Author

Aziz Matta

2005, مقالات, نشرة رعيتي

احد النسبة / الأحد في 18 كانون الأول 2005 / العدد 51

كان يهم متى في مطلع إنجيله ان يبين ان يسوع الناصري هو المسيح الذي تكلم عليه الأنبياء لأن متى اراد ان يدعو اليهود وهم ابناء جنسه الى المسيح، كما اراد ان يرسخ من اهتدى منهم في ايمانهم المسيحي الجديد. فكتب لهم إنجيله بلغتهم.

          وحتى يبدو لقراء متى ان يسوع هو المسيح المرتجى، كان لا بد له ان يبين انه متحدر من ابراهيم لان هذا هو الخط الإلهي فأورد الإنجيلي لائحة من ابناء ابراهيم معظمها مذكور في الكتاب المقدس. غير ان بعض الأسماء القريبة من يوسف لا بد ان متى استقاها من معلومات خاصة لأن العهد القديم قد انتهى آخر سفر فيه حوالى قرن ونصف قبل الميلاد.

          اجل النسب ينتهي بيوسف اذ لا يمكن في الشريعة ان ينسب الولد الى امه. ولكن في ذكر حادثة الميلاد يبين الإنجيلي ان يوسف لا علاقة له بالأمر كله. علاقة يسوع بابراهيم واولاد ابراهيم هي عن طريق مريم ابنة ابراهيم.

          الغاية من كل هذه القراءة تبيان وجه يسوع الذي يعني “الله مخلص او يخلص”. والخلاص هو من الخطيئة. ثم يؤكد الكتاب قول النبي وهو اشعياء الذي تنبأ ان العذراء تحبل وتلد. وهذا لم يوجد قبلا ولن يوجد. اما قوله: “فلم يعرفها حتى ولدت ابنها” يثبت انها قبل وضعها الطفل لم تكن على علاقة مع يوسف. هذا لا يستنتج منه انها اقامت علاقة بعد مولد الطفل. كان هاجس متى ان يثبت المولد البتولي. ما كان همه ان يكتب سيرة والدة الإله. اما كونها بقيت عذراء كل حياتها فهذا اوضحه المجمع المسكوني الخامس ورددت الكنيسة ان مريم كانت “قبل الولادة وفي الولادة وبعد الولادة عذراء”. هذا هو معتقدنا الذي جاءنا من التراث الكنسي.

          من الواضح ان متى، مع تأكيده النسب الابراهيمي وانتماء بشرية يسوع الى الانسانية كلها ولاسيما الانسانية المؤمنة، لا يهمه من كل هذه اللائحة الا يسوع. فإبراهيم نظر الى مسيح الله، وهذا لم يكن داود ولا ابناء داود حتى جاء يسوع فكان هو المسيح.

          ونحن نتهيأ حتى يوم عيده وتهيأنا في الصوم الميلادي لاستقباله ليكون هو الحياة كلها. هذا النسب كان ليظهر ان كل قيمة هؤلاء الملوك وغير الملوك ان منهم انحدر المسيح وانهم هم خلصوا على الرجاء. وعندما جاء فقط كان هو رجاء الأمم فتحقق الخلاص به ونحن بنعمته مخلّصون ومن كل كلمة من فمه نجيء ونتكون.

          نتبعه منذ مولده وفي طفولته وعندما خرج الى البشارة وصنع العجائب ونؤمن بكل كلمة قالها وبموته وقيامته. كل كلمات الأنبياء كانت اليه قبله كنا امواتا بالخطيئة وبموته على الصليب صرنا نحيا به.

          هذا الميلاد وعدٌ بعطاياه الكثيرة ووعد بخلاصنا الدائم بدءا بالمعمـودية وانتهاء بملكوت السموات.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

قوة الله / السبت في 17 كانون الأول 2005

لا شك في ان الخوف خلق الآلهة القديمة اذ كانت – كالشمس – تملك قدرة لم يمتلكها البشر. لذلك أيضا ما كان بمقدور جيش ان ينتصر في الحروب الا لأن ربه في العلاء هو القائد الحقيقي للحرب. وهذا هو نفسه الذي ينعم على الأغنياء بثروتهم لأن المال هو القدرة. وانه هو الذي ينصر من ينصر في مباريات الرياضة وربما في مسابقات ملكات الجمال. وهو الذي يميت الاحياء لان الموت هو القدرة العظيمة. ولست أعلم ان أهل الذين غرقوا في التسونامي قالوا انه أمر من الله. كما لم أعلم ان قال لهم أحد: ما هذا الاله الذي يسترد من يسترد ويستبقي من يستبقي.

اسرائيل القديم كان أيضا يخاف. ففي جانب من جوانب فكره كان وريث الحضارات القديمة الخائفة كلها. وكان أيضا يؤمن ان حروبه حروب الله. ولكن كيف كان الله ينهزم أحيانا؟ ولكونك على هذا الفكر تسمي هزيمتك نكسة وفي هذا قال إشعياء قديما: «معنا هو الله فاعلموا أيها الأمم وانهزموا». وإذا ألْحَد حكم سياسي يقول ان الايديولوجيا – والايديولوجيا نوع من أنواع الآلهة – هي التي انتصرت.

أجل في العهد الجديد لفظة القوة أو القدرة مستعملة إذا قيل مثلا قوة القيامة أو قوة الإنسان الباطن، لكن هذا لا علاقة له بالبطش والقهر المنسوبين إلى الله قديما ولا علاقة له بإله الحروب والواهب الأغنياء. أما الأقوياء فيقول عنهم على لسان لوقا: «انزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتواضعين ملأ الجياع خيرات والأغنياء أرسلهم فارغين». وأما عن الأغنياء فكل من قرأ الإنجيل يعرف عسر دخولهم ملكوت السماوات. وأما عن القوة العسكرية فيقول لبطرس: «أردد سيفك إلى غمده لان من أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ».

***

القوة في العهد الجديد إذًا غير القوة التي جاء الحديث عنها قديما. جانب الشدة في الإله لا يقرأه العهد الجديد. أنا لم أقل ان البطش كان الوجه الوحيد في إله العهد القديم اذ كان عنده رحمة ولطف وطراوة ومرافقة لشعبه وفي هذا أقوال كثيرة. لكن الفظاظة أقصيت عن العهد الجديد وبتنا في ملكوت الوداعة.

أيًّا كانت المفردات هنا وهناك عندنا نحن ان ثمة قراءة واحدة لله وهو كيف تقرأ يسوع المصلوب. ان مشهده على الخشبة هو قراءتنا لله. في هذا الوضع يسميه إشعياء عبد الله بسبب الموت الطوعي اذ يقول عنه: «هوذا عبدي الذي اعضده مختاري الذي سرَت به نفسي. وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم. لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يكسر». وتتخذ أناشيد عبد الله قوتها ومداها في الاصحاح الثالث والخمسين من السفر نفسه حيث يقول عن المخلص: «لا صورة له ولا جمال فننظر اليه ولا منظر فنشتهيه. محتقر ومخذول من الناس رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمستّر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به. لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها… كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه». ثم تراك أم تضاد (أي تقابل) أو إزائية لا تناقض حيث يقول: «لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة من أجل انه سكب للموت نفسه».

كيف ينتمي إلى الأعزاء من كان كرسي عزه خشبة سمر عليها بحيث فقد – في الرؤية البشرية – كل عز؟ كيف يحصى مع العظماء ذلك الذي ديس حتى النهاية وصار أول الاذلة في الارض؟ نحن إذًا مع مقولتين مختلفتين من العز والعظمة، مقولة أهل الأرض ومقولة الله. القصة كلها هي كيف تقرأ الله فتكون على السلوك الذي تمليه عليك قراءتك.

