Author

Aziz Matta

2010, جريدة النهار, مقالات

تاريخ واحد للفصح؟ / السبت 10 نيسان 2010

منذ سنوات عديدة أسمع مسيحيين من كنائس مختلفة يتمنّون اتّفاقا على تاريخ واحد للعيد ويضيفون الى هذا أن هذا التفاهم يوحِّد. خشيتي أن يكون الكثيرون مقتنعين أن ليس بيننا خلاف غير هذا. والأخطر من هذا أن الكثيرين يذهبون الى أن العقائد التي تُفرّقنا صناعة اللاهوتيين وأن الأساقفة أو بعضهم مهدّدون بخسارة ما تسمّيه العامة مراكزهم مع أن الكنائس مقتنعة أن الكنيسة في حال توحّدها لن تطلب الى أسقف أن يستقيل والأساقفة قلّة في العالم عزيزة.

من هنا إحساسي أن الإلحاح على وحدة التاريخ عند بعضٍ تُخفي موقفًا من العقائد خافضا لأهميتها وهي تفوق موضوع العيد الذي هو على مستوى أدنى من مستوى العقيدة ما في ذلك ريب.

وحدة الوجدانات المسيحية تبدو لي مقاربة لمشكلة الوحدة المسيحية من أضيق زاوية او من زاوية مَن يجهل أن هناك سلّة من الخلافات الأفضل التصدّي لها معا.

الخلاف على يوم الفصح كان معروفًا في القرن الثاني لمّا كانت الكنيسة واحدة. في آسيا الصغرى كانوا يقيمونه في 14 نيسان وفي الاسكندرية وروما يوم أحدٍ فحاولوا ضمن الوحدة أن يُثبّتوا تاريخا واحدا فأتى هذا يوم أحدٍ. رأوا أن التوحيد أفضل ولكن اختلاف اليومين ما شكّل بينهم خلافا.

ماذا أفادت وحدة التاريخ للعيد بين الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الإنجيلية وبقيت الخلافات على أشدها خلال أربعة قرون ونيّف. عندما اختار الأرمن الأرثوذكس في العشرينات من القرن الماضي التاريخ الغربي هل اندمجوا بالغرب على صعيد العقيدة؟ طبعا لا. وصعوبة انتقائهم لتاريخ واحد معنا تأتي من وحدتهم الكاملة مع كنيسة أرمينيا في الوطن الأمّ. أرمن لبنان والمشرق العربي لن يتبنّوا يوما دون التشاور مع كنيستهم الأمّ، ولذلك لن يشمل توحيد التاريخ في لبنان الإخوة الأرمن.

# #

#

الفصح له قاعدة وضعها المجمع النيقاويّ (المسكونيّ) المنعقد السنة الـ 325 والقاضي بأن نبدأ حساب العيد من الاعتدال الربيعي الواقع في 21 من آذار، ثم ننتظر البدر اللاحق له، والأحد بعد البدر يكون العيد، وثبّت الاجتماع المسكونيّ المنعقد في حلب السنة الـ 1997 هذا المبدأ القديم.

بعد إصلاح البابا غريغوريوس الثالث عشر للتقويم اليوليانيّ في السنة الـ 1582، ذلك الإصلاح الذي لم تقبله الكنيسة الأرثوذكسية، صار الـ 21 من آذار اليوليانيّ (الأرثوذكسيّ تطبيقًا) غير الـ 21 من آذار الغريغوريّ الذي تبعته الدول. وتاليا صار الكاثوليك يتبعون آذارهم وينتظرون البدر ليعيّنوا العيد بعد «بدرهم»، وصار الـ 21 من آذار الأرثوذكسي يقع في هذا القرن 14 يوما بعد ذاك وينتظرون هم «بدرهم» ثم الأحد الذي يليه وهو فصحهم.

فحسب حركة القمر يكون لنا تاريخان للعيد او تاريخ واحد بحيث اذا اقترب البدر من 21 آذار الغريغوري يكون على الأرثوذكسيين أن ينتظروا البدر الآخر ليجعلوا عيدهم في الأحد الذي يليه، ويتباعد هكذا الفصح الأرثوذكسي. وأما إذا تباعد القمر عن الاعتدال الربيعي الغريغوري يكون العيد في يوم واحد. المشكلة تكمن اذًا في أن الكثلكة تبنّت التقويم الغريغوري، والأرثوذكسية لا تزال على التقويم اليولياني الذي تركته روما في عهد البابا غريغوريوس الثالث عشر.

يبدو لي أننا اذا تمسّكنا بقاعدة المجمع المسكوني الأول أي الاعتدال الربيعي ثم البدر الذي يليه لا بد للأرثوذكس أن يتخلّوا عن التقويم اليولياني. هذا يتطلّب تفاهم كل الكنائس الأرثوذكسية في مجمع عام لها او تبادل الرسائل بين رؤسائها، وهذا يبدو عسيرا في الوقت الحاضر لأن القرار الأرثوذكسي وإن صدر قانونيا عن رؤساء الكنائس الا أن هؤلاء يراعون شعور شعوبهم، وفي اطّلاعي على مشاعرها لا يبدو لي أنها متحمسة للتغيير. انها مؤلّفة من رعايا وأبرشيات أدنى هي الى التمسّك بتراثها وتُحسّ أن تاريخ العيد هو جزء من تراثها. البطاركة ورؤساء الأساقفة عندنا ليسوا أسيادا على شعوبهم بصورة مطلقة بسبب من نظامها الذي ينسق بين الإكليروس والعوام.

ذلك أن الكنائس الأرثوذكسية في واقعها التاريخيّ منصهرة في الواقع مع إثنيات، وفي البلقان إثنيات كاثوليكية مثل كرواتيا جرت دماء بينها وبين الإثنيات الأرثوذكسية. هذه هي تركيبة أُمم مختلفة لا يبدو أنها مهيأة لتغيير تحسّ به أحيانا أنه مخالف للعقيدة. انت تتعامل مع شعوب ولا تتعامل فقط مع كنائس. انا لا أتوقّع اذًا انقلابًا سريعا في الشعوب الأرثوذكسية.

يبقى أن التغيير اذا تعذّر في الوقت الحاضر ممكن على الأصعدة الإقليمية.

# #

#

هذا ما رآه البابا بولس السادس في الستينات من القرن العشرين أثناء انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني فسمح للأقليّات الكاثوليكية في البلدان التي أكثرها أرثوذكسي أن تتبع الفصح الأرثوذكسيّ، وعلى هذا سار المسيحيون الكاثوليك في مصر والأردن وفلسطين المحتلّة. ودرس هذا الأمر موارنة لبنان وأوشكوا أن يعيّدوا مع الأرثوذكسيين في اجتماع عقدوه في قبرص. وأذكر أن بطريركيّتهم أعلنت انها ستطلق استفتاء لدى الشعب الماروني حول هذا الموضوع، ولكن يبدو أن هذا الاستفتاء لم تقم به هذه البطريركية او قامت به ولا نعلم نتيجته.

ثم قالت الأدبيات الصادرة عن بعض من علماء الكنيسة المارونية أن الموارنة في لبنان ليسوا بأقلية وأن سماح البابا بولس السادس لا ينطبق عليهم. لم تُجادل البطريركية الأرثوذكسية هذا الموقف. ولكن الكلام الذي سُمع من أفواه أرثوذكسية مختلفة أن لبنان ليس وحدة كنسية ولكن الوحدة هي المدى الأنطاكيّ، أي عليك أن تعتبر أن الكنائس قائمة كل منها في الحيّز الأنطاكي القائم في سوريا ولبنان معا. واذا اتّخذنا هذه القاعدة تنطبق أمنية البابا بولس السادس بأن يعيّد كاثوليك المنطقة السورية-اللبنانية وفق النظام الأرثوذكسي.

