Author

Aziz Matta

2010, جريدة النهار, مقالات

السلطة / السبت 19 حزيران 2010

ليس لأحد من سلطان الا اذا أُعطي له من فوق اي اذا مارسه وهو في رؤية الحقيقة التابعة المحبة لها. في المبدأ ما كان أصحاب النظام الملوكي على خطأ في الغرب عندما كانوا يتكلّمون على أن الملك هو من حق إلهيّ، ليس بمعنى أن الملك اذا أمر من عندياته يكون الرب هو الآمر، ولكن بمعنى أن الحاكم المطلق ليس كذلك الا لإيمانه بأنه ينقل الى الناس سيادة الله عليهم بما يراه إلهيا. وعندما رفضت الثورة الفرنسية مطلقية الملك كانت ترفض أن سيادة الله منتقلة آليا الى الحاكم. بكلام آخر لا يبقى الرجل ملكًا الا اذا كان إلهيّ الإرادة.

اما الشعار الذي أطلقته الثورة بأن السيادة هي للشعب فخطأ كسيادة الملوك ما لم نؤمن أنّ الأمّة لا تُجمع على خطأ. البشر لا يُطاعون الا إذا جلسوا على أرائك الحقيقة والإخلاص للإنسان بالعدل والمحبة. السلطة تبقى لله كائنة ما كانت وسائل النقل. الإنسان تراب والتراب لا يحكم.

عندما يقول القرآن: «قلْ اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع المُلك ممّن تشاء» (آل عمران، 26)، لي أن أفهمها ليس بمعنى تقلّب الحكام وحسب ولكن بمعنى أن الملك يبقى عند الله ولا يملك إلا من مارس حق الله فيزول اذا زالت عن قلبه حقيقة الله. اذًا ليس هذا الجالس على العرش مليكا الا اذا كان يتعاطى حقيقة الله في شؤون الأرض. ليس هذا الجالس مركز الحكم. الله وحده المركز. بالمقابل لست أقول ان الله وراء إجماع الشعب او ما يسمّى في لبنان التوافق اذ من الإمكان أن تُجمع الأمّة على بغض او ظلم. الحكم يبقى اقترابًا من الفكر الإلهي وواقعيًا هو دائمًا محاولة دنوّ من البهاء الإلهي. ومَن كان حاكمًا بأمره دون الرجوع الى ربه يقع في الشرك وليست له طاعة وجدان. لذلك كانت السياسة اجتهادًا بشريًا تحمل طابع الخطيئة لأن البشر يقومون بها فيما هم غارقون في خطاياهم.

اذا انتقلت الى الحيّز الدينيّ لا نرى كلامًا في السلطة الا عند المسيحيين. لا يختلف هؤلاء على اختلاف مِللِهم ونحلهم على أنّ السلطة هي لكلمة الله القائمة في الكتاب وعند بعضهم يوضحها التراث. ولكن كيف تتركّز بشريًا؟ عند أول نقاش في عهد الرسل حول اقتبال الوثنيين في الإيمان أيتهوّدون قبل معموديتهم أَم لا، عُقد مجمع أورشليم وفيه ليس فقط الرسل بل الإخوة ايضًا اي عامّة الناس. المعنى الواضح أن الخيار النابع من الحقيقة ينزل على الجماعة المؤمنة والممارِسة. انت تحتاج الى طريقة تكشف لك ما يلائم حقيقة الله. الانصياع هو لمشيئة الله. لا أحد يأمر وينهى بأمره. لذلك يؤتى الى الرئاسة الروحية بمَن كان أهلًا للقيادة وذلك اذا كان الرجل وفق قلب الله في معايير ذكرتها الكلمة بلسان الأوائل. يُطاع الرئيس لأن هذه المعايير اكتُشفت فيه وهي التي دعت أن يُجعل قسا او أسقفًا.

# #
#

وقالت كتبنا إنه ينبغي أن يكون تائبا، وفي درجة أعلى أن يكون مستنيرًا. اما في درجة الأسقفيّة وهي العليا فينبغي أن يكون مؤلَها اي انسانا إلهيا لا عيب فيه ولا لوم عليه ومدركا مقام اللاهوى اي التنزّه عن الغرض والشهوة المؤذية وغير منفعل او غضوب ولا طامعا بالمال ومخلصا لزوجة واحدة، غير شرّيب للخمر، عفيفًا على كل صعيد.

وفهم المسيحيون الأوائل أن تطيع انسانا كهذا لأنك تطيع فضائله ولست منصاعًا للحم ودم. مرة سألت كبيرا في كنيستي: «كيف تعلم أن الكلام الذي تقوله صادر عن الله أَم صادر عن شهواتك؟». تتصوّرون أن السؤال كان محرجًا ولكن هو السؤال. لذلك يجب أن يسمع الأسقف صوتا نبويا يهزّ ضميره ويدعوه الى التوبة لئلا يكون مستبدّا بخراف يسوع ويعطيها ما وسوس به له الشيطان.

إنه يقترب من المبتغى لو قرأ قول المعلّم: «ما جاء ابنُ الإنسان ليُخدم (بضم الياء) بل ليَخدم (بفتح الياء) ويبذل نفسه فداء عن كثيرين» (مرقس 10: 45). المطران خادم وغاسل أرجل. من هنا، بعض التدابير يَعرفها أهل الدنيا: أن يُحاط بمستشارين، بمجالس شورى . هذا هو الحد الأدنى، غير أنّ تقواه تقتضي أن يحيط به الأتقياء الذين ملأهم الروح بالحكمة ونزّههم عن الغرض. اما أن يتصرّف وكأنه يقول: «انا ربكم فاعبدونِ» فهذا شرك وضلالة.

أما اذا اختلطت عند الرئيس الديني المسيحي تقواه بشهوة التسلّط والتسلّط بغض فما علينا إلا أن ندعو له بالهدى ومخافة الله وأن تقوى محبته. دائما التعاطي بأمر الله رهيب. فهو إما تبليغ لأمره او تطويعه لشهوة المسؤول. من هنا أن المحلّ الممتاز للاستبداد هو الكنيسة. الدولة ايضا مكان الاستبداد ولكنه استبداد بشريّ عاديّ -إن لم تكن دولة قائمة على مشروع- أسهل تحمّله لكونه لا يدعم نفسه بالله.