***

بولس رأى هذا لما تكلم على حكمة بشرية تقابل حكمة الله وعلى قوة بشر تقابل قوة الله فعبر عن هذه المفارقة بقوله: «ان جهالة الله أحكم من الناس وضعف الله أقوى من الناس» (1كورنثوس 1: 25). لعله أراد – وورد ذلك في ترجمات – مستضعف الله أقوى من الناس. لعل قوة الله انه يبدي نفسه ضعيفا كي لا يأخذنا بالقهر. هو يتنازل إلى وضعنا المعطوب لنحس انه يخالطنا في كل شيء ما خلا الخطيئة وذلك بالحبيب الذبيح ففي الذبح فقط يتجلى الحب. وفي الموت فقط تنكشف محبة الله.

هكذا نفهم قول بولس: «الذي (أي المسيح) اذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة ان يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرًا في شبه الناس: (فيليبي 2: 6 و7). هنا يستعمل الرسول كلمة عبد التي وصف بها إشعياء المسيح وهي في المفارقة تتضمن العلو اذ يتابع بولس فكره بقوله: «لذلك رفعه الله (أي رفع المسيح) أيضا وأعطاه اسما فوق كل اسم. نتيجة لذلك سيعترف كل لسان ان يسوع المسيح رب. اعتناق المسيح العبودية كان الطريق لإعلان ربوبيته على الخليقة كلها.

لقد كشف الله قوته بضعف المسيح أو بما بدا كذلك. لذلك لم يبق من مكانة للقدرة بمعناها القديم (البدن، الجمال، المال، السلطة). على ضوء هذا يعزي بولس المؤمنين في كورنثوس بعد ان رأى ان الكثيرين منهم ليسوا حكماء (أو مثقفين) ولا أقوياء (غير نافذين) ولا شرفاء (اذا كانوا فقراء) وشجعهم على انهم هم الموجودون لكونهم باتوا بالمسيح «الذي صار لنا حكمة من الله وبرا وقداسة وفداء».

لقد انقلبت المقاييس كلها. فالله في جانب الضعفاء إذا اعتبروه قوتهم وهو تاليا يبدو ضعيفا إذا رأى اليه المتسلطون من أهل الأرض وهو ضعيف عندهم اذ يستغنون عنه. وأنت لا تستطيع ان تعتبر الله غناك إذا افتخرت بمالك ولا ان تراه جميلا إذا اعتززت بجمالك ولا ان تحسبه ملكا عليك إذا سموت بملك.

سر المسيح هو الفقر، وأنت اليه إذا احسست ان ما عندك من مال أو حسن أو ذكاء أو سلطان ليس بشيء. أنت في السلطة والعقل وما يشبههما من قوة خادم للملك الوحيد ومصدر العقول كلها والبهاء الوحيد. هذا هو المعنى الحقيقي لذكرى الذي سيولد في بيت لحم في مذود البهائم ليكون نطقنا وفي الفقر الكامل ليصير غنانا.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

قلب الكاهن/ الأحد 11 كانون الأول 2005 / العدد 50

جاءني شاب اعرفه من سنوات، كثير المعرفة باللاهوت، وسألني رأيي في طلبه للكهنوت، وترددت في الجواب القاطع اذ قلت له ان الدرس يستغرق منه وقتا كثيرا وان الكهنوت أيضا يتطلب وقتا كثيرا ويصعب عليك ان تضع مجلدات وان ترعى الرعية.

قد لا يهم الأكثرين ان أحدثكم عن أساتذة اللاهوت وانهم في حاجة إلى كل وقتهم. ولكن يهمكم ان تعرفوا اهتمام كاهنكم بكم وأفترض انه محب ليسوع وانه دخل هذا السلك بسبب من محبته. لقد ولى زمن الكاهن المرتزق، وجاء وقت التضحيات الكبرى أي تخصيص كل وقت الكاهن للرعية. وانتم تعرفون ان القداس يستغرق وقتا، وذلك ليس فقط في الآحاد، وان الخِدَم الأخرى المسائية في الصوم والغروب والأكاليل والمآتم والمعموديات تتطلب أيضا وقتا طويلا ولاسيما إذا كانت العائلات كثيرة. غير ان القضية الأساسية ليست قضية وقت. انها قضية القلب عند الراعي. هل قلبه مع المسيح؟ الكهنوت التزام كامل لقضية الإنجيل بحيث لا يجوز ان يبقى للكاهن فسحة لعمل آخر.

في الماضي السحيق كانوا يرون ان كاهن القرية يمكن ان يكون فلاحا، ثم سمحنا في المدن ان يكون له عمل إضافي بسبب من قلة موارده أو لصغر رعيته. ولكن عندما يكون الكاهن مسؤولا عن رعية كبيرة فليس عنده وقت ليتفرغ لعمل آخر ما لم يجتمع أكثر من كاهن في كنيسة واحدة. هذه يجب ان يكون فيها رئيس متفرغ.

ولكن بصرف النظر عن هذه التفاصيل، الكاهن مأخوذ قلبه بالله ويحتاج إلى ما لا يقل عن ساعتين في اليوم يدرس خلالهما الكتب المقدسة ويطالع المقالات اللاهوتية. إلى هذا الزيارات التي غايتها ليست فقط ان يفتقد المرضى والحزانى ولكن ان يطّلع على الحالة الروحية للبيت ولاسيما على الوفاق الزوجي وتقدم الجميع في معرفة الرب. طبعا هذا غير ممكن بالتدقيق في الرعايا الكبيرة، ولذلك نحن في حاجة إلى كهنة جدد ليقفوا على أحوال كل واحد ما أمكن: «اعرف رعيتي ورعيتي تعرفني. وأنادي خرافي بأسمائها». ولا نستطيع ان نبقي الرعايا كبيرة استرضاء للكاهن وحسن ارتزاقه. هذه أمور لا بد من تدبيرها بقوانين وأنظمة، ولكني لا استطيع ان أضحي بالحاجة الروحية في سبيل رخاء الوضع المالي للكاهن.

ثم الافتقاد: هناك افتقاد جماعي وافتقاد عائلي. جماعيا لا بد من الاجتماعات الإنجيلية في البيوت إذ لا مفر من تفسير الكلمة الإلهية وان نحيا منها وقد تردّ البعض إلى القداس الإلهي الذي يهملون. ولا بد من ان نوزع «رعيتي». هذا حد ادنى من القراءة وهذه صلة محبة بيننا.

ولكن هذه الاجتماعات لا تعوض عن اللقاء الشخصي الذي يقوم به الكاهن مع الذي يطلب منه الإرشاد أو هو يتدخل لبث روح يسوع في كل مؤمن. هذا لا يعني ان العلماني لا يهتم بالعلماني ولا يرشده ويدله على كتب دينية. ولذلك لا بد من تنظيم حلقات روحية يلتقي فيها الناس وتلتهب أرواحهم حبا بالمخلّص حتى نعبد الله في كل مكان وننشر كلمته.

تذهلني رؤيتي للأهل يُعنون بأطفالهم. يذهلني السهر الطويل الدائم حتى يكبر الأولاد ويتغذوا ويلعبوا ويتكلموا ويفهموا. هذا الذي يجري على صعيد الجسد والتربية نحتاج إلى مثله على مستوى الفهم الروحي والتعليم المسيحي والرعاية الدائمة والاهتمام بكل نفس.

