثيرة حتى تحويل مجرى أمور عدة في مجتمعك اليك. هذا سكر ليس بعده سكر. لعلك اذا حللت شهوة الجنس تحليلاً نفسياً ترى انه في أعماقه ممارسة للسلطة. يقال “يأخذ” الذكر الانثى أو هي تأخذه لأن قمة السلطة على مختلف أطيافها تملك في حين ان الجنس في معناه الانساني الراقي أي المقرون بالمحبة والعطاء قربان أو مذبح للقربان. واذا بت في أي تعبير سلطوي مركزا لمن هم حولك تزول عندك مركزية الله. ان اشتهاء اية سلطة في اي حقل من حقول الظهور امتهان لسيادة الله عليك.

يضعك زمانك أحيانا وخبرتك في موقع الحكم. اذكر ان الحكم خدمة وانه ليس فرصة للكسب أو للسيطرة. فاذا دخلت اليه فقيراً تخرج منه فقيراً . هذا برهانك الوحيد على انك كنت فيه خادماً للناس. لا تسع أذاً الى منصب سعياً مجنوناً واذا صرت اليه بما رآه أولو الأمر كفاية واخلاقاً فتسلمه من أجل خدمة الناس ولا تشته فيه الجاه لانك تفسد نفسك والمنصب والناس وتشدهم الى الثناء عليك والمجاملة والمصانعة لكي يقتربوا هم أيضاً من مواقع القوة. أما الايمان فيقول ان ليس لك أو فيك من قوة حقيقية الا ببهاء الفضيلة واللطف والوداعة والتواضع.

هذه كلها تهيئها لك النعمة الإلهية ولو كنت ملكاً. صر ملكاً واجلس على عرش التواضع فيتجلى الله بك للناس وتنشىْ هكذا حولك أمة من المتواضعين الملتمسين وجه الله ونوره. ربك معطى بالحب. انت معطى اذا بددت كرمه ليحيا الناس بعطفك والحنان.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

السياسة / السبت في 2 تموز 2005

كلمة سياسة عند ارسطو مشتقة من المدينة اي انها تفترض ان الناس الاحرار عائشون معا في مجتمع واحد. فهو يستوي واحدًا بمقاصدهم أو لا اي بارادتهم الا يتذابحوا اذا ما اختلفوا وان يحاولوا التنسيق في ما بينهم لو اختلفوا. فهم صورة عن العالم الكبير المنسجم وذلك بالفكر المتلاقي والفكر الآخر على ذلك التنوع الذي يؤسس للوحدة. وجدلية الوحدة والتنوع قائمة على تعدد الافراد وحريتهم وانشاء الوحدة في الجماعة. وهذا تناسق صعب. غير ان الحوار الذي ابتدعه سقراط يؤسس على ان الحقيقة التي فيك استثيرها منك لتنيرني وتنيرك وتوصلنا معا الى بناء اثينا.

هنا يزين لي ان الديموقراطية التي تحدث عنها افلاطون تفترض ان نواب الامة فاضلون حتى التحلي بالحكمة فيصدر عن الحوار حكمة واحدة هي لصالح الجماعة. واذا كانت الحكمة هي المبتغى فلا يفسدها مال ولا تدركها شهوة. فاذا ما توخى النواب صالح اثينا فهم لا يسعون الى صالح اسبرطة او صالح اي منهم. وغير العقل لا يدخل في الاعتبار ومجلس اثينا مجمع العقلاء والعقول وحدها هي التي تتواجه عند الاغريق. فالقوة العاقلة عندهم اعلى ما في الانسان ولو احتوى القوة الغاضبة او القوة الشهوية. هاتان تنسجمان معا في اشراف العقل عليهما. اذ تبقى عندهم كل مكونات الانسان لاعبة، متلاقية ولكن في شريعة الفكر الجميل. والخضوع له هو الفضيلة باعتبار انه لا يبتغي الا الخير وما من جمال الا في الخير.

أجل النائب يجيء من قوم، من فئة من الاحرار ولكنه ليس بوقا لهم ولو مثلهم قانونيا لانه يمثل فقط من انتدبه اي العقل الذي هو صورة الله لان الله عندهم فكرة الافكار اي العقل الاسمى والجامع. ارتباط النائب ليس بمن بعث به ولكن بمن يبعث هو اليه اي الله اذ مبتغاه ان يجعل المدينة اجمل تجمع بشري قائمة على الحق والخير والجمال وهذا الثالوث في ترجمته البشرية هو الفضيلة فليس من خير او جمال خارجها.

