Category
منذ العهد الرسولي نشأت الفتنة القومية في الكنيسة فجاء في سفر أعمال الرسل: «وفي تلك الأيام اذ تكاثر التلاميذ حدث تذمر من اليونانيين (أي اليهود المتحدثين باليونانية في فلسطين) على العبرانيين ان أراملهم كنّ يغفل عنهن في الخدمة اليومية» أي الإعاشة (6: 1). انصهار المؤمنين بالإيمان الواحد والقرابين الواحدة لم يؤتِ ثمرا اجتماعيا. وتماسّت القوميات وطعنت بالكيان المسيحي فقد قال كثيرون من المؤرخين ان الخلاف الذي نشأ في السنة الـ451 في المجمع الخلقيدوني بين أصحاب الطبيعة وأصحاب الطبيعتين يخفي خلافا بين اليونانيين وأهل سوريا ومصر وأرمينيا. وما من شك ان الانقسام الكبير في السنة الـ1054 بين رومية والقسطنطينية لم يغب عنه اختلاف الحضارتين اللاتينية والإغريقية. ولا ريب أيضًا ان القومية هي الداء الوحيد الذي يؤثر على العلاقات اليوم بين القسطنطينية وموسكو وبين الرئاسة الروحية اليونانية في القدس وشعبها العربي.
غير ان الكنيسة الارثوذكسية أبسلت (حرمت) في المجمع القسطنطيني المنعقد السنة الـ1871 الذين «أحبوا العرق وفرقوا بين الأجناس البشرية وأثاروا الفتن القومية». العنصرية اذًا منبوذة. وما سمي اليوم كنيسة موسكو أو كنيسة بلغاريا أو صربيا لا تغطي مفاهيم قومية. تشير فقط الى كيانات جغرافية من حيث انك ان عشت في موسكو مثلا، كائنة ما كانت قوميتك، تنتسب اليها كأي روسي. ولذلك لا معنى لقول القائلين ان الكنائس الارثوذكسسية قومية. هذا محظر بقرار مجمع السنة الـ1871 الذي أشرنا اليه. على هذا الأساس اذا سميت كنيسة هذه المنطقة انطاكية فلا يشير ذلك الى اية جنسية اذ يقيم بيننا في كل الأبرشيات ارثوذكسيون أجانب يتمتعون بكل حقوقهم كمؤمنين في هذه الرعية أو تلك.
المسيحي يعيش في وطن ويحبه ويندمج به ولكن هذا انطلاقا من هذه الأرض وتاريخها وايمانه حافز لخدمة الوطن ولكن الوطن قد يكون تعدديا وحتى اذا كان من لون واحد أو شبه واحد يبقى للكنيسة كيانها المستقل عن كل وطن وعن كل تغزل بالاوطان. فأنا لست لبنانيًا لكوني مسيحيًا أو انطلاقا من ايماني بالإنجيل. انا مسيحي لكوني مؤمنا بالمسيح ومعمدًا وواحدًا في المسيح مع كل الذين يؤمنون به وقد أكون مع الارثوذكسيين الأجانب على اختلاف أو خلاف.
# # #
يبقى التراث الثقافي الذي ورثناه من التاريخ. فهذا يصلي بالسريانية وذاك بالعربية. الا ان هذا لا يعني ان ثمة ماهية سريانية أو عربية ولا يعني كذلك ان السريانية أو العربية تدخل في التعريف عن مسيحيتي. اللغات أدوات ثقافة. والثقافة ليست جزءًا من الكيان الكنيسي. انا لا اعترض على تكتل سرياني قائم على لغة مذاهب مختلفة حتى النفور العقائدي اذا كان المراد من ذلك احياء تراث عظيم والإحسان به الى من يجهله. والاعتزاز مقبول. الاعتداد غير مقبول. غير ان التوضيح يقضي ان نقول ان الإنجيل في جوهره مستقل عن الأرض وازمنتها ومستقل تاليًا عن اللباس التاريخي الذي ارتدته الكلمة.