وهذا كله ينحدر من قلب الكاهن المتأجج حبا ليسوع. الله قادر ان يصنع له قلبا جديدا.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الكلمة الدائمة / السبت في 10 كانون الأول 2005

من الاشياء التي ترعبني ان الكلمة الالهية لم تنزل بقوة او بالكثافة نفسها على اهل المسيح في اجيالهم. سواهم يحيا في سر الله وهو يتدبرهم بحكمته ان كانوا من اهل التوحيد. اما اهل الديانات الآسيوية والافريقية فأنا لا اعرف شيئاً مكتوباً عن مصيرهم وادعهم الى حكمته. لكن معظم الناس الذين لهم كتب لم يقرأوها أو لم يستطيعوا لجهلهم قراءتها وظلوا عن حقيقتهم غافلين وفيها قبس او بعض قبس. والناس من ظلمة هذه الاعين لا يرتجفون وأنا في خوف كثير من ان يستمر هذا الظلام فيهم وفي اولادهم من بعدهم وهم لا يدرون.

ما يقلقني في غيرتي وفي حبي ان هؤلاء الكثير منهم سينجون بفضل رحمة الله من حيث انهم يعاينون الله بسبب من نقاوتهم وهذه في كل حال من امر ربك وليست من باب تأملي الان اذ ينجو الطاهرون من كل جنس مهما قال المتزمتون ولاهوتيو الكتب. ليس هذا ما اعاني منه وعذابي عنهم لا يتعلق بالآخرة ولكنه يتعلق بالاولى كما يقول الاسلام او بالدهر الحاضر كما تقول المسيحية. عذابي في ان معظم الناس لا يفهمون وان بعض المتكلمين هم على لاهوت خاطىء اذ يقولون في الله اشياء مغلوطة. واذا كانت الآخرة امتدادا للأولى فليس فيها كشف الهي يضيف الى ما نعرفه في دنيانا لأن “ما كُتب قد كتب” وانت لا تعرف اشياء جديدة الا اذا قلت ان محبوبيتك عند الله – وهذه نعرفها – كافية للفهم واننا لا نعرف عند ذاك الصلة بين القلب والعقل وقد يكون القلب طاغيا فيفهم ما لم يكن هنا فاهمه دون ان تعبر الكلمة العقل. ما اتأمله في هذه الاقوال يتم عن اني اقيم فرقا بين العقل والقلب في اليوم الاخير ولكن اللعبة قد تكون مختلفة تماما. لعل هذه تحفزات عقلية لي لا تهم بسطاء القوم وقد يقول الله في ذاته ان كلماته انما ينزلها علينا في هذه الدنيا وان له معنا فوق لقاءات ليست من طبيعة اللقاءات التي كانت له هنا على وجود لحمة بين ما هو هنا وما سيكون.

ولعل بعضاً من قرائي يقول لماذا تعنيك هذه الامور ولم يكشف عنها في ما الهمه ربكم. جوابي انك لا تقدر على ان تهمل ما هو لربك أجاء فيه كلام أم لم يجئ لأن هذا يدفعنا الحب اليه. ولعل اهتمامك بالمدعوين الى الخلاص في ما سيكونون عليه أهم ما يكون عليه الفكر الالهي هنا لأن الذين أنت اليهم هنا ستكون اليهم هناك بسبب من وحدة المعشر وهذه المشاركة العظمى التي ستجمع بينكم عند حميمية الله.

لعل ما ليس دون ذلك ايلاماً في ما أسمعه من ارشاد في المعابد ان الخطيب يتحدث باللغة الفصحى وبصورة بليغة أحياناً وأنا أرى الوجوه وهي مقصرة في ادراك العامية فكيف بالفصحى ولعل الواعظ لم ينتبه الى ان القليل قد بلغ سامعيه وان كلمة الله اذاً راوحت مكانها وان شيئاً قدسياً لم يحصل.

يجب ان يتروض الفصحاء على ان قلب سامعيهم هو الذي يتقبل كلام الرب أو لا يتقبله واننا لسنا في مباراة بلاغية ولكنا في تبليغ الحق. ويفرح الواعظ ان الحاضرين كثر وهو يستلذ كلامه الذي لم يصل.

ما من شك في ان الله يريدنا ان نفرح بكلامه وان نغتذي منه بصبرنا ونصيره كي نبلغ القامة الروحية التي من أجل صنعها تكلم وجعل ناساً يتكلمون. أنا لا أستطيع ان أتصور ان الله اكتفى بان يفوض الى ناس أمر ارسال الكلمة ولم يفوض اليهم أمر تبليغها أي ان تشق دربها الى العقول والقلوب كي يصبح كل منا كتاباً الهياً يفتح بدوره بايضاح ما سجل فيه تبشيراً ودعوة.

أجل كان هذا مسعى اذ يصل من الزرع ما يصل ومن استنار من بعد توبة وعلم يبغي ربه منه ان يهيئ النفوس الى السمع وتناول الحق بتوبة وعمق أيضاً حتى لا تعود الكلمة الى مقرئها فارغة في تكامل يبني كل جماعة بالحب والغيرة عسى تصل الى كل منا حبات من الزرع ولا نبقى جياعاً.

أنت، عارفاً، ليس شأنك ان تهمل التعليم وتقول ان الله يرحم من يرحم ويرأف بمن يرأف. انت مسؤول على أعلى درجة كي يفلح الرب كرمه ويفهم من يفهم ويخلص من يخلص. هذا من أمر ربك واما التبليغ فتكليف وأخشى ان اهملته ألا يرحمك ربك ويعدك من الكسالى.

وما يؤذيني ان قلة من العابدين ترغب في المعرفة اذ تتكل على الصلاة وحدها والله يريدنا من العارفين لان المعرفة تقوي فهمنا للصلاة وتجعلنا نستطيبها. أنا أخشى كسل الاتقياء الذين يتكلون على المثابرة ولا يريدون ازدياد الفهم. كما أخشى الذين هم على صلاتهم ساهون. والصلاة تقام في الملكوت على طريقة ما. غير ان المعرفة تبدو في الملكوت أيضاً على كثافة ما والأكمل أفضل من الكامل.

ما يعزيني عن هذا التقصير ان هناك مسجداً غير منظور يجتمع فيه محبو الرب من كل دين يقيمون فيه الصلاة ويتبلغ منهم الكل بقدر حتى يجمعنا الله في المسجد السماوي غير المصنوع بيد ويمدنا الله فيه بالرحمات وربما يزيدنا فهماً لأن الله عقل أيضاً.

ما يحزنني من سنوات عديدة هو ما يبدو لي من ان الهيكليات الدينية على اختلافها تدفعها عوامل كثيرة في أزمنة الناس الى ان تنهمك بنفسها وأنظمتها ورجالها وتهمل الكلمة وادخالها الى ثنايا القلوب. أجل كل الديانات عندها حلقات دراسة لكتبها المقدسة والمذاهب تتسابق في النشاط. غير ان إقبال المؤمنين المسيحيين على العبادات العظيمة والضخمة جعل درس النصوص الالهية يتضاءل جداً. غير ان شيئاً لا يقنعني ان أي نص طقوسي أو نص للآباء مهما سما له في النفس الوقع الذي لكلمة الله. مرة قال لي عالم ليبي في الاسلاميات: لا شيء في الاسلام يؤثر في الانسان مثل النص القرآني. شهادتي المماثلة ان لا شيء أعرفه في كل التراث المسيحي يفعل في النفس المسيحية مثل الانجيل. أضيف الى هذا ان النفوس التي تأصل فيها الانجيل قادرة على ان تواجه تحديات كبيرة من الحضارة الحديثة بما هو اعظم من الايجابات الفلسفية أو اللاهوتية الحاضرة.