إقليميا حتى الآن نحن في مأزق. على الصعيد العالمي غير معقول أن الأرثوذكس المحليين (في سوريا ولبنان) ينفصلون في تعييدهم عن الروس واليونانيين على مختلف بلدانهم والبلغار والصرب وغيرهم ليختاروا يوما لبنانيا للعيد. دعاة توحيد تاريخ العيد في مناطقنا كثيرون. الأرثوذكسيون يقولون-في تصوري- لكاثوليك الشرق: الأُخوّة بيننا تقضي عليكم أن تعيدوا معنا ما دام أُعطي لكم السماح، ويضيفون افهمونا يا أحباء إذا قلنا إننا لا نستطيع أن ننفصل لهذه القضية عن إخواننا في العالم الأرثوذكسي. وانتم لا تتراجعون عن شيء اذ صدر الأمر من مرجعيّتكم الأولى. ليست ماهيّة أحد في الكنيسة مرتبطة بتاريخ عيد، والتوحّد في تاريخ واحد يعتبره الشعب المسيحي كله تعبير محبة أخوية. فلنعش هذه المحبة على الصعيد الإقليمي ان لم نستطع عيشها الآن على المستوى العالمي.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

القيامة/ الأحد 4 نيسان 2010 / العدد 14

عيد القيامة مستمرّ في الكنيسة إذ نُقيمه كل أحد، وهذه الخدمة الفصحية كل أسبوع سبقت إقامة الفصح السنوي. القيامة لا تهمّنا كحدثٍ ولكن كمعنى، وعلى صعيد المعنى تبدأ من الجمعة العظيمة لأن غلبة المسيح للموت بدت على الصليب. المجد في إنجيل يوحنا هو بالدرجة الأولى ذاك الذي ظهر من السيد وهو معلّق على الخشبة بحسب قوله: «مجّدْني يا أبتِ بالمجد الذي كان لي عندك قبل إنشاء العالم». ولا يختلف المفسّرون على أنّ المجد تعني الصلب.

عندنا إذًا منذ الجلجلة ذوق لنصر المسيح على الموت وعلى الخطيئة. كذلك المسيح الساكن القبر ليس تحت وطأة الموت ولكنه ساكن في الكون كلّه من حيث إنه منتصر.

ويسطع مجد المسيح لكون جسده لم يُنْتِنْ. وتلاحظون أن الكنيسة في الإنجيل والعبادات لا تستعمل عبارة «جثة المسيح» او «جثمان المسيح».

جسده دائما في النور ولم يذُق الفساد البتة.

ونسمّي جسده جسدًا نورانيّا حسب منطوق بولس لمّا تكلّم في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس عن قيامة الأموات في اليوم الأخير: «يُدفَن الجسم مائتا ويُقام خالدًا… يُدفن بضعف ويقوم بقوّة، يُدفن جسما بشريّا ويقوم جسما روحانيّا».

في الحقيقة ان بولس طَبّق على قيامة الأموات ما عرفه عن قيامة المخلّص الذي صار جسمه روحانيّا. روحانيّا لا يعني أثيريّا أو غازيّا كما يقول شهود يهوه. يعني أنه غير خاضع لمحدودية الإنسان الترابيّ الذي جسده كامد او مكثّف. فالجسد الروحانيّ الذي صار اليه السيد يخترق الحواجز. فقد دخل على التلاميذ والأبواب مغلقة.

والجسد الروحانيّ الذي صار المسيح إليه لم يعرفه التلاميذ لمّا ظهر لهم ولا مريم المجدلية في البستان، ولكنه عرّف هو عن نفسه أي أعطى عيونهم الترابيّة نعمةً مِن عنده ليعرفوه. ولما أكل معهم السمك والعسل جعل نفسه قادرا على ذلك ليُشاركهم إذ إن جسده النورانيّ لم يكن في حاجة الى طعام.

على هذه القاعدة، في السماء تنتهي الحاجة الى الغرائز السليمة. لذلك قال السيد: «لا يُزوّجون ولا يتزوّجون». هذه كانت نزعة متعلقة بحياتنا على الأرض. الى هذا كلّه يجب أن ندرك أن المسيح لن يموت ولن يتسلّط عليه الموت في ما بعد أي إنه وضع حدًا للموت ودخل في القيامة. وهذا ما سنحصل عليه نحن في اليوم الأخير.

لذلك نُعيّد للرب يوم الفصح لكونه حصل على هذه الأشياء التي هي مقدّمة لحصولنا نحن عليها. بهذا المعنى يقول الرسول: إنه بِكْرٌ من بين الأموات أي يُدشّن زوال مملكة الموت لنخرج نحن منها في اليوم الأخير.

هذا ما رآه بولس لما قال: «دُفنّا معه بالمعمودية وشاركناه في موته حتى كما أقامه الآب بقدرته المجيدة من بين الأموات، نسلُك نحن أيضًا في حياة جديدة» (رومية 6: 4)، وكأنه يقول إن المسيح وضع الأساس لحياة بارّة لنا نعيشها بفضله، فلو لم يكن قام نكون مائتين الى الأبد ولا رجاء لنا، ويكون العالم كلّه غريق فساد، فكأن الله خلقنا لنفنى، والله لم يخلق الدنيا لتنزول. هي أزالت نفسها بالخطيئة، والمسيح أحياها بقيامته.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

يا عشقي المصلوب / الجمعة 2 نيسان 2010

يا يسوع، «يا عشقي المصلوب». انت معلّق على خطايانا قبل أن رفعوك على خشبة. قتلتك خطايانا فيما كنا نلهو بها. نُبصرك الآن «لا منظر لك ولا جمال فنشتهيك» مُدمّى، مطعونا ولكن غير مكسور، موضع محبّة الله. تدين معاصينا بجسدك ولا تديننا لأن قلبك لا يحتمل أن يموت فيه انسان. نحن مشرّدون يا سيّد. لقد مددت ذراعيك كي تضمّنا فتُعيدنا الى أبيك إنسانية واحدة مطهّرة كي لا يلفظ حكمه فينا يوم الدينونة. انت تقول له: ما لهم وللموت. اغفر الزلات للكاذبين والسارقين والقتلة لأنك تحبّهم كما تحب الطاهرين. جميعهم أبناؤك وجميعهم إخوة لي. انت كلّهم تحضنهم بالرحمة وما من واحد يَخلُص الا بهذه الرحمة. انت أوحيت للتلميذ الحبيب: «الله محبة». هذا فهم أن المحبة هي انت ومن أحبّ تكون انت ساكنه. ومن كفر تكون ايضا ساكنه. تطلب اليه فقط أن يؤمن بغفرانك وإيمانه. هذا يُرجعه اليك. تغفر له لأنك تشتاقه في كل حين.

انك تشتاق اليه لكونه وليد محبّتك التي لا تريد أن يطرد منها احد. فإذا نسيها ماذا يبقى له في الذاكرة؟ كبارنا قالوا إنك أوجدتنا كي لا يبقى حبك أسير كيانك. يا أبتاه، انت إله يمتدّ، يضمّ وبعثت بي كي يعرف الإنسان ذلك فيحيا ويعرف انه نسيب الله. انا بتّ عشيره حتى موتي فلا يعرف كما كان الأوائل انك فوق وانه تحت. ليس من مدى بينك وبينه. كان يعرف القدامى انهم مقرّبون. لما عرفوني انا باتوا يعلمون أن نعمتك جعلتهم افضل من ذلك. عرفوا انهم بك لصيقون. وهذا اقتضى جرحي. لقد أمرت بجرحي حتى يُحبّوك فيُشفوا. واذا شُفوا غنّوك واستلموا الفرح. والفرح هو السماء.

