Category

2004

2004, جريدة النهار, مقالات

في سلطنة عمان / السبت في 27 آذار 2004

بين الاثنين الخامس عشر من آذار والسبت العشرين منه حللت ضيفا على معالي وزير الاوقاف والشؤون الدينية عبد الله بن محمد بن عبد الله السالمي في مسقط (عُمان). وكان الهدف الرئيس من ضيافته الكريمة القائي محاضرة بعنوان: «المسيحيون والعرب والقدس». القيتها في قاعة الجامع الكبير في حشد كبير وفي مقدمتهم السفراء العرب ومنهم سفيرنا الاستاذ عفيف ايوب الذي احاطني بعطف كبير. وقدمني الدكتور رضوان السيد.

كيف عالجت موضوعي؟ احببت في قسم اول ان اذكر المفكرين المسيحيين الذين تصدوا للعقيدة الصهيونية. لم اعثر على كتاب نجيب عازوري عن الأمة المنشور في باريس في مطالع القرن الماضي. غير اني وجدت اسم الشيخ يوسف الخازن الذي وضع في باريس السنة الـ1919 كتابا عن الدولة اليهودية في فلسطين وتبعه السنة اللاحقة جورج سمنه. ثم لاحظت ان الدكتور خليل سعادة نشر السنة الـ1921 في ساو باولو مقالا ضد الصهيونية وتبعه بعد ذلك ابنه انطون سعادة. ثم ظهر امامي داود مجاعص وفارس مشرق وبعدهما السيد بولس الخوري مطران صور وصيدا لاحقا والسيد اغناطيوس حريكة مطران حماه. وكان لا بد ان اذكر قسطنطين زريق وجبران تويني مؤسس جريدة النهار. وهذه لائحة فيها دلالات.

غير ان المهم كان موقف الكنائس. وهنا يبرز خطاب البطريرك الارثوذكسي الياس الرابع في مؤتمر القمة الإسلامي في لاهور السنة الـ1974. وذكرت في ما قاله قوله لملوك الدول الإسلامية ورؤسائها: «القدس محجتكم على دروب الحرية ونحن واياكم مقدسيون… ويقيننا ان المدينة العظيمة قد غدت معراج الإنسانية الى الله». وكان البطريرك هو الذي اطلق كلمة سارت كالنار في الهشيم: «البشر لا الحجر».

غير ان ما يقيد الارثوذكس بيان مجمعهم صيف 1975 بعيد اندلاع الحرب في لبنان وفيه: «لن ننسى اننا في مسيرة العرب جميعا الى القدس ونحن من الكلمة التي خرجت منها نأتي… لذلك كانت السيادة الصهيونية عليها اقتلاعها من جذورها مدينة لله و أهل الآخرة». وجدد المجمع هذه المعاني بعد الحرب. ثم اوردت ما صدر عن مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك عن القدس غير مرة واستشهدت بخاصة بقولهم: «نعلن تأييدنا لقيام دولة مستقلة عاصمتها القدس».

وذكرت الأماكن المسيحية المقدسة في كل انحاء فلسطين وأسفت لانحسار الحضور المسيحي في القدس وبيت لحم وشبه زواله من بيت جالا وبيت ساحور بسبب من الهجرة. غير اني بينت ان المسيحي المنتمي الى الحضارة العربية يتذوق الحضارة الاوربية ما يجعله جسرا بين الحضارتين. ثم كشفت حذر القادة الاسرائيليين من مسيحيي لبنان وذلك في المراسلة التي دارت بين موشي شاريت ودافيد بن غوريون.

#   #

#

في القسم الثاني من المحاضرة أدليت بأن بين اليهودية والمسيحية الشرقية في كل مذاهبها صداما يقوم على زوال الهيكل والختان والفرائض الموسوية تأسيسا على اعتقاد آبائنا ان اسرائيل القديم انتهى وان الكنيسة أمست هي اسرائيل الله. فعلامَ اذًا يقوم كيان لليهود؟ لذلك تصورت في غياب فلسطين موحدة ان تصير القدس «ايقونة لوحدة تعايش بين الجماعات الإبراهيمية الثلاث».

القدس وليس سوى القدس لكونها رسالة انسانية او للإنسانية. اجل رجوت «هدية ابراهيمية ولكنها عصرية. ما من قدس اذا جعلنا حارة المسلمين تجاور حارة النصارى… القدس نهاية الحارات».

وظيفة للقدس اساسية ان تصبح «مقر الخطاب الديني القائم على استبقاء الآخر على ما يعتبر له ومنه بحيث يبطل الاحتراب وينحت كل منا الآخر بالانتباه الى وجعه في محاولة الوصول الى التناغم بتعدد اللحن». القدس متوثبة اذًا الى الآتيات. واوضحت هذا بقولي: «اجل انا جئت من القدس لأني اجيء من بشرية المسيح وانت تأتي منها بسبب من الحرم المقدسي والسرد المقدسي في القرآن ولكنا كلينا نصنع الأنسان الجديد».

من الواضح اني كنت اتحرك بين القدس وفلسطين، فلسطين الإنسان والذاكرة التاريخية وذكر الله معا. هذا كان القسم الثالث. ورجوت ان يبقى «الإسلام السياسي معتدلا مسالما طيبا حنونا». ثم عرجت في الخاتمة على اني لا اطلب «تداخل التراثات بحيث يخسر كل منا هيكليته الداخلية ولكن هذا يفرض ان اقبل فرادتك وحريتك». وانهيت كل هذا التأمل بقولي: «سنعود الى القدس معا مسيحيين ومسلمين في تواضع وعزة لتصبح هي قلب فلسطين دعوة العالم الى العدالة والحرية في كامل الصدق».

وأفسح الصديق الدكتور رضوان السيد في المجال للاستيضاح والسؤال. ثم انصرف هذا الأسقف العربي من قاعة الجامع الكبير الى دفء الأصدقاء في مسقط.

#   #

#

كانت هذه زيارتي الاولى للسلطنة التي ادهشتني عاصمتها بجمالها الخلاب. العمارة ذات طراز محلي على قياس الإنسان والمنازل تحيط بها الاشجار وتشرف الدولة على التقيد بالنمط المعماري في عاصمة يكسوها النخيل في كل مكان فترى ان الصحراء تحولت جنات. تحس الانس حيثما حللت وتعرف ان جلالة السلطان قابوس ملهم كل هذا التقدم العمراني وناظم هذا العيش. الحاكم ملهم حياة الشعب العامل في كل قطاعات العيش الاجتماعي. بلد يتكل على مواطنيه الى جانب استخدامه عناصر من الشرقين الأقصى والأدنى يعيشون في سلام مع اهل البلد.

بلد يحافظ على تراثه وازيائه ويتطلع الى الحداثة بلا تعقيد. مدينة نزوى تمثل لك العراقة العمانية بقلاعها شاهدة على ارادة الاستقلال في هذا الشعب المجاهد الذي استطاع ان يتحرر من البرتغاليين والانكليز وحافظ على استقلاله.

والسواح كثيرون نزلاء في فنادق فخمة تحافظ هي ايضا في هندستها المعمارية الداخلية على الذوق العماني في الزخرف. ذوق مدهش ودماثة مذهلة وثقافة انكلوساكسونية لصيقة في من استطعت ان احتك بهم من رجالات البلد.