“الكلام الذي اكلمكم به نور وحياة”. هذا الكلام الذي نطق به السيد لا يعني فقط معرفة ولكنه يعني تنقية للنفوس وارتفاعها الى الدرجات العلى من القداسة والفهم في آن. طبعاً ليس الملكوت مجمع لاهوتيين والحمد لله ولكن اذا كانت السماء تكمل ما كان في الأرض جميلاً فلا بد من ان تستمر الكلمة الالهية في السماء اذا ما تمجد حاملوها.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

يوحنا الدمشقي/ الأحد 4 كانون الأول 2005 / العدد 49

اليوم نعيّد ليس فقط للشهيدة بربارة ولكن للبارّ يوحنا الدمشقي المتوفى السنة الـ 749. يوحنا هو الاسم الذي اتخذه في دير مار سابا في فلسطين لما تَنسَّكَ فيه. هو منصور بن سرجون. جده منصور كان حاكم دمشق في زمن البيزنطيين. فاوض العرب على تسليمهم دمشق خشية دخولهم المدينة عنوة واستعمال العنف. والده سرجون ولاّه معاوية بيت المال.

لا نعرف اذا كانت العائلة متحدرة من أصل عربي او من أصل سرياني من حيث اللغة. المعروف ان يوحنا كتب فقط باللغة اليونانية التي كانت آنذاك لغة اهل المدن.

اخذ بكل علوم عصره، وليس ثابتا انه كان يتقن العربية. لم يكتب بها لأنها لم تصبح في بدء الفتح العربي لغة المواطنين. الا انه كان صديقا للخليفة يزيد بن معاوية، ولا بد انهما تخاطبا بالعربية. وبقي على علاقة وثقى بالقصر حتى خلافة عمر الثاني الذي منع توظيف المسيحيين، ولعل يوحنا احس ان هذا علامة قمع فزهد قديسنا بدمشق وبالدنيا والتحق بالحياة الرهبانية.

في تلك الفترة شنت الامبراطورية البيزنطية حربا على الايقونات، فدافع القديس عن الايقونات وكتب فيها ثلاث رسائل صارت هي الأساس الذي اعتمده المجمع المسكوني السابع ليُظهر ايماننا بالايقونة ويدعمه.

رسمه بطريرك اورشليم كاهنا فصار واعظ المدينة المقدسة ويتمم خدمته في كنيسة القيامة. بقي لنا من مواعظه تسع اكثرها عن والدة الإله. غير ان اهم كتاب له هو «ينبوع المعرفة» يشتمل على ثلاثة ابواب، اولها فصول فلسفية كناية عن تمهيد للبحث اللاهوتي. يلي ذلك باب الهرطقات، واخيرا الجزء الأعظم «في الإيمان الارثوذكسي» الذي يقع في مئة مقالة.

إلى هذا كتب في الهرطقات التي خرجت عن الكنيسة. وعنده جدل مع المسلمين نُقل إلى اللغة العربية.

إلى جانب الكتابة العقائدية أرسى أسس كتاب المعزّي، وتُنسب اليه قطع طقسية مثل الفصحيات وبعض القطع الأخرى.

لا نعرف بوضوح كامل دوره في علم الموسيقى الكنسية، ولكن لا شك انه اسهم في تلحين قوانين وطروباريات وفي وضع نظام العلامات الموسيقية.

كتابه في «الايمان الارثوذكسي» اهميته الكبرى انه اول كتاب يجمع كل العقائد المسيحية بشكل منتظم، منسّق، مبوّب. قبله كانت توضع رسائل متفرقة: مثلا في التجسد الإلهي لأثناسيوس الكبير، او رسائل في الثالوث المقدس لغريغوريوس اللاهوتي. اما يوحنا الدمشقي فشرح كل العقائد المسيحية مرتكزا على الآباء، وبناء على عمله صارت الكتب المتعلقة باللاهوت العقائدي تُكتب هكذا.

ما لا بد لنا من تذكره من تعاليمه عن الايقونة قوله إن تحريم تصوير الله في العهد القديم أنه كان غير منظور. ولكن بعد التجسد صار الله ذا شكل بشري، فنحن نُصوِّر المسيح لا الآب ووالدة الإله والقديسين. إلى هذا فالايقونات كتب للأميين.

اهمية الرجل جمعه صفات كثيرة في شخص واحد: قداسة السيرة، اللاهوت، الاطلاع على علوم العصر، الجرأة في مواجهة البدع والانحرافات، الموسيقى والتأليف الطقوسي، الحوار مع غير المسيحيين. نفعنا الله بشفاعته.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

العثرات / السبت في 3 كانون الأول 2005

“ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة (متى 13: 7). في المصطلح الإنجيلي العثرة هي تلك السقطة التي اذا ارتكبتها وعرف بها آخر يعثر على طريقه الى الخير. هي صدمة تهز كيانه لأنه نزهك عن الكبائر كما يقول المسلمون أو الخطايا الجسام كما نسميها نحن. لكونه جعلك في مصف الأبرار أو الطاهرين حتى الكمال لا يتوقع منك سقوطاً كبيراً أو صغيراً اذ تخيل انك لست مصنوعاً من تراب أو أنك تخطيته الى نور كبير عمّ كيانك فأنى لك ان تعود الى هذا التراب المقيت. كأن الانسان الذي يشتاق الى الله لا يستطيع ان يحيا الا باشعاع بعض الوجوه عليه ولا يقدر على ان يتصور دنيا بلا قطع من الجنة فيها هي قامات تضيء وتبدو لنا قادرة على ان تقيمنا من هبوط اذ لا نطيق الهبوط فنطل على النهوض ولا نبقى ناهضين ولكنا نتعزى بأن قوماً منا لا يذنبون بشكل مريع وانهم قد يكونون رجاء تجدد لنا اذا حان أوان الرضاء.

ما من شك في اننا في المسيحية نعيش بسبب من كل هذه الدعوات المتكررة في العهد الجديد الى ان نتعاضد روحياً ونبني بعضنا بعضاً ونحب بعضنا بعضاً لكوننا أعضاء متماسكين في جسد المسيح. وهذا مفهوم الحياة الروحية الجماعية لكون الكنيسة كالصليب فيها بعد عمودي يصلك بالله وبعد أفقي يقيم صلة بينك وبين الإخوة. فكل منا ينمو بالآخر، يتكل على دعاء الآخر من أجله. كل منا يقول لأخيه بالايمان: صلّ لأجلي. في هذا العمق الروحي يحتاج المؤمن الى نماذج، الى ايقونات حية حوله يقتدي بها أو يتكىء عليها تعلمه بضعفه من جهة وبالتكامل من جهة وبأن المخلص ترك لنا من البشر من ينقل الينا هذا الخلاص بصورة محسوسة. من هنا قول بولس لبعض من مؤمني عصره: “تشبهوا بي كما أتشبه أنا أيضا بالمسيح”.

غير ان الانسان الذي تتكل أنت عليه ليقوم مقام الايقونة يتصدع كالايقونة، يشيخ كالايقونة. ولعلك في شاعريتك الروحية استعظمته أكثر مما يستحق واذ بك تكتشف انه بشر ولعلك تكتشف ان فيه بعض هشاشة ما كنت انت مستعداً لرؤيتها بلا اهتزاز فيك.