انت ما أصعدت احدا اليك الا لمّا أنزلتني اليهم. انهم سيصعدون معي بعد قليل ليتمّ فرحهم فينا فينكشف لهم ملكوتك. قلت لهم انه فيهم ثم ترجمت لهم ذلك بموتي.

يا يسوع خذني الى هذا الحب الذي تُكفر به ذنوبي كل يوم. لا تجعلني أرى غير وجهك لأن كل وجه آخر يلهي. احصرني في محبتك حتى لا تدغدغني أهوائي فيرى الناس نورك مرتسما على وجهي، ولكن عرّفه أن هذا النور ليس منه ولكنه مسكوب عليه بحنانك. انت اختلطت بنا لنذوقك والعلاقة بيننا وبينك بعد أن أتممت العشاء الأخير انك أعطيتنا ذاتك بشكل خبز وكأس حتى نجوع اليك دائما ونعطش اليك اي حتى تزول المسافة التي كانت بيننا وبين أبيك.

#   #

#

واذا دخلت الينا بهذه الصورة لا نظل حاسبين اننا اخوة باللحم والدم اللذين نحن بهما فبتنا اخوة بروحك نحن لا نأخذك الينا فقط. انت تخطفنا اليك. انت تظهر ان هذا الذي نتناوله على مائدة الخلاص هو اياك الجالس عن يمين الآب.

نحن نرى هذا بأن ذراعيك الممدودتين على الخشبة تضمّاننا اليك والى أبيك بقوة روحك. نعود الى ذراعيك حتى لا نتشتّت في دنيانا وقد أصبحت انت دنيانا حتى لا نتلهّى بسواها فنضجر ونموت.

لقد قلت مرة: «من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني». نعرف أن هذا شاقّ على قوانا ولكنا نؤمن انك تحمل شقاءنا فنتعزى بكل كلمة خرجت من فمك. وكذلك قلت: «انتم أنقياء بسبب من الكلام الذي كلّمتكم به». أن نسمع فقط الى ما قلته ولا نستمع الى سواه هذا يجعلنا خلائق جديدة. من بعد هذا ننبسط في ملكوتك. سُد علينا يا يسوع لنطمئن الى أن سلامك فينا. هذا سلام تعطيه انت من جراحك فتشفى بها جراحنا فلا نرقد رقدة الموت.

الحياة الجديدة التي دعوتنا بها صارت فينا وتصير اذا حفظنا وصاياك. إن هربنا من وصاياك نسعى الى سراب فعدم. لا ترمنا يا رب في العدم الذي ليس فيه كلامك. انتشِلنا دائما من هوى السقطات التي تحوّلنا عن رؤية صليبك فتميل نفوسنا الى كلام الخديعة. والخديعة هي «شهوة العين وشهوة الجسد وكبرياء الوجود». هذه كلها ميتات نعرفها تعطّل فاعلية صليبك فينا.

نريدك يا سيد، لا تُخزنا ولا تجرّبنا بذوق المعاصي. انت جعلت القديسين لا يردونها. ونحن نسلك كأن القداسة عبء او كأنها مستحيلة. حوّلنا الى ما تشتهيه لنا انت حتى لا يكون لنا مشيئة غير مشيئتك فنتّحد بك في الصميم. قوّم أفكارنا لكي لا نخطئ فكرك، نق نياتنا لنتقبّل بفرح ما تنويه لنا، وهكذا نصبح عشراءك حقا. لاصقنا في ضعفاتنا نفسها نلصق بك فنستمدّ قوّتك ولا نخشى الموت.

يا سيدي أبعد عنا كل شبح يأتي إلينا من مملكة الموت وأهلنا اذا ما اقترب أن يلقانا الآب بقوة قيامتك. لا تطرحنا من امام وجهك في ساعتنا الأخيرة حتى لا تُداهمنا الظلمات. أوضح لنا أن فراقنا هذه الأرض إنما باب احتضانك. روّضنا على ذلك كل حين فإذا ما عرفنا اقتراب هذا الفراق نُدرك أننا لسنا مقصيّين عن وجهك. وجهك يا رب، وجهك عزاؤنا في عالم التعب. لا تسمح بأن نيأس من إمكان دنوّنا اليك لأن هذا يكون الموت.

#   #

#

ادعُ كل من مات في ساعة موته اليك لأنه إن لم يسمع صوتك يبقى أصمّ. اكشف له وجهك لكي يقبل حضن أبيك. كل الذين يموتون يدخلون برحمته. هذا قاله كبارنا الذين تروّضوا في الجهاد. أمك لا تطيق أن يُقيم أحد في النار. وقد قلت انت عند نزاعك للتلميذ الحبيب إنها أمه ففهمنا أنك تريدها أمّا لكل تلميذ حبيب. هي لا ترضى بموت أحد الى الأبد. فاذا خلصوا جميعا يرتدون ثوب مريميّتهم. هذا هو عرس قانا الجليل، سيدي.

هذا العرس كان صورة عرسك مع الإنسانية البارّة بالدم. هذا إياه سيكون العرس الأبديّ اذا جمعت أحباءك من كل أصقاع الدنيا فتنتهي آلامهم ويطربوا بك. الذين خطفتهم اليك سيتبعونك فوق حيث تسير.

كل ما عندنا هنا من صلاحك تهجئة لهذا اليوم الأخير. القيامة التي حقّقتها من بدء آلامك وذقنا منها قيامات بحنوّك سنراها قيامة أخيرة لنا ايضا اي جمعًا للإنسانية المصطفاة الى حبك. بعد هذا نعزف مع الملائكة على قيثارات الظفر، وكل لحظة من السماويات تكون فينا ترتيلة جديدة.

وهذا كله سيكون في السماء صدى لبعد ما نقوله بعد يومين هنا: المسيح قام.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

الدخول الى أورشليم/ الأحد 28 آذار 2010 / العدد 13

هذا دخولُ فرَح لأن الرب يسوع جاء ليعطي المحبة لقاتليه. ويؤكّد هذا بولس في رسالته: «افرحوا في الرب كل حين وأقول ايضًا افرحوا». السيد هو الذي تطوّع للموت. كذا كانت مشيئة الآب وارتضاؤه هو، وكان حضور الروح القدس في الصلب.

يوم الجمعة العظيم عملُ الثالوث القدوس كله. والأسبوع العظيم الذي نفتتحه اليوم يحمل كل قوة الصليب مغنّاة كل يوم وليلة حتى نتهيأ للقاء السيد منتصرًا بالآلام ومعلنًا نصره بالقيامة.

ودليل الفرح أننا منذ أحد الشعانين نستقبل المسيح الخَتَن. الختن كلمة سريانية تعني العريس. فكلمات الرسول: «افرحوا في الرب في كل حين» تعني في هذه المناسبة: افرحوا بعُرس الحَمَل (يسوع) مع كنيسته، هذا العرس الذي نردّد كلماته حتى الثلاثاء مساءً لنُلاقي الفصح تدريجيا يومًا بعد يوم حتى نُعلن إتمام العرس على الجلجلة لأن كل عرس يتمّ بالدم.

بعد قولنا: «هوذا الخَتَن يأتي في نصف الليل» ليتخذ كل نفس وليس فقط الكنيسة ككل عروسًا له، نبوح له أننا له في رتبة مسحة الزيت، فنقرأ نصوص توبة مع كلمة الله (رسائل وأناجيل)، وإذا امتلأنا توبةً نذهب الى قداس الخميس العظيم ليتمّ الحب كاملا بيننا وبين المخلّص ويصير جسدُه جسدنا ودمُه دمنا كما في كل قداس، ولكنه هنا مقرون بصورة خاصة بذكرى العشاء السريّ، حتى إذا تعلّمنا فيه التواضع بغسل المعلّم أرجل التلاميذ نعدُه نحن بأن يمُدّنا بتواضعه لكي ننسحق أمام الإخوة حتى يَعلو المسيح وحده.