ولئن كانت السلطنة تبلغ ثلاثين مرة مساحة لبنان الا انها تشبهه يتزاوج البحر والجبل والجبل الأخضر علوه علو أعلى قمة عندنا. الحياة الاقتصادية منفتحة على الخصخصة وعلى تحفيض الدين الخارجي. النفط ثروة كبرى الى جانب الغاز الطبيعي واتجاه دنيا العمل الى تعظيم العمالة الوطنية. والوطنيون يعملون في كل القطاعات والأمل ان تزداد مساهمتهم في بناء بلدهم ولاسيما بعد ان فتحت الجامعة السنة الـ1990. لقد ذلل السلطان قابوس مشاكل الحدود مع اليمن في تشرين الاول السنة الـ1992 ووقع اتفاقات دفاع ثنائية مع الكويت وقطر والولايات المتحدة وأدت سياسة السلم هذه الى انتخاب السلطنة في مجلس الأمن السنة الـ1993.

تعداد السكان الآن حوالي مليوني ونصف المليون اشتركوا منذ الـ14 من ايلول السنة الألفين بتشكيل مجلس شورى مؤلف من 83 عضوا. ويعين السلطان في مجلس الدولة 45 عضوا منهم خمس نساء ومؤخرا اختيرت احد السيدات وزيرة. وهكذا تسير السلطنة في ظل الشريعة الإسلامية الى مشاركة الشعب في الحكم والانفتاح على العالم في حدود الهيمنة العربية على السلوك السياسي والثقافة. والسلطنة واعية لاهمية النضال الفلسطيني في نهضة العرب الحديثة.

في ما يراه المراقب تقدم عمان نموذجا رائعا لتزاوج الحداثة والعراقة وتقدر تقديرا كبيرا دور المسيحيين العرب ومنهم من يعيش فيها مزدهرا يقدم بإخلاص مهاراته للسلطنة ومتمتعا بحسن الوفادة بما فيها حرية العبادة. هكذا تبدو السلطنة بما فيها من اطراد تقدم مثالا جميلا في جزيرة العرب لبلد واعد. ودعت البلد بقداس إلهي شارك فيه نحو 170 مؤمنا من المسيحيين العرب لامست شفافهم الكأس المقدسة.

Continue reading
2004, جريدة النهار, مقالات

المؤسسة والروح / السبت في 20 آذار 2004

الفكر العربي المعاصر يشكو من المؤسسة. كذلك الفلسفة في الغرب الحديثة والأكثر حداثة. وهو التعبير العلماني عن رفض ما من شأنه في الحياة السياسية ان يشبه النظام الكنسي. فكل اجتماع بشري تحميه ايديولوجية له «كهنته» كما يسميهم نصر حامد ابو زيد. الكنيسة المسيحية لا تتفرد بكونها نظاما يقوم على اساقفة وقسس ومجامع اساقفة فأسقف الحزب يسمى امينا عاما والمجمع المقدس يسمى لجنة مركزية او شيئا كهذا. وعندما قام الإنجيليون على الكنيسة الكاثوليكية رفضوا أفهومة الكنيسة بمعنى التنظيم الأرضي فلا الكاهن كاهن ولا الأسقف أسقف ولكن سرعان ما نظموا مجامع واتحادات كنائس ثم اخذوا يقتربون من الموقف التراثي الذي لا فصل فيه بين الكنيسة والروح.

الى هذا الإسلام الذي ما من أحد فيه منصب كي يقطع بما عليك ان تؤمن به وما من مجمع ائمة يقيدك وما من تفويض إلهي لأحد بالتفسير بحيث يمكن الافتراض النظري ان المسلم بعد قبوله القرآن والسنة والأركان الخمسة والإمامة عند الشيعة له حرية التفسير للكلام الإلهي. غير ان مرجعية التقليد مؤسسة ضابطة كأية اسقفية مسيحية او اكثر احيانا. الى هذا، المعرفة سلطة كبيرة ولا يختلف الا العلماء. انا في اواخر الأربعينات وبداءة الخمسينات كنت كثير الاختلاط بالاوساط البروتستنتية في باريس التي كانت تقول بكل كلمة كتبها كارل بارت. هل هذا كان اقل تمأسسا من الكنيسة الكاثوليكية؟

هناك دائما تحلق حول شخص او كتاب او «كهنة» هيكل ما وهذا على ما أرى قائم في الهندوسية ومتفرعاتها. لا اختلاف الا في الشكل وفي كثافة الضغط الذي يمارس عليك او يختلف حسب درجات التقبل عندك.

وصفنا ما يعاش ولكن اي شيء يزعج الناس فعلا؟ لنأخذ مثلا الأسقف المحلي الذي يعلم ما اخذه من التراث ان لم يكن غبيا. لك ان تقول له ان ما يعلمه ليس موافقا للتراث وان ترفع القضية الى مراجع عليا. ولكن هذا ايضا يتم واقعيا بين العلماء. السؤال الأبعد هو هذا: هل تعتبر نفسك على دين او مذهب ما بلا رجوع الى كتاب او تواتر او إجماع الرأي في فهم النصوص التأسيسية؟ هل الدين مفتوح على كل الآفاق ام ان التفسير يقف عند حد العقيدة المنقولة الينا؟ هل تبقى مسيحيا مثلا ان رفضت المسيح إلها متجسدا؟ كيف تشرح هذه العقيدة، كيف تمارس التأويل هنا عندك فسحة من الحرية. عامة الناس يتصورون ان كل آية من الكتاب لها تفسير واحد. هذا لم يكن واردا يوما فقد ظهرت مدارس تفسيرية مختلفة تتمتع بشرعية واحدة. مثل على ذلك ان قولة الإنجيل الرابع عن السيد انه «امال رأسه واسلم الروح» افهمها انا انها لا تعني حصرا تسليم الروح البشرية بل إشاعة الروح القدس على الدنيا. هذه حرية مقبولة.

الأسقف في الإداريات يبت الأمور بكامل سلطانه كذلك في امور الرعاية وان كانت الحكمة تقضي بالشورى والتأني. هناك بشر يجب ان يتعايشوا على قاعدة لجمعهم وترتيب امورهم.

على مستوى الرعاية الاوسع لمجمع الأساقفة سلطة على اعضائه وتاليا على المؤمنين. ولكن لا يعلم احد عندنا ان المجمع يتمتع بقوة العصمة الإلهية آليا. ربما كان قليل الحكمة او ظهر فيه متحيزون او قليلو العلم. في كل كتلة بشرية ثغرات. وكثير من الأمور ممكن إعادة النظر فيها وأعيد النظر فيها. اما في امور الإيمان فيقول الارثوذكسيون ان الكنيسة من حيث هي كل يؤيد وجدانها قرارا مجمعيا يتعلق بالعقيدة او لا يقرر. هذا له سوابق كثيرة. فقد رفضنا مجامع وتحديداتها. في الأخير الروح القدس يشهد لنفسه في كتلة صغيرة من الناس او فرد واحد ضد مواقف مئات من الأساقفة. ليس أحد عنده مسبقا وعد عصمة. إجماع الأمة المقدسة دليل الحقيقة. هذا فيه مخاض. واليقين يتضح بعد المخاض.