الدنيا كلها استعظام الإنسان لنفسه أيا كان مقامه وأيا كان عمله المفترض، والمتواضعون قلّة، اولئك الذين يعتبرون ربهم كل حياتهم ويرون أنفسهم لا شيء. هؤلاء يُصلحهم ربهم ويُنقّيهم اذا زلّوا، ولكن التواضع الأصيل فيهم ينجّيهم من كل ادّعاء. ونحن علينا بالصبر إذ به وحده يواجه استعباد الإنسان للإنسان . من تشكو على هذه الأرض والضغوط تنزل عليك من كل صوب؟ لازم وجه ربك وحده لأن الوجود كله زائل وزائل معه المجد الباطل، وأنت تُعطى مجدا من فوق، مجدا غير منظور وتفرح بمن يعطيه لا بنفسك.

كيف نتعلّم أن البشر جميعا إخوة وأن كل أخ لك خير منك؟ الوحدة البشرية ليست ركام أجساد. انها فقط وحدة الودعاء الذين رفعهم ربهم على الملائكة وجعل قلوبهم عرشه.

التسلّط هي تلك الرذيلة التي يجعل الإنسان نفسه فيها بديل الله الذي له وحده سلطان السماء والأرض. فيها يعبد الإنسان نفسه أولاً، ويريد الناس كلهم عبيدا له، ويعيش كأن الكون كله مخلوق لممارسته نفوذه. كل خطيئة تصدر من شهوة ما. شبق السلطة قتل للناس جميعا بالفكر، إلغاء كيانهم في نفسك.

انت لا تستطيع إلغاء المتسلّطين اذ عندهم كل الوسائل ليكبروا أنفسهم ويثبتوا وجودهم. طريقك الوحيد الى التحرّر منهم أن تتمرد عليهم. أن تجعلهم يحسّون بأن الله مُلغيهم من الوجود الحقيقي. تمرّد بالمقاومة السلميّة دائما لأنك إن استعملت العنف تكون قد تبنّيت رذيلتهم. العنف كبرياء وجود. لعلّهم بالمقاومة السلميّة يتوبون. تمرّد على الأقل في قلبك. هذا يُحييك وقد يُحييهم.

الى هذا اصبر الى الله. اتّحد به وارفعه عليك مليكًا وحيدًا. لا تُساوم إن صبرت. هذا خنوع والذل لله لا لمخلوق. تخشّع دائمًا في حضرته ليمنّ على أهل الدنيا وأهل الدين أن يتقبّلوا رئاسة الله عليهم ويعترفوا بأنه الرب الواحد الأحد.


Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

الله والمال / الأحد في 13 حزيران 2010 / العدد 24

سراج الجسد العين. هذا يعني أن العين تضيء الجسد كله (كانوا يفكّرون أن العين فيها نور). هنا لا يقرر الإنجيل أمرًا فيزيائيا، ولكن لفظة جسد تعني الكيان كلّه. بساطة العين التي هي نور تعني ألا تشتهي ما لأخيك ولكن أن تعمل الصلاح في بساطة الروح. العين كلمة مستعارة لتدلّ على الاستنارة الروحية أو قوة التدين. فإن كانت روحك سليمة «فجسدك كلّه يكون نيّرًا» أي كل كيانك يستضيء.

بعد هذا ينتقل السيد الى كلام شديد عن المال ويقرّر أن الإنسان لا يستطيع أن يعبد الله والمال. الإنسان قادر أن يجعل المال إلها له أي أن يعتبر حياته متعلّقة برزقه، بما يملك إذ هو لا يرى حياته الحقيقية إلا ناتجة عمّا في جيبه أو في المصرف أو في عقاراته أو سياراته. هذا الإنسان يجعل المال فوق كل قيمة، يرى فيه وحده القدرة. الحياة عنده طعام وشراب. أجل هناك ناس يرون في المال وسيلة لعيشٍ كريم، بلا عوز أو عيش فيه رفاهة ولكنه ليس كل شيء، ليس ما يحيي القلب وليس ما يعطي الفرح. بعض الناس لا يملكون المال. هو يملكهم ويعيشون فقط ليجتنوه. أما العدل والمحبة والإخاء والصداقة فهذه عندهم ثانوية لا تُحرّك قلوبهم.

هل إذا قال الرب نتيجةً لتحذيره من عشق المال: «لا تهتموا قائلين: ماذا نأكل أو ماذا نشرب»، هل هذا قول يدفعنا فيه المخلّص ألا نُنظّم شؤون حياتنا الاقتصادية، ألا نترك شيئًا لمستقبلنا؟ ما يدعو إليه المعلم هو ألاّ نقلق، ألاّ نقع في خوف الأيام الآتية. هذا من جهة، ومن جهة ثانية أنْ نثق أن الحياة الآتية في الملكوت هي التي تُنقذنا من الجزع.

لذلك قال: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه، وهذا كلّه يُزاد لكم». أنت لك أن تضطرب من الخطيئة وأن تطمئنّ الى الرحمة، أن تجعل خلاص نفسك شغلك الشاغل، والباقي يأتي. الخوف أن تأتي الممارسة الدينية عندك شيئا نافلا، ثانويا وأن تجعل أمور الدنيا هي الأولى مستحوذة على قلبك فيتركك الروح القدس.

طبعا أنت تعمل في دُنياك لا من أجل غناك أو نفوذك. تعمل فيها لتتطهّر نفسك وتكسب حضور الله فيك بحيث يبدأ ملكوت الله فيك، في هذا العالم. هذه هي حاجتك الأولى إذ عليك أن تختار بين أوليّة هذا العالم وأوليّة الملكوت لأنك وإن كنتَ في العالم إلا أنك لست من العالم كما قال السيد في خطبة الوداع.

