Author

Aziz Matta

2007, مقالات, نشرة رعيتي

الصوم غدًا/ الأحد 18 شباط 2007 / العدد 7

«لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض» مطلع تأملنا في رسالة بولس وفي الانجيل. فباقتراب الصيام وغدا بدؤه أحست الكنيسة انه ينبغي ان ندخل هذه الفترة المباركة بتذكيرنا بالفضائل لأنه لولاها ماذا يعني الإمساك. فبعد ان قال بولس: «قد تناهى الليل واقترب النهار» اخذ يذكرنا بأعمال الظلمة التي ينبغي ان نجتنبها، فذكر السكر والعهر التي يتطهر الناس اذا ابتعدوا عنها، وذكر الخصام والحسد لأنك إنْ صُمْتَ مع الجماعة كيف تكره احدًا.

اما من الانجيل فاخترت لكم قول السيد: «لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض» اي لا يكن همكم ان تصيروا اغنياء. احيانا يصبح الانسان غنيا ولكن لا يجعل المال عشقه لأن معنى هذا ان الرب ليس الحبيب الوحيد عنده. ويوضح متى الانجيلي ذلك بقوله: «حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم». المال يصبح خطرا ليس اذا جمعته بعملك ولكن اذا عبدته فصرت له عبدا، ويفسد، في هذه الحالة، قلبك ولا تشفق على الفقير. المادة تصير عندك اهم من الانسان، وتصبح انت بسبب قوتك مركز الوجود لأنك تكون متعلقا بذاتك وشهواتها وان تعظم وان يمجّدك الناس. وفي هذا خطر على خلاص نفسك اذ قال للفريسيين: «انكم لا تستطيعون ان تؤمنوا لأنكم تطلبون مجدا من بعضكم البعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه».

ما من شك ان احد اخطار الغنى هو انك تخاف على نفسك وعلى عائلتك وتريد ان تحميها من العوز، وهذا يقتضي مستوى من التملك في نظامنا الاقتصادي. ولكن هذا لا يتطلب الغنى الفاحش ولكن تملكا معقولا حسب الوضع الاقتصادي.

غير ان الخطر الأكبر هو انك تفتش عن صداقات في الاوساط السياسية والاقتصادية العالية لتستمد من هذه المعاشرة سلطة على الناس. تصير ملكا صغيرا في جماعتك وتسعى الى زيادة غناك لتكون اقوى من منافسيك وليقوى بك الناس اكثر مما يقوون بسواك. في الحقيقة انك تطلب مجدا باطلا يزول بموتك ولكنك تستمتع بهذا المجد في حياتك.

يسوع ما دعانا مرة الاّ نصبح أغنياء. حذّرنا فقط من الكبرياء الناتجة عن المال كما حذّرنا من الاتكال على المال، وهو يريد ان يكون للمؤمن متكله وحده بحيث اذا بقيت فقيرًا او صرت ميسورا وثريا يكون المال لا شيء في عينيك ولكن تستعمله من اجل عائلتك وقوتها وتعليم اولادك في احسن الجامعات اذا استطعت. هو يريد ان يكون المال عبدا لك لا ان تكون انت عبده.

ان الخطر الكبير هو في العبودية لأي شيء ولأي انسان. السيد قال: «تعرفون الحق والحق يحرّركم». انت تملك (في السماء) ما تعطيه هنا فاذا ازداد مالك تعطي بقدر ما يزاد. والمستوى الأعلى لهذا السلوك ما ورد عن الانسان الكريم في المزامير: «بدّد، أعطى المساكين فيدوم برّه الى الأبد». شارِكِ الفقراء لئلا يقعوا في ذلّ الفقر. شاركهم لأنهم إخوتك. امتنع عن بعض الأطعمة في الصيام لتحس مع الجائعين وتعرف انهم قد يكونون افضل منك. لا تحب الدنيا ولا ما في الدنيا. احبب المخلّص الجالس في السماء لتصير الى السماء. هذه كل غاية الصوم.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الصوم / السبت ١٧ شباط ٢٠٠٧

في الكنيسة البيزنطية قرأنا الأحد قبل الماضي من انجيل متى مثل الابن الشاطر او الضال ويرصف الانسان نفسه مع هذا الفتى الذي أخطأ الى أبيه وغادر البيت واستهتر عائشا بالخلاعة. الكلمة العربية بحد نفسها تذكرني بالانخلاع عن الحب الأبوي الذي يكتنفني به ربنا مهما كان ضلالي. كلنا يعرف الخطيئة ولا يعرف كيف جاءته وقست عليه الا عند توبته. المثل الانجيلي حكاية يؤلفها السيد والسيد أديب في بشريّته يبسط الحقيقة الى البسطاء ليفهموا ويرتدوا والى علماء الدين كيف فهموا ايضا وتقوى قساوة قلوبهم. المثل ينشر الانجيل في الطاهرين ويقلق الذين آثروا الدنس وهم يعلمون.

         اما الاحد الماضي فرسم يسوع قصة اخرى يتحدّث فيها عن الدينونة التي يقوم هو بها. يقول السيد انه يجلس على كرسي مجده. لا فرق بينه وبين المجد. “وتجتمع اليه كل الأمم”. ولفظة “امم” مصطلح يعني هنا البشرية كلها ويدان من ظن انه ورث الشريعة وانها تزكيه. الشريعة تفضح فقط شقاءنا وتلزمنا الرحمة لنخرج من هنا وفي يوم الدينونة لا يدخل احد ببرارته ولكنه يدخل بالرحمة. هذا تعليم آبائنا النساك الذين جاهدوا حتى الموت ورأوا انهم “لم يصنعموا شيئا صالحا على الارض” وان الحنان الالهي فقط ينشئ فيهم ذلك البر الذي يجعلهم من ابناء الملكوت.

         المسيح ديان لأنه الضابط الكل. وكان على الكل ان يعرفوا انهم في يديه “الطاهرتين البريئتين من العيب” ولكنهم آثروا الدنس وهم في يديه. غير ان ثمة من وجد في الرب لذته وآثر عشرته على كل عشرة اذ يقول الكتاب ان الديان العادل يميز بين مَدين ومَدين، بين محب الله وعدو الله واذا خاطب المعلم الصالحين من الناس يقول لهم: “كنت جائعا فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني” الى آخر حسنة تقوم بها .

         ان يتماهى يسوع والانسان وان يجعل نفسه عديلا للجائع والمريض والسجين تعني انه لما ارتفع الى السماء لم يهمل اهل الارض لأن ارضهم بلا سماوية فيها تعود الى الظلمات الاولى التي كان عليها كون كان كقبضة يد ففجره شعاع من نور. لقد دخل الله الى هذه الأرض ليبيت فيها فيجعلها منبسط ضيائه.

         واهل الارض الذين يؤثرهم المسيح هم الفقراء الذين ايقنوا انه هو غناهم. ليس المحروم بحد نفسه مباركا ولكنه هو الذي اقتنع انه خسر حرمانه لما ربح الله. أصوفيا كان خطاب يسوع للمستضعفين ام لم يكن ليس هذا هو المهم. الأهمية كلها ان السيد المبارك اذا نظر الى اهل الارض انما يوحد نفسه بهؤلاء الذين لم يساوهم الكبار بهم، الذين استأثروا بكنوز الأرض التي اذا احبها احد يحب نفسه. يمكن ان تكون بلا علم، بلا قوة، بلا جمال، بلا ولد. افلاطون، شكسبير، دوستويفسكي، المتنبي انبهرنا بالتماعاتهم. هذه انسكابات بهاء. ولكن بهاء الله المشع في السماويات وضعه الله على وجه الفقراء والمرضى والمرميين على الآفاق كلها. كل شيء هم الضغفاء الذين تقبلوا الضعف الإلهي ليس من فوق الى تحت ولكن على مد الدنيا والتاريخ وفوق التاريخ.