الثورة الفرنسية ولئن قالت بسيادة الشعب الا انها لم ترد تراكم الشعب افرادا ولكنها افترضت ايضا ان هذا الشعب لا يتوجب بما يشبه مصالح الملوك واستبداد الملوك ولكنه خاضع للكائن الاعلى. ليس الشعب اذاً قائما بذاته ولكنه قائم بإلهه، الحرية التي نادت بها الثورة هي الفرصة التي تجعلنا نرى الله ونذهب بها معا الى الله. فالثورة دائما مثالية. واما اقترانها بالدم فليس من طبيعتها. طبيعتها الفكر الملتزم للانسان الآخر وسعادته الامر الذي يؤول عندهم الى سيادة الكل من حيث انهم مشدودون بالمساواة والاخوة والحرية الى ادراك الامة لجوهرها القائم على انسجام جزيئاته وهذا ينزل على كل فرد لانه يتوخى الشيء الذي يتوخاه المواطن الآخر. والآخر مواطن ليس لانه يعيش معك على ارض واحدة ولكن لانكما تطلبان معا الحرية والمساواة والاخاء. الوطن يتكون لانك انت والآخر تريدان ما هو فوق الارض بماديتها. الارض قائمة بمشروعيتها او شرعيتها بسبب من سياسة الحكمة.

كل ثورة مهما كانت سطحية تبتغي الوضع الافضل اي تجاوز الراهن السيئ الى المرجو. المؤسف ان هذه المسيرة ملطخة بالدم احيانا كثيرة. لذلك اتت معظم الثورات باطلة في رؤية الحكمة. الى هذا فكل حكم ينبغي ان يكون ثوريا على نفسه لانه ان لم يتبع الافضل كل يوم يكون قد ابطل رغبته في الحكمة وعاد الى شهواته. ان يريد ذلك هو ان يصبح جديدا كل يوم منزها عما يعطل فيه سلطة العقل وما يبيد عنده قوة التلاقي والاعتراف بالآخر من حيث هو مكمله الى الوحدة.

في هذه الفلسفة يمكن ان تؤثر الآخر على نفسك وقول الآخر على قولك. من هنا ان الكتل لا تعني الا شيئا واحدا ان يكون اهلها على فكر واحد يعتبرونه من صالح الامة اذ هم ترهبوا للجماعة الوطنية كلها. في الاخلاص ليس من كتلة او من تحالف. اجل لا يحيا الانسان الا اذا تصور ان هذا او ذاك يريده ما يريد هو من الخير. الكتلة لا يؤلفها سوى التعاهد على الخير فاذا سقط حليفك بالباطل تترك حليفك لتلتحق بمن تلتقي معه بصورة الخير. ييسر هذا الامر قيام الاحزاب في الديموقراطيات الحديثة اذ تقوم على برامج هي قراءة لما ينفع الوطن في كل الحقول السياسية. اما اذا تعددت الاحزاب كثيرا فليس من المعقول ان تكون مختلفة مثل تعددها. وتكون قد دخلت في التعدد خلافات بشرية جزئية او خامرتها مصالح القادة. ولهذا رأت بعض الدول العريقة في ديموقراطيتها ان المطالب الوطنية يمكن سكبها في حزبين او ثلاثة. فالخيارات ليست متعددة بصورة مذهلة. والاحزاب هي احزاب الامة لان مصالح الامة واحدة.

هذا يفترض ان المواطنين لا ينتمون الى فئات اجتماعية مختلفة كطوائف لبنان لها احزابها. فعلى سبيل المثال رأيك في ادارة الكهرباء او المديونية العامة او الموقف من اسرائيل لا يختلف باختلاف الطوائف. ليس في الطوائف اطروحات سياسية او اقتصادية وقد لا تمتاز هذه الطائفة عن تلك بفلسفتها السياسية. ولم يعقل احد ان دوامي بدوامك ودوام فهمي بدوام فهمك واننا قادرون على التلاقي على ان نبقى خارج منطق القوة عددية كانت ام غير عددية. واذا كان الآخر “ضروريا حتى التنفس” فالتمسك الارضي بالطائفة يبطل التمسك بالجماعة كلها. وارادة السيطرة على المجموعات الاخرى كائنة ما كانت وسيلة السيطرة انما هي الغاء للآخر. من هنا ان استثارة الغرائز الطائفية كانت إبطالا للوطن.