أنتَ روحانيّ ليس بمعنى أنك تقضي كل وقتك في الكنيسة إذ عندك عيال. أنتَ روحانيّ أي، فيما تتعاطى شؤون هذا العالم وتستعمله، تبقى مشدودًا الى وجه المسيح. تكون سماويًا هنا فيما تأكل وتلبس وتهتمّ بعائلتك وبالبلد. ما هو رأس اهتمامك؟ هل هو المسيح؟ إذ ذاك أنتَ خالص.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

المحبة والشوق / السبت 12 حزيران 2010

ليس مِن تقابُل بين المحبة والحب كما زعم كبير بين شعرائنا. هما واحد في اللغة. لكن اذا تتبعتُ الكتاب المقدس وأدب الآباء ألحظ أنّ التقابل هو بين المحبة الإلهية او التي يسكبها الله والشوق او العشق الفائض من قلب بشر الى قلب بشر والذي عبّر عنه قدماء اليونان، ومن تبنّى استعمالهم في الأدب المسيحي بلفظة Eros.  هذه الكلمة ليست محصورة بمدلول جسدانيّ ولكن لها دائمًا مدلول تأثّريّ أو انفعاليّ. هي شعور تلقائيّ على صورة الينبوع. وعلى أنها تنبثق من أعماق النفس إنما تُقال ايضا -ولو قليلا- عن الله. واذا قيلت انه هو احيانًا مصدرها الا أنّ الشعور الصادر عن الله (خارجا طبعا عن الانفعالية) يسمّى المحبة.

الى هذا المحبة النازلة الى القلب البشري بفضل من الله وكرمه أي بحركة نعمة كما نقول في المسيحية تنسكب ايضا في قلب آخر او في حركة من هذا القلب. الإنسان، اذ ذاك، محب كما الله محب.

على صعيد البشر، العهد القديم وحده يتكلّم عن العاطفة القائمة بين رجل وامرأة بدءًا من كلام الله الى حواء بعد السقوط اذ يقول: «والى رجلكِ يكون اشتياقكِ» (تكوين 3: 16) وفي الترجمة السبعينية (الترجمة اليونانية للعهد القديم) لفظة اشتياق تحمل معنى الرغبة والشهوة.

اما العهد الجديد فلا يحتوي كلمة واحدة تعني الاشتياق او حتى كلمة حب بمعناها البسيط. لا يتحدث عن علاقة عاطفية بين رجل او امرأة. يتكلّم على الزواج فقط الذي قد يرتكز على العاطفة قليلا او كثيرا وقد لا يرتكز. الزواج مرتبط بالله بطريقة او بأخرى ولو انعقد على أساس عائليّ او اجتماعيّ. ليس صحيحا تاليًا أنّ المسيحية تتطلب الحب بمعناه المألوف عند الإنسان العصريّ او في رومنسيته. ليس في العهد الجديد ما يشبه نشيد الأناشيد او ما يشبه قول هوشع في مطلع كتابه عن التملّق والملاطفة.

# #
#
هذا الإعراض عن الحديث في الحب في العهد الجديد سببه -فيما أعتقد- أن الإنجيل ما جاء ليصف الطبيعة اذ تُعاش ولا يحتاج المؤمن أن يعلّمه الله عن أمور قائمة في تكوينه الجسدي والنفسي. هذا ما يسمّيه بولس الإنسان الطبيعي اي القائم على صعيد الخَلْق، ثم يصير انسانًا روحانيًا اي مستمِدًا نفسه من الروح القدس ولو لم يفقد صفاته الطبيعية. تصير ذات اتجاه إلهيّ. الرسول لم يتنكّر للرغبات البشرية الحميدة كالجنس الممارَس حسب الشريعة ليبقى الإنسان غير مدمّر ويستطيع الارتفاع الروحي. المؤمن يتعاطى الجسد المرتبط بالنفس السائرين معًا نحو الروح القدس.

هذا الإنسان المتجدّد بالروح الإلهي يستلم من الله المحبة التي تفوق الأشواق بمعنى أنها تُشرف على الشوق وتُهذّبه وتنقّيه. بدء البدايات أن الله محبة وإذا جئت منها تكون نازلًا من عند الله. وتحيا لاهوته في إطار طبيعة لك هي مدعوة دائما أن تبصر القوى الإلهية التي تُقدّسك. وبالقداسة انت في الأرض تتحرّر من نير الأرض وليس من صعود جغرافيّ الى السماء.

هذا يقودني الى ما يقوله الرسول في رسالته الى أهل أفسس متحدّثا عن الزواج اذ يقول: «أيها الرجال أَحبّوا نساءكم كما أَحبّ المسيح الكنيسة» (5: 25). فعل أحبّ، يُحبّ، هو لفظًا، كما في اليونانية «أغابو». وهذا يعني أَحبّوا نساءكم بالمحبة التي ترثونها من الله. هذا لا علاقة له بالعاطفة الطبيعيّة ولا العلاقات الزوجية. بولس لا يدعو المسيحيّين الى تأجّج عاطفيّ اذ يَعلم أنّ هذا لا يحتاج الى وصيّة منه. أنت تبذل نفسك عن زوجتك كما جاد يسوع بنفسه عن الكنيسة اي حتى الموت وهذا ينزل عليك من فوق.

بولس ينقلك حتى تصبح انسانًا روحانيًا في الزواج بحيث تبقى في العلاقة الطبيعية ولكن ترفعها بالمحبة (لا بالأشواق) الى أن تصير مع الناس كما انت مع الله اذ تصبح معطاءً كالمسيح. تصبح مع زوجتك كيانًا واحدًا (جسدا واحدا حسب تعبيره). هذه الوحدة يستحيل على الأشواق وحدها ان تُتمّمها لأنها تهبط وتصعد. فيها برودة وسخونة وفتور، والمبتغى أن تصبح في حدود طبيعتك انسانًا روحانيًا. ويتابع الرسول قوله: «هذا السر عظيمٌ ولكني أنا أقول من نَحْوِ المسيح والكنيسة» (5: 32).

ليس المراد عند بولس أنّ الزواج سرّ من أسرار الكنيسة. ما يريده أنّ حياتك الزوجية كلّها تصبح سرًا إلهيًّا إن عشتها على غرار العلاقة بين المسيح والكنيسة أي حتى منتهى العطاء.

العطاء هي الكلمة المفتاح. في الحضارة الإغريقية الحبّ استيلاء، سلطان على الآخر. هذا أفلاطون. في المسيح الحبّ بين الرجل والمرأة قربان تضمحلّ معه قوة السؤال عمّن هو الرأس في العائلة. صاحب السلطان في العائلة أو في أيّة إدارة هو من أَحَبّ ليس من أَمَر. الآمر عنده شوق السلطة حتى الشغف بها. المحب يطاع بلا أمر يأمر به. المحب يموت فيحيا هو والمحبوب.