ثم هناك من كانت عيوبه بادية لبعض وما هي ببادية لك لان خيطاً ذهبياً من العشق يربط برؤية نزلت عليك وعشت بها. كنت ترى بلوراً واذا بالبلور ينكسر أمامك فجأة فينشىء هذا فيك صداماً مرعباً. ليس أحد منا لا يرى في هذا أو ذاك أخطاء مريعة تحدث فيه خيبات موجعة. وتتراكم الخيبات أحياناً. ولكنك اعتدت الصداقة ولا تريد ان تبتعد لئلا تجد نفسك في عزلة تامة. يكفيك، اذذاك، شيء من فضيلة الصديق بعد ان تساقطت جمالات كثيرة. تؤثر ان تتغذى من هذا النزر القليل على ان تعيش في صحراء الحب.

واذا انتاب اصدقاءك هشاشات تعيش انت عليها كما يعيش الفقير على الفتات.

في حصاد الهشاشات قد لا يؤذيك شيء مثل ما يؤذيك وضع كاهن (أو اسقف) رأيت في وجع ان قلبه ليس لله وانه تالياً اخطأ العنوان في اتخاذه هذا الطريق. ربما ما كان هذا الرجل يعرف نفسه جيداً لما انخرط في هذا السلك دراسة ثم التزاماً. بالتأكيد ان اساتذته لم يعرفوه اذ ليس مثل الدراسة ما يحجب التفحص الحقيقي. هذا الشاب مغطى بمظاهر التقوى وما كانت بتقوى أو ان الرجل سقط في ما بعد بما تعرض له في مهمات الرعاية. نحن نعرف على وجه الدقة كيف يجرح الطهر ثم نعرف ان التوبة عسيرة وان معظم الناس يموتون في خطاياهم.

ما كنت مخطئاً في المبدأ ان تعلق آمالاً على راعيك أو راع آخر لأنك تعرف من الكتاب والتراث شروط الانتماء الى هذا المصف. غير ان الداخل اخطأ الخيار أو من اقتبله اخطأ الخيار أو كنت تظن ان أمثال راعيك محصنون لأنهم باتوا أشباه ملائكة وما كان لك النضج لتفهم ان ليس في العالم الروحي حصون وان البشر ركامات تراب مرمية هنا وهناك حتى يرضى ربك ويبني منازل قليلة من هذا التراب.

كثيرون تركوا رعاياهم أو مذهبهم في هذا الشرق لأنهم رأوا ما رأوا في مسؤوليهم. الخطأ كان في اعتقادهم ان الانسان قادر على ان يصنع من المسيح نسخاً وتالياً في اعتقادهم ان التراب له ان يصبح ضياء. هذا غير ممكن وغير مكتوب. ان تعطش انت روحياً لا يعني ان قربك ماء. كنت على حق لما سعيت الى أنوار وجه السيد ترتسم هنا وهناك. لكن هذا حققه قلة ويحققه بعض منا فترات ولكن لا نحققه كلنا وفي كل حين لأن السماء لم تهبط بعد على الأرض ولأن الملكوت لا يزال وعداً.

جميل ان تقفز في أشواقك تواً الى الفردوس وان تحس ان من انت مسحور بهم روحياً فردوسيون ولكن ليس من فردوسي. يبقى سؤال يحز في صدري بشرياً ولا يزعزع إيماني مطلقا وهو لماذا سمح الله بكل هذا التلف وسيسمح به الى الأبد. الجواب الذي أعرفه عقلياً هو ان الرب ارادنا احراراً وان نقبل اليه بحريتنا ولم يسخرنا لمشيئته كما تسخر انت الآلة. وثمن الحرية الارتفاع والسقوط وانت لا تسمو الى الألوهة إلا طوعاً وفي كل لحظة ينبض فيها قلبك وعليك ان تدفع ثمن تقلبه حزناً وان تبكي بين خطيئة واخرى نتتراءى لك صور من الفردوس حقيقية لتحقق الكلمة: “اننا بالرجاء خلصنا” (رومية 8: 24). وفي موضع آخر يؤكد بولس: “انكم بالنعمة مخلصون” (أفسس 2: 8).

واذا عرفت ذلك تفهم قول الله على لسان داود: “لا تتكلوا على الرؤساء ولا على بني البشر اذ ليس عندهم خلاص”. أنت مثل المعلم مشلوح على الصليب وأنت وحدك كماكان وحده وليس معه الا الآب. في الأخير الكنيسة هي المسيح المصلوب وليس أحد من البشر مهما علا شأنه يستطيع ان يفعل عمله أو ان يحجبه عنك والكنيسة هي انت والمسيح والذين يحبونه بحق. كافح حتى يسترد المخلص التائهين عن دربه واذذاك تكون معهم ولو لم تر وجوههم. اعلم انت انك حي بمحبة يسوع التي تنزل عليك.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

خلاص الأغنياء/ الأحد 27 تشرين الثاني 2005 / العدد 48

في اللغة التي كتب فيها الانجيل اي اليونانية، الانسان الذي واجه يسوع في قراءة اليوم كان وجيها او رئيسا اي عضوا في مجمع اليهود وسأل المعلم: “ماذا أعمل لأرث الحياة الابدية”. كان يعلم ما قاله الكتاب عن الخلاص. ربما أراد جوابا اوضح او اكثر تفصيلا من يسوع وسمّاه “المعلم الصالح”.  كان في هذا الكلام مجاملة للسيد او مديح  ولا سيما انه كان يعتبر المعلم بشرا فقط. سؤال لا يخلو من الخفة. لذلك رفض الرب ان ينعته هذا الرجل بنعت يليق بالله فقط.

          ماذا أعمل؟ اجاب عنها السيد بذكر بعض الوصايا المذكورة بالناموس. زكّى الرجل نفسه بقوله انه حفظها منذ صباه. عندئذ قال له يسوع: “واحدة تعوزك بعد، بع كل  شيء ووزعه ثم تعال اتبعني”. هذا كلام قاله يسوع لهذا الشخص بالذات ولم يعمّمه. قال له هذا لأن المال الكثير الذي كان له كان عائقا دون خلاصه.

          بعد ان رفض هذا الوجيه الميسور دعوة المسيح اليه والى التجند في صفوف اتباعه، قال الرب هذا القول الصعب: “ما اعسر على ذوي الاموال ان يدخلوا ملكوت الله. انه لأسهل ان يدخل الجمل في ثقب الابرة من ان يدخل غني ملكوت الله”.يسوع قال انه صعب ولم يقل انه مستحيل. صحّ ان السيد اعطى عن صعوبة الخلاص للغني صورة الجمل والإبرة، والجمل هو الجمل والإبرة هي الإبرة. انها مبالغة في تصوير صعوبة الخلاص. ولكن يسوع لا يسهّل الصعوبات ليجذب الناس الى الجدية. هذا من باب الملاحظة العامة لأن تعلق الغني بماله يدفعه الى الاهتمام المفرط به الى درجة الاحساس ان المال هو المنقذ وقد لا يعرف الغني ان كثرة المال يدفعه الى عشقه وهذا هو السقوط.

          ما من شك ان يسوع لا يرى منفذا من هذا العشق الا بالتوزيع لانه يدل على ان قلب الغني اتسع للفقراء وانه لا يحب المال حتى البخل بل صار يحب الناس ايضا. كيف يكون التوزيع؟ ما مقداره؟ مسائل لم يتعرض المسيح لها، ولكن الدعوة الاساسية هي ان نتخلى عن بعض ما نملك لكي لا يموت الناس جوعا، على الاقل ليتمكنوا من اعالة عيالهم، على ان تكون متواضعا في العطاء وان تجعل نفسك مع المحتاج في حالة التآخي.