ان ارادة الوطن الواحد تقوم اولا على احترام الاقليات الصغيرة التي ليس عندها مال او لا تستعمله. لا ترغموها على تحالفات في الوطن هي تأباها ولا تفرضوا عليها تحالفا. فهذه كلها تتوسل مشاعر ليست من جمال اثينا القديمة بشيء. فالكبير ان لم يقتنع انه بكيانه العميق والتاريخي يجيء من الصغير يبطل كبره بسبب غياب الحكمة عنه. هناك تراص العقل والعقل فقط وتراص القراءة والقراءة. اما تراكم الاجساد من هذه الفئة وتلك فإبطال للنفس العاقلة. لا تفرضوا الهزائم لان من تنهزم امامه يجعلك عبدا له والوطن ليس فيه عبيد.

حلف الطوائف الذي يبدو في الافق نرجو الا يتحقق لانكم تكونون قد قتلتم الوطن الى الابد. قتلتموه بالتشرذم وبعودة الشهوات الى مكانها. والشهوة هي حكم قوة فينا لم تنزل عليها المحبة. وحكم القوة المفروضة خارج نظام الوفاق يعني نكرانا للدولة الحديثة التي جاءت مكوناتها من التاريخ. وانت لا يسعك ان تلغي تاريخي. والمواطنة محاولة جدية، حثيثة، تقية للاعتراف بهويتك الخاصة واصالتها في حين ننشئ وطنية واحدة لنا مجتمعين.

رجاؤنا ان يصبح نوابنا الجدد ووزراؤنا على صورة الحكمة التي ذروتها المحبة وعلى سفحها المعرفة والصدق وان يعلو لبنان كل رغبة فئوية بما فيها رغبات الكتل والاحزاب ولينكسر ما ينكسر فلا ولاء الا للحق ومنفعة البلد. ورجائي ان نزداد وعيا لنزداد طهرا ولتصر الدولة مدرسة للمجتمع وليصر المجتمع مربيا للدولة ولا نغرق في قضايا باطلة.

احلم بزوال الباطل عن بلدي في تكويناته ومسؤوليه لئلا يبقى لبنان حلما لا تدركه. يجب ان نبني على هذه الجبال وفي السواحل مدينة الله ولا تبقى على هامش الزمان الفاعل لئلا يأكلنا غيابنا ونسقط في العدم حتى نحيا ونعشق الشرائع التي من شأنها ان تنقذنا من فوضى الفكر وفوضى السلوك. وهنا اقول للنواب الجدد وبعضهم صديق: “هاتوا برهانكم” خلال السنوات الاربع المقبلة لئلا نقول لكم اذهبوا.

اما الآن فليبارككم الله انى جلستم وحيثما تكتلتم. وتعاملوا بالخير بعضكم مع بعض وبالنية الحسنة علكم تزرعون الامل في نفوسنا. ابسط مطلب منكم الاخلاص وبعده العلم.

اعرف ان بناء البلد يتطلب اجيالا لكن الوقت وقت بدء وهذا كله على الرجاء.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

لعبة القداسة / السبت 25 حزيران 2005

هل سيتفرق العشاق بعد جلوسهم تحت قبة البرلمان؟ الأكيد ان الفرقة لن يكون أساسها طائفياً فقد جعل الأقوياء الذين من دينهم والذين ليسوا على دينهم خارج حلبة الرقص مع مقدار من المرارة لن يشفى منها من لازم قومه المقربين ويبقى مستمتعاً بالجاه عندهم لكن جاهه الأعلى انتظامه في الدولة اذ لا كبر عند اللبنانيين الا فيها أو بها.