#             #

#

         بالمقابل يقول السيد للصف الذي كان لاهيا بنفسه: “اني جعت فلم تطعموني… غريبا فلم تأووني… مريضا ومحبوسا فلم تزوروني”. يتعجبون كيف هذا: “متى رأيناك جاءعا او عطشانا او غريبا او عريانا او مريضا فلم نخدمك”. ظن هؤلاء الأغبياء ان يسوع بعد ان احتجب عن الانظار بارتفاعه الى السماء ترك الدنيا فارغة منه. يقول اللاهوت الارثوذكسي: “الخطيئة عدم الحس”. ان ترتكب هنات، ان تضعف نتيجة شهوة فهذا من ضعف الرقابة على نفسك. لا يعني هذا ان هذه الامور ليست رهيبة. ولكن هم يسوع الاول هو الآخر واذا مررت به ولم تره فأنت عديم الاحساس وخاطئ تحديدا.

         سأل بعضهم واحدا من الناس ذا مسؤلية ساطعة: اذا كنت محتاجا فلماذا لا تطلب. سمعته يقول: هم يرون حاجتي واعرف ان الطلب لا يتضمن بالضرورة شكوى ولا هو ذل ان اقمنا على الأخوة. ولكن الأجمل ان ينظر القوم اليك ويروك على حاجة ويشاركوك ما في ايديهم. عندئذ تحس انك وإياهم على مستوى واحد وتشاهد انهم شاهدوك. ولست تنوجد برؤيتهم ولكن برؤية الله الذي فيهم. الله، اذ ذاك، معطيك. جعلك الله في مرتبة لما جعل الحب يدفق عنك.

         عندما لا تشاهد المحتاجين انت تشاهد نفسك. تعتبر نفسك ممتلئة بذاتها لا بسكن الغير فيها. لا تعرف ان الآخر هو بالآخر. ولا تعرف ان ثروتك كلها والتراب الذي تدوسه واحد بعينَي الرب. اعرف كاهنا مسؤولا فهيما. قيل له: فلان في المستشفى يطلب ان تزوره. ما كان عالما بحالة المريض ولعلها لم تكن سيئة آنذاك. فلم يذهب ومات صاحبنا في تلك الليلة. ماذا كان المريض محتاجا اليه ليسمع؟ ما قوة التعزية التي كان من الممكن ان تنسكب من الكاهن الى قلب ذاك؟

#          #

#

         لماذا نقرأ هذا الفصل الانجيلي بضعة ايام قبل الصيام؟ هذا لندل على ان الصيام له: بعد عمودي وهو العلاقة بالله بالصلاة والإمساك والتركيز على الشأن الروحي والبعد الثاني الافقي وهو ان نحب قريبنا كنفسنا اذ لا تقدر ان ترى الحضرة الالهية فيك ما لم تحب الإخوة جميعهم ولا سيما المحتاجين. هناك طبعا تقشف وإمرة الانسان لنفسه بضبطها وتنقيتها والا جاء الصوم مجرد حمية. من الواضح ان شيئا من المبتغى ان تقمع ثورة الجسد على الكيان البشري الكامل حى لا ينخرط هذا ويتجزأ او يتبعثر وقد علمنا فرويد الكبير ان كل اللذائذ البشرية مرتبطة بعضها ببعض. ولذة اللسان هي على طريق هذا الانفلات.

         غير ان اهم ما في صومنا ان نحرم انفسنا الطعام كليا في بعض من النهار، وهذا يختلف بين كنيسة وأخرى وكم كنا نتمنى لو تمسك كل المسيحيين بهذا الانضباط الذي تسير عليه الكنيسة الارثوذكسية من القرن الرابع الميلادي. لنا في هذا خبرة نقدمها لكل اخوتنا في المسيح حتى يزدادوا قوة ونسكا.

#                 #

         الصوم مرتبط اذًا بالعطاء، بالمشاركة. انت تعطي الفقير مالك فيعطيك الرب حبه. وهذا لا يغنيك عن العطاء الموصول كل ايام حياتك على قاعدة انك مؤتمن على ملك الله الذي هو وحده الملك.

         الكنيسة المسيحية لم يبقَ فيها نظام التعشير قانونا ولا مانع ان يتمسك به من يشاء. ولكن اعطِ بكرم كبير. هذا يروضك كثيرا على المحبة.

#           #

#

         اما الدينونة التي صورها متى بهذا الشكل فقد قال عنها دستور الايمان: “وايضا يأتي ليدين الاحياء والاموات” ليس ان ابرز صفة في الله كونه ديانا ولكن لنوحي بأنه لا يستقبلنا الا بعد ان يفحصنا ونرى انفسنا عراة امامه بمعنى ان نحس بخطايانا الطوعية والكرهية وذلك على هذا العمق الذي يجعلنا الله فيه فنرتجف كلنا ونسترحم وتنقلنا اليه الرحمة لنجلس حوله مع جميع القديسن. في تعليمنا طبعا ان والدة الاله لا تدان لأنها ساكنة في المجد والشهداء يقيمون منذ الآن في المجد وشهادتهم دمهم.

         في كنيستنا ندخل منذ الاثنين القادم الصيام الكبير فنرفع اللحم والاجبان عن موائدنا والذي لا يمارسه او يمارسه قليلا فقد فوّت على نفسه ذوقا لله كبيرا وبهاء لوجهه عظيما. وابتغاء ذلك نكثف الصلاة ونحن العارفين بها نحس انها تغنينا عن طعام ولا سيما عن الطعام الذي نستلذه.  اجل “ليس ملكوت الله طعاما وشرابا بل بر ونسك مع قداسة”. الإمساك وسيلة والصلاة نفسها وسيلة غير انهما وسيلتان لكي ندرك البر مع القداسة. هذا ما نقوله في سحرية الأحد الخامس. ولكن لولا العطاء لا تكتمل القداسة. ولهذا بعد هذا الكلام تؤكد الكنيسة في آخر ترتيلة من الأحد الخامس: “المتنعّم بالرب والسالك في نوره هو لا يعثر”.

         هذا كلام في العشق الالهي. هذه معمودية بالنور. لذلك كان الموعوظون اي الذين يستعدون لاقتبال النور كله بالعماد كانوا يعتمدون في ليلة الفصح. كل خدمة الهية عندنا بسط  لمعاني الفصح  هذا الذي نعبر فيه مع المسيح الى السماء. نحن ليس لنا هم آخر. واذا حققناه حسب مشيئة الرب وكلمته ووصاياه فنحن منتصبون – منذ الآن بالروح- امام عرشه الإلهي. وعندما يجيء الرب يسوع ثانية الى العالم لا نصوم ولكن نقيم معه العرس الى الابد.

         بطريقة سرية يقول لنا المخلص في رياضتنا السماوية: “انا آتٍ على عجل” (رؤيا  20: 22) واذا صمنا حقيقة وفي صدق وحرارة لنا ان نقول له: “تعال ايها الرب يسوع” انه يجيء في كل رياضة لنا نقوم بها ليقوى حبنا له.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الدينونة / الأحد 11 شباط 2007 / العدد 6

قبل أن ندخل في الصيام ينبغي أن نمتحن قلوبنا. هل هي لله؟ هل هي مع الإخوة؟ سيكشف الله عمق نفوسنا في اليوم الأخير. ولكن في هذا اليوم يمكننا أن ندقق في سلوكنا. فقد يأتي اليوم الأخير غدًا.

في هذا المقطع يجلس ابن البشر أي المسيح نفسه على عرش مجده. سنكون مواجهين للكمال الإلهي الذي سيفحص دقائق النفس فيجدها ممتزجة معه أو غير ممتزجة. يجدها من حزبه أو ليست من حزبه.

هناك لا بدّ من دينونة، من قضاء لأن الله يعرف أعماقنا ونحن لا نعرفها بصورة كلية. نظن أنفسنا عظماء أو أشرارًا وقد لا نكون. لا بدّ من فحص.

هنا يعطي السيد صورة عن الدينونة. يُشبِّه الصالحين بالخراف والأشرار بالماعز، فيقيم الأولين عن يمينه والآخرين عن يساره. ثم يأتي الحوار مع الخراف: «لأني جعت فأطعمتموني وعطشتُ فسقيتموني»… الى بقية أوضاع العوز التي يذكرها هذا الفصل.

جواب الصالحين: «متى رأيناك جائعًا فأطعمناك أو عطشان فسقيناك…». في كل حالات العوز المذكورة هنا، يوحد يسوع نفسه مع المحتاجين. فَمَن أطعمهم يكون قد أطعم يسوع، ومَن سقاهم يكون قد سَقى يسوع الى ما هنالك من الحاجات التي ذكرها الرب.