الأشواق تذهب الى حيث تشاء، فإذا استطعت أن تقودها بنور المحبة الإنجيليّة تُنقذها، وإذا لم تستطع تُدمّرك. الاشتياق لا يتبنّى الآخر. المحبة تبنّانا الله بها وهي تتبنّى الناس جميعًا لأنها مبذولة من أجل من أوصى بها أَعني الله. انها تغمر كل وجود، كلّ وضع بشريّ وتجعله مقرًا لله. إذ ذاك، يزول الفرق بين السماء والأرض.


Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

دعوة لبعض الرسل/ الأحد في 6 حزيران 2010 / العدد 23

عاش يسوع على الأرض خصوصًا في الجليل حول بحيرة طبريّة المسمّاة ايضا بحر الجليل فرأى أخوين وهما سمعان الذي سمّاه يسوع في ما بعد بطرس لمّا اعترف هذا بأن المسيح ابن الله الحي فأعطاه اسمًا مشتقًا من الصخرة «بيترا» لأن إيمانه كان قويا مثل الصخر وهذا الإيمان بالمسيح هو الصخرة التي بُنيت عليها الكنيسة. سمعان كان معه أخوه أندراوس، وكان هذان يلقيان شبكة في البحر. هذه شبكة يقع فيها السمك. فقال لهما السيّد «هلّم ورائي فأَجعلكما صيادَي الناس». لم يفهم هذان آنذاك هذا الكلام. فهماه بعد العنصرة لما انصرفا الى البشارة وصارا يأخذان الناس بالإنجيل.

عند ذاك تركا الشباك وتبعاه. أَحبّا كلامه. شَعَرا أنه من الله. السير وراء المسيح كلّ حياتهما يتطلّب ترك الشباك. غير أن الإنجيل يدلّنا أنهما وبقيّة الرسل الصيادين كانوا من وقت الى آخر يصطادون اذ لم يكن لهم دخل إلا من هذه البحيرة. غير أن قلوبهم لم تكن في البحر ولكن مع المسيح. كل منا يحبّ أن يترك اشياء هو متعلّق بها ليحبّ يسوع حبا كاملا. المؤمن يتعاطى عائلته ومهنته. غير أن قلبه مفتوح ليسوع فقط. هناك أشياء تتعارض مع حياتنا المسيحية. هذه يجب إلغاؤها. وهناك أشياء نحملها معنا فيما نحن سائرون مع المسيح.

بعد هذا رأى أخوين آخرين هما يعقوب بن زبدى وأخوه يوحنا، وقد ذكرهما الإنجيل مرات، ويوحنا هو صاحب الإنجيل الرابع. كان هذان يُصلحان شباكهما في حين أن الأولين أي أندراوس وبطرس يصلحان شبكة واحدة. اي أن أعمال يعقوب ويوحنا كانت أقوى اقتصاديا ولعلّ لهما أكثر من سفينة. ثم يقول الإنجيل انهما تركا السفينة وأباهما الذي كان معهما في الصيد وتبعا المعلّم لأنهما توّا آمنا بالمعلّم. كان هذا إلهاما من الروح القدس. ايضا قاما بعملية ترك ليس فقط لشيء ماديّ اي الشباك، ولكن قاما بترك عاطفيّ أي الانسلاخ عن أبيهما.

ثم يقول الكتاب: «وكان يسوع يطوف الجليل كلّه يُعلّم في مجامعهم». المجمع هو قاعة كبرى في كل مدينة وقرية في فلسطين وخارج فلسطين يصلّي فيها اليهود يوم السبت ويتلو فيه أحدُ الناس العهدَ القديم ثم يشرح هو أو سواه ما قُرئ باللغة الدارجة التي هي الآرامية.

يسوع كان يدخل الى هذه المجتمعات ويكرز ببشارة الملكوت انطلاقا من النص الذي تُلي. هذا كان مسموحا عندهم اذ لم يكن عندهم إكليروس. اما الكهنة فكانوا فقط يخدمون في هيكل اورشليم ويقدّمون الذبائح. عبارة «يكرز ببشارة الملكوت» تعني ان يسوع كان يقول للناس: «توبوا فقد اقترب ملكوت السموات». هذا هو المعنى الأساسي ليسوع في كلّ مرة يُبشّر بها. كلّ تعليمه في هذه المرحلة كان دعوة الى التوبة، التي تعني تغيير أذهانهم ليلتصقوا بالفكر الإلهي، ومن كان عنده فكر الله يتحوّل سلوكه. الأخلاق تأتي من التعليم.

ثم يذكر إنجيل متى أن السيد كان يشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب. هذا كان يجيء من حنانه على المرضى، وكان يدفعهم الى الإيمان والتوبة. يسوع معلّم وصانع عجائب. وقد أعطى السيد في ما بعد قوة للتعليم وقوة للشفاء، وبقيت الكنيسة على هذا المنوال تُعلّم وتعظ وتهتمّ بالمرضى، وأخذ العالم المسيحيّ يَبني المستشفيات ليعرف المريض حنوّ الله ويعود الى الصحة.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

اللبناني المرجوّ ظهوره / السبت 5 حزيران 2010

حزني لم يدرك بعد درجة اليأس لأن من أبناء شعبي من بلغ القداسة حقا. عندنا حياة روحية كثيفة. هذه تنزل من الله في كل الشعوب ولا يصنعها تراب بلد ولا مناخه ولا تاريخه. الأخلاق الحسنة ثمرة لها ولكن أعماقها تفوق الأخلاق. هناك ناس فيهم دين حقيقي والله يعرفهم ويغذّيهم. هؤلاء يتخطّون كل عقل ووصف. لذلك لا يقعون تحت قلمي. غير أن الكثيرين يصدمون بمقدار ما هم يطلعون من هذا البلد الشقيّ، من تاريخه وسقطات تبدو ملازمة له. حسبي أن أشير إليهم وألتمس من الرب شفاءهم.

يلفتني في البحث عن المرض قول الكنيسة الأرثوذكسية انها مستشفى اي يتحكّم في أبنائها أمراض روحية اذ تُقابلهم بالمسيح وتراهم على ضعف كبير. قد يصحّ هذا الوصف على الكثيرين من المواطنين. قال لي مرة أستاذ في الأمراض العقلية: لبنان بمراعاة النسبة العددية اكبر مصح في العالم. سألته عن السبب قال: مجانين البلدان الراقية يفحصهم الأخصائيون في مستوصفات للأمراض العقلية بعد خروجهم من المصحّ لمعرفة ما اذا انتكسوا. نحن ليس عندنا مثل هذه المصحّات.