الفاصل القطعي بين ما هو للكنيسة وما هو ليس لها هو الفاصل بين ما هو خالق وما هو مخلوق. فالمسيح وحده ومن اليه من الأبرار هم الذين ننتسب اليهم. أما الثوب التاريخي الذي ارتضى السيد راعيًا تاريخيًا ان يرتديه فليس بشيء. هكذا كانت الثقافات اليونانية والآرامية والعربية واللاتينية مخلوقة. فقد تكون العبادات في هذه الكنيسة أو تلك متصلة بالفلسفة أو كانت الفلسفة نوعًا من النفخة أو اطارًا للعبادات. فلك ان تتبين مثلاً ان جماليات الليتورجيا البيزنطية لا تخلو من اتصال بالحكمة الإغريقية. ولكنا لسنا اغريقًا اذ نأتي من الإنجيل وحده ومن تأملات القديسين في الإنجيل. نحن ندرس الميراثات البشرية لا لنتبناها ولكن لنحب يسوع المسيح. من لا يكفيه يسوع المعلق عاريا على خشبة الصليب هذا يريد ان يفتخر بالخلائق. لذلك يبتدع نظريات تتعلق بعظمة هي من هذا العالم. على سبيل المثال التساؤل عن الروم الارثوذكس وما قد يتباهون به قوما من هنا الى بطرسبرج والى أقاصي الدنيا ما هو الا سؤال عن «زينة الحياة الدنيا». أما القديسون من بلدنا واليونان ورومانيا وما اليها فلم يكن لهم أي انتساب في نفوسهم الى غير حوض المعمودية وما أثارته الكأس المقدسة من فكر. فلا تهمنا الأقوام التي قال سفر الأعمال انها سمعت بشارة بطرس بعد حلول الروح القدس يوم العنصرة (بعضها لم يبق مسيحيًا) ولكن ما أراد الكتاب ايحاءه ان هذه جمعها الروح الإلهي في فهم واحد للرسالة. اما من افتخر منها ان اجداده كانوا هناك فهذه خلاصة التفه «ليكون الفضل لله لا منا».
ان الكنيسة حافظة للوحي وليست حافظة لبلاغة العرب أو لحكمة اليونان. ولكن قد نتعرف جمالات الله في تراثات الشعوب لنتعزى ونتمكن من مد الجسور بين الإنجيل وهذه الشعوب. وهكذا رأى غير أب من آبائنا أثر المسيح قبل ظهوره في الفلسفة الإغريقية. غير ان المسيحية ليست مبنية على اية فلسفة ولا مختلطة بما عداها أي لم تأت العقيدة تلفيقًا بين الإنجيل والفلسفة. وعلى هذا المنوال ما كانت الكنيسة مزجًا تاريخيًا بين مقدساتها واية امة من الأمم. فأنا لبناني وشرقي مثلا بجسدي أي ترابيتي.
ويحلو لي ذلك ومرتبط ذوقي بهذا. غير ان هويتي الكنسية لا علاقة لها بجسد هذا العالم وذاكرته وعصبياته. واذا ووريت في التراب فيوارى الوطن فيك ويحفظ الروح القدس عظامك ليبعثها في اليوم الأخير ويسألك الله عما فعلته بمعموديتك.
# # #
لنا في كنيستي في الأحد الاول من الصوم نص كبير يحتوي على تبريكات وعلى إبسالات يخرج بها الهراقطة باسمائهم من الكنيسة. ومن الأشياء التي نتنكر لها بعض «التعاليم اليونانية» ويراد بها أجزاء من الفلسفة. هذا كله لنذكر ان الله لا يؤبد الا الأبدي. وهذا ينطبق على ما نرفضه في الحضارة الحديثة وفي ما شذّ عن الإلهام الإلهي أو ناقضه.