أنت الآن -ويسوع في السماء- لا تستطيع أن تطعمَه. تطعم البشر. هو والناس المعذبون في الأرض إذًا واحد. الى جانب الصلاة، هذه طريقة اتصالك بالرب. عند وجود الفقير أمامك، يسوع هو أمامك. عندما تمد يدك الى الفقير، تكون واضعها وما فيها في يد السيد. كذلك كساء العريان وعيادة المريض وزيارة السجين. قد لا تعرف سجينًا معينًا. ولكنك دائمًا تعرف الجائع والمريض. هذه أمثلة عن الحاجة. المطلوب أن يكون قلبك متجهًا الى الآخر وألا تحنّ عليه فقط في الشعور. الشفقة لا تنفع. المطلوب العمل، التنفيذ.

ثم، بالمقابل مع الصالحين، الطالحون الذين يكلّمهم يسوع. كنت جائعا فلم تطعموني، عريانًا فلم تكسوني… الى بقية الحاجات. الإقلاع عن العطاء من قلب طاهر محبّ هو الإقلاع عن إعطائك ليسوع، وكأنّه يقول: إن تجاهلتَ المحتاج فإنّك تتجاهلني لأنّي أنا هو في وضعه المحتاج. أنا موحّد به.

ان اتصالك بي -يقول يسوع- لا يبلغ منتهاه، لا يتجسّد حقيقة ما لم تتصل بالمحتاج الذي يضعه الرب على طريق حياتك. لا بدّ أن تعرف فقيرًا أو مريضًا أو محزونًا. هذه من الحياة العادية التي يلقاها كل إنسان على درب حياته اليومية. فإن لم تعرف مريضًا وكنتَ قد ذهبت لزيارة صديق لك فسلّم على هذا المجهول في غرفة صديقك وكن لطيفًا به. هذه مناسبة لك لتعرف يسوع أكثرَ.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

السلام / السبت ١١شباط ٢٠٠٧

هل ما نحسبه وحيا او ما يحسبه سوانا وحيا يتكلم على وجود وطن؟ لست عالما إسلاميا لأذكر شيئًا في هذا الصدد ولكن ما استقر عليه الفكر الإسلامي حتى اليوم نظريا هو دار الإسلام القابلة للتمدد الى ما لا نهاية. هاجس المسلمين كان الحكم لا الوطن وهناك بلدان اسلامية مختلفة لا احد يحكم بإلغائها وجعلها بلدا واحدا واذا كانت الدولة من صميم الاسلام ام لم تكن – والقضية خلافية- فمما لا ريب فيه ان الاسلام يقول بالدولة.

         في المسيحية انتمى الأوائل فيها خلال اربعة قرون الى الامبراطورية الرومانية ثم لما نعتت بامبراطورية الروم بقيت هويّتها رومانية وشعر كل واحد بانتمائه الى مدينته او قريته ولم يكن وطن بيزنطي. لفظة بيزنطي ليست موجودة في التراث اليوناني. هي اختراع الاستشراق.

         ولكن بناء على العهد الجديد ذكر الكتاب وطن يسوع لما اراد الكلام على مدينته الناصرة ولم ينسب الى بقعة من الإدارة الرومانية تعتبر وطنه بالمعنى الحديث. الأرض كانت ملك الملك وحورب الناس ليصيروا فرنسيين وبعد إخضاعهم نشأ الشعور الوطني وكل ذلك في تمخضات الثورة الفرنسية لأن الأرض أصبحت هي الوطن بزوال الملك. فافتخار مسيحيين في اناشيدهم الوطنيّة هو من باب الواقع التاريخي ولا تدفعك الكنيسة الى الاعتزاز بقطعة من ارض انما تدعوك الى محبة البشر الذين يعايشونك على ارض واحدة وفق كلام بولس: بليس لنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة (عبرانيين ١٢: ١4).

         بعد الانجيل عندنا نص لافت هو “الرسالة الى اهل ديوغنيط” كتبت على الأرجح في اواخر القرن الثالث تقول: “لا وطن ولا لغة ولا لباس يميّز المسيحيين عن سائر الناس. لا يقطنون مدنا خاصة بهم (الكانتون المسيحي…!) تراهم منتشرين في المدن اليونانيّة وغيرها وفقا لنصيب كل منهم… يقيم كل منهم في وطنه انما كغريب مضاف… كل ارض غريبة وطن لهم وكل وطن ارض غريبة.”

         مع غياب الانتساب الالهي الى وطن يؤكّد الانجيل الدولة: “ليس سلطان الا من الله… حتى ان من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله” (رومية 13: 1 و2). ترجمة لفظة سلطان في اللغة الحديثة هي الدولة في بنيتها العصرية واهمية الدولة في الفكر الكتابي انها تؤمّن السلام كما يقول بولس في الفصل الذي أشرنا اليه من الرسالة الى أهل رومية. والإخلال في السلام عصيان لله وبسبب من رعاية الدولة للوطن ينتج من الإخلال بالدولة تشتت وضياع وخوف والمألوف انك لا تخل بالدولة الا بالدم. والوطن لا يبقى له معنى لك ان استبحت ان تسفك الدم فيه وإراقة الدم خير وسيلة لتفكيك الدولة وقد تكون احيانا وسيلة لتخريب الوطن.

#          #

#

         في الدولة الحديثة يأتي واحد ويذهب واحد لأن المعاصرين جعلوا القدسية للوطن لا للدولة. والدولة بالعربيّة هي ما يدول اي ما يتغيّر او يتحرّك ولذلك يقال عندنا بتداول السلطة ولكن القدسية ليست لمن يبقى او لمن يذهب. هناك حقيقة واحدة في الأخلاقيّات السياسيّة وهي السلام لأن السلام يعني في الحد الأدنى الإمساك عن سفك الدم وهذا أغلى من الدولة وأغلى من الوطن. ذلك ان هذين الأخيرين تركيبتان بشريّتان واما الانسان الذي تقتله فهو خليقة الله.

         اعرف كل الاعتراضات على ما اقول من تعظيم الثورة ومن تحسين حالة الفقير بعد الثورة ونظرية تحرير المظلوم. وأعرف نظرية توما الاكويني الذي أباح قتل الملك عند الضرورة القصوى ونظرية خلاص النفس في محاكم التفتيش ونظرية قتل المشركين. كل هذا لا يساوي قطرة دم لطفل او لبالغ.

         غير ان الدم يبدأ بالغضب وفق ما تقوله العظة على الجبل. وكل الذين يثيرون الجماهير يعرفون ان حظها في القتل كبير وهي في غالب الاوقات تشحن بشعار تفهمه او لا تفهمه الى ان تندم اذا عرفت الحقيقة. المهم ان يبقى حكم على شيء من الاستقرار فيه عسكر يغرس المخافة في قلوب الناس لأنه من المهم ان تخشى الحكم العادل او القضاء العادل وان تعرف ايا كنت اذا خالفت القانون انك تذهب الى السجن. الحكومة تتعامل والمواطنين العاصين  للشرائع لئلا تزول الدولة التي هي قرينة السلام. بسبب من ذلك لا تعني الديمقراطية شيئا ان لم تعنِ القوة، والقوة التي اباحها الله ليست الاستبداد وحكم المحاسيب. الديموقراطية ليست نقاشًا اكاديميا لا ينتهي وليست هي كنيسة بين يديها ادوات تنفيذ. العدل بلا قوة هو فقط كلمة من القاموس اللبناني.

         كلنا يعلم ان الجندي لا يتعاطى السياسة ليكون لكل الوطن وهو يعلم ان في هذه الدنيا سلطة لا يناقشها حامل البندقية اذ هذا يؤهله ان يقتل ويغتصب الحكم. الجيش يحرس الوطن اذا حرس السلطة التنفيذية. هذه هي الطريقة المتاحة لحماية الحكومة وتاليا لحماية الدولة.

         الحكومة اية كانت تشكيلتها تعمل لكل المواطنين، من يرى مثلها ومن لا يرى مثلها وهي خادمتهم جميعا والغاية من هذه الخدمة العامة ازدهار العيش والثقافة والوحدة الوطنية ضمن الصراعات السياسيّة. وغاية الغايات السلم الأهلي. والسؤال في الديموقراطية هو كيف تعزز الوحدة الوطنية ضمن الاختلافات القائمة.