أعرف لاهوتيا أرثوذكسيا كبيرا وضع كتابا في الأمراض الروحية. ليس المجال لمناقشته هنا. ولكن ما لا يترك مجالا للشك أمراضنا النفسية ولست كبيرا في فحصها. ولكن ما هو بمتناول تأملاتنا جميعا هو المرض المتصل باجتماعياتنا وأعني بذلك موروث تقاليدنا وما هو الوقوع الفردي في الخطيئة، في الإغراء وذلك في مجتمعات راقية تحسب أنها على الرقيّ نفسه في الأخلاق، واذ بك تصدم بأن الأخلاق لا علاقة لها بالعلم. هنا يظهر لك أن حامل دكتوراه في أية مادة من المواد وماسح الأحذية واحد. وبعد التدقيق يظهر لبنان مستشفى تتكدّس فيه أمراض كثيرة لست أعرف من يعالجها.

انا لست عالم اجتماع او أنثروبولوجيا لأحلل أسباب أمراضنا. ولكن روي لي ان رشوات كثيرة ارتكبت في الانتخابات الأخيرة ما يدلّ على أن عددًا من أهلنا ضعفاء امام المال اي انهم لا يُقدّرون قدسية الخدمة العامّة وأهمية بلدتهم ولا فرق عندهم بين الذين يرئسون مجلسها البلدي اي لا يأبهون بجمال القرية وحسن السير فيها ونظافتها وصحتهم وصحة أولادهم. ببساطة القول هم غير جدّيين في العمل العامّ وكأنهم محصورون في ما هو كسبهم الفرديّ فقط وهو نفسه مرتبط بوضع البلد والبلدة او المدينة او القرية. اي ان عددا رهيبا من المواطنين يظن نفسه وعائلته قلعة محصّنة من كل جانب. لا يعرف على انحصار في الفردية أن ثمة ما يؤذيه وأنه اذا ارتقى خلقيا ترتقي عائلات أخرى وربما مجموعة عائلات.

# #

#
قد لا تحتاج الى تحصين مناقبيّ لتفهم ذلك. نوع من التربية ينعش فيك هذا الوعي ليجعلك تمتدّ منه الى الرؤية الاجتماعية.

غير أن ما جعلني في حالة صداع فكرة العائلة في الانتخابات. لماذا بدءًا تصطفّ مع العائلة. هل تقول »عائلتي دائما على حق«؟ هل، بالضرورة، عائلتي ضد عيلة الجيران؟ جسامة الخطأ هنا -على صعيد التحسّس الاجتماعي- أني لست أرى أن اختلافي مع أهلي قد يفرضه الله عليّ لأن الله مع الصالحين وانت مع مرشح قد تعرفه تافهًا ولكنّ ذويك اختاروه.

بكلام آخر أنتم قبيلة. كتبت كثيرا في هذا وأخشى أن أُكرّر نفسي. ولكن ما يَحضرني الآن أن القبيلة هي تلك الكتلة التي لا أثر فيها للفرد الا اذا انسلخ عنها وارتمى في حضن قبيلة اخرى او تبدّى في الصحراء وسُمّي صعلوكا. اللبناني مرشح للصعلكة اذا ساقته حريته أن ينسلخ عن جماعته او يبقى وحيدا. ولكن بعد أن اكتشفت الثورة الفرنسية مقولة الفرد وقالت انه مساوٍ لأي فرد آخر لم يبقَ مبرر للقبائل بطاقة العدواة التي فيها. انت، فردا مستقلا، تبقى ضمن ذاتك في أُمّة الله وفي المجتمع السياسيّ عضوا في الأُمّة السياسية التي تشكّل بلدك.

كيف الخروج من الجمعية الى الفردية، اي كيف الاستقلال وأن يستوعب دماغك وقلبك الوجود ولا يستوعبك أحد؟ أعرف أن هناك تشاورا بين شخصية وشخصية وليس بين عشيرة وعشيرة.

شغف المال هو عشق الخطيئة بامتياز، والجهاد فيه ليس بالأمر السهل، ولكن إن لم نعفّ عنه على المستوى الاجتماعي (صفقات سياسيين، رشوات انتخابية وإدارية) لن تقوم للبلد قائمة. ولكن القيامة ممكنة اذا حلّت النعمة الإلهية علينا -وهذا بيد الله- واذا ربّينا أنفسنا على احترام الإنسان الآخر في عفّته ليستقيم رأيه ويستقيم سلوكه.

# #

#
تكوين مجتمع سليم عمل المؤسسة الدينية أولا، ولكني أراها محتجبة عن هذا الموضوع وهي منهكة فقط بالعبادات الظاهرة، والله نعبده بالروح والحق كما جاء في إنجيل يوحنا. تحريك النفوس لتطهر لا أراه كثير الانتشار في الأوساط الدينية. اذا استعرت الصيغة الإسلامية في الكلام أقول انت لا تقفز من دنياك الى آخرتك بسهولة العبادة المفروضة ولكن بتقويم النفس في هذه الدنيا، فإذا انت طوّعت فيها نفسك للرب تفتح لك الآخرة أبوابها.

المجال الثاني مجال العمل الوطنيّ في ما يتعدّى إطار الطوائف. روابط ثقافية مسيّسة، أحزاب، جماعات ضاغطة في سعي الى ظهور المجتمع المدني الذي من شأنه أن يقوّي الفرد من جهة وأن يُظهر الجماعة المتماسكة عضويا بلا قبليّة. هذا المجتمع نظريا بوتقة تنصهر فيها القبائل ليطلع الوطن.

المجال الثالث الذي يساعد على تكوين الأُمّة السليمة هو الدولة المفروض فيها عدم الانحياز للوجوه وإقامة العدل الذي يربّي على استقلال الفرد والثقة بأن الحاكم أب لجميع بنيه. الحكم يربّيك وانت بفضائلك تربّيه. ما يحزنني أن شعبنا لا يؤمن بالدولة لعدم إيمانه بالبنية او الهيكليّة. هو شعب ينتشي بالزجل والغناء ويعتقد أن ما يجري في خياله وأساطيره يكفي حياته النفسية. قليل الإيمان بالانضباط، بالكلمة الوافي والدقيق معناها. لا يحب حكم الله في شهواته. يحصّنه ماله او نفوذه او العيش في ظلّ الأقوياء. شعب دائم الخوف. طمأنينته الى الله لا تتجاوز حد ذكرها لأنه يظنّ أن الله يستره دون أن يبذل هو جهدا لوضع نفسه حقيقة تحت جناحيه.