اظن ان الذين يتعرضون الى ما يسمونه هم السلطة الدينية انما يفعلون ذلك تأسيسا على التحجر العقائدي dogmatisme القائم في الأحزاب اولا وفي كل ميادين المعرفة من فلسفة ونقد ادبي وصراع مؤرخين. القصة لا تأتي من طبيعة الدين من حيث ان فيه نفحات إلهية. فهناك النص الديني وهناك قراءة النص اي القارئ او القراء المجتمعين في الصلاة. هناك نواة ايمان هي شرط القراءة والا كنا في اللادين. عندك منطلقا سلطة النص ولكن عندك روحية المتلقي. وفي المسيحية واضح انك امام الكلمة ولكنك ايضا مع الروح الإلهي الذي فيك والذي كان في آبائك وتكلموا تأسيسا على تلاقي الكلمة والروح فيهم وفي الجماعة. من هنا ان القول بأن هناك سلطة في الكنيسة تكبل قليلا او كثيرا قول غير صحيح لأن الكنيسة ليس فيها سلطة بالمعنى الحقوقي حيث الدولة تفرض قوتها على المواطنين. الكلمة اليونانية المستعملة في الإنجيل وعربها آباؤنا سلطة او سلطان تعني القدرة او القوة اي قوة الروح. فالذي استنزلنا عليه الروح ليرعى وكانت حياته مطابقة للكلمة وبدا قلبه وعاء للروح انت تطيع القوة الإلهية التي يحمل ولا تنصاع لسلطة خارجة عن الجماعة التي انت ايضا حامل تراثها.

فاذا لم تكن حاملا الكلمة او ما كنت وعاء للروح تحول انت مقامك الى مؤسسة اي الى ترتيب موضوع غير قابل للنقاش. انت تمؤسس المقام الذي كله اصلا روح. المؤسسة ينشئها الناس الذين فيها لأنهم يحولونها الى مزرعة لهم ولو راقية اي يسيسون ما كان إلهيا وبدل ان يكون الرئيس الروحي نبيا بالمعنى الذي يعرفه العهد الجديد اي مبلغا كلمة الله بقوة وحدة يقدم نفسه للطائفة معبودا. وهذا يجري في الأحزاب وقد نحتت هي عبارة «عبادة الشخص».

ليس من سلطة الا للخدمة والخدمة تتم في امحاء. حربكم يا ثائري الفكر الحديث والمفككين كل شيء هو ليس على «السلطات الموضوعة» ولكن على المتسلطين. فمن ترونهم في السلطة الدينية مثلا قد يكونون اقرب الناس الى الوداعة وأبعدهم عن التمسك بحقوقهم وقد لا تميزهم في اخلاقهم عن البسطاء الطيبين.

ليس من شيء اسمه دور اذ ليس للنبي دور تحكمه رسالته. طبعا اذا كبرت الهوة بين الاخلاق والرسالة التي نحن مكلفوها تقع الكارثة وتنشأ المؤسسة اي رؤية ان ثمة اوضاعا وترتيبات انت خاضع لها بحكم ذاتها او حكم ذاتك. ولكن هذا ناتج من المأساة. اجل في الكنيسة كهنة مرتزقون. وفي الحزب ايضا وبين المثقفين «كهنة» مرتزقون. ليس احد اليوم ينتمي الى المؤسسة (السياسية هنا) كما ينتمي اليها المثقفون وهم الذين يطلبون الحرية.

والسؤال هو الى اين تسير هذه الحرية. ما يمزق الأحشاء ان ترمي كل شيء لتطالب بحريتك (وهناك كهنة الحرية) لأن هذا لم يكلفك عناء البحث والنقد الحقيقي العظيم للمؤسسة. المؤسسة كلمة ترميها لتقول بلا رقيب ولا حسيب ما تريد قوله وقد يكون فيه هدم ولا يقلقك هذا لأنك تعزي نفسك بأنك تهدم بحرية ولا تعزي الآخرين بأنك تبني لهم شيئا جديدا. واذا تفحصنا بدقة ما تقوله ضد المؤسسة نلحظ ان غيرك قاله لأن معول الهدم واحد في الأزمنة كلها.

لا بد في الاجتماع البشري من تنظيم وكل تنظيم يحمل في طياته خطره. ولا يسع المجتمعات ان تعيش بمجرد العفوية. هذه روح لها ان تكون إلهية وقد تكون إبليسية. فالعافية قائمة على الجدلية بين المؤسسة والروح التي تسائل كل ما هو موضوع. الإنسان الحي والمنتعشة حيويته دائما يصحح ما في المؤسسة من طاقة جمود حتى تضيق الهوة بين الموضوع والذات. والتراث الذي استلمنا من الأقدمين يراقب اتجاهات الذات حتى لا تأتي الحرية بلا مضمون او حتى يستقيم اتجاهها. ليست الصحة في مجرد الحرية ولكن في قيام هذه بالحق على ما قاله يسوع الناصري: «وتعرفون الحق والحق يحرركم» (يوحنا 8: 32). الحقيقة ليست في الخيار بين المؤسسة والحرية او الإبداع. الخيار هو بين الحق والباطل واذا كان ما يسمى مؤسسة احتقارا يحمل الحق فأنت مع المؤسسة. الإبداع ليس الخير المطلق. فالخطيئة مبدعة واغراؤها اعظم إبداعا. الله وحده «بديع السماوات والأرض» (سورة البقرة، الآية 117) لأنه يخلق الأشياء من حقيقته وهي خيرة. واما نحن فننشئ الفكر والعمل من واقعنا النفسي الذي هو خليط حسن وقباحة. هناك حرية واحدة سليمة وهي «حرية مجد اولاد الله» (رومية 8: 21) اي الذين انعتقوا من الخطيئة على ما قاله بولس ايضا: «فاثبتوا اذًا في الحرية التي قد حررنا المسيح بها ولا ترتبكوا ايضا بنير عبودية» (غلاطية 5: 1). فالتقابل ليس بين المؤسسة والحرية ولكنه بين التحرر من الصلاح والتحرر من الشر. ليس المهم ان نخلع الملوك عن عروشهم. المسألة هي اي ملك نريده على عرش فكرنا وسلوكنا. هل شوقنا الى الله سيدا على نفوسنا ام شوقنا الى ان يعلن كل منا نفسه ملكا.

اجل الثورة ولكن على اي شيء؟ الثورة حركة وليست مضمونا. المهم ان نكسر الأصنام غير اننا ننسى احيانا الأصنام فينا. الهدف الكبير ليس خلع الملوك بل حطم الاوثان المعششة في النفس. هذا خطأ كل الثورات ان تعتقد ان تحسن البشرية يكون بإبدال حكم بحكم. الثورة الكبرى هي ان تجلد نفسك لتعبد الإله الحي.

Continue reading
2004, جريدة النهار, مقالات

الميثاق الإسلامي في لبنان / السبت في 13 آذار 2004

لم اعثر على هذا النص الا منذ ايام وهو جدير جدا بالانتباه ثمرة للقاء كبير عقدته في بيروت في 14 كانون الاول الماضي بدعوة من الجماعة الإسلامية حوالي 250 جمعية وهئية وشخصية، يبدو من إشارة فيه الى دار الفتوى انها كانت سنية. يقع في ثلاثة اقسام. القسم الاول المنطلقات الفكرية والثاني المشاركة الوطنية والثالث الخيار العربي ومواجهة المشروع الصهيوني بكلام آخر ثوابت دينية ومتحولات سياسية. هذا العدد من الجماعات المشتركة يدل على ان البيان يمثل شرائح من المجتمع الإسلامي تبدو كبيرة. والنص يذكر المسيحيين والمسيحية كثيرا فكان لا بد من إمعان النظر فيه.