#            #

#

         هنا يأتيني التأكيد ان سلامة الناس اعظم من اي موقف سياسي. فلا بد ان نكافح التوتر الى اقصى حد ممكن لأن من شأنه القتال او ما يهيء له. ليس من قضيّة واحدة مهما بلغ شأنها أثمن من سلامة المواطن.

         ان تصل الى الحكم ليس غاية. فالثورة التي هي الحماسة الكبرى تأكل بنيها وفي بلدان عديدة منذ الثورة الفرنسيّة يتآكل الثوار ويحاكمون بعضهم البعض. وما تشاهده غالبا ان الفساد بعد بضع من السنين يقضيها طاهرون في الحكم يدب فيهم وترى الى عدم التغيير، الى الاستكانة في الحكم ولكني ادعو الى النقاش في اقرب ما يكون الى هدوء الطبائع واحترام الآخر وتقديس شخصيّته ان لم يكن من السارقين.

         قلت “مجتمع واحد” لأني لا احب كلمة مجتمع مسيحي الا من باب الوصف السوسيولوجي. لا يعني لي التراص المسيحي شيئا اذا كان يعني مواجهة للمسلمين. الزعامات المسيحية تحت الغربال ككل الخلائق العاقلة. وحدتنا في المسيح لا تفرض علينا الخيارات السياسية نفسها. الاخلاق المسيحية في سموها تؤلّف مجتمعا طاهرًا بين المسيحيين قد يكون قليلا او كثيرا.

         الى هذا ندعو الله لكي لا يتفرق المسيحيون احزابا متناحرة. والفكر يجعلهم يفترقون ولا سيما ان اذكياءهم كثر. ولكن لا اساس بشريا لأي خلاف بين الشيعة والسنة. السلام بينهم سلام لنا جميعا.

         كل شيء نسبي الا ان نبقى معا وتربطنا محبة عظيمة تنضم الى الاعتدال والعدل والمساواة لكي نتروّض على ان نصير امة الحق في لبنان.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

رد على ذم «رعيتي»/ الأحد 4 شباط 2007 / العدد 5

ورد إلينا من مجموعة تسمّي نفسها «التجمّع اللبناني الأرثوذكسي» بعنوان مسجع «الحكمة الخفيّة في نشرة الأبرشيّة» مخصّص كلّه للطعن بهذه النشرة وذلك بلا توقيع، وفي الأصول لا يرد على نص غير موقّع باسم او اسمين. وبعد أن سمت هذه الورقة المسلمين الذين ساجلوا المسيحية، أطلّت على حسنات الكنيسة الغربية في تعاملها الفكري والمسلمين. ولستُ أريد ان أفحص ما قامت به الكنيسة الغربيّة في هذا المضمار غير أنّ مجمع الفاتيكان الثاني الذي تكلّم على التوحيد وعلى التقارب لا يبدو لي انه في موقع متقدّم بهذا الحوار.

وبعد مديح الكنيسة الغربيّة، جاءت هذه الورقة تتهمنا بأننا مدحنا الإسلام. وهذا بعيد عن الحقيقة. انت لك ان تستسيغ حقائق في القرآن والتراث الإسلامي وما فعله آباؤنا منذ القديس يوستينس الشهيد الفيلسوف حتى المدرسة الاسكندريّة يبين الاشياء الجميلة في وثنيّة العالم الإغريقي القديم لأنه كان يفتش عن كل نور في كل تراث لأن كل نور يجيء من المسيح في ايّة كتابة تحمل قبسا منه.

يأخذ علينا كتّاب هذه الورقة الذين لا نعرف أسماءهم أنهم أشاروا مثلا الى مقال في «رعيتي» عن «العذراء في القرآن» وقالوا قبل ذلك ان «العلاقة بين الدينين (الكاثوليكي) والإسلامي تقوم على أسس من الود والتفاهم». ماذا عملنا نحن غير ذلك؟ أليس المقال الذي أشير اليه «العذراء في القرآن» أبعد من الود والتفاهم. وبعد هذا يعد هؤلاء المؤلفون علينا سطورا في هذا المقال او ذاك، وخفاهم ان القصة ليست في عدد السطور ولكن في المضمون. السؤال يكون اذًا هكذا: هل في مضمون «رعيتي» ما يخالف استقامة الرأي؟ هل «رعيتي» تبنّت عقيدة اسلاميّة تناقض الايمان الارثوذكسي؟

ثم تأتي المغالطة: «لماذا نبقى على مسيحيّتنا ولا نعتنق الإسلام ان كان الأخير المعيار والمرجع القطعي لصحّة المسيحيّة». مَن قال في «رعيتي» هذا؟ ألم يجد الكاتب المثقّف اسلاميًا في الرد علينا ما يوطّد ايماننا المسيحي الارثوذكسي؟ لماذا نعتنق الإسلام اذا كان في هذا الموضع او ذاك من تراثه ان في المسيحية اشياء صحيحة.

ليس المجال في هذه الزاوية القصيرة ان ارد على كل مغالطة وردت في هذه الكتابة التي تذكر رابعة العدوية وما يقابلها في التراث المسيحي ولا سيّما السرياني فما قالته «عن الثواب والعقاب» وجدناه حرفيا في نسكيات القديس إسحق السرياني وهما كلاهما من العراق. في ظني انها لم تتأثّر به فقط في كلامها هذا، ولكنه جاء من الأديرة العراقيّة التي كانت تمتد من حيث عاش قديسنا اي في نينوى الى حيث عاشت هذه المتصوّفة اي في البصرة.

ثم ذكر الكاتب الارثوذكسي المتفقه في الاسلام شيئًا عن قربى بين الغزالي في «احياء علوم الدين» ولم يذكر الاستشهاد او الصفحة.

عودة الى الكنيسة الكاثوليكيّة المعجب بها صاحب النص، اود ان اقول له ان بضعة من كهنة فرنسا الكاثوليك قالوا بنبوءة محمد، وان بعضا من اللاهوتيين الغربيين ولا سيّما الالمان ابتدعوا علما جديدًا سمّوه «لاهوت الاديان» وفيه اكثر من إعجاب بالإسلام. فيه ان الوحي المسيحي ليس وحده الوحي وان هذا موزّع الى هنا وهناك. وهذا لم يقله ارثوذكسي واحد من شمالي روسيا الى الشرق الأدنى.

أين «الحكمة الخفيّة في نشرة الأبرشيّة»؟ ما هو العنصر المخفي؟ انا أتحدّى هذا الكاتب ليدلّني على سطر واحد في «رعيتي» فيه مأخذ واحد على إيماننا الارثوذكسي. وكل النصوص التي أشرنا اليها في التراث الاسلامي هي من باب اننا نُسَرّ للحقائق المنثورة هنا وهناك اذا كان فيها ما يمكن اعتباره استمدادا من المخلّص وإنجيله وآباء الكنيسة.

ثم أريد ان أُعلم هذا الأخ الارثوذكسي الكريم الذي امتعض من «رعيتي» بوضوح ان في هذه الأبرشيّة غير شخص واحد دارس للإسلام حتى مستوى الدكتوراه وان من بحث فيه بمقاطع قصيرة انما يعلن في بدء القداس: «مباركة هي مملكة الآب والابن والروح القدس».

ما غاية هذه الورقة المعتدية سوى زرع الشك في نشرة رعائيّة اعتمد اسلوبها معظم المطارنة في الكنيسة الأنطاكيّة وهي الى جانب الوعظ والتعليم اداة بشارة تصل الى كل البيوت والكثيرون من أربابها قالوا لي: «رعيتي» هي الوسيلة الوحيدة التي نُثقّف بها أرثوذكسيّا.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

تسييس الله / السبت ٣ شباط ٢٠٠٧

قال الرئيس بوش غير مرّة انّ الله كلّفه وأمره باحتلال العراق وغير العراق. من اعتقد هذا انى لك ان تعالجه؟ اللبنانيون عندهم خفّة روح او ثقافة بحيث يعتقد بعضهم ان الله يكلمهم بهذه الامور ولكنهم لا يقولون. انا أفهم انّ المولى عزّ وجلّ يتنازل اليك ليشفيك من مرض لأنك خليقته وحبيبه ولكن ان يكون عنده سياسة للبنان او طائفة في لبنان فهذا عندي امر مضحك. الرب لا يعززك في منفعة لك دنيويّة ولا يعزز طائفة بحيث يعليها على غيرها وينصرها وتتبوأ به في مرحلة من التاريخ فهذا يضحكني اكثر. فالطوائف بشر والبشر اشقياء، متعبون ولا ينحاز الرب الى فريق منهم ولا دخل له في الحرب والسلم فهم يصنعونها بمقدار قدرتهم. والدليل على ذلك ان الدولة الواحدة تنتصر في معركة وتنهزم في أخرى. فأين أمانة الله لهذا القوم في حين وتواريه في حين. هكذا صلّى القسس الألمان لنصرة بلدهم في الحرب العالمية الاولى والقسس الفرنسيون لبلادهم في الحقبة نفسها وكل منها ظن انه فريق الله.