أجل لك ان تستخدم عبارات قديمة أو تستغني عنها وفق حاجتك التربوية. القالب لا يهم. المهم ان تبقى أمينا وان تخيط ثوبا جديدا للحقيقة الأبدية التي استُودعت وهذا ما يعلل تغييرًا في الطقوس أحيانًا أو في التنظيم. ان جسد المسيح ليس له ثوب واحد. فقد مزق الأثمة ثوبه قديما. ولك انت بالحب ان تبدله ولكن الجسد الإلهي العاري يبقى معبودا. ويسوس الكون والتاريخ. والكلمة الإلهي الذي هو المسيح ينشىء الكلمات التي يريد ليبلغ العقول اليوم فلا يتراكم عندنا ما ينبغي زواله. وهذا يتم في كل تيار نهضوي حقيقي.
اذا كان ما قلته هو الرؤية التي نزلت على الكنائس فلا يفرقنها تاريخ أو اعتزاز بتاريخ ولا تفرقنها لغة. فنحن في هذا المشرق واحد أكنا سريانا أم بيزنطيين أم أرمن لكون الإنجيل واحدًا. والتراثات التي انوجدت لحفظ الإنجيل نتبادلها ويستغني كل فريق بالفريق الآخر. وهذا يكون له ترتيب اذا ارتضى لنا ان نكون كنيسة واحدة. وليس لنا ان نتفق على الأمور الزائلة اذ يحتفظ كل منا بجذوره التاريخية والثقافية ونتشاور في حركية التلاقي الدائم لتأتي تعابيرنا وتجسيداتنا موافقة للعصر الحديث وموافقة أولا لأداء البشارة بالإنجيل الواحد لأن ما يريده الله منا ان نخلص للكلمة كما حلت في بركات الروح. فلا تعزل أحدا ذاكرته التاريخية اذ يكون قد وضعها في خدمة التلاقي وتسرب الإنجيل الحي في الأقوام جميعا.
وبفضل هذه الحرية التي نكون قد اكتسبناها من المسيح تقوى طاقتنا على ملاقاة الذين ليسوا من الإنجيل اذ يرون آنذاك ان لغتنا لغتهم وثوبنا ثوبهم وآلامنا آلامهم. نكون من البلد الواحد والمنطقة الواحدة بانتسابنا الى كل بهائها الانساني لأننا واياهم نكون نورًا طلعنا من أرض واحدة وذاكرة من الأرض واحدة. لا بد من انصهار للمسيحيين بالروح الإلهي الواحد ليكتمل الانصهار الحضاري بيننا وبين هذا المشرق العظيم.
Continue readingتنطوي غدًا وأنا كلي شكر للذي وهب ما كان فيها من رضاه وغفر لما كانت تحمله من خطايا ولست أنتظر أشياء عظيمة تنبع مني لأنه هو وحده أبو المراحم. وما أرجو الا أن يهبني نعمة على نعمة. انه وحده يعطي للنفس عافيتها. وهذا الجسد عائد إلى التراب في اليوم الذي يحدده هو في حكمته وفي رضاه. وادعو خاشعًا ومنكسرًا ليزول عني كل انزلاق حتى يتعرف الله فيّ إذا استدعاني صورته. وهذا متعلق فقط بحنانه وليس لي فيه سوى اليقظة حتى لا يجيء ابليس خلسة ليقلق نفسي.
وإذا كان لي من شهادة أؤديها فأن أردد قول الرسول: “لنا هذا الكنز في آنية خزفية” (2كورنثوس 4: 7). فالبهاء بهاء الكنز لا بهاء الوعاء. وإذا شئتم استعارة أخرى ليس للقناة فضل على الماء. الحياة في الماء لا في معبره. وإذًا سأبدو له لا شيء من ذاتي ويرى نوره الذي أكرم فأنزله. ويعود هذا إلى مصدره. جميل هذا الحس بالمعطوبية لا لأعذر نفسي ولكن لكي لا أتفاخر لأن التفاخر تفاهة الجهل.