قد يكون لمن اختارهم الناخبون أو لبعض منهم خطاب جديد ولكن ليس هذا دليلاً قاطعاً على قناعة جديدة. فلم يقم الدليل على ان الحرب انتهت ولكن ان نقول هذا شيء مريح لأن التوبة وحدها تنهي القتال ولم أرَ أحداً قال انه انخرط بالتوبة. هناك فقط تصريحات على انهم نسوا الماضي. ولكن هل اقتنعوا انهم لن يؤذوا وان الأذى الذي لحق بهم بات مغفوراً؟ عندما رجم اليهود القديس استفانوس (اسطفان بالعامية) قال: “يا رب لا تقم عليهم هذه الخطيئة”. ما قال لم يخطئوا ولكن لا تحاسبهم على ما ارتكبوه. أما الذين لطخوا أيديهم بالدم فيتكلمون على فقدان الذاكرة عند سواهم وليس عندهم ليبقى هذا التلاصق الكاذب بين اللبنانيين.

غير ان المضحك المبكي هو ان العواصف التي هبت انما كانت مكونة من كل جنس وطائفة وقدمت هذا المشهد ان المسيحيين والمسلمين واحد في هذا المعسكر وذاك لكنه واحد اذا انتصروا حتى يأتلف قوم جدد حسب معايير ستظهر بالممارسة. فقبل ولوج أبواب المجلس وبعد ولوجه سيكون لبنان “بيتاً ممرمراً” كما يقول حزقيال وتتبدل العصي التي تضرب هنا وهناك في هذا الخليط العجيب الذي هو الحكم اللبناني.

غير ان العارفين سيتفحصون العوامل التي وراء الاصطفاف بعضها جديد وبعضها عتيق. أنا ليس عندي وصفة لتغيير المشهد اللبناني لأن هذا يأتي من أعماق يحفرها الله فينا ليضع فيها كلمته. والكثيرون لا يقبلون هذا اذ يعني القبول تبديلاً في التكوين الخلقي للانسان اللبناني وانه على سبيل المثال يريد ان ينتزع عن نفسه عشق المال واللوذ بالأثرياء الفاعلين. لست أريد اليوم ان أتضجر من نفسي وأن أكرر اننا لسنا مقتنعين بأن الطاعة لله تحرر من الشهوة. في هذه الدنيا المقيت انت عبد لمن أعطاك فالفرنسيون يقولون: “من اعطى فقد امر”.

مشهد الانتخابات كان مشهدا للخطيئة بامتياز لكن الكثيرين ارتضوا ان يكونوا من القطيع. وهناك من لا يؤذيه هذا المنظر. لا يجرح احدا ان يسود الاخرين في بهيميتهم، هذه التي صاروا اليها بارتضائهم الرشوة.

لست في معرض الادعاء على احد ففي لبنان قلّما تدعي والاصول ان يخفي القضاء ادلة المدعي في هذا المجال. غير ان الرجاء ان يلهم الله الذين قالوا بتعديل القانون الذي اتى هو بهم اي ان يعرضوا انفسهم للخسارة بعد اربع من السنين الآتية وقد اجمع اهل السياسة على ان القانون جائر. غير ان المؤمن يخلص بالرجاء. ولكن لماذا اصروا على ارتكاب الخطيئة وقد قدروا ان يفارقوها؟ ربما لم يسمح ضيق الوقت الا بتبني قانون الالفين. ولكن املي ان يؤتى بقانون يرضي الجميع بما في ذلك شعور كل مجموعة دينية ان لها قولا في من يمثلها ابقينا هذا النظام ام الغينا الطائفية.

تعزى احد الكبار بأننا بلغنا نوعا من التوازن بعدما اصبح لكل طائفة زعيم. اولا اين الخير في هذا ان كان القصد الاخير الا تلازم طائفة زعيما واحدا؟ الزعامة الواحدة في كل طائفة لا تفرحني. ان هذا غير صحيح في الشيعة ولهم زعيمان ويصبو بعضهم الى تعدد اعظم. واذا اعترف الموارنة ان لهم زعيما اليوم كبيرا وفاعلا ففي القريب الذي يبدو عاجلا سيكون لهم زعيم ليس دون ذاك فعلا وكبرا وليس ما يشير الى انهما سيكونان على ايلاف عظيم ودائم.