         لا مجال هنا لنذكر الحروب الصليبيّة واعتقاد الذين قادوها ان الله بعث بهم الى هذه البلاد. لماذا الله لم يتركهم فيها الى يومنا ولماذا اراد نصرهم واراد هزيمتهم؟ ولماذا تربح اسرائيل وتخسر اسرائيل؟

         هناك نزعة متأصّلة في البشر ان يجعلوا الله منقذا لمقاصد هم وضعوها. وكل شعب يعتقد ان الله حليفه يجعل نفسه شعبا مختارا. ومهما كان معنى العبارة لماذا انتصر العبرانيون مرات قبل مجيء المسيح وانكسروا مرات. الانسان يحتاج الى حليف وهو الذي يعلن الله حليفا له. لماذا بقي المسيحيون سبعة قرون في بلاد الشام اكثرية ساحقة واندثروا كليا في شمال افريقيا.

         في ظنّي ان من اسباب رقي الغرب منذ القرن الثامن عشر انهم درسوا الشأن السياسي عقليا وما اعتبروا نجاح الثورة الفرنسيّة اكليلا لله ولا مجيء بونابرت الى الحكم والملوك الآخرين  هبوط النعمة عليهم. لقد انتهى عصر النبوءة ولم يبقَ لله اليوم نصر ولا فتح والقصّة قصة سلاح وفهم سياسي وتقدم او تخلّف حضاري.

         وليس الله مع الشيعة او السنة او المسيحيين او سواهم في الحرب لأنه إله السلام او هو السلام كما تقول الكتب الموحاة. والجماعات الدينية او المعتبرة كذلك تلعب لعبتها السياسيّة بمقدار قوتها وما من احد يحمل تفويضًا إلهيًا لربح اي موقع وليس الله ضد خسارة اي موقع. واذا كان شيء من هذا فإنه محجوب عن فهم ايّ منّا.

#            #

#

         الله ترك لنا قيما روحية نسلك حسب مضمونها ولم يترك لنا خرائط عسكرية. الله ليس رئيس أركان. اذا قلنا هذا نعني ان الجيش المنتصر هو جيش الله. وهل يقود الله جيشًا آخر اذا ما انتصر وهل في الله مزاجيّة لينحاز؟ فإذا لم تتعلمن مقاربتنا للحرب والسلم فنحن في حروب حقيقتها دينية وظاهرها دنيوي. كان شارل حلو يقول ان حروبنا مع اسرائيل هي حروب انبياء. كان هذا عنده تعبيرا عن الطابع الديني الذي كان اليهود يطبعون به اعتداءاتهم. ولكن اي ولد يعرف ان الانبياء لا يتحاربون وان تفويض الانبياء اوراق مزوّرة يكتبها الناس لمصالحهم.

         اذا وضعنا الله جانبا عن هذه المسألة ودعوناه الى نفوسنا التائبة تزول الحرب لأنها عمل القلوب المليئة بالبغضاء. هنا لا بد من الرجاء وان نوقن اننا جميعا باقون لا بقوة السلاح ولكن بقوة المحبة بحيث تحس انك تعظّم الآخر وان محبته اياك تستبقيك في الوجود وان في الارض متسعا كافيا لك وله. هذا يفترض منك ايمانا ان الاخر لا يستطيع تهديدك ولو قال لأنك باق بالرضاء الالهي وانت اعزل وان لك رسالة له ولغيره على قدر ما انت زاهد بالدنيا وربما زاهد بالسياسة. كنت اقول لبعض اصدقائي المسيحيين: لما كنتم غائبين عن المسرح السياسي في السلطنة العثمانيّة كنتم اعظم ازدهارا في الفكر والابداع اي في امور تسري بلا سلاح وبلا مركز سياسي.

         انا ليس عندي دروس القيها على المسيحيين المسيّسين اليوم. هم افصح مني في مجالهم. واذا استطعت ان تبذل جهدا في دنيا الفكر والفن والنشاط الاقتصادي تزداد حاجة الناس اليك ويبقى لك فضاؤك ولهم فضاؤهم وتكتشفون معا ان العمل الانساني الكبير يحررك من الخوف وتاليا يحررك من الاتجار بالسلاح واستعماله. في الخمسينات على ما اذكر كان اندره جيد يحاضرنا في سينما روكسي في بيروت وقال لنا ان العالم صنعته الاقليات. لا تخف من الانقراض ان لم تهاجر. الانقراض يأتيك من التحارب ولا تخشى ان تنجب لأن هذا من مشيئة الله وهو يرزقك ويرزق ذريتك. لا تظن انك ستبقى بالدفاع عن نفسك الا بطرق السياسة الشريفة اذ يكون هذا دفاعا عن الوطن كله. وللناس ان يتسابقوا بالفكر وبالانتاج الاقتصادي وان يصفو فكرهم الروحي والفلسفي بسبب من النابغين فيهم وهذا مفيد للأمة كلها. اذا لم نهاجر خوفا فالمسلمون والمسيحيون قائمون في هذا البلد الى الأبد لأن الانسان غير الاناني وغير المترف يحب الاولاد وان يعيشوا معه وأمامه بالفرح والمعرفة. الطائفيّة ستزول من نفسها ان جاهدت كل طائفة على دروب العطاء والتقدّم. اذ ذاك ولو اتيت جسديا من اهلك الا ان سمو قلبك وارتقائك المعرفي يأتيان من كل الجماعات.

#           #

#

         اذا أصررت على ان تبقى من اهل الدنيا فقط فأنت على صدام فكل جائع  الى الدنيا يسعى الى ابتلاعها وحده. اما اذا اقلعت عن الشهرة فأنت مشارك والخبز، اذ ذاك، يبدو لك الخبز المادي دون خبز المعرفة قيمة.

         ان تنزع السلاح عن جعبتك يبدأ، عند ذاك، بتطهير نفسك وبجوعك الى الله والمعرفة والعمل الذي يأتي منهما. واذا ابتلعت الكلمة الالهية يستمدّها منك الآخرون فتحييون بها معا وتكونون جماعة تبتغي الطهارة التي هي اقوى عملا من المعصية. مشكلة الخاطئ انه لا يعرف عمقه. مشكلة المسلّح انه لا يعتقد كليا انه معرّض للموت وليس في الموت خلق على اي صعيد.

         في هذه البلاد ليس من مشاركة وطنيّة بيننا ما لم ننزّه الله عن ان يكون حليفًا لطائفة ما. الخطر هو من هذا الإله الذي تصطنعه على صورتك ومثالك. جهدك اذًا يبقى ان تعود الى الصورة التي رسمها ربك فيك لا الى صورة إله الحرب التي رسمتها لنفسك.

         والقضيّة لا تنتهي بقولك: هذه الفئة ليست مسلّحة. انا ليس عندي استخبارات لأعرف حقيقة الأمر. ولكن الخطأ ليس فقط في اقتناء السلاح ولكن في ان تشتهي اقتناءه. والخطر الأكبر اذا اقتنيته ان تعتقد ان يد الله على الزناد او انها هي التي ترمي القنبلة. ليس من وثنيّة عندي مثل هذه. انا لا ادعوك ان تكون علمانيا في كل مجالات السياسة. هذا ما اؤثره. ولكني ادعوك ان تنزه الله عن رسمه للحروب او قيادتها لأنك تسقط، عند ذاك،  في خطيئة استتجار الله لمصلحة لك وللجماعة التي تنتمي اليها واستتجار الله هو استعبادك فكريا لله وانت عبده.