          انت لا تعرف كل الفقراء ولا تقدر ان تحل لهم كل مشاكل حياتهم. ولكن تستطيع ان تختار بعضا وان تسعفهم بصورة جدية. ولا يكون الامر صوريا، ولكن تكون المساعدة حقيقية، فعالة. المهم أمران: ان تضرب العشق الذي فيك، وان تحب الفقراء وتنفّذ هذه المحبة بالعطاء. هذا يزعجك ان كنت متعلقا بثروتك، ولكن ليس من عمل صالح بلا تعب او بلا تضحية.

          عندما سأل السامعون المخلص من يخلص اذًا، اجاب: ما لا يستطاع عند الناس مستطاع عند الله. هذا لا يعني ان الرب يخلصك بصورة اعتباطية فيختار بعضا ويهمل بعضا. هذا يعني ما قاله بولس في رسالته اليوم: “بالنعمة انتم مخلَّصون”. فتحل نعمة الله على الغني وتلهمه محبة لم تكن له وهي تفتح قلبه ثم تفتح كفه ليحس بأن الفقير اخوه ويشاركه ما عنده. فالغني يرتاح بالعطاء، والفقير يحس بأن آخر احبه.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

موجوع أبدًا بحب السماء / السبت في 26 تشرين الثاني 2005

أرى نفسي على جهل كثير. ما تعلمت الرياضيات في صباي حسناً وما اقبلت على الحاسوب. خفت. اجيء من حضارة اخرى فيها كلمات. كلمات – رموز تحكمنا اليوم. تعرفها الشبيبة. لا اعرفها. ربما تعود هي ايضا الى الكلمات التي اجيء منها.

يلحنون اذا قرأوا اي انهم يجهلون قواعد اللغة. عقلك انت يجيء من اللغة بعد ان جاءت اللغة منه قديماً. اذا ألحن عندي قارئ في الكنيسة او ألحن مذيع شعوري الاول ان خللاً عقلياً اصابه وسرعان ما ادرك ان عقله لا يحتاج الى نظام اللغة. كانت عندي خادمة اسمها ليلى اخبرتني اول استخدامها انها امية مع انها كانت تفهم اخبار الاذاعة (الفهم له سراديبه). كانت ترتب مكتبي كل يوم وكان يصعب علي ان اصل الى الاوراق التي كانت متراكمة قبل تدخل ليلى بلا ترتيب. فكنت ألحّ عليها باهمال مكتبي لئلا يحجب ترتيبها عدم ترتيبي الذي كنت اعرف ان استدل منه على ما احتاج اليه.

صرت افهم ان حضارة الحاسوب وما يستتبعه من آليات وتالياً من معارف صندوق مقفل لم يبق لدي وقت ولا قوة ولا فضول لالج اسراره. وفي مطلع شبابي لم يكن يزعجني اني لا افهم الرياضيات التي كان يقال في اوساطنا المدرسية انها تروّض العقل حتى ان المتعصبين لها كانوا يذهبون الى انك ان كنت خالياً من عقل رياضي لا بد ان فيك نقصاناً ما. وانا كنت اذهب الى انك قادر على ان تروض عقلك باللغة فقط وان تصقل احساسك بالشعر ثم ان تتربى على الفلسفة حتى التقيت ناساً لا يتحسسون الشعر اطلاقاً ولا تجذبهم الموسيقى الاوروبية ويعيشون مع ذلك عيشاً معقولاً في التجارة والمال والعائلة. ولاح لي من خبرات متنوعة ان الانسان يستطيع ان يحب زوجه واولاده بلا شعر مسبوك وان يكتفي بالطرب الشرقي الذي يصل الى كل الآذان عندنا والى كل القلوب.

غير ان ما هالني من زمان طويل اني لست فقط مقصراً في العلوم الدقيقة الطبيعية واني مقصر في كل علم. ربما بسبب ازدياد اتعابي وتنوّع امراضي بت منجذباً الى الطب كثيراً ويعجب طبيبي الخاص بوصفي الدقيق لاعراض المرض عندي. ولما قوي انشدادي الى الطب تعمق فهمي للانسان ولوحدته وادركت ان العلوم التي تلقيتها وكلها من نطاق اللغة غير كافية. الحقوق لغة واللاهوت لغة. ذلك انك تعالج نصوصاً تعربها فتفهم وتصير من عندك نصاً آخر فيفهمك الآخر.

كل شيء خطاب. واذا عدنا الى البدايات نقول: “في البدء كان الكلمة”. فإذا كان في البدء فهو قبل البدء اي انه خطاب الله. المسيحي يحمل حديث الله اي يحمل الله لان الله لم يكن يوماً بلا خطاب. فإذا ابتغيت الله تذهب الى فكره وفكره في ما قال او في من قال. الله مقول وبمعنى، ابنه نصه والانجيل نص النص.

هنا تواجه مسألة كبرى انك تصل الى الله من خلال نصه. هذا لا يعني انك تصل بعقلك فقط لان النص ليس فقط عقلياً. انه ينزل الى القلب. يقرأ القلب ايضاً بلا لغة. ومن هنا يقيني ان الله ينقلك الى جوفه بلا كتاب الهمه او اوحاه. هذا شأنه مع عباده. ولكني انا العارف بكتبه مقيد بمعرفتها ولست حراً ان اطلع عليها او لا اطلع. انا لا استطيع فقط ان اتصل بالله من طريق الروح او القداسة – واتصالها اعظم اتصال – اني مضطر الى ان اتصل من طريق الفكر الذي ليس مجرد فكر على طريقة “انا افكر، اذاً انا موجود”. انا اعرف اناساً لا يعقلون امراً الا وهم في قلوبهم. هناك كتّاب تأمليون هم بالدرجة الاولى مفكرون اي يسطعون فكراً مبنياً، مترابطاً، عاقلاً ومعقولاً ولكنه مع القلب دائماً في تماس بحيث لا تعرف اذا كان منطلقهم شعوراً بحتاً او فكراً محضاً ولكنك تشهد مزاجاً عجيباً بين مشاعرهم والعقل.

في تصوري انه ليس من فيلسوف محض على لباس الجفاف الذي تراه عليه احياناً، لا شيء يصدر عن الانسان غير مرتبط بالقلب. انا لا اقول ان المفكرين هم الطبقة العليا من الناس البسطاء قد يكونون اعظم اذا كانوا على كثافة رهيبة من المحبة.

قلت لكم كل ذلك لاقول اني لست نادماً على اني لم اقرأ كل شيء. سأموت جاهلاً ليس فقط للعلوم التي ذكرت لكم اني اجهلها ولكني سأموت وانا لا اعرف في بلدي او في غير بلدي من وددت ان أعرفهم اذ كنت أحس بأن عندهم الكثير مما أردت أن أتزوده، ما لم أعرفه أو من لم أتعرف عليهم فراغات في نفسي او فراغات في قلبي. ولكن ما العمل؟

ما المصير انك لم تقرأ كل شكسبير وكل المتنبي او كل دوستويفسكي اذا أخذت الجمال الادبي. قد تهزك جماليا سورة يوسف أكثر من نصوص كثيرة. انا لم أقرأ متصوفين كثيرين وعددا من آبائنا القديسين. ولكني قرأت اشعيا وايوب وانجيل يوحنا. وهذا يسد جوعي الى الحق. صبغتك بالحق هو النور الذي يصل اليك وهو دليلك الى النور الذي لم يصل. ليس من بشر يعرف كل شيء وفي هذا أحد مفاتيح التواضع والتواضع أعظم من المعرفة.