وعلى ذلك لا بد من مراجعة النفس لئلا تغدو التوبة قليلة فإذا لم تمتحن قلبك في حضرته يبقى مملوءًا بالمجد الباطل أي بالتفه أيضًا. أنت جاهل في العمق نفسك. ووحده سيقرأها في اليوم الأخير. والويل لك إذا رآها قذرة. وحدها الرحمة ترحضها لأنك ستمثل بين يديه حافيًّا عاريًّا وإذا هو وحده شاء يلقي عليك حلة الضياء من داخل ملكوته وبجمالها تدخل. لن تدخل لظنك انك حامل تذكرة دخول. هذه لا يملكها بشر. أنت فقير إلى الأبد، فقير في السماء ان رأيتها وتظل فيها إلى الأبد آتيًّا من الرضا لا من شيء فيك. وهذا يعني بكاء على بكاء هنا حتى “يمسح هو عن عينيك كل دمعة” (رؤيا 7: 17).
وإذا صرت بكّاء في دنياك لا تهم الساعة التي يخطفها فيك. قد تطلب العيش إذا علمت انك لم تدرك التوبة. أما ان تلتمسه لسبب آخر يعني انك لم تزهد بعد في هذه الدنيا وان اطايبها لا تزال تعني لك شيئًا. وفي العمق يعني هذا انك لم تع انك تجيء من فوق. طبعًا يخيف الموت المؤمن ليس لأن الموت رهيب ولكن لأن الخطيئة مرهبة. ولك أن تقول له قبل نومك: “يا رب في يديك استودع روحي” لكي يلطف بك ويضمك إلى صدره على ما تحمل من آثام.
“يا سيد أرنا الآب وحسبنا” (يوحنا 14: 8). ان تشتاق وجه الآب بعدما ذقت المسيح لشرعي لأنه منتهى المسيح ومنتهاك بآن. ويكونك وجهه لحظة بعد لحظة في الملكوت. طيب هذا الاشتهاء لتنوجد.
***
وإذا سألني أحد عن نفسي يكون فهمي لهذا السؤال: ما علاقتك بالرب. قلت في ما سبق اني لا أعرف نفسي ثم كيف يتكلم المؤمن على الحب الذي يربطه بالله. أنت لا تعرف متى بدأ العشق ولا كيف عشته. وإذا عرفت لا تبوح لأن البوح انتهاك لحميمية الرابط بين العشق والمعشوق والحبيب الإلهيّ سوف يقول هذا للمختارين في اليوم الأخير. غير أني أعرف شيئًا واحدًا أني صبي من حارة النصارى في مدينة من مدائن الشرق. وهذا يعني اني اتحدر من عائلة بسطاء عرفوا شيئًا واحدًا في حياتهم ان كل فرحهم من كونهم جيرانا للكنيسة وانهم كانوا يعملون ليرتزقوا وتنموا أجسادهم ليتمكنوا من أن يصلوا الفصح وما يعد له صبيحة كل أحد.
لست أظن اني اكتسبت خبرة أخرى. لعلي أعرف ان أقول كيف أنا حتى اليوم ولد من أولاد هذه الحارة. بفضل كنيسة الحي التي أسهم جدي المعمار في بنائها أعرف كيف لا يبقى الإنسان صبيًّا من حارة النصارى ولكنه يعرف الطريق اليها. وهو لا يدين من نأى عنها فللإنسان حرية الهروب. غير ان لأولاد الحارة لغتهم أي تهذيبهم وانكسارهم وهذا جاءهم من الترتيل في الآحاد وفي ليالي الصيام. وتلطف نفسك من الكلام الذي ينزل عليك فتصير وكأنك كلمة من هذه الكلمات. ولا يهمك بعد هذا ما تعلمته في المدارس أو ما جهلته لأن الكتب التي وضعها البشر لا نفع فيها الا إذا وافقت هذا الإنجيل الذي رباك فأنت ترجمة له أو إيقونة مكتوبة بأحرف الحضارة.