         الخروج من استئجارك الله او تسييسه هو باب خلاصك في الايام التي نعيشها، انا لست مؤهلا ان اشير الى العوامل الداخلية والاقليميّة والدوليّة التي تتشابك لإماتتنا. نحن نموت في العمق من عدم عمق النفس او الفكر ومن عدم رؤية الآخر على انه أخونا ونموت من الخوف اي من غياب المحبة.

         كل شيء يبدو وكأننا لن نخرج من المحنة الا بعطف إلهي خاص.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

التريودي/ الأحد 28 كانون الثاني 2007 / العدد 4

هذا كتاب ليتورجي (طقوسي) من بين الكتب التي نستعملها في الخدمة الإلهيّة. هذا موسم نسمّيه التريودي (اي القصائد الثلاث، او الأودية) المستعملة في صلاة السَحَر في هذه الفترة الزمنيّة. والفترة تبدأ اليوم الذي هو أحد الفريسي والعشّار ثم أحد الابن الشاطر، ثم أحد الدينونة، وهي الأسابيع الثلاثة لفترة الاستعداد للصوم الكبير. ويشتمل ايضًا على كل الصلوات لكل الأيام حتى الفصح.

في رسالة اليوم يتحدّث بولس الى تلميذه تيموثاوس عن الآلام التي عاناها في أنطاكية وإيقونية ولسترة، تلك المصاعب مذكورة في أعمال الرسل، ثم يقول إن الرب أنقذه منها جميعًا. ولا بدّ أنّ بولس أراد ان يشدّد تلميذه بسبب المصاعب التي سوف تعتريه. وينبّهه الّا يخاف منها لأنّ “الذين يريدون ان يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطَهدون”.

ربّما يلمّح هنا الرسول الى الصعوبات التي واجهته من قبل الإخوة الكذبة، والى الاضطهادات التي لقيها بعض من رفقائه الرسل. ولكنّه هنا يعمّم.

فقد اضطهدَنا أعداء المسيح طوال تاريخ ألفي سنة في هذا البلد او ذاك. لقد عرفنا صعوبات جمّة في كل بلد، تارة هنا وطورًا هناك.

ولكن اذا افترضنا ان بلدًا ما ليس فيه اضطهاد فقد يعادينا أبناء الكنيسة الذين لا يمارسون او يمارسون بلا تقوى عميقة، واحيانًا لا يريد الأهل أن يذهب أولادهم كثيرًا الى الكنيسة او ان ينضمّوا الى نشاطات روحيّة للشباب. عزاؤنا أنّ ثمّة مجموعات روحيّة تحيط بنا ونُسرّ لتحرّك لنا قوي في الكنيسة.

ثم تنتهي الرسالة بأنّ بولس يهنّئ تيموثاوس على انه يعرف منذ طفوليّته الكتب المقدّسة. انا شاهد على ان الطفل قادر بإرشاد انسان بالغ أن يقرأ الإنجيل منذ نعومة أظافره. وفي اللغات الأجنبيّة كتب لتعليم الإنجيل مصورة، وأرجو أن يكون عندنا مثلها بالعربيّة.

ليست القضيّة أن نقرأ فقط قصصًا من العهدين ولكن أن نطالع النصوص كما هي. فالكتاب المقدس يحتوي على كلمة الله نفسها. والكتب التفسيريّة تهيّئنا لمعرفة الكتاب ولكنها ليست الكتاب بحرفيّته. وقناعتي كبيرة انّ أجمل القصص من الإنجيل لا تستطيع أن تكون بديلا عن الإنجيل بنصّه.

قد نقرأ أشياء حلوة عند آباء الكنيسة في ما بعد البلوغ. ولكن أجمل نص للآباء ولأي قديس ليس له جمال الإنجيل ولا حيويّة الإنجيل ولا حرارة الإنجيل. لا تكتفِ بالفتات. ثم يشدّد بولس على أن الكتاب المقدّس يجعل تيموثاوس حكيمًا للخلاص بالايمان بيسوع المسيح. الحكيم هو الذي يعرف ما يجب عمله وما لا ينبغي عمله، وهو الذي يعرف كيف يفكّر وكيف لا يفكّر. هذا يأتيه من الايمان بالمسيح يسوع، وفي ان يعرف يسوع في الأعماق من الإنجيل الذي تركه بين أيدينا الروح القدس.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

تحية إلى محمد السماك / السبت ٢٧ كانون الثاني ٢٠٠٧

أحيد اليوم عن “الحرب” الدائرة في لبنان لأجنح إلى ما هو أبقى ولست أعرف إلامَ تؤول. وقد يكون من حسناتها ان اللبنانيين اليوم ليسوا منقسمين طائفيًا في التزامهم السياسي الظاهر. ولعل هذه الكارثة التي حلّت بنا تسهم في اقتناعنا اننا مواطنون معا. ففيما كنت أطالع “النهار” السبت الماضي عثرت على مقال للصديق الدكتور محمد السماك اكون مقلا اذا حسبته مملوءًا من المحبة ليس فقط للمسلمين والمسيحيين في العالم ولكن للمسيحيّة والإسلام فيما هما عليه من تراث توحيدي.

                      محمد السماك يتجاوز الذاكرة الدينية الموروثة وكل شعور بالأذى  امن هذا الفريق جاء ام من ذاك. اجل لا مفر لي وانا اعرف الرجل ان اعترف ان من عنوان مقالة “قصة جسرين بين الاسام والمسيحية” ان صديقنا هذا كان هو شخصيا ولا يزال جسرا بيننا ليس في هذه المنطقة.

                      لست أخون المروءة التي تدعو الى التكتم لو قلت اني في اول اجتماعي به قال لي ان اهل الحي الذي يعيش فيه يقولون: “حارة بلا نصارى خسارة”. ما كنت اعرف العبارة ولكني كنت احس منذ طفولتي في مدينة طرابلس اني كنت اسمع من المسلمين ما يفيد هذا المعنى. وكنا هناك نتعايش ولا نزال في التعامل الودي الذي كانت العائلات والافراد تحس به. هذا اذا اهملت الاشارة الى اننا كنا واحدا على صعيد الصداقات ولا نلجأ الى العقائد التي تفرق بيننا واذا سمح لي لو ذكرت اني علمت الحضارة العربيّة الاسلامية منذ مطلع الجاهليّة الى آخر العهد الأموي في الجامعة اللبنانية منذ أواسط الستينات ولم اشعر يوما باستغراب احد ان كاهنا مسيحيا يعلّم المادة وعندما افكّر بالجد الذي ساد كل سنوات تعليمي ألمس ان طلابي لم يتفرقوا يوما على اساس ديني وهم يتحدثون عن الموضوعيّة التي كانت تتسم بها هذه الدراسة كما لم اكن اشعر ان المباينات السياسيّة – وكانت على اساس وطني- كانت تزعزع تقبلهم لكلامي في الاسلام. ومع اني كنت موقنا بأن العلماء المسيحيين في العصر الاموي ولا سيّما الفلاسفة منهم أسهموا في نشوء الفكر الفلسفي الاسلامي منذ تلك الحقبة.

                      وأذكر اني منذ اللحظة الاولى من تعليمي كانت اول جملة قلتها للطلاب تلفظت بها انني اطلب منكم اولا ان تأتوا بأوراق تدونون عليها الامالي وثانيا اريد من اجل فهم العرب ان يحمل كلّ منكم الى الصف مصحفًا لأننا سنعود كثيرًا الى الآيات.

                      واذا عدت الى محمد السماك لست اقول انه في هذا المقال كان موضوعيا في عرض اوضاع الناس الى اية عقيدة هم عليها كما كان طوال حياته الفكرية ولكنه كان منصفًا حتى منتهى الإنصاف بحيث لا تلمس في ما قال تحفظا على الديانة الأخرى وهو ماد للجسور.

                      كان الاستاذ محمد دائما يقف هذا الموقف ويقرب بين القلوب. هذه المرة يضع قولا هو في غاية المودة ومتوازن جدا من حيث اسلوب المعالجة اذ يمكنني القول ان هذه القطعة النادرة في الجودة الروحية هي وصيّته لنا جميعا. ويمكن اعتبارها حقا وصية للمسلمين والمسيحيين على السواء نحن الذين دعينا معا الى كلمة سواء.