إنه يَعْلو بآلامه التي نقرأ رواياتها في الأناجيل الأربعة لنعيش صميميا وسط هذه الآلام دائمًا بالفرح منتظرين خلاصنا بالصليب. واذا قلنا: «اليوم عُلّق على خشبة» نفهم أننا نرث اليوم ثمار الخلاص بحيث نرجو السيد أن يُنزل علينا خلاصه الآن ولا نبقى متردّدين بينه وبين خطايانا. نحن له حسب كلمات الإنجيل نُفعلّها لننهض معه ليس فقط في الموسم ولكن كل يوم. مَن لبس نور المسيح ثوبًا لا يُرى فيه غير المسيح إذ يكون قد صار إنسانًا قياميًا وعاش الفصح كل يوم. الموسم تحفيزٌ ليبقى عمقه حقيقة فينا وفي سلوكنا.

قمّة الأسبوع العظيم هي الساعات الملوكية التي نُقيمها بين الصباح وصلاة الغروب التي بها نُنهي الرتبة فنزيّح الإبيتافيون اي أيقونة المسيح المدفون لنرتل له في جنّاز المسيح التي خدمته في الحقيقة سَحَر سبت النور. ولكن الكنيسة تسهيلا للمؤمن قدّمت السَحَر الى اليوم السابق ليُتاح للمؤمنين حضور الخدمة. ولكون خدمة الجناز هي سَحَر سبت النور، تأتي التقاريظ كلها فرحًا بالقيامة. فنأتي الى ما يُسمّونه النعش باللغة العامية لنُعانق الإله الدفين ونَعده أننا معه عند الاحتفال الطقوسيّ بالقيامة.

سبت النور قمّة أخرى في الأسبوع العظيم. ولكن لكونه مندمجًا بغروب العيد نُناشد الرب يسوع أن يقوم بقولنا: «قُمْ يا الله واحكمْ في الأرض». الخدمة هذه كان يجري فيها عماد الموعوظين الذي كانوا يتعلّمون ليستحقوا العماد، فيجري هذا في بيت المعمودية الذي كان بناء مستقلا عن مبنى الكنيسة. واذا انتهوا من العماد يدخلون الى الكنيسة. لذلك نرتل: «انتم الذين بالمسيح اعتمدتُم المسيحَ لبستُم» ونُباشر العيد في انتظار الصباح.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

دخول السيد الى أورشليم / السبت 27 آذار 2010

هذا هو دخول السيد الأخير الى أورشليم «قاتلة الأنبياء والمرسَلين اليها»، والذي نقيم ذكراه غدًا. يسوع عالم بمكيدة اليهود، وهذا ذُكر غير مرة في الأناجيل. في ايماننا ان المعلّم تطوّع لموته وان كان قتيلا سياسيا. أما قال قيافا: «ان يموت رجل واحد فدى الشعب خير لكم» (يوحنا 18: 14). هذا الدخول الى أورشليم، الذي بدا ظافرا وموضع ترحاب من الأمة وأطفالها، كان طريقا الى الموت. «ألا أشرب كأس الآلام التي جعلها لي الآب»؟ (يوحنا 18: 11).

يسوع الناصري على وداعته كان صداميا بامتياز. ومن درس الإنجيل جيدا يفهم ان هذا الصدام لا بدّ من ان ينتهي بكارثة. كيف انسان فقير أعزل لا يحميه أحد يقاوم رؤساء الكهنة والعلماء وحزب الفريسيين النافذ بكل هدأة فيه وشراسة عند الأعداء الذين أظهروا قدرتهم في تحدّي الوالي حتى أجبروه على قتل يسوع!

يدخل المدينة المقدسة عالما انه يقدّم نفسه ذبيحة، ولكن عالما ايضًا انه يطلق بهذا الانصلاب المحبة في العالم ونموذجا لشهداء الله المسحوقين في كل الأرض، الفصيحة دماؤهم ابدًا.

دم الناصري قال لنا: «هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد». للمرة الأولى فهمت البشرية ان الله ليس إله جيوش ولو كانت جيوش الشعوب التي تحسب انها خصيصة الله. عند الناصري دمه كان فقط لغة محبته للعالم. اقتضت المحبة ان ينزل ابن الله نفسه الى العالم ليقول للناس ان طبيعة إلهه تضطره إلى ان يبلغهم بالدم انه يحبّهم.

ما ضاع وقت يسوع بين يوم الشعانين (عيده غدًا) ويوم ذبحه. لا مجال هنا لذكر كل ما صنع في هذه الفترة القصيرة، ولكنها مليئة بإطلالات له بليغة من اهمها انه «طرد جميع الذين يبيعون ويشترون في الهيكل. فقلب مناضد الصيارفة ومقاعد باعة الحمام»، هؤلاء الذين يجعلون الهيكل مغارة لصوص. اللص ليس عنده مقدس. يأخذ مقاما له في الكنيسة او في الدولة. هل نطرد نحن اللصوص من كل مقاماتهم؟ هل نحن حريصون على قدسية الدنيا في كل مجالاتها ام استرخينا لاعتقادنا ان لا مجال لمكافحة الفساد؟
# #
#

إطلالة فريدة اخرى هي غسله أقدام تلاميذه في العشاء الأخير. هنا يضعنا يوحنا في السياق الفكري لهذا العمل: «وكان يسوع يعرف ان الآب جعل في يديه كلّ شيء وانه جاء من عند الله والى الله يعود. فقام من العشاء وخلع ثوبه وأخذ منشفة واتزر بها. ثم صبّ ماءً في مغسلة وبدأ يغسل أرجل التلاميذ». ثم فسّر لهم ذلك: «واذا كنت انا السيد والمعلم غسلت أرجلكم، فيجب عليكم انتم ايضا ان يغسل بعضكم أرجل بعض». معنى ذلك على الدوام ان كل كبير منا لا يكتمل كبره الا اذا احسّ بنفسه انه على مستوى اقدام البشر جميعا، لأن الكل بلا استثناء افضل منه، واذا لم يشعر بذلك ليس خصيص المسيح. ذلك لأننا وجدنا لنخدم كل انسان حولنا خدمة كاملة حتى منتهى الحب. هذا وحده ينجينا من كبريائنا.

لعل أفصح إطلالة ليسوع الباقية في الكنيسة الى الأبد والمتخذة معناها من موته وقيامته إطلالة العشاء السرّيّ التي يرويها لوقا هكذا: «وأخذ خبزا وشكر وكسره وناولهم، وقال: هذا هو جسدي الذي يبذل من أجلكم، اعملوا هذا لذكري». وكذلك الكأس ايضًا بعد العشاء، فقال: «هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يسفك من أجلكم». هذا صار، عند المسيحيين، القداس. لقد أراد يسوع ان يعقل فاعليّة موته وقيامته بهذه الصورة. ومعنى كلامه الذي لا يحتمل معنى آخر انكم اذا أتممتم هذه الرتبة في اجتماعكم يوم الأحد تصيرونني وأصيركم. هذا يفهمه من يستطيع القول: «انا من أهوى ومن أهوى انا».

ما يبرر هذه القراءة ان الجسد في الحضارة العبرية يدلّ على الشخصيّة ذاتها. ان تأكلوا جسدي يعني ان تأكلوني انا، ان تستدخلوني ذواتكم فلا يبقى من مسافة بيني وبينكم. لا مجال هنا للرمزية او الاستعارة ولدلالة للجسد ليست دلالته العبرية. انتم في القداس الإلهي تأخذونني كليا.

واذا قال دمي، فالدم عندهم هو الحياة. المعنى ان حياتي كلها تصبح حياتكم وحياتكم حياتي. هذه تبدو مائدة على الأرض الا انه هو القائل: «وانا أعطيكم ملكوتا كما أعطاني أبي، فتأكلون وتشربون على مائدتي في ملكوتي».