هذا انسان مهزوم امام مرارة الواقع ويؤثر الوقوع على بنيان نفسه من جديد لأنه يحب أن يبكي وله في هذا انتعاش، ولم يسمع أن الحياة تقويم للنفس في جهاد مستمر اي انها تعب ووجع، ولا يعرف أن الفرح يأتي من الصبر على الملمّات وتجاوزها بالإيمان العظيم والنسك العظيم.


Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

أحد جميع القديسين/ الأحد في أول حزيران 2010/ العدد 22

الى جانب الأعياد السيدية، كلّ يوم في السنة نعيد لقديس أو أكثر. هؤلاء ليسوا كل القديسين في السماء. هناك مَن مَجدَهم الله ولم تفكر الكنيسة بتطويبهم. لذلك نجمعهم في يوم واحد هو هذا الأحد.

إعلان القداسة لأحد المؤمنين لا يعني أنه كان خاليا من بعض الضعفات، ولا تَشترط القداسةُ عندنا صُنْع العجائب، ولكنها تشترط قداسة الحياة واستقامة الرأي. مَن كان رأيه يخالف الإيمان الأرثوذكسي في ما عَلّم وكَتب، أو مَن ارتكب خطايا جسيمة معروفة لدى أهل عصره لا يمكن إعلان قداسته.

إعلان القداسة يتمّ في الكنيسة المحلية التي كان ينتمي اليها (الكنائس القديمة مثل أنطاكية او الكنائس الجديدة نسبيا مثل كنيسة موسكو او كنائس البلقان) وذلك بعد فحص دقيق يقوم به المجمع المقدّس، فيتخذ قرارا رسميا يعلنه البطريرك او رئيس الأساقفة في الكنيسة. ويصنع له أيقونة وتُكتب له خدمة (غروب، صلاة سَحَر) ويدخل في التقويم المحلّي.

بعد هذا يمكن لأية كنيسة أن تتبنّى من أُعلِنت قداسته في كنيسة أخرى. لا شيء يمنع أن نعتمد ذكرى قديس غير أنطاكيّ نرفع له الصلوات يوم عيده.

في رسالة اليوم حديث عن آلام بعض القديسين في العهد القديم وعن نسكهم. هذا ينطبق ايضًا على بعض قديسي الكنيسة المشهود لهم بالإيمان والطهارة، في الكتابة اللاهوتية او رعاية الفقراء. القديسون منهم ملوك وكهنة ورؤساء كهنة وكهنة ورهبان وراهبات وعسكر وعلمانيون رجالا كانوا أَم نساء.

في إنجيل اليوم شرط القداسة الاعتراف العلَنيّ بالمسيح: «كلّ من يعترف بي قدّام الناس أَعترف انا به قدّام أبي الذي في السموات». هناك أحوال وظروف تضطرّك أن تعترف بالسيّد مخلّصًا وربًا وإلهًا. والاعتراف الأكبر هو الاعتراف بالدم أي الشهادة. الشهيد قدّيس حُكمًا لأنه أَحَبّ حتى النهاية، حتى بَذْل الدم.

الشيء الآخر الذي يقوله يسوع: «مَن أَحَبّ ابنًا او بنتًا او أُمًا أكثر منّي فهو لا يستحقّني». كلّ عاطفة بشريّة، حتى تكون سليمة وطاهرة، يجب أن تكون مستمَدّة من محبّتنا للمسيح وغير متناقضة معها.

«قد تَركْنا كلّ شيء وتبعناك» التي قالها بطرس للسيد هو الشرط الكامل للقداسة. هذا لا يعني أن تترك عملك او مهنتك، وطبعا لا يعني أن تهمل عائلتك وأصدقاءك. هذا يعني أن تكون حرًا وأن يكون قلبك مستقلًا بحيث يسكنه يسوع كله، وينضمّ الى حبّك ليسوع كلّ من سكن قلبك. الإنسان لا يأخذ لنفسه حصّة في قلبك الا اذا كانت مِن ضمن حصّة المسيح. حصّته هي كلّ قلبك.

يعود يسوع ويكرّر نفس الفكرة بقوله: «مَن تَركَ بيوتا من أجل اسمي يأخذ مئة ضعف ويرث الحياة الأبديّة». دائما هناك انسلاخ. المرأة السامريّة لمّا انضمّت الى يسوع تركت جرّتها، وهي من أجل استقاء الماء جاءت. ترك بلا إهمال. ولكن إن لم تكن متّحدًا بالمسيح لا تستطيع أن تخدم الناس. أَمّنْ وحدتك بالسيد واذهبْ حيث تشاء.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

المسيح الوسيط / السبت 29 أيار 2010

لماذا وبأي معنى قال بولس: «يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح» (1تيموثاوس 2: 5)؟ الفكرة الأساسية انّ «الله صالحنا لنفسه بيسوع المسيح» (2كورنثوس 5: 18) اذ كنا مقصيين عن بنوته باعتبارنا ابناء الغضب. كنا من حيث اننا مثل آدم ورثة معطوبيّته منفيين خارج الفردوس الذي هو كلمة عامة تعني الوجود في حضرة الله دون ان تدل اللفظة على المتعة بالغبطة الكاملة ودون ان تشير الى مكان ولكنها بالإضافة الى هذا في المصطلح المسيحي الشرقي تصف وضعنا بعد الموت اذا توفانا الله. ففي الأرثوذكسية لا يبلغ الصالحون السماء الا بعد القيامة ولكنهم في جوار الله وفي انتظار الخيرات النهائيّة التي نرثها مع كل المخلَصين.

كنا في نظام الكلمة النبوية والأنبياء ونجونا بعد ان فضح الناموس الموسوي شقاءنا وكشف لنا الخطيئة، وهذا كان فقط نفعه، غير اننا اقتربنا من الرجاء بورود الكلمات الإلهيّة التي حاولنا ان نجعلها مسكننا ولكنا كنا نحتاج الى مسكن كامل نبيت فيه الى الأبد هو الكلمة الذي صار جسدا وحلّ فينا ورأينا مجده… ولما كنا أبناء أرسل الله روح ابنه صارخا يا أبّا اي يا أُبيّ.