اضف الى هذا ان عند الموارنة قادة رأي كثيرين ولعل من رضا الله عليهم انهم في شؤون الدنيا يختلفون ويتوحدون في شأن الملكوت. ورضاء الله على الارثوذكس اعظم لانهم لا يريدون ان يقيموا فوق رؤوسهم من يشرف على تعاطي دنياهم ولا يقيمون من يشرف وحيدا على شؤون آخرتهم. غير ان ما اتضح من الانتخابات ان شعبنا ليس حلف طوائف ذلك لان المال هو العنصر الفاعل في الاصطفاف او ان الاجنبي هو الجامع للناس وان اللبنانيين ليسوا على تلك العقائديات السياسية التي تباعد بينهم او تقرب. المجالسة على الكراسي بنعمة التراص او التلاصق بنت الشهوة وشهوة السلطة ام الشهوات او اعظمها وقد علمتني رؤية الخاطئين ان لا شيء يتحكم بهم ويفتك كما تتحكم بهم وجاهة الدنيا.

هذه اذا زالت من التعاطي السياسي تجعل الخطاب الوطني ممكنا وتأتي به معبرا عن المقاصد. وقبل هذا تتقاذفنا كل الرياح. ذلك اننا لا نزال في وسط المسألة الشرقية في ترجمتها الحاضرة. ومعنى ذلك عندي ان الانتخابات التي جرت عندنا لم تكن مستقلة عن تقاذف بلدنا في ملعب السياسة الدولية. لا تسألوني عن اللاعبين المحليين. ولكن من الواضح ان الارادة الدولية الفاعلة هي ان يقوم لبنان نموذجا للديموقراطية في الشرق اكانت شبيهة بديموقراطيات الغرب ام كانت قائمة بذاتها اي على شاكلة الشعب اللبناني بما يمتاز به القيمون عليه من حسابات وفساد ووصولية وما لا يبدو كذلك جزء من المسرحية.

هناك مسائل اساسية تنتظر الحل: سلاح المقاومة، المخيمات وما اليهما. لذلك وجب أن يؤتى بمن كان مؤهلا لمواجهة هذه المسائل بقوة. وبعد حلها يترك للبنان صورة الحكم والعيش السياسي التي تستجيب لها اخلاقه. اي ليس مطلوبا في الدول ان يبلغ لبنان من الرقي الروحي والنفسي ما يعده ان يكون عظيما. الصورة المصنوعة له تكفي ليدعى العرب الى التشبه بها وتقنع الادارة الاميركية شعبها بأن حرب العراق لم تخض سدى اذ قد تنتج منها طائفيات دينية وعرقية. عراق يتلبنن ما اجمله بلدا على خريطة الشرق المنهدم! كل هذا الوضع الرجراج من بلاد الرافدين الى عريش مصر يثبت فعل الغرب عندنا الى زمان لا يعرف مداه الا الله.

اين المسيحيون في كل هذا المشهد؟ اذا اصروا على ان يظلوا على هذه اللبنانية الهشة التي اخترعوها لانفسهم سيذهبون في رياح الصحراء ويتصحرون روحيا. ان لم يفهموا ان مملكة سيدهم ليست من هذا العالم لا يستطيعون ان يتحدوا. سيسعى من يرى مملكته من هذا العالم ان يجعلهم له اذيالا. في المعركة الطائفية هم خاسرون وكذلك في معركة المال. لم يفهم مسيحيو لبنان ان هناك لحمة بين انجيلهم والشأن الدنيوي. لم يفهموا ان سياستهم تأتي من طهارتهم وانه ليس محكوما عليهم ان يظلوا مستشارين عند عثماني ما او فقط مفكرين او شعراء وجيدين في الحرف الحرة منها والاخرى.

هل يعرفون يوما انهم مدعوون الى ان يعظموا بالمحبة في كنيسة تبدو متفرقة طوائف لكنها في الفعل التاريخي في هذا الشرق ينبغي ان تكون واحدة. لن يصيروا شيئا عظيما اذا فرضوا مندوبيهم لمواجهة او جبه. هذا لا يزيدهم عمقا ونقاوة. اذا لم يجلسوا فوق في السماويات لن يحتلوا اعالي التاريخ والابداع الثقافي.