بدءا قيل ان الشريعة «تهدف الى بناء المجتمع الانساني على قواعد الرحمة والعدالة والمساواة، ورعاية الحريات». هذا تصريح يحتاج الى دقة. هل في الشريعة مساواة كاملة بين المسلم وغير المسلم على كل صعيد وهل هناك حرية للانتقال من دين الى دين وهل من مساواة كاملة بين الرجل والمرأة؟ مجرد سؤال اطرحه لعلمي بأن كبار علماء الإسلام لا يقرون إطلاق المساواة والحرية في التعبير عن كل دين بما فيه التبشير وبناء كنائس او ترميمها حيث حضور مسيحي كثيف.

في الفقرة الثانية من هذا القسم دعوة الى العيش المشترك ومن قواعدها «احترام الآخر والاعتراف به والتعامل معه ثم الحرية في اختيار الناس ما يريدون حتى بالنسبة الى الإيمان والكفر». ولكن هل يحق للمسلم ان يختار غير الاسلام له دينا و«لا ردة في الإسلام»؟ ثم يؤكد النص ضرورة التعاون بين الناس جميعا «لتحقيق المصالح المشتركة».

في الفقرة الثالثة التي عنوانها «قضية تطبيق الشريعة» دعوة «الى تبني احكام الشريعة باعتبار انها جزء من ديننا من جهة، ولاعتقادنا انها تحقق افضل تنظيم للحياة الاجتماعية بين الناس». اجل اكد المجتمعون انهم يسعون الى ذلك بالوسائل السلمية المشروعة التي تحفظ العيش المشترك والسلم الأهلي. هناك من يشك ان الشريعة تحقق افضل تنظيم للحياة الاجتماعية وان كان يسوغ استلهامها في هذا الموضوع او ذاك. هناك من يعتقد ان التشريع المدني الحديث المستند الى تطور الإنسان المعاصر نشأت عنه مجتمعات راقية جدا وليس مرادي ان اقارن بينها وبين المجتمعات الإسلامية. كذلك يدل الواقع على ان امورا كثيرة ظهرت في الاجتماع الحالي ولم تكن عند نزول الشريعة ولا يمكنك ان تمد الشريعة لتعانق الوجود كله. هل يبقى الإصرار على قطع يد السارق اي كل سارق كائنا ما كان دينه؟ هل يجوز القول بالرق وهو من الشريعة او ان الزوج هو الذي عليه وحده ان ينفق على زوجه اذا كان هو بائع خضار وكانت هي عالمة فيزياء نووية؟ اذا كانت المعطيات المجتمعية والاقتصادية متحركة واندثر مجتمع القرن السابع الميلادي كيف تزاوج بين هذه المعطيات والشرع الإلهي؟ مسائل يطرحها العقل الحساس للنمو البشري على إمكان استمرار الشريعة سائسة لإنسان اليوم.

#   #

#

في الفقرة الرابعة المتعلقة بالأحوال الشخصية تأكيد على ضرورة المحافظة على الأحوال الشخصية لكل طائفة وهذا ما لم  تعترض عليه الا قلة. غير ان البيان يرفض تبني الزواج المدني ويبدو ان المشروع لم يبق واردا. ولكن جميع الذين قاوموه لم يطرحوا على انفسهم هذا السؤال: اذا كان المولود على المسيحية لا يريد البقاء فيها فهل ترضى للكنيسة على إقامة إكليله؟ الجواب الذي أعرفه من اللاهوت انه يمنع الكاهن ان يكلل انسان غير مؤمن. بالموازاة مع ذلك أليس بين مسلمي لبنان واحد يقول دون الجهر بكفره انا اؤثر الا اخضع لأحكام الشريعة؟ انا لا انتقدها ولكني اريد ان أحيد. او ليس هناك مسلمة واحدة احبت فتى مسيحيا وهي تصر على إسلامها ان تقول اني اريد ان اعيش مع هذا الشاب زوجة شرعية؟ هل اذا ذهب مسيحي يعشق فتاة مسلمة وأشهر إسلامه امام المرجع المسؤول (بتوقيعه صيغة معروفة خلال دقيقة واحدة او أقل) يكون أسلم لله وأطاع رسوله وعرف الأركان الخمسة وقرر القيام بها صادقا؟ وهل اذا جاءت مسلمة الى كاهن وجالسها ليلخص لها العقيدة المسيحية بضع ساعات او بضعة ايام تكون قد امتلأت من روح المسيح كما يعرّف عنه المسيحيون؟ انا لا اقدم اي حل. أدعو فقط الى الصدق.

الفقرة الخامسة متعلقة بالإسلام والمرأة، أحسست فيها بضرورة التوسع لجبه المسائل كما هي مطروحة الآن. النص يتحدث عن «اختلاف الوظيفة داخل الأسرة، وداخل المجتمع» دون ان يحدد هذا الاختلاف. ويؤكد ان «رعاية الأسرة هي اولى مهمات المرأة بلا جدال» ولا يبحث في رعاية الرجل للأسرة او مشاركته زوجته في هذه الرعاية ثم يؤكد ان فائض الوقت والجهد حين يوجد فإن المرأة تستخدمه للقيام بسائر واجباتها الاجتماعية. هذا كله يحتاج -ربما في نص آخر- الى زيادة توضيح. فهل يعني هذا انها تقوم بعمل اجتماعي جزئي؟ اما اذا اتخذت العمل بكامل الدوام فكيف ترعى العائلة؟ وفي هذا السياق يأتي النص على ذكر الحجاب وتحريم الخلوة وتحديد شروط الاختلاط. من الاسئلة هو كيف يمكن تطبيق تحريم الخلوة؟ الا يجوز لصاحب عمل ان يختلي بكاتبته؟ هذا هو وضع المكاتب في كل عمل، في كل إدارة حديثة، في الدولة احيانا.

الفقرة السادسة متعلق بالجهاد في سبيل الله. يقول البيان انه ضد اي «عدوان على بلادنا العربية والإسلامية». ولكن من يدعو اليه بعد زوال الخلافة؟ فاذا حل عدوان على بلادنا هذه فإنه يحل على كل ساكنيها. واذ ذاك كل المواطنين يدافعون عن البلد ضد العدو. تكون هذه حرب وطنية مدنية وليست جهادا. لعل اجمل مما في هذا الجزء من الفصل القول عن ان الجهاد «لا يمكن ان يتحول ضد حكوماتنا او شركائنا في الوطن». هذا يبعث طبعا الى الاطمئنان وسند ذلك فكرة الوطن. اجل اذا كان الإسلام في تاريخه عرف اوطانا كثيرة فمن اين أتى المسلمون بفكرة الوطن؟ هذا يبرره القوميون. ولكن على اي اساس شرعي يقول المسلم بالقومية؟

انا لست داعية قوميا ولكن أقول ببساطة ان الوطن عندي أساسه المحبة لمن جاورت وعايشت. اخدم شركائي الذين يعيشون على ارض واحدة ولا اخونهم لمحالفة مسيحي اجنبي او يهودي او بوذي من ارض اخرى.