أنت، مسيحيا، تقرأ لتتمكن مما أنزل على القديسين مرة واحدة. والقديسون يقرأون لك ما يطيب لهم من الكتب الباقية. لا يهم ان تعرف كثيرًا أو قليلًا. الأمر الوحيد الهام أن تعرف جيدًّا أن يسوع يحبك ويحب أصدقاءه ويغفر للآخرين فتفهم ان عقلك وقلبك قد تكونا من هذه المحبوبية. قد تنشأ فيك قدرة المتحدث عن المسيح وعن المعرفة ولكن حذار أن تستخدم هذه استقلالًا عنه. إذ ذاك تصبح من باطل الأباطيل.
ولكوني راسخًا في حارة النصارى أرى نفسي مرصوفًا بين الفقراء. انهم وطني حيثما حلّوا، وأهم الفقراء الأميون، دائمًا كان حنيني إلى هؤلاء وما كان لي أي حنين إلى المثقفين إذ كنت دائمًا أخشى الغنى العقلي الذي يدفع صاحبه إلى الزهو، إلى اقرار وجودية الزهو. وما بتُ مقتنعًا أن العلم يهذب النفس فالمجرمون الكبار متقنون لعلمهم.
والمجرمون الصغار لم يدركوا المحبة التي تهذب وحدها النفس. أنا فقير حتى النهاية بكوني عاريًّا حتى النهاية. وان كنت أعرف بعض الأشياء من هذه الدنيا فلكي أضعها في خدمة الذي عدمها لعله يرتقي قليلًا. أجل لا يستوي في هذه الدنيا من يعلمون ومن لا يعلمون ولكن لا يستوي الفقير والغني أمام الرب لأن من استغنى بمال أو جاه أو تحصيل أو جمال يكون قد استغنى عن إلهه.
***
أما بعد فقد دعاني البطريرك إلى الكهنوت وإذا الرئيس في الكنيسة تكلّم يكون الله قد نطق وليس لي في هذا شيء فأطعت لأن الطاعة مقامنا في المسيحية. وحاولت في التكليف هذا أن أخدم المشتاقين إلى السيد وأن أشوق الفاترين. وفي هذه الرسالة تزرع ولا تعرف شيئًا عن الحصاد لئلا يبطل فقرك.
منذ الثاني عشر من السنة الـ1954 أنا في هذه الخدمة. هل كنت في الطاعة لست أعلم الله يعلم. غير أني صبرت كثيرًا كما يقول بولس عن نفسه. وصبرت على هواني إذ كنت أتعب كثيرًا ولا تزال الغباوة ترهقني، ذلك لأني لم أكتمل. وشهادتي ليست لي ولكنها له. ما استطيع أن أدلي به اني عشت مع العائشين حقًّا من القداس وسمعت فيه “كلمات لا ينطق بها ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها” (2كورنثوس 12: 4). أن تقف أمام المائدة المقدّسة تسعًا وأربعين سنة في حضرة الرب تتلو كلامه وتحاول بعد خروجك من الهيكل أن تطيع هذا الكلام هو لعمري فرح ليس من هذا العالم. من أكل من هذا الخبز وارتشف هذه الكأس يكون قد أدرك النهار الذي لا يليه ليل.