قد تصل الى الكثير من علم التفسير اذا كنت عاشقا لتداول النصوص اي أنك قادر على ان تصل الى دقائق كلمات إلهية، الى ما تكشف والى ما تخفي وقد تصل الى العلاقات بين سفر وسفر من الكتاب الالهي وتفهم تعاقب الاسفار والقصد الالهي من هذه السطور مركبة، متراصة، ساطعة، راقصة ولكن لا تكون بالضرورة واصلا الى عتبات الله لان الله أعظم من الكلمات التي قالها وهو ان كان فيها الا أنه ألهم واحدا ليقول: “ان الله أعظم من قلوبنا”. أي انه يسكنها ولكنها لا تستوعبه واذا أنت انتقلت اليه في اليوم الاخير تسقط عليك أنوار منه فتحيا بها. ذلك انه دائما يتعالى وانت اليه كالمرأة النازفة الدم التي لمست هدب المسيح فشفيت.

لماذا كل هذه العلوم، لماذا كل هذه الآداب وهذه الحضارة؟ الله خبئ في كل هذه وعليك ان تسعى اليه في مخابئه. وان أخطأت هذا القصد يكون تعاطيك هذه الامور مفيدا لمعيشتك هنا وتكون قد ظننت ان الله مكشوف فقط في الكتب المقدسة، لا تكون قد قرأت كل تجليات الله. أما اذا فاتك شيء من المعارف – كما فاتني أنا – فالله يعرفك بلمساته وبحضوره فيك والمهم ان عرفت أشياء ألا تستكبر. ان جهلت أشياء لا تبرر كسلك اذ يخشى ان تفوتك جمالات الهية خفية في العلوم او الشعر والفنون بعامة. تكون قد أهملت الله، ومع ذلك يغفر الله لك جهلك كما غفر لي جهلي على ما أحسب. انه يعوضك بملاطفات لا يسوغ النطق بها. وفي كل حال الله يغنيك ان كنت من العارفين او من الجهلاء.

إذهب عن هذه الحياة مطمئنا الى الرحمة التي هي تكملك. ذلك ان الجهل جهل الفضائل والمتع السموية. بعد كل هذه النواقص والتحولات في دنياك المهم ان تحس أنك “موجوع أبدا بحب السماء” كما تقول حنان عاد في “لؤلؤ الروح على صهوة القيمة”. اذا بقيت على هذا الوجع تبدأ رحلتك الى القيامة.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الغني الغبي / الأحد 20 تشرين الثاني 2005 / العدد 47

انجيل لوقا إنجيل الفقراء. الكلام الرئيس  عند لوقا عن الفقراء هو في التطويبة الأولى :”طوباكم ايها المساكين لان لكم ملكوت الله” (6 :20). وهو الفقر بالمعنى الحسي يقابله بالتطويبات نفسها عنده “ويل لكم ايها الأغنياء لانكم قد نلتم عزاء كم” (6: 24). غير ان معرفتنا لجماعة كانت تسمى “الفقراء الى الله ” توضح لنا ان المحتاج  غالبا ما كان محتاجا الى الله ايضا بحيث كان ينتظر منه “خبز الغد” وقد ورد عند بعض الشراح ان لفظة خبزنا الجوهري في الصلاة الربية قد تعني الخبز الذي يحتاج اليه في الغد لا بعد الغد.

          نحن امام مَثَلٍ سبقه قولان للسيد: اولا، انظروا وتحفّظوا من الطمع. وثانيا، متى كان لأحد كثير فليست حياته من امواله. بعد هذا يأتي المثل ومعناه تاليا من هاتين الكلمتين ليسوع.

          “انسان غني أخصبت ارضه” :ليس في هذا شيء سيء ولا سيما اذا كان قليل المورد. ويحق له ان يفرح. يقال اليوم عن هذا إنه تنمية اقتصادية.

          هذا الرجل يقول في ذاته: اوسّع املاكي اذ انا في حاجة الى ان اجمع الغلات الكثيرة في مخازن حنطة اكبر. ليس من مأخذ على هذا الرجل في هذا. يبدأ التلميح الى اللوم عندما قال هذا الغني لنفسه: “لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة” (كيف يعرف؟). من قال له انه يعيش طويلا او ان احدًا لن يسرقه؟ ليس من ضمانة لدوام المال. يزداد لوم يسوع ليس بشكل صريح ولكن باستعمال الإنجيلي لكلمات تدل على ان الرجل ارتاح الى كنزه الجديد بقوله لنفسه: “استريحي وكلي واشربي وافرحي”. شهوة النفس عند هذا الرجل هي الدنيا وما فيها. الفرح عنده في الأشياء المادية والطمع بها. وعند ذاك يهمل نفسه اي عمق نفسه وحاجتها الى الله والى محبة الآخرين، وهاتان الحاجتان لا ينفع المال بهما. المهم الشوق الى الله ومعاشرته بالكلمة. كان المطلوب من الغني ان يجعل فرحه في غير الحنطة التي ازدادت وقوَّت الشهوة.

          نفسك لن تقدر ان تتمتع بشيء ايها الغني لأن الليلة تُطلب نفسك منك ولن يبقى لها شيء من دنياها. لذلك ينهي يسوع هذا المثل بقوله: “هكذا الذي يكنز لنفسه وليس هو غنيًا بالله”.

          لا ينبغي ان تحس يا انسان ان الذي عندك يكبرك او يزيد على قامتك ذراعا واحدة. لهذا بعد المثل يقول السيد: “لا تهتموا بما تأكلون ولا للجسد بما تلبسون. الحياة افضل من الطعام”. هنا كلام يشبه كثيرا ما ورد في العظة على الجبل عند متى، ويسميه الشراح العظة على السهل عند لوقا، وهي منتشرة في انجيل لوقا وليست في موضع واحد كما عند متى.

          ان يسوع لا يكره الغنى بحد نفسه ولا الاغنياء اذا كانوا لله. لا يريد الافتخار بالمال والتعلق به وتشهيه. هو وسيلة لا ينبغي ان تعشقها انت او تعبدها لئلا تصير لك مثل رب. ما تشتهيه من هذه الدنيا يستعبدك. استعمل كل شيء وكن حرا من كل شيء لتصير حقا مع يسوع.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

تحب قريبك كنفسك / السبت 19 تشرين الثاني 2005

هذه الوصية التي يرجع بها الى يسوع الناصري هي في الحقيقة من العهد القديم ولكنها جاءت في سفر اللاويين هكذا «لا تنتقم ولا تحقد على ابناء شعبك بل تحب قريبك كنفسك» (18: 19) ما يشير الى انك تحب فقط بني قومك. وسع العهد الجديد الوصية بجعل كل الناس محبوبين. غير ان الصيغة التي وردت فيها الوصية «تحب» أو «أحبب» توضح ان المحبة امر الهي وانها ليست فقط مجرد تحرك عاطفي فقد يحس قلبك او لا يحس. فالمحبة اذا شريعة معناها هو هذا:يجب ان تحب قريبك كنفسك.

الفكرة الظاهرة في العهد العتيق هي ان هناك ما يربطك بالمحافظين على الشريعة وهم من امة الابرار. هذا هو رباط المقدسين. انت ان احببت تدعم الكيان الالهي-الاجتماعي القائم في امة اليهود.