في الفقرة السابعة لافت قول البيان «النهي عن المنكر واجب شرعي، لكن استعمال القوة فيه غير مشروع». ولكن بعد ان يقول هذا يقول: «الا اذا كان المنكر يدخل تحت ولاية من يريد النهي عنه، لأنه عند ذلك يكون مكلفا بإزالة هذا المنكر وليس مجرد النهي عنه». هل يعني هذا ان الحاكم المسلم له ان ينهي بالقوة عما يعتبره المسلمون منكرا كالخمر؟ هناك ولايات في اميركا ومقاطعات في كندا تنهي عن الخمر في الأماكن العامة وليس عندي في ذلك حرج. ولكنه أفتي في العصر العباسي انه لا يجوز إتلاف الخمر لأنه «طعام النصارى» او اذا أتلف يعوض على صاحبه. مهما يكن من أمر فالخمر جزء اساسي من ديانة المسيحيين في عبادتهم صباح الأحد.

ليس لي ما اعلق عليه في الفقرة الثامنة في موضوع الإرهاب. البيان يؤكد رفضه اياه ويثبت فقط رد العدوان بمثله وبطلب من المسلم ان يبقى متمسكا بأحكام الاسلام اثناء الجهاد. ثم يأتي الحديث عن المقاومة الأمر الذي يجمع عليه اللبنانيون.

القسم الثاني من البيان مخصص للمشاركة الوطنية وفيه تأكيد على ان «لبنان وطننا» ويتضمن الدعوة الى المحافظة على السلم الأهلي وإشاعة اجواء «الحوار والتعاون» ويدعو المسلم على اعتبار خدمة الوطن واجبا شرعيا.

في الفقرة الثانية من هذا القسم تأكيد ان «لا تعارض في الإسلام بين العبادة والسياسة». يمكن تعميم هذا التأكيد اذ لا اعرف ديانة تقول بتعارض مبدئي بينها وبين العمل السياسي. ولكني احتاج الى زيادة ايضاح في قول اهل البيان ان الشريعة الإسلامية وضعت «ضوابط في الميدان السياسي او الاقتصادي او الخدمة الاجتماعية». ضوابط خلقية اجل ولكن هل من ضوابط ممكن استمرارها بعد ان صار العمل الاجتماعي والاقتصادي احترافا؟ ان تكون مساعدا او عاملا اجتماعيا اليوم نتيجة دراسة منهجية في الجامعات ويمكن اسنادها الى اي شاب او شابة اقتبسا هذا العلم.

ثم في النظام السياسي في بلدنا. يقر البيان بالديموقراطية الغربية بعد قوله ان النظام السياسي الاسلامي يختلف عن الديموقراطية ويدعو الى الغاء الطائفية السياسية «والى مشاركة ايجابية في العمل السياسي». ثم يدلي اهل البيان بملاحظات قيمة في الأزمة الاقتصادية هي على لسان كل مواطن.

ويختتم البيان في القسم الثالث المخصص لقضايا السياسة المعاصرة كما يراها ويكلل هذا القسم بالموضوع الفلسطيني الذي هو موضوع حياتنا كلها.

يعد اصحاب البيان بإكماله وبالإتيان بصيغة مناسبة «للعمل الإسلامي في لبنان» وهذا أدنى الى مواجهة الفكر للفكر وتعاوننا جميعا بالعقل والقلب. ويبدو ان التواصل في التطبيق اقرب الينا من التواصل في بعض الرؤى المتصلة بالأسس الدينية. ربما لا نستطيع ان نرى الى الوطن الا على قواعد عملية وان نأخذ الايجابيات الواردة في هذا البيان وبعض إطلالاته. البيان يتسم بالمحافظة الشديدة ومع ذلك يأتي اهله جاهدين الى ما تيسر لهم من رؤية انسانية متحركة في لبنان.

Continue reading
2004, جريدة النهار, مقالات

شهوة السلطة / السبت في ١٤ شباط ٢٠٠٤

الذي يتخذ لنفسه إلها كالمال والجنس خطيئته اقل بكثير من الذي اتخذ نفسه إلها. والناس يعتقدون ان هذا الكلام مبالغة كاتب ديني ولكن الصادق بين المستكبرين يرى نفسه كذلك. الصراع الحقيقي ليس بين إله اسرائيل القبلي وآلهة الأمم الغريبة ولكنه بين رب العالمين وبينك، وانت لا ترى غيرك في العالمين. ولأن المستكبر ليس سخيفا لا يتوقع ان يسمع له أحد لو قال “انا ربكم فاعبدوني” ولكنه يتصرف كذلك اذ لا يرى له منافسا في الكون ولا عديلا.

في اللغة وفي بعض مدلولات السلطة القهر. ولكن الجذر ورد بمعنى ان من سلطه الله يتسلط وفي ما نحن متأملوه الآن ان للخطيئة سلطانا على الناس وانها لا تصل الى ذروتها الا بالظلم. ذلك ان الذروة ان تمحو الآخرين ليتسنى لك ان تلعب ألوهيتك. في اعمال الرسل يتكلم الكتاب عن «سلطان الشيطان» (18:26). وفي سفر الرؤيا (9: 10) حديث عن سلطان يؤذي الناس.

القهر منتشر في كل مجال: في السياسة، في الدين الذي يشبه السياسة، في دوائر المعرفة. وقد أشار يسوع الى اخطار السياسة بقوله لتلاميذه: «أنتم تعلمون ان الذي يُحسبون رؤساء الأمم يسودونهم وان عظماءهم يتسلطون عليهم. فلا يكون هكذا فيكم. بل من اراد ان يصير فيكم عظيما يكون لكم خادما. ومن اراد ان يصير فيكم اولا يكون للجميع عبدا. لأن ابن الانسان ايضا لم يأت ليُخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين» (مرقس 10: 42-44) بمعنى ان عظماء الشعوب الوثنية هم في حالة التسلط وتقبل الخدمة من رعايا. اما قول المسيح فهو اننا مدعوون على مثاله ان نبذل أنفسنا عن الآخرين حتى الموت واننا ننال بذلك السلطان الذي تغدقه علينا المصلوبية. انت في نسيان نفسك يذكرك الله وتصبح في ذكراه شيئا. وهذا يعفيك من ان تلتمس من أحد مجدا لأنك ان فعلت لا تكون طالبا مجد الله. وتقع عند ذاك، بخدمة مألوهيتك.

أنت، انسانا سياسيا، راهب منذور لا تمدح احدا ولا تدغدغ مشاعر أحد لأنك تكون استعملت انسانا وسيلة للاستمرار في مكانتك ولعلك أتيت اليها بوسيلة غير شرعية او لعلك تستحقها فأتيت وتربعت واستلذذت نفسك جالسا على مقعد وكان ثمنه ان بعت نفسك لمن كان اقوى وأفعل. لم تكن خدمتك هي المبتغى وكنت انت وما تجنيه من وجاهة منتهى مسارك. وتكون قد سقطت في جحيم الأنا وما فيها من ظلم وظلام. ويصير البلد مغلولا لكل من سادت عليه في السلطة أناه وتزول دولة الله في دولة الناس. السياسة كما تعاش هي منفى الله. وقبل التفتيش عن الله في متروكيته نكون في حالة الترميم لأمور من دنياكم باهتة تافهة لا تروي غليلا ولا تكافح الموت. وهكذا يتحول ميدان السياسة الى كفر بالإنسان فيما رآه الأقدمون مسرحا للحكمة.