ثم أراد رؤساء الكنيسة أن أخدمها في الأسقفية وذلك منذ ثلاث وثلاثين سنة بحيث أكون أخًّا مع الإخوة وأسقفًا ازاءهم. واحتسب اني وهبت أن أكون أخًّا ولست أعلم إذا قدرت على أن أقف ازاءهم لأقول لهم نعم في موضع النعم ولا في موضع اللا. وكان علي أن أتولى شؤونا من دنياهم وما كنت متدربًّا عليها ولعلّه فات أوان دربتي. غير ان “وقت انحلالي قد حضر” (2تيموثاوس 4: 6) وفي احتسابي انه لم يبق لي زمان أتعلم فيه الأشياء التي من الدنيا وهي نافعة للمؤمنين. غير أني جاهدت – ما استطعت – الجهاد الحسن. ولم أكمل السعي الذي طلبته مني السماء. وإذا صحت شهادة الإنسان عن نفسه فإني “حفظت الإيمان” وهذا كلفني كثيرًا. ولعلي علّمت علم اليقين ان المهمة الأولى للأسقف أن “يفصل كلمة الحق باستقامة” (2تيموثاوس 2: 15). وتقديري اني كنت أرثوذكسيًّا في كشف المسيح بالكلمة. أجل كان لي أدائي بإعطاء الكلمة وربما رأى بعض أني أشط أو أني أهذي ولكن كل جهدي انصب على ان أبلغ “الإيمان المسَلم مرة للقديسين” (يهوذا 3).
ولكن كيف تسلك مع الذين لا يفهمون أو لا يريدون أن يفهموا أو الذين طمروا الوزنات التي استلموا؟ تقضي معظم أوقاتك عالـمًا بأن الزرع الذي زرعت يقع على الصخر وانه لم ينبت. هل هي واقعية مفرطة أن تلحظ ان كلمة الله قلما تنغرس في القلوب؟ ينبغي الا يجعل ذلك في نفسك مرارة. يجب ان ترجو دومًا من رب الحصاد ان يحصد هو ما لا تراه أنت. اللهم اني بلّغت.
وأظن اني رعيت في حدود ضعفي واني كنت أعود إلى الصبر بعد نفاده أحيانًا لأني علمت أن الكلمة هي بحدّ نفسها راعية. هل صارت هذه الرعية حسنة في عيني الرب وازدادت علمًا به وأحبته أكثر مما أحبت دنياها؟ هل تابت؟ هل تاب بعض؟ كلّ هذه أسئلة تبقى أجوبتها مغلقة عليّ إلى أن يقبضني الرب في يوم رحمته. الكنائس الكثيرة التي بنيناها معًا لا تعني شيئًا ان لم أتب أنا ورعيتي. قد تملأها أجسادنا. هل ستملأ هي قلوبنا. سيكشف الله ذلك في اليوم الأخير.
يوجعني هذا الجسد يا رب. انك رأيت ان تلطمني فيه لئلا استكبر. ولطمتني بخطاياي لئلا استكبر. أنت وحدك تعلم لماذا تقادم علي كل هذا الزمان. ولكن “لا توبخني بغضبك ولا تؤدبني بزجرك”. رضاك يا رب، رضاك. شيئًا واحدًا أطلب الا تصرف وجهك عني ولكني اشتقت الذهاب لاستريح. اكتبني في سفر الحياة. “تعال أيها الرب يسوع” واكشف لي وجه الآب.
Continue readingاذا جاءنا الله نهائيًا في المسيح كيف يستمر المسيح فينا بعد انحجابه عن الانظار؟ قيل في الكتاب وهذا ما يؤمن به كل المسيحيين وقيل في الكنيسة وهذا ما تؤمن به الكنائس القديمة بقوة. لكن ان يجيئك السيد بكلمات وبتجلياته في الجماعة (معمودية، ميرون، قرابين) يفترض تفعيل الكلمات، انتقالها الى قلبك فالفاتر قد لا يلتقط شيئًا والمؤمن الحار يتحرك بها بما هو اعمق واعمق. انت تستدخل الكلمة الملهمة او يدخلها الله اليك. تفعيل الثوابت في النفس، في حركات تجديد للقوة الكامنة، ان تجعل الاحداث القديمة غير منطوية ولكن قائمة حقًا فيك وفي الجماعة هذا هو عمل الروح. الا يكون الزمان فاصلاً بينك الآن وبين موت المسيح و نصره واصطلحنا على تسميته التأوين (ولعلها مصدر من آن). ان تردم هوة الزمان، ان تستنزل المسيح من بعد صعوده اليك والى الجماعة هذا هو عمل الروح القدس وتلك هي العنصرة الدائمة التي ذكراها عندنا غدًا.