إطلالة المسيح بالقرابين المقدسة هذه لا يستنفذ معناها الا في خطبة الوداع التي تبدأ من الإصحاح (او الفصل) 14، الآية 31 عند يوحنا حتى نهاية الإصحاح السابع عشر، وهي تتحدث مليًّا عن علاقة يسوع بالآب والروح القدس كما تتحدث عن علاقته بالمؤمنين به. اظن اني لا اتجنّى على العهد الجديد ان قلت ان خطبة الوداع ذروته، ولو كان هو كله فيها. هنا تقرأ قوله: «انا هو الطريق والحق والحياة». هنا تفهم طبيعة المسيح: «من رآني رأى الآب»، ولا معنى تاليا للجدل حول الطبيعة والطبيعتين. هذا السجال عرفناه اليوم انه جدل لفظي فقط، اذ ما من مسيحي لا يؤمن ان من رأى المسيح فهو يرى الآب، اي ليس من مسيحيّ لا يؤمن ان مسيحه إله تام وإنسان تام.

الى هذا كلام صعب على السلوك: «اذا كنتم تحبوني عملتم بوصاياي». ويتردد هذا الكلام بصيغة او بأخرى. كل معنى القرابين المقدسة في قوله: «اثبتوا فيّ وانا فيكم». هذا يتضمّن ردا على كل من حسب ان المسيحية روحانية فقط ولا تتعلق بهذه الأرض. سؤالي: هل الأرض تتعلق بالأرض ام أن الأرض تأتي بها السماء؟ ما السلوك سوى إسقاط السماء على الأرض؟ ان لم تصل الى اعتماد خطبة الوداع تكون انت المسيحي مقيما طقوسا وبانيا أبنية كنائس ويكون كهنتك لابسين لباسا خاصا، وببساطة تكون على ديانة شكلية لا علاقة لها بالأنوار الساطعة من الله والحب النازل عليك من قلب المسيح. اذا غدوت ساعيا الى المسيحية في دسمها، فهذا هو الدسم.

# #
#

كل آلام المسيح، التي لن أتكلّم عليها اليوم، مرتبطة بهذه الخطبة. ما حدث للسيّد متصل بما قاله. وما قاله يكشف معنى الأحداث التي شاءها لنفسه. كل حنان خطبة الوداع سيظهر في عذابه وصبره وانخطافه الدائم الى الآب قبل انخطافه الأخير وفي انخطافه.
هنا افهم ما قاله بولس لإحدى الكنائس: «لست أعرف بينكم الا المسيح واياه مصلوبا» (1كورنثوس 2: 2). حدث الصلب ان لم تجعله معنى فيك يبقى ضعيفًا. كل شيء عندنا معنى الا وهو انكشاف الله في الإنسان المسمّى يسوع الناصري. به تظهر الألوهة غير نظرية، قائمة فينا على تعاليمها وضامنة لفصحيتنا.

الفصح هو هذا العبور الدائم من عثراتنا الى وجه الله، ذلك العبور الذي كان محققه في التاريخ المسيح في جسده وفي كلامه. قيامته هي التعبير الفصيح عن انه قام حيا من بين الأموات لكي لا يبقى للموت فاعلية في الوجود البشري، لكي نصبح نورا والكون من بعدنا نورا.


Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

الأحد الأخير من الصوم/ الأحد 21 آذار 2010 / العدد 12

هذا هو الأحد الأخير من الصوم الأربعينيّ الذي ينتهي مع سبت لعازر، إذ بعد هذا السبت نبدأ صوم الأسبوع العظيم الذي هو صوم آخر إذ فيه الانشداد الكبير الى الآلام والقيامة وفيه تقشّف كبير.

في فصل الرسالة المأخوذ من الرسالة الى العبرانيين، يقول كاتبها «إن المقدِّس (اي المسيح) والمقَدَسين (اي نحن) كلهم من واحد (اي الآب)»، المسيح بالولادة الأزلية ونحن بولادة النعمة التي من الروح القدس، لذلك يُسمّينا يسوع إخوة بمعنى أن الآب يجعلنا برضاه أبناء له بالتبنّي وكنا سابقًا أبناء الغضب.

بسببٍ من ذلك يقول السيد لأبيه «ها أنذا والأولاد الذين أعطانيهم الله» لكوننا صرنا بالإيمان والمعمودية أبناء الله. ويكشف الرسول بنوّتنا لله الآب بقوله: «إذ قد اشترك الأولاد في اللحم والدم، اشترك هو كذلك فيهما». أراد الابن أن يكون مثلنا «آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه الناس». هذا كان سبب التجسّد.

غاية التجسد يشرحها كاتب الرسالة هكذا:

«لكي يُبطِل (اي المسيح) بموته مَن كان له سلطان الموت أي إبليس»، أي لكي يُبطل فينا الموتَ الذي فتك فينا بسبب الخطيئة، «ويُعتق كل الذين كانوا مدة حياتهم كلها خاضعين للعبودية مخافة من الموت». ولكن إذا حلّت المحبة ثمرة لموت المخلّص فهي تُقصي الموت الى خارج. اذا ذكرنا كل خطيئة، ندرك أننا ارتكبناها خوفًا من الموت. الكذب خوف من العقاب. السرقة خوف من الفقر وهكذا.

بعد هذا يقول الكاتب: «كان ينبغي أن يكون (اي المسيح) شبيهًا بإخوته في كل شيء»، والمفهوم أنه شبيه بنا ما خلا الخطيئة. فإذا صار شبيهًا بالجسد والموت، يصبح رئيس كهنة لأنه هو الذي قدّم نفسه لله قربانًا. بات اذًا -كما نقول في القداس- قربانًا ومقرِّبًا. قبل ذلك الذبائح الحيوانية لم تعطِ الإنسان فداءً. كانت مجرّد رمز للذبيحة الحقيقية التي رُفعت على الجلجلة.

ثم يصف الرسولُ المسيحَ بأنه كان أمينًا في ما لله، مطيعًا لأبيه في كل شيء، في الجسد الذي اتخذه من العذراء، ولم تكن له مشيئة غير مشيئة أبيه، بمعنى أنه أخضع مشيئته البشرية لمشيئة الثالوث القدوس، وبهذا المعنى قال: «لا تكُن مشيئتي بل مشيئتُك». مشيئتان منسجمتان بحرّية المسيح. وهذا كله حتى يُكفّر خطايا الشعب حتى يمحوها بموته وقيامته.

ويستنتج الرسول من ذلك هذا: «اذا كان قد تألم مُجَرَبًا، فهو قادر على أن يغيث المُصابين بالتجارب» (أي نحن جميعًا اذا آمنّا به).

هذا هو اتّحادنا بالمسيح. نحن لا نُعذّب أجسادنا على طريقة تعذيباته، ولكنا نترك الخطايا لكي نرث في أنفسنا وأجسادنا الخلاص الذي أعطاه. اتحادنا به أن نقوم من الخطيئة التي مات السيد من أجل غسْلِنا منها.

بهذه القناعة نتهيأ للأسبوع العظيم الذي كانت كل وظيفته أن نستنير بنور المسيح حتى لا يبقى فينا أثر للشرّ ونكتسب النور الذي انفجر من قبر المخلّص حتى نكون في العيد أولاد نور.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

مكانة المرأة / السبت 20 آذار 2010

سريعا سأتناول دور المرأة في الحياة العامة لأقول توّا إنها مؤهّلة لرئاسة الجمهورية ومقاعد الوزارات والمجلس النيابي ووظائف الفئة الأولى لسبب هو غاية في البساطة وهو اكتشاف العلماء أنها معطاة ذكاء كاملا ليس أدنى من ذكاء الرجل. والقول إنها كائن «اللطف» بامتياز لغو. قوّتها تذهب بها في غير بلدٍ اليوم الى انها تُعيّن وزيرة دفاع اي انها مطّلعة على المدفع والدبابة والطائرة الحربية ولو كان مديرها العام هو التقنيّ.