إذا عيشت السياسة هكذا تسمى في تصنيف الرذائل المجد الباطل ولكن في كثرة من البلدان ليست منفصلة عن اشتهاء المال. ان عشق الترف والأبهة المتفرعين من المجد الباطل لا يغذيان الا بمال. وقد عرف آباؤنا القديسون رذيلتين متلازمتين يسمونهما حب السلطة من جهة وروح التسلط من جهة. ويرى الروحانيون القدامى ان روح التسلط تخامره احيانا المواهب العقلية (المعرفة العلمية، الأدب، اللغة، الخطابة). فكثيرا ما أتت المعرفة سلطانا على البسطاء وتحكما.

المعرفة كانت خدمة وانت تمدها الى الناس في تواضع وليس لتنتفخ فيها وتتعاظم فقد جعلتك موهبتك حاملا اياها ليكمل الناس بها فاذا استطبت انت قدراتك العقلية باعتبارها زينة فلا بد لك ان تستكبر وبدل ان تعزز الناس بها تكون قد استصغرتهم في إذلال. وإذا كنت خطيبا قد تتحذلق وتلمس قوتك فتتباهى داخليا ولو قلت العكس بدل ان تفرح بتبليغ الحقيقة وكان عليك ان تحس انك مجرد معبر ليصير الناس الى القناعة التي كنت عليها. كل حسنة فيك زرعها الله لتمجيده تؤول تمجيدا لفذلكاتك. هذا المجد الباطل يصير عليك ثوبا كاذبا لعريك وانت غافل عن انك “تزور الطبيعة والفضيلة نفسها” كما يعلم مكسيموس المعترف. في عميق الأعماق هذه صنمية يقول عنها القديس مكاريوس المصري: “الناس الذين يمدحونك هم آلهتك “بعد ان اقنعوك بهتانا انك بت، في عظمة لك موهومة، إلههم. طبعا هذيان جماعي بين الممدوح ومادحيه اذ يولي الإنسان وجودا لما ليس له وجود. وفي هذا ينخدع المادح والممدوح. لذلك قال الكتاب: “ويل لكم اذا قال عنكم جميع الناس حسنا” (لوقا 6: 26). والقلب الذي يدغدغه الإطراء تختلط عليه الرؤية البسيطة ويتشوش. فالإطراء يزيدك نهما له فتسعى الى مادحين جدد حتى تثبت نفسك في هذا اللهو الدائم. وفي حقيقة المداحين انهم يهزؤون بك وهمهم الوحيد ان يظلوا محيطين بك ليكون لهم هم ايضا ظهور. ومن تنطح للزعامة واعترفوا له بها يكون في نفسه محتقرا لمن بايعه وتبقى له كبرياؤه لكونها كثيرا ما تولدت من المجد الباطل.

الكبرياء يعتبرها الروحانيون أعظم معصية لكونها استعلاء على البشر كلهم او بعضهم. وقد يستعلي الإنسان لسبب او لعدم سبب. انه ينظر الى الناس من فوق. يعتقد ان عنده أكثر مما عندهم او أهم أو أجمل. “اللهم انا اشكرك اني لست مثل باقي الناس الخاطفين الزناة” (لوقا 18: 11). ما من كبرياء الا بالمفاضلة. لذلك كان المستكبر دائما ظنونا ومهيأ دائما للنميمة. انه كما قال باسيليوس الكبير “ينشر دائما ما عنده ويجتهد ان يبدو أفضل مما هو عليه”. انه دائما مقتنع بنفسه وبما يقول، مدع، عالم بكل شيء، مدفوع ابدا الى تزكية نفسه مناقض للغير، متعامٍ عن عيوبه، رافض لكل نقد، لكل لوم، يأبى ان يأمره احد.

ويشتد هذا الرفض إذا كان من مجّد نفسه صاحب مقام في الكنيسة. انت تأمر الآخرين في الكنيسة بتفويض إلهي. اي انك تقول كلمة الله وتفصلها في استقامة بسيف الروح وتعدل بين الناس اي تقول الكلمة الواحدة لاثنين وجدا في ظرف واحد او في الخطأ ولا تدلي برأي الا اذا استقيته من الله بحب ونفسك في سلام. ولا تؤتي احدا برأي عن انفعال او غضب او تشفيا منه لأنك قائم كوكيل على اسرار الله كما يقول بولس. ذلك ان ليس لك من أحد منفعة لشخصك لكونك في مقامك لمنفعة الناس. وفي هذا قال اوغسطينس للمؤمنين: “انا اخ معكم وأسقف ازاءكم”. وترجمتي لها اني لا اقدر ان اكون عليكم رقيبا الا اذا كنت لكل منكم أخًا. واذا تحققت اخوّتي لكم آمركم بنعمة المحبة التي تتوخى فقط بنيانكم في المسيح.

فلهذا من كان مسؤولا كان عليه ان يجمع ما امكنه من المعطيات بحكمة وان يقابل هذه المعطيات بفكر المسيح كما يقول الرسول. فاذا لم تتغير معطيات الواقع يكون الجواب واحدا ان أتاك المؤمن اليوم او أتاك غدا. واذا جاءك مؤمن اخر حاملا وضعا شبيها فلا تحابي انت الوجوه ولا تفرق بين من رأيته قريبا لك بالعاطفة ومن كان بعيدا لأنك توزع الخبز السماوي على كل جائع بالاندفاع نفسه اذ ان همك ان ترفع الناس بأعظم قدر من الغذاء ولو كان مكلمك مجحفا لك او ظالما بظن السؤ فيك او برغبة مجانية في التحدي او التمرد. “فذكر انما انت مذكر. لست عليهم بمصيطر” (سورة الغاشية، الآية 22).

لك ان تلوم وان تكون شديد اللوم حتى التوبيخ لأنك تريد ان يقيم الآخر في الحقيقة. وحسبك انه يعود الى الحقيقة. ويكون، اذ ذاك، قد عاد الى ربه لا اليك. ولا تسعَ ان تكسب عطف أحد ولكن ان يكون الله على من تلومه عطوفا. فالأمر امر الله والتوبة اليه وحده. لك ان تدل من تلوم على خطيئته ولكن ليس بالمقدار الذي يجعله يائسا من إصلاح نفسه. لك ان تحلل لأخيك او من كان دونك مرتبة الدوافع الكامنة وراء معصيته حتى يعي جسامتها وهذا ما تفترضه الأبوة الروحية الحكيمة ولكن فوق كل ذلك وأعظم قدرا ان تبين جمال الحق الذي لم يره من انت تؤدبه. ذلك ان النور يصلحنا أكثر مما يصلحنا كشف الظلام. ثم لازم المتابعة او المراقبة لأنك رقيب اذ ائتمنت على استقامة الرأي واستقامة السلوك وقل الشيء ذاته ان تكررت الخطيئة ونفسك في سلام لأنك لست مكافح احد ولكنك مكافح خطيئته.