في الرسالة التي نقرأها غدًا: «لما حل يوم الخمسين (اي اليوم الخمسين بعد الفصح) كان الرسل كلهم معًا في مكان واحد. فحدث بغتة صوت من السماء كصوت ريح شديدة تعصف وملأ كل البيت الذي كانوا جالسين فيه. وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار فاستقرت على كل واحد منهم. فامتلأوا كلهم من الروح القدس».
«في مكان واحد» وفي قلب واحد وانتظار واحد تلك هي الكنيسة. يجب ان تكون من الجماعة التي استلمت الكتاب حتى ترث الروح اي يجب ان تتلو الكلمات التي قالها يسوع. يجب ان تملأ النعمة كل البيت لانه قائم على طاعة الكلمة. عند ذاك تستقر عليك نار من السماء وتصبح كل نفسك نارًا. وهذا ما سماه العهد الجديد مواهب الروح. وقد تكون النار فيك دائمة الالتهاب، حريقًا عظيمًا ويرى الناس انك مسلم لكلمة الله وحدها فتؤتيك هي كلمات جديدة اذ تكون قد صارت حية فيك فأحيتك فأحييت انت الآخرين بها.
# # #
لذلك كانت الكنيسة حية بالاحياء. فهي ليست مؤسسة بالمعنى الحقوقي يجلس فيها ناس فوق ويجلس الآخرون عند اقدامهم. ليس احد فوق ولا احد تحت. لذلك الكل يتكلمون بسبب من الروح الذي فيهم. فالكنيسة ليس فيها طبقات. وفي الاصل وحسب تراثنا القديم نختار للكهنوت من ادرك الاستنارة وللاسقفية من بلغ التأله او الالهة (فتح اللام) اي ذلك الذي تنزه عن الهوى والانفعال لذلك ما كانت الاسقفية مؤسسة بمعنى اولئك المرصوفين ليقبلوا الطاعة ولكنهم يتقبلونها لأنهم غدوا ورثة الله في الارض. فلا يبقى الاسقف اسقفا بالمعنى العميق، بالمعنى القيمي الا اذا استقرت النار عليه وفيه واستمع الى «ما يقوله الروح للكنائس» والكنائس هنا لا تعني الجماعات حصرا ولكن الافراد الذين الروح اصطفاهم. وهؤلاء قد يلومون الاسقف باسم قداسة الكنيسة بروح الوداعة والتنزه من الغرض اي بلا استكبار ويكونون قد اعتبروا انه مسيح الله. هو وهم انكشفت لهم حقيقة هذه القطعة التي نرتلها في العنصرة: «ان الروح القدس نور وحياة وينبوع، حي، عقلي، روح حكمة، روح فهم، صالح، مستقيم، عقلي، رئاسي، مطهرللهفوات، إله ومؤله (بكسر اللام) نار من نار بارزه، متكلم، فاعل، مقسم للمواهب…».
«مقسم للمواهب» حقيقة اساسية تدعم التكامل بيننا. فهذا موهوب لخدمة الفقراء او لخدمة العبادات، وذاك للتعليم (النظامي) والآخر للوعظ وذاك للتدبير (الادارة) والآخر لاعمال الرحمة وكلنا للمحبة. فلا يزدرين احد الآخر ولا يعتبر العطاء الذي نزل عليه خيرا من عطية اخرى. واذا قارنا آباء الكنيسة نجد ان هذا تغلب عنده موهبة وعند ذاك موهبة اخرى. واذا رأينا الى اللاهوت مثلا فمن الواضح ان الآباء متفاوتون بعمق الرؤية ومتفاوتون بالذكاء. ولكن من كان دون سواه التماعا تحسه اشد انكبابا على خدمة الفقراء. فيتلاقون جميعا لاقامة الكنيسة الواحدة. وفي هذه الحال يصبح الانسان كلمة.