#            #

#

                      سنّي كل شيء يظهر تعلّقه بمذهبه لم يذكر الشيعة والسنة. وانا الارثوذكسي ما كنت رأيت بعيني شيعيا واحدًا قبل بلوغي الأربعين بسبب انحصاري الحياتي في طرابلس الى ان عرفت الشيعة بين طلابي وذهلت لمستواهم العقلي وانبثاق الشعر عند غير واحد منهم. وبسبب من حرصي على تواضعهم لن اذكر اسما من اسمائهم ولكني قرأت عند كبارهم قولا في المسيح وقولا في مريم – ومن اجل الصدق- اعترف اني لم ألمس حرارة وحبا عندهم للسيد وامه في المسيحية العربية المعاصرة.

                      وانقطاعا عن هذه العاصفة الهوجاء، التي نحن فيها فشهادتي تدل على ان الروح يهبّ حيث يشاء كما جاء في انجيل يوحنا وان الحب يتجلّى حيث يشاء، وانا مؤمن اننا بعد انقشاع الغيوم سوف نشاهد مثل ذلك في الاستقلال عن السياسة.

                      ما يؤكّده محمد السماك ان سوء العلاقة بين الشريحتين يحتاج الى الإزالة لسوء الفهم بينهما. نحن نحتاج الى “مزيد من التعارف والتفاهم بين المسيحيين والمسلمين” . كان دائما يؤذيني هذا الجهل اذ لا بد لك ان تسعى الى كل الجمالات الروحية المبثوثة في العالم كلّه. ان بعضا من آباء الكنيسة منذ يوستينوس النابلسي الى اقليمس الاسكندري يرون الجمالات الروحيّة في الحضارة الاغريقيّة الوثنيّة ويربطونها بالمسيح فمن باب اولى ان نرى ما يجمع الموحدين وما اتمنّاه ان يعمم هذا في اليهوديّة والمسيحيّة والاسلام وان نرفع تهمة الشرك عن كل هذه الديانات لأن هذا القول غباء. ففي مرّة التقيت فيها مفتي طرابلس السابق الشيخ نديم الجسر وكان خارجًآ من مجلس عزاء وانا داخل اليه قال لي سماحته قبل ان يلقي عليّ السلام: “انتم موحدون”. التقينا عند الباب وما كانت قامته تمكنني من دخوله. قلت له اشكرك سيدي لأنك رفعت عنا تهمة الشرك فقال لي “ولكنكم فلاسفة”. ادركت عند ذاك انه يشير الى الثالوث. فأجبته: هذا الثالوث ما هو الا حركة ضمن الوحدانية الالهيّة ثم افترقنا. كنت اكنّ له احتراما كبيرا ولا سيما اني تدرّجت محاميا عند واحد من آل الجسر. ناس من هذه النوعيّة يجب ان نفتّش عنهم تفتيشا ليكمل الحب.

                      يقول الدكتور سماك “تفاهم” بين اهل الديانتين. اظن ان كلمته هذه لا تفيد التعايش المجتمعي فقط او التلاقي في العيش ولكنها تمتد الى المحبّة ايضا وربما الى التناضح الفكري ما امكن ذلك ولا سيّما ان المليار والثلاثمئة مليون مسلم سيتكاثرون جدا حتى يوم الدين كتلة متراصة وانت، جديا، لا يمكنك ان تتجاهلها. والمسيحيون سيبقون كتلة متراصة صلّوا ام لم يصلّوا. في جو التلاقي الوجداني بيننا انت توضح ما تؤمن به وتستوضح الآخر ايمانه وهذا عندي بدء الحوار ان لم يكن ذروته.

                      وفي ظل هذا يتحدّث المؤلّف عن ” ثقافة حول الاختلاف واحترام المختلف معه”. لو كان المقال اطول وصار دراسة اكاديمية الاعتراف بالآخر حياتيا امر لا يكفي اذا رأيت انك مؤهل لبسط عقيدتك في اوساط علميّة وتبصّرت بديانة الآخر. فاحترام المختلف ينبغي ان تتضمّن حرية اخذك بأي دين وان يعلم الدين في الجامعات ويعترف لك حرية الكلام والكتابة وان تختار الايمان الذي تريده .

                      طبعا هذا غائب عن العالم العربي ما عدا لبنان. “لا إكراه في الدين” ليست فقط قاعدة الا تدخل في دينك قسرا من لا يريده ولكن ان تحترم حريّته بتغيير معتقده لئلا تكون القصة قصة المحافظة على العدد وعلى حجم اية امة من الأمّتين لأستعير التعبير القرآني.

                      الى هذا ان حسن العلاقة اخلت به الحروب الصليبيّة والاستعمار كما قال صاحبنا. غير ان الابحاث الجديدة دلّت على انّ المسيحيين الارثوذكسيين قتلهم الصليبيون هنا وثمّة بين انطاكية والقدس. ما وجب قوله انصافًا للتاريخ ان مسيحيي الشرق بعامة لا علاقة لهم بالاستعمار وكل من تتبّع الحياة السياسيّة في إطار الانتداب اطّلع على ان سلطة الانتداب عملت على تقويض النفوذ الارثوذكسي في هذه المنطقة وعلى تذويبهم في مجموعة مسيحية اخرى.

                      ثم يذكر الدكتور محمد ان المسيحيين العرب يستطيعون ان “يشكّلوا جسرًا معرفيا بين العالم العربي والغرب” كذلك يرى ان “المسلمين العرب يستطيعون ان يشكّلوا جسرًا معرفيا مع العالم الاسلامي غير العربي” وهذان المسعيان يسميهما جسرين.

                      ما يتحتّم عليّ قوله هنا ان المسيحيين في الغرب – على المستوى الشعبي- لا يعرفون شيئا عن المسيحيين العرب. فاذا قلت لهم انك ارثوذكسي مثلا يظنون انك روسي او يوناني ولأن العروبة والاسلام عندهم واحد. كم من مرة سئلنا في الغرب: متى جاء ابوك او جدّك من الاسلام الى المسيحية؟ نضحك ونفتح سفر اعمال الرسل لنذكرهم بأننا كنا هنا منذ العصر الرسولي واننا أكملنا طريقنا.

                      اليوم هناك مسلمون في اوربا مهاجرون اليها من شمالي افريقيا وتركيا والباكستان. هؤلاء تعاملهم السلطات الاوروبية بحرية وقد بنوا في اوربا الغربية آلافا من المساجد. السنة الماضية كنت أزور مسجد فيينا في النمسا مع زملاء لي يتعاطون الحوار الاسلامي المسيحي وشاهدنا إماما يرتدي ثيابا اوربيّة يعلّم الاسلام لشبان شقر بلغة المانية طليقة. انا لست استعمل عبارة تبادل في المعاملة ولكن يجب ان يكون من المألوف ان يعلّم قس مسيحي ايمانه بصورة موضوعيّة من يشاء في دار الاسلام وان يحق للمسيحيين ان يجتمعوا للصلاة يوم الأحد.

                      هذا قائم في الإمارات ومؤخرا اقمت في ابو ظبي قداسًا للرعية المسيحية في كنيسة مبنية بالحجر .

                      اظن اننا ان توخّينا التلاقي الحقيقي الكامل ينبغي ان ندافع عن حريّة الأقليّات حيثما وجدوا. اتمنّى الا نستعمل في علاقة الديانتين عبارة “حقوق الانسان” وان نلجأ فقط الى المحبة والسماحة ليبقى كل منا مختلفا.

                      ما قاله محمد السماك كثيره جديد بالنسبة الى التعامل وفي مسيرتنا الى الله الذي سنجتمع معا امام وجهه الوضّاء في اليوم الأخير.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

الكاهن المستحق /الأحد 21 كانون الثاني 2007 / العدد 3

خدمة المؤمنين في الوعظ والصلوات والرعاية يقول بولس إن فيها تعبا وتعييرا. امّا التعب فلكون الكاهن يستغرق ذلك منه وقتًا طويلاً وانشغال بال ومتابعة لأمور المؤمنين وإلاّ كان كسولا. اما التعيير (الانتقادات) فلأن بعضا من المؤمنين عن حق او باطل ينتقدونه ويرتكبون النميمة بحقه أكانوا دارسين مبرر الذم ام غير دارسين. وهو يستقوي بالله إزاء التعديات لارتباطه بالرب الذي يخلّص المؤمنين ومنهم أهل النميمة.