في لبس المسيح ناسوته اكتسب الطبيعة البشرية ومحا صكّ العبودية بعد ان قال: «لا أعود أُسمّيكم عبيدًا … لكني قد سمّيتكم أحباء» (يوحنا 15: 15). كشف بنوّتنا لله بفضل ظهور الله ابنه بشرا وهو حامل ملء اللاهوت جسديا. بسبب من هذه الثنائيّة في كيانه استطاع ان يكون وسيطا بين الله وهو مولوده والبشر الذين هو مولودهم ايضا. وساطة المسيح بين الله أبيه وله جوهره والبشر وهو من جوهرهم باتت ممكنة لأن الابن تأنسن مع بقائه واحدًا مع الله، وهو في ناسوتيته المتسربلة الألوهة استطاع ان يكون وسيطا. ولهذا قال الرسول ان الوسيط هو الإنسان يسوع المسيح.

الوساطة اذًا هي الخلاص الذي تمّ مرة واحدة وفي زمان واحد في التدبير الصائر في الموت كما نرتل في سحرية السبت العظيم. ولكون الأمر هو هذا، لا معنى للقول الشائع في الغرب ان مريم مشارِكة في الفداء. هي لا تستطيع ان تكون فاعلة الخلاص لكونها بشرا محضًا وهي مخلَصة (بفتح اللام). ان الكلام «الشعري» عن مشاركتها في عمل الخلاص ينفي عن السيد حصرية الخلاص فيه.

واذا قالت الكنيسة البيزنطية «يا والدة الإله خلصينا» وما يشبه هذا، فهذا ايضا كلام شعري يفيد ان تفعيل الخلاص المعطى لنا بنعمة يسوع المسيح وحده تحمله الينا مريم من حيث انها تطلبه بصلاتها لا من حيث انها تكمّله كفاعلة. الصلوات ليست بالضرورة مصدرًا للعقيدة وقد كتبها أتقياء بزخم تعلّقهم بالقديسين وبلا دقة لاهوتية أحيانا.
# #
#
ان استعمالنا لجذر توسّط منطبقا على العذراء والقديسين لا يعني اكثر من ايماننا انهم في مشاركتهم القوى الإلهية يبتهلون من اجلنا. ماذا يعني هذا الابتهال وما هي دعامته الكتابية او التراثية ليس مجال تأمّلنا اليوم. انه التعبير عن وحدة اهل السماء وأهل الأرض في التوجّه الى الإله الواحد. وفي إدراكنا للكنائس الإنجيلية نرى انها غافلة عن الشعور بهذه الوحدة التي نسمّيها شركة القديسين. ان قيامة المسيح تعني لنا انها فاعلة اليوم اي بين زمانها والزمان الأخير. نحن ننظر الى مَن هم في المجد ونخاطبهم لأن «الله ليس إله أموات بل إله أحياء». نحن نؤمن بأن الزمان الحاضر، زمان الكنيسة مدى خلاص قائم ومعطى فعليا وليس فقط مُرجأ الى ما سيكون. نحن لا نتصوّر ان الزمان فارغ من حضور المسيح ولا نتصوّر أن الزمان يحكمه الموت وحده.

عندما نرتل «المسيح قام» نؤمن أن هذه القيامة تلف جسدنا هذا المائت وتلسعه لسعة فصحية. اعترف بأن بولس ذكر القيامتين فقط لأن قرّاءه اليونانيين كان منهم مَن شك بالقيامة الثانية، واما تجلي الطبيعة الإنسانية اي امتلاؤها من المسيح الحي فيعني ما قلناه والا ما معنى حديثه عن الخليقة الجديدة. الا ان فصحية الانسان واضحة كثيرا عند يوحنا: «من يؤمن بي فله حياة أبدية» «والحياة الأبدية هي أن يعرفوك» انها الآن.

أظن اننا في إطار الوساطة ينبغي أن نفهم قول السيد في يوحنا «لا أحد يأتي الى الآب الا بي». هذا كلام في سر التدبير الذي تحقق على الأرض بانعطاف سر اللاهوت وعليهما يقوم الكشف او الإعلان المسيحي. انت تأتي من الأرض، من الفداء، الذي حصل على الأرض وارتضته السماء. انت تصعد الى السماء لأنك نزلت من السماء بالروح القدس. الذهاب الى الآب للإنسان يبدأ بالمعمودية التي هي امتداد المسيح الينا بروحه. هذا مستمَدّ من سر التدبير وهذا يتعلّق بالكلمة المبشَر بها. تذهب الى صاحب الكلمة إن سمعتها وهذا في حركة المسيح الى الآب. هذا كلام لا ينطبق على الذين لم يُبَشَروا بالإنجيل ولم يسمعوه.

هنا على الأرض لم يكشف المسيح «المسيحيّ» نفسه الى كل الخليقة. على مدّ آلاف الكيلومترات طولا وعرضًا في الصين لم يسمع أحد بيسوع الناصري. كيف يأتي هؤلاء الى الآب؟ فالزعم أن الإنجيل بُشّر به في كل مكان كلام هراء. الكنيسة المسيحية محصورة في الغرب والشرق الأوسط وبعض المناطق القليلة جدا في آسيا، ولم تسمع بها مناطق أفريقيّة كثيرة، فكيف يأتي هؤلاء الى الآب؟

الإيمان شرطه التبليغ، ومَن آمن من بعد تبليغ يَخلُص. ولكن التبليغ ليس هذا الذي يصل الى الأذن ولكن ما يصل الى القلب. اما لماذا يحدث عند هذا ولا يحدث عند ذاك فهذا سر غير مكشوف لنا. عندما يقول الكتاب: «ومَن لم يؤمن يُدَنْ» يتضمّن هذا الكلام أن البشارة حصلت ووصلت الى القلب وعندئذ يعلنه الإنسان باللسان.