# # #
على الصعيد اللاهوتي يبدو لي ان الانقسام الذي حصل بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية في موضوع انبثاق الروح (هل هو منبثق من الآب كما يقول الشرقيون ام في الآب والابن كما يقول الغرب) آخذ بالزوال على وجه التقريب بعدما وضعت روما وثيقة عظيمة اقتربت بها كثيرا من الموقف الشرقي. وفي قراءتي ان الارثوذكسية لن تثير الخلاف القديم في المباحثات بين الكنيستين اذا استؤنفت. غير ان ما يعزي ان الروح القدس الذي كان في التعليم الكاثوليكي غير بارز بما فيه الكفاية اخذ يبرز تعليميا وحركة. مهما يكن من امر فالممتلئون من الروح القدس هم واحد في الكنيستين، هنا وهناك القداسة واحدة وان كنا لاهوتيا لا نتكلم اللغة الواحدة في التعبير عنها. وهنا يبدو السؤال: هل يمكن ان تكون القداسة واحدة اذا لم تكن الكنيسة فعليا واحدة. فالقداسة هنا في حياة الكثيرين ساطعة كالشمس. في الواقع الكنيسة الارثوذكسية لكونها غير مركزية التنظيم تعلن كل بطريركية منها قديسيها وهذا ما يحصل دائما في كنائسنا.
هل الروح القدس مرسل الى الذين ليسوا منتمين ظاهرا الى الكنيسة، موضوع غاية في الدقة. لقد اطلقت منذ ثلاثين سنة عبارة «المسيح القائم في ليل الديانات»، أردت بذلك الحقيقة الكامنة فيها بسبب ما سمي في القرن الثاني عندنا «الكلمات المزروعة» أي تلك التي يبعث الله بها في حريته الى هذا او ذاك من الناس. الموقف الذي اقترحه الآن بعد انقضاء هذه السنوات الثلاثين انك ان لم ترفض الانجيل بصريح قوله او لم تناقضه تكون كلماته قد تسربت اليك ولا تكون مقولة فيك قولاً. غير اني آثر في ما أتمتمه أخيرًا ان أقول اني أحجم عن تقويم (او تقييم) الديانات في منطوقها ولكني لا استطيع ان أحجم عن رؤية القوم في طهارة سلوكهم واذا كانت الطهارة بارزة جدًا تكون قد أتت من روح القداسة اذ الجهد البشري وحده ليس مصدر نقاوة. طبعًا ليس عند المسيحيين حرج في قولهم ان الكنيسة أوسع من الجماعة المسيحية القائمة. عندما يقول الحلاج بعدما قطعت يداه وقد أدركته الصلاة، عندما يقول: «ركعتان في العشق لا يسوغ فيهما الوضوء الا بالدم» لا يهمني فقه الوضوء ولكني أرى ان الروح نزل عليه بالشهادة وانضم الى مصلوبية يسوع.
# # #
أمام هذا الذي تراءى لنا استحضر دعاء لقديس بيزنطي هو سمعان اللاهوتي الحديث قال: «تعال، ايها النور الحق، تعال أيها الحياة الابدية، تعال يا ايها السر الخفي، تعال يا من لا يقال ولا يدرك، تعال ايها النور الذي لا يعتريه مساء، تعال ايها الرجاء الذي يشاء خلاص الكل، تعال يا قيامة الموتى. تعال يا من يبقى ثابتًا وهو في كل ساعة يتحرك الآن نحو الثاوين في الجحيم… اسمك لن يقوله أحد… تعال يا من أحبته نفسي ولا تزال تحبه. تعال وحدك اليّ وحدي. تعال يا من فصلتني عن الكل وجعلتني وحيدًا في هذا العالم وصرت رغبة فيّ وأردت ان أريدك. تعال يا من لا يبلغ اليه».
وبأشياء كهذه غنينا الروح والمنكسرة قلوبهم عاشوا منه على رجاء التهاب الكون به حتى تغدو هذه الدنيا نورًا محضًا.
Continue reading