متى يكون هذا او كيف يكون؟ الارثوذكس يعيّدون غداً لجميع القديسين. هل قرر مسيحيو بلدي ان يصبحوا قديسين هنا على الارض، في السياسة حتى تلعب على قواعد جديدة؟

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الأناقة في الخسارة / السبت 18 حزيران 2005

ان تربح هو ان تربح على نفسك أي ان تربح نفسك. وما كان دون هذا هو خسارة في الدنيا. ولكن «ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه». ماذا يعني في السياسة ان تغلب خصمك اذا أكلتك النميمة أو يأكلك الافتراء أو البغض أو الكبرياء. ما قيمة مقعد في البرلمان انزلقت انت عنه وجلس عليه آخر ودافع مثلك أو أكثر عن القيم التي قلت انك مترهب لها وكانت هذه نية لا يمتحن صدقها إلاّ واقع جلوسك لو جلست.

غداً تنغلق صناديق الشمال وتهدأ أعصاب الناخبين والذين زلت أقدامهم دون بلوغ الكراسي. وسيتربى أهلنا على الهدوء وقد نالوا قسطاً منه كبيراً في امتحان الانتخابات كما اطمأنوا، جملة، الى نزاهتها والى حريتهم وبهذا قطعوا في الديموقراطية شوطاً كبيراً.

أجل لست بالانتخاب خبيراً ولم أجمد كل أوقاتي لتتبعها ولكني فهمت ان الطوائف كلها تشاركت على اختلاف موازينها وان الشرخ ما كان طائفياً وان المسيحيين ما ذاقوا هذا الغبن الرهيب الذي كانوا يخشون وانهم انتخبوا المسلمين كما المسلمون انتخبوهم وكأن الحدود الفاصلة بين الناس عبرت الطوائف وان لم يصح هذا على كل بقعة من بقاع البلاد بالحجم نفسه. وستبين مجالسة النواب اذا تجالسوا انهم أعظم اختلاطاً مما كان يخشى وسيلعبون وفق نزعاتهم أو منافع لهم او التزام لا يفرق بينهم دين بالضرورة أو مذهب ويتلاحمون أو يتنافرون كما تشاء لهم الاخلاق ما عدا تجانس الكتل وقد لا يتجانس كل أعضائها ان لم يصبهم تهديد أو يعتريهم خوف. وسوف يسلمون بعضهم على بعض ويتنادون الى موائد على تباينهم ويسترضون بعضهم بعضاً ويبدو تقاسم غير الذي بدا في المعارك الكلامية عفت فيها ألسنتهم أم لم تعف.
واذا جاء الكلام على شيء من التجريح فحسن الزمالة يقضي بالغفران وبالتلاقي حيث أمكن فنحن ليس عندنا يمين حاد أو يسار حاد وليس الانتماء المذهبي يقضي بهذا الموقف أو ذاك بعدما ألفنا في الماضي بعضاً من تهريج وأظن اننا مترقبون لبعض منه في الأيام الآتيات. وشيء من اللعب يخفض حدة الخطابية التي هي متاع دنيا العرب على رجاء ان يقتنع مندوبو الأمة ان الخطاب أضعف من العمل ومن الاصطفاف وراء
الحق.

وسيتخذ مجلس النواب شكل وجهه وقد لا يدوم الشكل لأن في المجلس من تتبدل قناعاته وفيه من لا قناعة له. واذا اكتسب هؤلاء القوم شيئاً من رصانة فنحن نتبع الرصانة التي يكونون قد بلغوها ونفرح بهم لأننا نفرح لأنفسنا بسبب مما قد يحصله البلد من صلاح العمل وجده. والمسألة والألم معاً أنك تتعامل والموجود وان موفدينا هم من وليناهم نحن ننتظر مجلسا آخر يأتي صورة عن حسن في أنفسنا نكون قد عملنا عليه وعن حسن سياسة نكون قد أتقناها بممارستها اليومية وتدبر شؤون حياتنا يوماً فيوماً.

فبسبب من نسبية الشيء السياسي من جهة ومن كوننا لا نتباهى ولا نثق بأننا المنقذون أو وحدنا المنقذون فليتصرف من خسر الشوط بأناقة كما يتصرف الرابح بأناقة لان اللياقة في الخسارة أفضل من قلة اللياقة في الربح. واللياقة الكبرى في التواضع الذي يمكن ان يتحلى به كل المتسابقين.