الى هذا -وبعد اعتقاد الناس في أيام شبابي- أن الشابة مؤهلة للموسيقى والرسم والخياطة والتطريز صارت في الجامعات أقدر من الفتى في الرياضيات وأحيانا تفوقه في الأدب.

لست أودّ أن أبحث في كل مؤهلاتها. هنا يعوزني الاطّلاع. ولكن في معظم العلوم هي قادرة في الحياة العامة، في الإدارة والمال على أن تضطلع بكل المسؤوليات. ولذلك وجب -على هذا الصعيد- ألا نتكلّم على دور المرأة ولكن على دور الإنسان المثقف كائنا ما كان جنسه.

ليس عندي فكرة واضحة عن الكوتا النسائية في انتخاب كل المجالس اذ المرأة في لبنان -على حدّ معرفتي- دون الرجل علما، فقد لا يكون تكافؤ في مستوى النقاش. لذلك أفهم أن يؤخذ المستوى العلمي بعين الاعتبار مع أن هذا ضد الديموقراطية. فإذا تبيّن لنا أن المستوى واحد بين الجنسين على وجه التقريب فلترتفع الكوتا النسائية كثيرا. ذلك أن النسوة حتى الآن في لبنان مزينات بشيء من عفّة اللسان والحشمة مما يجعل المجالس المنتخبة أرقى في أخلاق الكلام وربما أرقى في الرقّة والتواضع.

وربما كانت هذه المجالس أمكنة لتصحيح أوهام الرجال عن النساء. فهنّ عند الكثيرين منهم على شيء من الدونيّة وهن أضعف. واذا اكتشف الرجل المعرفة عند زميلته وبات أعظم تقديرا لها يقوى احترامه لزوجته والقريبات منه.

يجب أن نتحرر من تصوّر المرأة ممرضة او معلّمة وما الى ذلك لممارسة ما طلبه بولس في كلامه عن الخضوع المتبادل بين الناس (أفسس 5: 21).

# #
#
إن شيئا من رؤية الرجل الى المرأة على أنها كائن اللذة لا بد أن يصحّح إن رأى أنها كاملة العطاء وكاملة القدرة في نطاق خارج عن الجنس. اذا رآها موهوبة في كل الحقول او معظمها، يرى كل إنسانيتها ولا يبقى مهووسا بالجنس عند عودته الى بيته. قال لي مرة الأب ديمتري ستانيلوايه الرومانيّ، وكان من أعظم اللاهوتيين الأرثوذكسيين، عندما كنت أتمشى في شوارع بوخارست، وكان كاهنا متزوجا، قال إن الزواج يخفف من وطأة الجنس اذ يجعله يتكامل ووجود سقف واحد وأولاد وعمل. أبني على فكرته هذه لأقول إن المشاركة في الحياة العامة تقوّي التوازن في الحياة العائلية فلا يُنفق عليها كليا فيسيطر ولكنهما ينفقان معا على أهل البيت. ما من شك أن من أعطاك من ماله اذا ضعف روحيا يستكبر فيطغى.

والحياة ليست كلها في الزوجية ولكنها اولاً في ذاتية الرجل وذاتية المرأة. في شبابي منذ خمسين او ستين سنة كانت الفتاة يلقّنها ذووها منذ طفولتها بأن ذروة حياتها عرسها، فكانت تغنج وتتبرّج «تبرّج الجاهلية الأولى» كما يقول القرآن وتحيا للسحر الذي كانت تغذّيه في مسلكها. التبرّج نعرفه من قبل العصور التاريخية. وما كانت صياغة المصريين القدامى أقلّ جمالا من صياغة اليوم. ولكن أن يكون التزيّن طاغيا على المرأة فهذا يجعل اهتمامها بالفكر والعمل ضعيفا. واجب علينا للجنسين أن نجعل كل طاقاتهما متكاملة ليأتي توازن الطاقات أعظم صحة وفي النهاية أكثر خلابة.

أنا ما دعوت الى التساوي فالتكامل هو الصحيح لأنه ثابت عند العلماء اليوم أن هناك سيكولوجية ذكورية وسيكولوجية نسائية ولكنهما لا يتهذّبان إلا إذا سعى كل منهما الى تنمية ذاته. فإذا كان للمرأة ملكات عقلية كاملة فإنها ترغب أن تنمو بها بالاستقلال عن الزواج. الزواج فقط وجه من وجوه النموّ عند المرأة. انها لا تعطي الإنسانية بنين وبنات فقط. هي تعطي قدراتها الكاملة لترى نفسها ليس في المرآة كل صباح ولكن لترى نفسها حيّة ومحيية بالفكر والعمل.

# #
#

أُدرك أن الأمومة باب من أبواب القداسة لأنها تنشئ المحبة والإخلاص ما ذهب ببولس الرسول أن يقول : «إن المرأة ستخلص بولادة الأولاد إن ثبتن في الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقّل» (1تيموثاوس 2: 15). ولكنها تتقدس ايضا بذاتها، والبتول تتقدس ولا تعرف الأمومة. والبتول الحقيقيّة تمارس أمومة أعظم اذا ولدت لربّها بنات بالروح. قد لا تكون الأم محبة بشكل جارف. قد تكون متسلطة وقاسية. عظمة المرأة ليست بالإنجاب وحده ولكن بنوعية الأولاد اذا تربّوا اي اذا ذهب بهم ذووهم الى الرب. الأمومة ليست شيئا سكونيا ولا هي آلية. هي تعظم بعد الإنجاب بالتقوى. الانسان -أيّا كان جنسه- محبة أولاً ثم فكر وعمل.

أما مسألة التوفيق بين تربية الأولاد وعمل الأم خارج البيت فمسألة حقيقيّة ليس لها جواب أحادي. أمومة أَم عمل خارج المنزل؟ على المرأة أن تُبدع الحل لهذه القضيّة. الحياة كلها جهد. هناك نساء موهوبات للعمل بشكل مذهل، شكل يحتوي تقوى وإبداعا معا.

الى هذا أخذ الرجال ربما قليلا عندنا ولكن كثيرا في الخارج يزداد اهتمامهم بأولادهم. هذا يقتضي منهم قناعة أنهم ليسوا فقط آباء عند اتصالهم بزوجاتهم ولكن عند تواصلهم واولادهم كل يوم بحيث لا تُلقى مسؤولية التربية على الأم وحدها وبحيث يكون حضور الرجال في المنزل يستغرق من الرجل وقتا لا يقضيه في الملهى وندوات الرجال فقط. هناك ضرورة ملازمة الرجل بيته ينظّمها مع زوجته حتى لا يحرم المجتمع قدراتها والتماعها.

المرأة ليست فقط للرجل وليس هو فقط لها. هذا وجه من وجوه الوجود الإنساني. الحضور في الجماعة البشرية لإغنائها هو الوجود. من يفهم هذا يكون حاملا في ذاته وخدمته الله. الله عند الآخرين مسؤولية كل مخلوق عاقل حتى تأتي الجماعة البشرية كيانا مشتركا مؤلها.


Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

شفاء يسوع/ الأحد 14 آذار 2010 / العدد 11

ولدٌ فيه روح أبكم، أي روح يجعله أخرس، طلب والده من يسوع شفاءه. العوارض التي كان الفتى مصابا بها عوارض داء الصرع (épilepsie). ولما جيء به الى يسوع، ظهرت هذه العوارض عليه. أبوه أكّد أن هذه العوارض كانت تُلازمه، وسأل يسوع اذا كان يستطيع أن يقوم بشيء من اجل هذا الغلام وقال له: «تحنّنْ علينا». عند ذاك قال له الرب: «إن استطعتَ أن تؤمن فكلّ شيء مستطاع للمؤمن». كثيرًا ما كان السيد يفتّش عن الإيمان عند الذين يرافقون مريضًا. ولكن لم تكن هذه قاعدة عامة.