غير ان هذه الرياضة مستحيلة ان لم تروض نفسك كل يوم على كلمة الله ليقيم الناس جميعا في النور وإذا لم تحاول ذلك تكون خالطا بين كلمة تصعد من مزاجك وكلمة تجيء من قلب الله. وهذا عمل شاق ولكن عليك ان تقوم به لئلا تصبح متسلطا مثل رؤساء الأمم وتنسى انك قائم في مقامك لتسير الى الموت فإلى القيامة.

وقد يكشف لك الزمان ان هذا الذي لمت او وبخت كسب الكثير مما بذلته من اجله وهذه ذروة فرحك.

وأنت والآخر تجيئان من الله الذي جعلك راعيا للنفوس.

ألم تسمع قول حزقيال: “أليس على الرعاة ان يرعوا الخراف. الضعاف لم تقووها والمريضة لم تداووها والمكسورة لم تجبروها والشاردة لم تردوها والمكسورة لم تجبروها والضالة لم تبحثوا عنها، وانما تسلطتم عليها بقسوة وقهر. فأصبحت مشتتة بغير راعٍ” (حزقيال 34: 2-5). أمام هذا المشهد الذي يصفه النبي يقول السيد: “انا الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يوحنا 10: 11).

كل رعاية في الأمة او في كنيسة الله متركزة على قول المخلص: “تعالوا اليّ جميعا ايها المرهقون المثقلون، وانا اريحكم. احملوا نيري وتتلمذوا لي فإني وديع متواضع القلب” (متى 11: 28 و29). في كل علاقة بين البشر اللطف هو المدخل الى ملكوت الله والحقيقة.

Continue reading
2004, جريدة النهار, مقالات

شهوة المال / السبت في 31 كانون الثاني ٢٠٠٤

يصعب على المرء ان يكتب ضد الشهوة للمال عندما يكون شعبنا فقيرا. يبدو، اذ ذاك، ذلك ذما للأغنياء. أقولها توا ليس المسيح عدوا للأغنياء من حيث هم كذلك. فبعضهم قد ورث وكان مال بعض ثمرة عمل حلال. ان يسوع الناصري همه ان تكون حرا مما اقتنيت كما هاجسه ان تكون حرا من جمالك ان كنت جميلا او من ذكائك اذا كنت ذكيا او من سلطتك لو كنت ذا سلطة. الإنجيل يكسر القيود وكل ما ذكرنا مرشح ان يستعبدك وبولس يقول: “انما دعيتم الى الحرية فلا تجعلوا الحرية فرصة للجسد” اي لمكانة دنيوية لديكم او لظهور يتحكم فيكم. الغني في العربية من اعتد بغناه فاستغنى عن الله اذ يكون قد استغنى عن المحبة وهي القدرة الإلهية الوحيدة فينا التي تجعلنا ملتصقين بالبشر التصاق أخوّة وتجعلنا معترفين ببنوتنا لله. سندي في ذلك مثل الغني الجاهل الذي أخصبت كورته فعظمت غلاله ثم قال: أهدم أهرائي وأبني اكبر منها، فأخزن فيها جميع قمحي وارزاقي وأقول لنفسي: استريحي وكلي. فقال له الله: يا غبي، في هذه الليلة تسترد نفسك منك، فلمن يكون ما اعددته؟ فكهذا يكون مصير من يكنز لنفسه ولا يقتني عند الله” (لوقا 12: 21-31). يبين هذا المثل ان يسوع لم يشجب البناء الجديد الذي كان لا مهرب منه ولكنه ذم خضوع هذا الغني لشهوة التنعم وما استتبعته من الاستغناء عن الله. تحول المعبود وظهرت عبودية جديدة في النفس.

الا يكون المال ما انت تابعه، الا يصبح مشتهى قلبك يصير الرب وحده من تسير اليه يعبر عنه بصورة بليغة هذا المقطع من متى: “لا تكنزوا لأنفسكم كنوزا في الأرض، حيث يفسد السوس والعث، وينقب السارقون فيسرقون، بل اكنزوا لأنفسكم كنوزا في السماء… فحيث يكون كنزك يكون قلبك” (6: 9-12). المعنى الواضح الا يكون للإنسان كنزان، ان يقتصر على الكنز السماوي، ان يكون حبه فوق. لم يشجب السيد جمع المال فهذا مفيد في الاقتصاد الحر اذ يتعرض الإنسان لنكسات او أخطار تتعلق بتغير سعر العملة وبهبوط اقتصادي رهيب. السؤال هو ما هذا الشيء الذي تتوق أنت اليه. يلي هذا المقطع ما يوضحه: “ما من احد يستطيع ان يعمل لسيدين، لأنه اما ان يبغض احدهما ويحب الآخر، واما ان يلزم احدهما ويزدري الآخر. لا تستطيعون ان تعملوا لله وللمال” (متى 6: 42). لك ان تحصل مالا بعملك ولكنه لن يكون مخدومك. الأمر صريح. لا تستطيع ان تنقل مالك الى قلبك. اذ ذاك لا يسوده الله القائل في الوصية الاولى الى موسى: انا إلهك… لا يكن لك إله سواي”. غير ان عبادة الغني للإله الواحد الأحد أمر عسير عبر عنه المعلم بقوله: “لأن يمر الجمل من ثقب الابرة أيسر من ان يدخل الغني ملكوت السموات” (متى 19: 42). هي آية تحذير وتنبيه شديد الى الإغراء المحيط بكل من ملك شيئا من متاع الدنيا ولكنه ليس تعجيزا بدليل قول المعلم المبارك بعد ان سأله تلاميذه “من تراه يقدر ان يخلص؟” فأجاب: “اما الناس فهذا يعجرهم، واما الله فإنه على كل شيء قدير”. لم يقل يسوع تصرف انت بمالك كما يحلو لك. لم يدخل على كلامه السابق سهولة ولكنه عنى ما سوف يوصي به مرارا انك بالعطاء تنجي نفسك من التمسك بما انت مالك.

الى هذا جاء فكر آبائنا. قال يوحنا الذهبي الفم: “اذا احببت ان تكون صديق المسيح تكره المال وشهوته لأنها تحول اليها فكر من أحب وتسلبه الحب الحلو جدا ليسوع”. البخيل يذبح نفسه للمال فقد رأى بولس ان “الطمع عبادة اوثان” (كولوسي 3: 5). انه صنم في النفس.

ازاء هذا الخطر بدا تعليم آبائنا الذين قالوا باختصار ان المال أمانة من الله. هو ليس لك، انك عليه موتَمن. فالمال من حيث استعماله والاستمتاع به “ليس لأحد من جهة الملك” (سمعان اللاهوتي الحديث). ذلك ان المال يرتب علاقة بالآخر. “فما فاض عنك تجعل نفسك مالكا له وهو ليس لك” (القديس غريغوريوس النيصصي). من هذه الزاوية ما لا تحتاج انت اليه تسرقه من الآخرين. ويستند ذلك الى كون الخالق وزع اموال هذه الدنيا مشاركة على البشر ليتمتعوا بها على التساوي. فإن يستحوذ بعض على رزق اكثر من سواهم لم يكن في البدء وجاء نتيجة للخطيئة الاولى وازداد بقوة الرغائب. وعلى هذا اوضح باسيليوس الكبير انه “عليك ان تستعمل المال كوكيل لا كمتمتع”. فالمال يجب ان نتقاسمه بإنصاف. فالذي يكدس المال لمتعته الشخصية فقط يحفظه بصورة انانية ويضرب الغاية التي من اجلها وجد اي التقاسم. الأخ الآخر منسي ومنبوذ في حين انه شريك.