مع المسيح انت لا تنتمي الى امة. تشكل انت بالحب امة المحبوبين. لذلك عندما سأل احد اللاهوتيين يسوع من هو قريبي حكى له حكاية معروفة بمثل السامري الشفوق الذي تحنن على جريح يهودي كان ملقى على الطريق فأقبل عليه وآواه وطببه. فعن هذا السؤال من هو قريبي اجاب السيد بسؤال: من ترى صار قريبا للذي وقع بين اللصوص. قال الذي صنع معه الرحمة فقال له يسوع اذهب واعمل كذلك. والمعنى ان كل انسان غريب عنك حتى تطل على اوجاعه وعزلته. لا يسأل اذا عمن ترحم. انت ترحم ببساطة. ومن ساعدته يصبح من الاحبة. وتتشكل هكذا امتهم بالمحبوبية.

لماذا قالت الشريعة يجب ان تحب؟ لا تترك الشريعة احدا على مزاجه. الشريعة لا تعرف حب الهوى فقد تهوى وقد لا تهوى. والذي تخاصمه قد يموت او انت تموت. واذا مات الانسان على الخصام فهو مفصول عن الآخر وتكون عرى الوحدة قد تفككت في الامة المقدسة. واذا اخرجت احدا عن المحبوبية تكون انت ايضا خرجت عليها وما بقي الله مشرقا على وحدة الوجود بينك وبين عدوك والكلمة هي «احبوا اعداءكم». فاذا احببته تزيل العداوة عن نفسك وقد تزيلها عن نفسه وفي كل حال لا تبقيه على غربته.

#  #

#

واذا كانت محبة الانسان للانسان شرعة لهما ومنهاج عيش فهذا يعني انها غير نابعة من صفات من كان عليك ان تحب. فقد يكون قبيحا بكل المعاني ومن كل الزوايا اذ لم يزين كل انسان بالبهاء الالهي ولا بالتهذيب البشري ولم يلحظ عليه احد لمسة من لمسات الحضارة. مع ذلك يجب ان تحبه لتنشئه نشأة جديدة. انت لا تحب احدا لكونه يستحق ذلك او لكونك تتوقع ان يبادلك العطاء فقد تكون نفسه بخيلة، جافة ولم تلطف بأحد. انت لا تنظر الى شيء من هذا لانك تحيا بالنعمة تنزل عليك وحسبك هي وهي وحدها تحول صحراءك الى جنات. فاذا كفاك الرب تحيا بملىء كيانك تدغدغك مودات او تحييك بدفء او تعكس عليك انوار الله ولكنك قد تحيا في صحراءالحب كما يقول مورياك وتحيا مليئا اذا عرفت نفسك حبيب الله.

انت تنجو بمحبة الله اذا قرأتها نازلة عليك وحسبك اياها. احيانا تحس ان احساس احد بك انعكاس لاحساس الله بك ولعل كل قيمة الحب العاطفي ان يجعلنا نشعر بابوة الله لنا. كل ما في الدنيا يمكن ان يصبح قراءة من الله فكل هذه الدنيا كتاب. طوبى لذاك الذي يعرف ان يهجىء اسم الله على سطور.

#  #

#

اذا ما توسعنا بالوصية على ما اراده المسيح فقلنا ان القريب هو من نبادر الى رحمته وخدمته حتى النهاية فاحبب قريبك كنفسك ينبغي ان تعني احبب قريبك على نفسك. اذ نقع في التفاهة لو قلنا انك تغذي القريب بالطعام مثلا كما تغذي جسدك اذ يفترض الوضع احيانا ان تنزع اللقمة من فمك لتطعم الآخر وان تعري جسدك لتكسو جسد الآخر. فالتوازن الحسابي بين طعامك وطعامه او كسائك وكسائه يعني انك لا تحب بالحقيقة حتى النهاية. يعني انك تريد ان تعيش بكل الوسائل وتعطي مما لا يمنع عنك العيش. التوازن يعني لك انك موجود وقد تعني المحبة احيانا انك تنكر وجودك ليحيا الآخر.

ان الوصية لم تأخذ كل مداها الا مع ذاك الذي احب البشر جميعا على نفسه فبذلها حتى الموت موت الصليب ولكونه اعتبر الناس بموته افضل من نفسه يؤهلنا هو ان نصوغ الوصية التي ابتدأت بتوازن اليهودي هكذا: أحبب قريبك على نفسك. فأنت لادراكك محبة الله اياك في المسيح متّ ام امت العالم فيك فلا تشعر انك قائم بذاتك وان فيك شيئا حسنا ولكنك تؤمن ان المسيح يوجدك لانه مات فتحول هذا الوجود المجدد فيك الى كيان الآخر فينوجد بعد ان كان في هزالة الوجود. انك تحب الشخص بغض النظر عن خصاله او عيوبه. فقد يكون قبيحا كما كان وجه المسيح على الخشبة. ليس المهم ان ترى جمال احد لتحبه. انت لا تضمه اليك انت تضمه الى صدر المسيح. انت لا علاقة لك بمن تحبه في المسيح. فقد يحتاج اليك اليوم ولن يكون في حاجة اليك غدا. تحول وجهك عنه لتذهب الى وجه آخر لترحمه. قد تساعده كثيرا وقد تساعده طويلا. ان وجهه صار وجه المسيح. «كنت جائعا فأطعمتوني» وطبعا كان يتكلم عن جوع الجياع لا عن جوع نفسه. فلكونك صرت خادما بالانتباه تلازم من تخدم. توآسي. تعزي. تطعم. تكسو. ترشد  كل هذا تعمله بسبب ظرف جعلك تعرف الحاجة فتقترب وتنسكب.

من اعطيته قد يتأثر بانتباهك وقد يرد لك عطاءك بعاطفة وقد يدخلك قلبه. انت لا شأن لك بذلك. خطر العاطفة هذه ان تجعلك تحس بأهمية العطاء عندك. انت لا تتخذ بالعطاء مقاما في نفسك. انت لست بشيء امام عينيك. انت تحب ليدرك الآخر محبوبيته لدى الله. فاذا رد اليك المحبة تكون قد نلت مكافأة. لا مانع من ذلك ولكن ليس هذا مهما. الاهمية الوحيدة في انسكاب الناس في الناس ان يجاوروا الله جميعا بانشدادهم الى فوق.

في الحقيقة انك تعطي المسيح، لان الآخر يقيم فيه المسيح، بسبب من العوز. المسيح هو الفقير الكامل، المطلق الذي لم يأخذ من الانسانية الا الرفض. فأنت اليه ومعه في المتألمين جميعا. المحب والمحبوب صارا واحدا بسبب وحدانية المسيح الذي بدد بدمه العطاء النابع على الدوام من قلب الله. المقيم في الله يقيم وحده الله في البشر. واما ان اقمت نفسك في الآخر فأنت لا تقيم فقط حلاوتها ولكنك تقيم ما فيها من قباحة ايضا. لك ان ترتضي القليل ولكن هذا لا يشبعك. طبعا العاطفة تغتذي من العاطفة وقد يكون فيها قبس الهي. ولكن الشعور الالهي المجرد من الانا يبذل الانا وعندئذ ينكشف الله للآخرين. المهم ان تنقل الله وايمانك بالله. انا لا انكر عليك شرعية تحركك العاطفي وسرورك بالتبادل بين قلب وقلب. هذا لك أجر فلا تتمسك بمن تعطيه لان مبتغاك ان يحول وجهه الى وجه ربه ليشكر ويحيا.

Continue reading