هذا الكلام موجّه الى تيموثاوس تلميذ بولس وكان شابا وتخوّف بولس الا يتقبل بعض الرعية شابا راعيا لهم فكتب له «لا يستهن أحد بفتوّتك» فكان عليه ان يقنعهم بأنه مستحق للرعاية اذا عمل بما أوصاه الرسول: «كن مثالا في الكلام» اي في المعرفة والسلوك والمحبة والعفة. غير ان هذا يجب ان يرافقه مستلزمات الكهنوت: «كن مواظبًا على القراءة الى حين قدومي»، والقراءة آنذاك تعني قراءة العهد القديم وما ظهر من رسائل بولس لأن الأناجيل لم تكن قد دُوِّنت بعد. هل أراد بولس ان يتثقّف تلميذه بالآداب الوثنيّة من شعر وفلسفة؟ هذا ممكن لأن الرسول نفسه كان مطّلعًا على الفلسفة اليونانية وربما على بعض من الأدب. كان مطّلعًا بالتأكيد على الفلسفة الرواقيّة وأقوال من أرسطو.

لماذا قال بولس لتلميذه: «واظب على القراءة حتى قدومي»؟ لأن تيموثاوس يمكن ان تثير فيه قراءة العهد القديم تساؤلات ولا بد له من أن يفسّر له معلّمه بولس ما لم يفهمه.

ثم قال له: «واظب على الوعظ والتعليم». الوعظ هو الوعظ في القداس الإلهي وموجّه الى كل فئات الشعب وعلى شيء من البساطة اي انه يأخذ بعين الإعتبار المسائل التي يعرف الكاهن ان المؤمنين في حاجة الى توضيحها ويعرف الواعظ ضعفاتهم ويسعى الى تقويتهم ودعوتهم الى التوبة حتى يتمكّنوا من بعد سماع الوعظ ان يتناولوا جسد الرب ودمه. ثم جاءت القوانين فيما بعد وجعلت الموعظة إلزاميّة في كل خدمة ما يعني انّ كلام خدمة معيّنة كالمعمودية والجناز مثلا كلام لا يكفي ويجب على الكاهن ان يفسّر المعاني التي تتضمّنها الخدمة. المهم أن يرفع الكاهن عقول المؤمنين وقلوبهم الى الله ويجمّلها بالنعمة حتى اذا خرجوا من الكنيسة يكونون قد تزوّدوا بزاد يقيت روحهم ويحفظهم الى القداس في الأحد اللاحق. ولا يتكاسلنّ الكاهن بقوله إنهم يفهمون مما سمعوا. فلو كانوا عالمين بالمعاني لما كتب مواعظ في المعموديّة القديس كيرلّس الأورشليمي والقديس يوحنا الذهبي الفم.

ثم يقول بولس إن تيموثاوس صار كاهنًا بوضع أيدي الكهنة. يصل الإنسان اذًا الى الكهنوت بالرسامة. من ذلك نفهم ان الكاهن يرئس كل خدمة إلهية ولا يُستعاض عنه.

غير انّ الرسول خشية من إهمال الكاهن لنفسه وعمله يقول له: «تأمّل في ذلك وكن عليه عاكفًا». تأمّل بكل هذه التوصيات واتبعها «عاكفًا»، جديا ولا تكن كاهنًا بالتسمية.

«ليكون تقدّمك ظاهرًا في كل شيء» أي في كل فضيلة ذكرتها لك وفي كل النشاطات التي دعوتك إليها. أريد منك تقدما ظاهرا ليرى الناس أعمالك ويمجّدوا أباك الذي في السموات. اذ نقتبس النور الذي عند الإخوة فنحن نبني بعضنا بعضًا بالقدوة. فإذا كنت أنت عفيفًا يندفع المؤمنون الى العفة وان كنت قارئًا يسعون هم ايضًا الى القراءة. هناك دائمًا منائر في كل رعية. نحن «جسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا» ونكمل بعضنا بعضًا. هناك شروط أساسيّة للكهنوت ولذلك اذا رسم الأسقف كاهنًا يقول «مستحق» ويؤيّد الشعب ذلك. وأمّا من عرفوه غير ذلك فلا ينبغي ان يقدّموه لئلا يجدّف على اسم الله بسبب من كاهن غير مستحق. ليس عندنا محاباة للوجوه واسترضاء لهذا او ذاك. الكهنوت صارم وقبل ان نقدّم واحدًا له ينبغي ان نفحصه بتدقيق لئلا يُساء الى الخدمة.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

بعد الغطاس/ الأحد 14 كانون الثاني 2007 / العدد 2

بعد ان عرف يسوع بقتل يوحنا المعمدان اراد في حكمته الا يتعرّض الى ملاحقة السلطة له في اليهوديّة، فلجأ الى الجليل ولكن لم يعد الى مدينة الناصرة لأنها لم تقبله، وسكن في مدينة أهم هي كفرناحوم التي كانت أنفع له ليبشّر بالإنجيل منها اذ كانت مركزًا تجاريًا بين دمشق ومصر، والكهنة فيها أقل تعصّبًا من الذين كانوا في اورشليم. وكانت الشعوب مختلطة فيها.

سمّى متى المنطقة أرض زبولون وأرض نفتاليم في تقسيم البلد الذي قام به يشوع بن نون وهما في منطقة بحر الجليل، والآية هذه «أرض زبولون وأرض نفتاليم» اقتبسها متى من إشعياء. جليل الأمم المذكورة هنا سمّيت كذلك لكثرة الوثنيين فيها قبل عصر المكابيين. متى يقتبس من إشعياء: «الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا» ليوحي بأن رؤية النور الذي تكلّم عنه النبي انّما تتم الآن بمجيء المسيح.

ثم يحدّد متى بدء البشارة في الجليل انطلاقًا من كفرناحوم، تحديدًا ومحتوى البشارة الأولى هي «توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات».

توبوا في العهد الجديد تعني غيّروا أفكاركم الباطلة وليكن فيكم الفكر الإلهي فيتغيّر سلوككم. هذا يعني انكم قبلتم سيادة الله على قلوبكم. في العهد القديم ملكوت الله أبدي ويكتمل ظهوره في اليوم الأخير. وهنا يتحقق ملكوت الله او ملكوت السموات فيك ان وعيت سيادة الله ورأيت نفسك في إطارها.

أما قوله «قد اقترب ملكوت السموات» فلأن الملك (اي المسيح) جاء وهو بينكم او فيكم كما يقول لوقا. من هنا إن الملكوت عطية الله، لك ولذلك تقول في الصلاة الربيّة: «ليأتِ ملكوتك» بمعنى انك تطلب ان يشمل الملكوت اكبر عدد ناس ممكن، وان يكون من جهة أخرى في اعماقك انت. هو في المدى البشري وفي عمق الشخص. هو مدّ حالتك الروحيّة المتقدسة الى يوم مجيء ربّنا يسوع المسيح.

هل نقول تاليا ان الكنيسة هي ملكوت الله؟ نحن نقول انها بشهدائها وقديسيها والأسرار المقدسة باب الملكوت، ولكن بسبب خطايا أعضائها لا تكتمل الا في الدهر الآتي. بهذا المعنى، الملكوت متحرك. ولكن الصورة الأكمل للملكوت في هذا العالم هو سر القرابين المقدسة لكونها اتحادًا بالملك. ثم ظاهرة القداسة اي التنزّه عن الخطيئة هي الصورة الأكمل في هذا العالم للملكوت في الفرد. واذا ركّزنا على فكرة الملك الذي دشّن ملكوته بالبشارة، لا بد ان نقول ان الملك هو دائمًا هنا معنا وان المسيحية كلها هي المسيح بالذات.

ألاّ تُشرك بالله وجهًا غريبًا وأن تضرب فيك كل رغبة تعرقل رغبتك في الله تلك هي التوبة. قل لله: أعطني ان أتوب اليك، وأعرف انك تفتّش عنّي انا هو الخروف الذي ضلّ في الجبال. أعطني أن أكره الأشياء السيئة وألّا أتعوّد عليها لأنها تحجب عني وجهك. أعطني أن أعيش معك كأن السماء صارت على الأرض، وهبني ان أقول هذا لإخوتك كي يعرفوا ان لا فرح الا فيك وانه لن ينقصهم شيء اذا مكثوا فيك. ما أتعس هذه الإنسانية التي تجد لذتها في ما هو غيرك. هبني دائما أن أقول: تعال أيها الرب يسوع.

Continue reading