هذه الشهوة شبيهة بالشراهة فهي لا تقف عند حد ولهذا كانت السمنة. والغنى الفاحش الذي ليس عند صاحبه حس بالآخرين نهم داخلي لا يقف هو ايضا عند حد. في هذا يقول لي بسطاء الناس: أليس الثري يأكل كالفقير ويلبس مثله وجوابي لهم انه لا يرتضي بالطعام العادي لأنه يريد ان يتلذذ  ويعيش في قصر او اكثر ويسافر كثيرا ويضطر ان يقتني ما ليس له حد. غير اني وجدت بعد إمعان فكر ان البسطاء ليسوا على خطأ كبير. فأنا افهم ان يكون لدى الرجل متع كثيرة بسبب من الارتياح الكبير الذي يريد نفسه عليه ومع هذا يزين لي ان عند بعض من الاثرياء فحشا كبيرا. انهم ينفقون على أعراس بنيهم مبالغ لا تتصورونها. انه عادي ومألوف ان يبذلوا عدة مئات من ألوف الدولارت اليوم وهذا كان من الممكن ان ينقضي باحتشام. اظن ان الاحتشام هو المفقود.

غير انه موجود عند أثرياء كبار هنا وثمة. اعرف الكثير عن هذا الثري او ذاك في اوربا من الذين يحيون في تواضع ولا تصدمك رؤية الغنى المنفلش اذا زرتهم في قصورهم. وتبقى اموالهم في دوائر استثمارهم الصناعي ويوزعون منها الكثير الكثير. قال لي مرة صديق كبير كان ثريا عائشا في الغربة: “كلما حصلت على مبلغ من المال كبير اوزع منه مقدارا كبيرا حتى لا يستعبدني”.

الشهوة، كل الشهوة ضارة فاتكة لأن من طبيعتها ان تشتعل وتلهب صاحبها. انها لطاغية اذ لا تحتمل الشبع. فاذا قويت تقود الى قلق الخسارة. كيف نحافظ على ما اقتنيناه، ذلك يكون الهاجس وذاك يكون الاضطراب. الى هذا شعور الحزن اننا لم نكسب ما كنا نشتهيه او اننا لسنا مليئين بالقدر الذي رغبنا فيه. وفي هذا يقول القديس يوحنا كاتب سلم الفضائل: “كما ان البحر لا يخلو من موج لا يخلو البخيل من الحزن”. وعلى الرغبة في المتعة لا يرى الثري الفاحش انه يتمتع كثيرا. الشره لا يحس انه اكل ما يكفيه او انه حصل على الطبق الذي اشتهاه. ليس للاشتهاء ايا كان من حد.

الحكيم من اذا رأى الى ما عنده يعرف انه قد يفنى. المتعلق بما في الدنيا يحس به انه القيمة المطلقة التي لا تعلوها قيمة. وفي هذا يقول الذهبي الفم: “وكثير من الناس يحكم خطأ في شؤون هذه الدنيا فيقعون في اليأس. هكذا المجانين يخافون مما لا يخيف، يخشون امورا كثيرا ما لم تكن موجودة ويهربون امام الظلال. مثلهم من خشي خسارة الفضة”. هذا نوع من الهذيان. هكذا ايضا يفكر باسيليوس اذ يقول: “لا ترى غير الذهب، تتخيله في كل مكان. مهووسة به احلامك ويهيمن عليك في النهار”. ان تكون اقوى من غيرك أليس هذا ان تكره غيرك؟

الا ان هناك حالة واحدة يباح فيها الفرح بالكسب. هو ان تطلب الى الله مالا لأن الفقراء حولك في كل حين وليس عندك ما توآسيهم به. اما اذا سررت لمجرد الكسب فوق حاجتك الحقيقية اي اذا تعلقت بالازدياد فهذه رغبة مؤذية. ان يكون الآخرون همك ومركزك قد يقودك الى ان تتمنى الحصول على ما تسد به حاجاتهم. ان تسعى الى الازدياد بلا حدود لا يعني الا انك عرفت نفسك محور الوجود لاسيما ان “محبة الفضة” كما -تقول كتب الصلاة عندنا- تغذي فيك شهوة التسلط التي هي قمة الرذائل. اما الغنى الفاحش جدا فليس غاية الشهوة. الشهوة الكبرى ان تبسط نفسك على الناس ليحيطوا بك كما تحيط النجوم بالقمر. الانتفاخ الكبير ليس بالمال ولكن بالسلطة التي يأتي بها. الفقراء او الأغنياء الصغار يكرهون الأغنياء الكبار ويعبدونهم بآن اذ تسكرهم إنجازات لم يستطيعوا هم ان يحققوها.

لا يكافح هذا المرض الفتاك اذا حل فيك الا ان تجدد ايمانك بأن الله وحده يكفيك. ولكن اكثر الناس يتكلمون على إيمانهم ولا يريدون ان يتدخل الرب بشؤونهم. يلتمسونه معطي صحة لهم ولكن ليس حاكما بما يملكون. ان يعود الإيمان اليك هو ان تعتبر ربك سيدا على ما في قلبك اي ضاربا شهواتك المؤذية. واذ ذاك يوحي اليك انك ائتمنت على متاع الدنيا لتجعل المحتاجين شركاء فيه. هذا يعني انك لست محسنا بموقف فوقي ولكنك راد للمحتاج ما هو اصلا حق له عليك اذ لا تستطيع ان تخلص نفسك ما لم تصل الى هذه القناعة انك وكيل الله على ملك هو له. عندنا عبارة شعبية مغلوطة ان الله أنعم على فلان وفلان. انا لست متأكدا ان هذا كلام صحيح اذ لا اعرف مصدر ثروتك. اعرف شيئا واحدا ان الله يمن عليك بنعمته لقاء ما تعطيه اي بما يقل من ثروتك. المحتاج الذي انت تعطيه هو الذي يمن عليك بما يأخذه منك في حركة الحب التي لك نحوه. “ان العطاء مغبوط اكثر من الأخذ” (اعمال الرسل 20: 53). لأنك ان اعطيت تحب. وقد يأخذ منك من لا يحبك. هذا شأنه. ولكن ان انت اعطيت يكون الله محبك. ولذا قال: “بدّد، اعطى المساكين فيدوم بره الى الأبد”. (مزمور 112: 9). لا يحيا هذا القول الا من فهم قول السيد: “مجانا أخذتم مجانا أعطوا” (متى 8: 10). فلا يكون لك بعطائك مجد باطل ولا تنتظر شكورا ولا نفوذا ولا تعلم يسارك ما فعلت يمينك” (متى 6: 3) اذ ذاك فقط يحسب لك الله ذلك برا. وتعطي صاحب الحاجة القريب او البعيد، من كان على ديانتك ومن لم يكن عليها. في هذا فقط تكون على مثال الله “لأنه يطلع شمسه على الأشرار والأخيار، وينزل المطر على الأبرار والفجار” (متى 5: 54). اذ ذاك الفقير يشفيك مما كان فيك داء. المحتاج الذي تبذل له مالك بحب كان طبيك.

Continue reading