واذا تجالستم يا سعادة النواب (وأنعتكم بما اصطلحتم عليه من تسمية) فرجائي ألا يكب الواحد الآخر قبل مجالسة طويلة اذ «عند الامتحان يكرم المرء أو يهان». ومع انكم تعرفون سلفاً موقف هذه الفئة أو تلك بسبب من التزامها عقيدتها السياسية تعرفون أيضاً ان الالتزام ليس نصيب الجميع. ونحن ليس عندنا معيار للتصنيف واذا صنف الاجنبي نوابه بين يمين ويسار لا يصح عندنا هذا. عندنا مسائلنا الداخلية وقد لا تفصلنا قبل مناقشات تطول. ففي الخطوط العريضة – وأقله كلامياً – كل الناس ضد الفساد ولو صعب جداً استئصاله أو تتبعه أو محاكمة مرتكبيه. ونحن جميعاً على انتماء عربي مهما وضحت المقولة او غمضت وليس أحد يحلم بوصاية يقال انها ذهبت او أخرى انها وافدة لتفكيكنا. ومهما يكن من أمر فالسعي الى الاميركان ليس حكراً على مجموعة دون أخرى كما ان الالتصاق بقوة خارجية ما كان حكراً على أحد. لا أحد يريد العودة الى متصرفية ما أو الى تنظيم ليس هو العيش المشترك كما عبر عنه الدستور. ان حجمنا الصغير لا يسمح إطلاقاً بما هو ليس اختلاطاً بيننا كاملاً. لست أرى أننا مختلفون في درجات العشق للأميركان أو الفرنسيين. واذا كان لا يسوغ ان نحكم في نيات أحد ونناقش بعضنا بعضاً بعدما قلنا جميعا ان كل المشاكل بما فيها سلاح المقاومة يفصل بيننا داخليا.

جل ما أوحي به ان محاكمة أحدنا الآخر لا يسوغ ان تقوم على قبليات، واننا نواجه معا كل الامور مهما بلغت من التعقيد. واذا كنا بعامة مثقفين على عدم الاحكام المسبقة فلم يبق من تحديد للمتطرف وللمعتدل ولاسيما ان التقلب بين التطرف والاعتدال وارد عند من لم ينضو تحت لواء حزب عقائدي.

أجل ستكمل انتخابات غد خطوط السياسة اللبنانية كما تتجلى في المجلس. ويزين لي انه سيكون مجلسا حيا لا يخلو من احتدام وهذه علامة حيوية تعكس حيوية بدت عند الناخبين وتعكس رشدا قد بدا ايضا. واتصور ايضا انه ستظهر موازين قوى اخرى مختلفة جزئيا عما كنا نعرف في السابق. ان التحامنا الوطني فوق اختلاف الطوائف اقوى مما كان وسوف يختلف مندوبونا على اشياء جديدة. ولكنا طبعا نتأثر بوضع المنطقة والوضع الدولي في سعينا الى بناء مجتمع راشد. وسنتفق على السعي الى عيش كريم نظيف.

لذلك لست ارى اننا مقبلون على تمترس طائفي يعود بنا الى ما هيأ للحروب التي خيضت عندنا. ليس احد يتمنى هذا ولا احد له الصبر على هذا او على امكانه. ولقد فهمنا جميعا احابيل اسرائيل التي لن ينجر احد اليها. والاحساس المسيطر على المجتمع الدولي احساس سلم في لبنان. لن يكون الموت في ما بعد ولو بقيت ظلمة نفوس كثيرة. غير انها ليست ظلمة للموت.

فلتهدأ الاعصاب الآن لنتقبل بعضنا بعضا حتى تعف ألسنتنا والسلوك ونبني هذا الوطن مهما كلفنا الامر من الوقت. ليس الوقت وحده يأتي بالخبرة. انما يحتاج الى تنقية اسمها في السياسة كما في غير السياسة توبة.

يوم غد هو عند الارثوذكسيين يوم العنصرة اي نزول روح الله على الناس. اود ان اشتهي تنزل النعمة السماوية على كل اللبنانيين ليقيموا معا بيتهم الواحد خدمة لبنيهم وبناتهم على رجاء مساهمتهم في ظهور انسانية حلوة راقية.

Continue reading