جواب الوالد ليسوع كان: «إني أؤمن يا سيد. فأَغِثْ عدمَ إيماني». ربما كان المعنى الذي قصده أَعنّي في ضعف إيماني. قد لا يعرف الإنسان أيّ مقدار عنده من الإيمان فيتضع ويقول إني لستُ قويا في الإيمان ويسأل ربه أن يزيده إيمانا.

عند تصريح الأب بإيمانه، أخـرج يسوع الـروح النجس بأمـر منـه، فصار الولـد كالميـت «حتى قال كثيرون إنه قد مات. فأخذ يسوع بيده وأنهضه فقام». بهذه الكلمات لمرقس الإنجيليّ نتجاوز الحادثة الى وضعنا الروحي، فإذا كان أحدنا خاطئا، غميق الخطيئة يكون كالميت او هو ميت روحيا.

بعد الحادثة دخل يسوع بيتًا لا بد أنه كان لأحد الأصدقاء، فسأله تلاميذُه: «لماذا لم نستطع نحن أن نخرجه». كان هذا الفتى قد قُدِّم لهم ولم ينفعوه بشيء. عند ذاك قال لهم السيّد: «إن هذا الجنس لا يخرج الا بالصلاة والصوم».

ما معنى اذًا كلام السيّد؟ يبدو لي أن المعنى أن صلاتهم لم تكن عميقة ولا حارّة، أي ان محبتهم لله كانت ضعيفة وما كان لهم سلطان على روح الشر الذي كان في بعض المرضى. كان السيد يريد أن الصلاة قادرة على كل شيء وحتى على طرد الشياطين فلا يبقى عند المصلّي أثر للشر. عندئذ يصبح مقتدرًا على كل شيء. ويكون هكذا في حالة الصوم أي ضابطًا نفسه، متّكلا فقط على الطعام الروحيّ الذي يعطيه إياه الرب بديلا عن الطعام الجسديّ. ولهذا نقرن في كنيستنا دائما الصوم بالصلاة لئلا يكون مجرّد نظام حمية. المؤمنون عندنا يُحسّون أن صلوات الصوم الفصحيّ هي التي تقوّيهم على تحمّل الإمساك فيهون بالواقع ولا ينزعجون منه لأنهم يتقوّون بالخِدَم الإلهية (صلاة النوم الكبرى عند كل الأتقياء، القداس السابق تقديسه، المدائح وغير ذلك عند القادرين).

بعد هذا تنبأ يسوع عن موته وقيامته. هذه الآية الأخيرة من هذه القراءة تُدنينا من العيد، والصوم كله مشوار الى الفصح.

ولا نقوم نحن بالصيام الا استعدادًا منه ليوم القيامة الذي هو «عيد الأعياد وموسم المواسم». هو وعدٌ بقيامتنا نحن في اليوم الأخير بعد أن كانت لنا قيامة أُولى بالمعمودية وقيامة دائما في التوبة.

وبعد أن سجدنا للصليب المقدّس الأحد الماضي، وجّهنا انتباهنا أكثر فأكثر الى القيامة التي هي حياتنا.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الروم الأرثوذكس / السبت 13 آذار 2010

كنيستهم ذات أصول رسولية بمعنى أنه لم ينقضِ زمن من يوم العنصرة لم تكن فيه وبمعنى أنه لم ينشئها إنسان. في المصطلح الكنسيّ القديم يقال عن الإيمان أنه أرثوذكسي وهي كلمة يونانية تعني المستقيم الرأي او المستقيم تمجيده. ذلك أن استقامة الفكر مكشوفة في العبادات. اذًا لا يقال في الأصل كنيسة أرثوذكسية. يقال فقط كنيسة جامعة (كاثوليكي في اللغة اليونانية). وقد قيل عن كنيسة الروم الأرثوذكس في العصور المتأخرة أرثوذكسية كاثوليكية. إنهما في الحقيقة لفظتان مترادفتان. اذًا أن نجعل الأرثوذكسية مقابلة للكاثوليكية غير مستند الى شيء لغويا.

العرب المسلمون سَمّوا كنيسة الروم الحالية ملكانية او ملكية لاعتبارهم آنذاك أنها على مذهب ملوك الروم. هذا لم يكن صحيحًا دائما إذ اختلفنا مع أباطرة بيزنطية في فترة قصيرة على عهد هرقل الذي كان من أنصار المشيئة الواحدة، وبعد هرقل اختلفنا مع الأباطرة الذين قاموا بحرب الأيقونات التي انتهت السنة 843.

يبقى أن التسمية العربية الغالبة كانت صحيحة لأن الروم الذين ذكرهم القرآن كانوا الرومان الشرقيين اي الإمبراطورية البيزنطيّة وهي تسمية غربية لرومان الشرق الذين اعتبروا أنفسهم من إمبراطورية روما التي في حسّهم لا تنقسم. فلفظة روم لم تعنِ يوما اليونانيين. هذا خطأ وقع فيه الأوربيون لما ترجموا عبارة روم أرثوذكس بـ grec orthodoxe  بالفرنسية او ما يشبهها بالإنكليزية. نحن لسنا بقايا عسكر الاسكندر اليونانيين القلائل الذين سكنوا هذه السواحل. لقد أثبت بندلي الجوزي صاحب القاموس الروسي العربي أننا عند مجيء رسل المسيح الى بلاد الشام او الهلال الخصيب كنا آراميين. عبارة روم أرثوذكس لا تعني اذًا أن لنا نسبًا يونانيًا.

اللغة الطقوسية شيء آخر. كانت يونانية في المدن وهذا نتيجة احتلال الاسكندر، وسريانية في الريف. وهذا لا علاقة له بالمذاهب. كل المسيحيين كانوا على اليونانية او السريانية حسب المناطق، وتَعرّب لساننا تدريجيا، وكتبنا العربية منذ القرن التاسع الميلادي، وكنّا فصحاء فيها في القرن الحادي عشر لما كنّا نُجادل المسلمين في بلاط الخليفة العباسيّ في بغداد وما كانت لغتهم أجمل. وبقيت السريانية بجانب العربية في الطقوس، وكان يستعمل الكاهن هذه اللغة او تلك حسبما يعرف رعيته، أي ان الطقس المعروف بالبيزنطيّ كان يؤدّى فترة طويلة من الزمن باللغة السريانية، وكان الإنجيل يُقرأ فيها في كنائسنا حتى القرن السادس عشر.
# #
#
فالقول إن هذه الكنيسة كانت عربية من حيث العرق او الدم او اللغة ليس صحيحا. أما أنها في زمن الثورة العربية في الحرب العالمية الاولى كانت تحسّ بعروبتها فهذا صحيح. نحن في سوريا ولبنان والَينا الأمير فيصل. معنى ذلك أننا رفضنا الاستعمار الفرنسيّ وما نتج عنه من تقسيم الامبراطورية العثمانية.

كنت مرة أحاول مع غسان تويني أن أصف الأرثوذكس سياسيا فقلت له
nous sommes d’empire. هذه عبارة ليس تعريبها سهلا، فأوضحتُ لغسان أننا أحسسنا في بدء المسيحية أننا قائمون في الامبراطورية الرومانية التي هي ذاتها البيزنطيّة. وسلكنا بعد الفتح الإسلامي على أننا ننتمي الى دار الإسلام في حكمها وليس في دينها. وهذا ما أوضحناه للأمويين لما أدرنا شؤونهم المالية وبنينا لهم أسطولا في ميناء طرابلس وهم احترموا عقيدتنا وشعائرنا.

غير أننا لم نحسّ أننا ننتمي الى الإمارات الصليبيّة التي اضطهدَتْنا حتى الذبح. في العهود الإسلامية كلها لم يطبّق نظام أهل الذمّة في كل الأزمنة. وغير صحيح تاريخيا أن عقليّتنا كانت عقلية ذمّية في حين أن غيرنا لم يكن على هذه العقليّة. كل رعايا السلطان العثمانيّ المسيحيون كانوا يدفعون الجزية لما كانت الجزية، ولكنها ألغيت قانونيا في السلطنة في منتصف القرن التاسع عشر لما أخذت السلطنة تسنّ تشريعات مدنية. بتواضع أقول إني أرجو ألاّ يتسابق المسيحيون في رفض الذمّية. أصحابها تركوها منذ قرن ونصف.

الأرثوذكسيون لا يخلطون بين انتمائهم الدينيّ وولائهم الوطنيّ. في حوادث الـ 1958 حيث كان التشرذم مسيطرا على البلد، كان الأرثوذكسيون واحدًا مع الحكم اللبناني ضد ما اعتُبر تدخلا إقليميا. في الحرب الأهلية الأخيرة لم يكن لهم ميليشيا وما باركت كنيستهم ولا لعنت احدًا من أبنائها اذا ما تحزّب لفريق او لآخر. يمكن القول حتى اليوم إن الشعب الأرثوذكسي بجملته لبناني في لبنان وان ليس فيه اي تأزم على هذا الصعيد. أضف الى هذا أن كنيسته منذ صيف 1975 كانت تتخذ مواقف صريحة ضد إسرائيل واردة كلها في سجلّ مجمع المطارنة الذي يرئسه البطريرك، وهذا في حرية كاملة. وهذا الموقف لم يكن مرتبطا بحبّنا للأماكن المقدسة ولكن كان تقديسًا منّا لحقوق الشعب الفلسطيني. نحن ما تكلّمنا مرّة عن مسيحيّي فلسطين ولكن عن كل الفلسطينيين.

في السياسة الداخلية ليس للأرثوذكسيين موقف واحد لأنهم لا يرضون في عمقهم أنهم طائفة من الطوائف. يعرفون أنفسهم كنيسة. لذلك من المستحيل كيانيا أن يمشوا وراء زعامات أرثوذكسية. لم يكن لهم يوما زعيم ليس لأنهم منقسمون ولكن لكونهم يحترمون الخيار السياسيّ لكل مؤمن بينهم باعتبار أن هذا الخيار لا يمسّ الحياة الأبدية.

يقال اليوم انهم يأخذون يعون أنفسهم مغبونين في ما يتعلّق بوظائف الدولة. هذا الأمر أبانته جريدة اللواء من فترة قصيرة بالأسماء والوظائف المختلفة وكان على المقال مسحة من الروح العلمية الكبيرة. منذ عشرين سنة او اكثر كنت أتحدث مع وزير أرثوذكسي في هذا الأمر قال لي لا نستطيع أن نتخذ خطوة قبل القيام بإحصاء.

ربما أتى توزيع الوظائف بناء على قاعدة عدم طائفية الوظيفة. ولكن يحقّ للمرء أن يتساءل لماذا فرّت الوظائف العليا في الفئة الأولى من أكفياء الروم الأرثوذكس وكانوا فيها ليشبعوا من الفتات؟ أظن أننا في هذا البلد تكافأنا الآن في الفهم، ولكن قبل إلغاء الطائفية السياسية (وقال لنا الأعظمون ان هذا قد يأخذ عقدين او ثلاثة) نحن في حكم الطائفية السياسية وفي حكم الاستقامة ايضا والتقدير. هناك أقلوّية معنوية. لا تُجْبروا عليها الطائفة الرابعة في البلد، التي ولو تواضعت في تقدير نفسها ليست دون سواها غيرة على البلد ولا دون أحد على مستوى الشهادات. الولايات العثمانية في بلاد الشام كانت تعرف موهبة الروم الأرثوذكس على مستوى الإدارة والمال.

أنا لست أطلب شيئا الآن ولم نتشاور على مستوى القيادة الروحية، ولكني أرجو أن تقدم الدولة على منفعة ذاتها باستخدامها الصالحين. كان عليّ بن أبي طالب يقول: الفهم، الفهم. أرجو أن يكون لنا دولة قائمة على الفهم.


Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

السجود للصليب/ الأحد 7 آذار 2010/ العدد 10

هذا الأسبوع يتوسّط الصيام وقد لاحظ آباؤنا أن بعضا من المؤمنين ربّما ملوا الصوم. أن يُتابعوه يوما فيوما أساسيّ حتى نصل الى نهايته مع سبت لعازر. رأت الكنيسة أنه من المفيد أن تضع هذا الأحد يوما يشبه الجمعة العظيمة برفع الصليب في وسط الكنيسة ليأخذوا منه قوّة ولا يتضجروا. بعد تقبيله، يعطي الكاهن للمؤمن من الرياحين إن وُجدتْ وإلا فزهرة كأنه يقول له: «بالصليب قد أتى الفرح في كل العالم». الصليب ليس لنا أداة تعذيب. إنه انتظار كل إنسانٍ قيامته من الخطيئة. المسيحية فرح.

أتى إنجيل اليوم ليكشف حقيقة هذه المعاني. «من أراد أن يتبعني فليكفُرْ بنفسه ويحملْ صليبه ويتبعْني». لا يسعُك أن تمشي وراء يسوع حقا إن لم تُرد ذلك بإرادة واضحة. شرط سيرك وراء يسوع أن تكفُر بنفسك اذ ليس عندك معبودان، ذاتك والمسيح. ترمي أنانيتك والكبرياء والشهوات التي أنت أسير لها لتقبل السيّد في أعماق كيانك.

هذا هو حمل الصليب. خطاياك تصلبك عليها، تُكبلك، تخنقك فلا تبقى لك إرادة أن تتبع المسيح. ثم يتابع الإنجيل كلام المعلم: «من أراد أن يُخلّص نفسه يُهلكها، ومن أهلكَ نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يُخلّصها». أي إذا أردت أن تصل الى الخلاص عليك أن «تُهلك» نفسك بالجهاد الروحيّ، بالأصوام، بتصميم أكيد، صادق على التوبة. بما سمّي هنا إهلاكا أي تعبا، يخلّص الإنسان نفسه.

ثم يوضح السيّد هذه المعاني بقوله: «ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه». المعنى أنك إذا لم تقبل صليب يسوع فأنت رابح أموالك وزعامتك وكبرياءك وملذّات كثيرة. بهذا تخسر نفسك، ذاتك الحقيقيّة.

عند يسوع لا شيء في العالم يُقابل النفس اي هذه التي تتقبل الله. لا شيء مثل الله الذي في القلب، وكل تعلّق لنا بهذا العالم من مجد باطل لا يترك مجالا لله في القلب لأنّ عشق العالم رفضٌ لخالق العالم. نحن ملتصقون بيسوع فقط، ونستعمل العالم استعمالا من أجل المعيشة، ولكنّ قلبنا ليس عبدا للدنيا وما فيها من إغراء. واذا وقعنا في إغراء، يقول لنا السيد: «مَن يَستحيي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الشرير يستحيي به ابنُ البشر».

هذا لا يعني أن أحدا يقول قولاً: أنا أستحيي بالمسيح. هذا يعني أنك إن كنت، بتصرّفاتك، رافضًا المسلك المسيحيّ فأنت رافض المسيح نفسه ورافض إنجيله، وبذا تكون قد رميت نفسك خارج المسيح هنا ومِن بعد موتك.

الآن عاهِدِ المسيحَ على أن تبقى له إذ قبّلتَ الصليب واستلمْت زهرة.

Continue reading