لقد كشف المسيح ابنِيّة الإنسانِ لله. هناك من يعرف ابنيّته، وهناك من لا يعرف. هل يبطل هذا أن يكون ابنا؟
هناك افتراض ايمانيّ أسوقه هنا بشكل سؤال: هل يكشف المسيح نفسه لكل ميت من بني البشر ليتحقق قوله: «لا يأتي احد الى الآب الاّ بي»؟ في هذا لم ينزل علينا شيء من السماء. ولكن اعتقادي أن المسيح الظافر يحتضن كلّ من توفّاه الله، كل نفس مات صاحبها. لست أتعرّض الآن الى إقرار لم يرد في الإنجيل. هل يخلص الإنسان الى اي دين انتمى؟ هنا يدخل الرجاء، رجاؤنا أن المسيح يتخطى كل انتماء روحيّ في الأرض ليجمع ابناء الله من كل الحظائر الى أبيه. «لي خراف ايضا ليست من هذه الحظيرة».
انا لم أتكلّم عن مساواة كل الأديان في الحقيقة. رجائي أن تتغلّب محبة الله على كل الحدود لأن الله محبة. الله لا ينقض ما قاله. ولكن هل ما أعلنه هو كل الإعلان أم أن حنانه هو كلمته الأخيرة ولو قلت ان قول مسيحه: «لا أحد يأتي الى الآب الا بي». لو قلت كلام يسوع نسبيّ وليس مطلقا أكون قد كفرت. ولكن كلامه مرتبط بسر موته وظفره بالموت اي انه ينبغي أن نقرأ كلام المعلّم على ضوء هذا الذي حدث وعلى ضوء الغفران لكل بني البشر.


Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

المطران والمؤمنون/ الأحد 23 أيار 2010 /العدد 21

هناك مسألة تطرح نفسها دائما وهي هذه: هل المطران رئيس في الكنيسة في كل مكان ومجال، أَم للكاهن والشعب ممثلا بمجلس الرعية استقلال عن رئيس الكهنة. اذا لم يكن عندك رؤية لاهوتية، فهم لاهوتيّ لمقام المطران، تبقى في تخبّط وفي تناتُش صلاحيات لا ينتهي. أبدأ بهذا أن العقيدة الأرثوذكسية تقول ان الأسقف راعي الخراف أي الذي يقول مصلحة الخراف الروحية، وهذا أوكله إياه المسيح بحيث لا يجوز القول: هنا أَمَرَ المؤمنون مع كاهنهم مستقلّين بأشياء، والأسقف مستقلّ بأشياء. اذا كان الأسقف هو الرقيب على كل شيء فلا يستطيع أن يراقب اذا لم يُعْلِمه الكاهن والشعب عمّا ينويان أن يعملا ليعطي رئيسُ الكهنة البركة اي الموافقة.

وهذا يتناول الشاردة والواردة، ذلك أن الأسقف هو كاهن على كل المذابح اي فاعل في كل مكان وفي كل دقائق الأشياء الا اذا انتدب شخصا او مجلسا للقيام بعمل ما. على سبيل المثال اعتاد أهلُنا أن يأخذوا موافقة المطران على خريطة لبناء كنيسة أي هذا يعني أنه ليس لأحد أن يغيّر حجرا او خطوطًا في التنفيذ لأن هذا متعلّق بجمال المبني وكون العمارة خاضعة للطقوس. مثال آخر على سلطة المطران الأيقونات حتى تأتي جميلة وموافقة للنمط البيزنطيّ. والإدارة المركزية مسؤوليتها أن تكون مطّلعة على هذه الأمور. تعيين مرتّل أمرٌ من أمور الطقوس، ولرئيس الكهنة رأي في هذا وإدارته المركزية تعرف ايضًا.

المبدأ العامّ أن البدء بشيء جديد على أي صعيد بما في ذلك الدعوة الى عشاء خيريّ خاضع لسلطة المطران، فقد لا يحبّذ الدعوة الى عشاء او لا يرضى عن التاريخ لأسباب هو يعرفها. التغيير في معالم الكنيسة (زجاج ملوّن او غير ملوّن مثلا) لا يستطيع مجلس الرعية وحده أن يبتّ فيه.

كل استبعاد خطأ ومؤذٍ. واذا آذى تحكّم المطران، فتحكّم الشعب والكاهن المحلّي يؤذي أكثر. من هنا ضرورة التشاور والتفاهم على كل شيء. في أكثر من موضع بُنيت كنائس بدون معرفتي. انا أفترض حُسن النية. ولكن ماذا أعمل إن كان هذا البناء لا يُفيد احدا او ليس قائما حسب الخط الأرثوذكسي؟ ألا يظهر هذا على أنه ورقةُ جلبٍ للمطران حتى يأتي ويُكرّس؟

اذا كانت هذه الشكوى تقع على قلّة من الأماكن، فالأكثرون يفهمون ويعودون إليّ بالتفاصيل في كل أمر جديد عندهم. للقلة أقول ان اختصاص المطران ليس فقط الصلاة ولكن رعاية شؤون المؤمنين في حياتهم. لماذا اللجوء إلينا لطلب مركز في الدولة وغير الدولة، والاستقلال عنا في شؤون كبيرة او صغيرة في هذا الموضوع او ذاك. هذه بنوّة ناقصة وجارحة. لا تَدَعوا المطران يُحسّ أن هؤلاء استغنوا عنه ولا يَستغنون عنه إن كانت لهم مصالح.

المطلب هو التعاون الصادق بين الأب وأبنائه لمجد الله.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

في التفجّع عند الموت / السبت 22 أيار 2010

رأيت قلّة من الرجال يتفجّعون، ورأيت اكثرهم صابرين، وهذا في الديانتين، وكأن المسألة نفسانية ومجتمعيّة. هل هذه إرادة في إظهار الرجولة، وهل في بكاء النساء وما يصحبه من غلوّ متعلّق بالطبيعة الأنثوية الأقوى عندها الانفعال؟ ما من شك أن المرأة تكره الموت. ربما كان ذلك في المسيحية والإسلام عندنا لأنها الكائن الحافظ الحياة والناقل الحياة وتاليا كان الموت ضد طبيعتها. ولكن ما من شك ايضًا أن في الأمر جانبا حضاريا، فالأوربية تعلّمت أن الغلوّ في التفجّع منافٍ للكياسة المطلوبة في المجتمع الراقي. من هنا أن المسألة تبدو بالغة التعقيد مع قناعتي أن تهذيب الطبائع ممكن بلوغه على مستوى التربية.

الى هذا أظن اننا كلّنا في حاجة الى دراسة المجتمعات الدينية لنعرف تأثير العامل الديني في موت يتحوّل الى فاجعة او موت يُزيّن بالصبر. فيما شاهدته على شاشة التلفزيون أن النسوة المسلمات يبكين ايضا والرجال المسلمون يبقون على هدوئهم. هل هذا ناتج من عقيدة القضاء والقدر ومن حكم هذه العقيدة للنفوس؟ ولكن يبدو أن موت الشهادة جعل في نفوس النسوة صبرا جميلا. الى هذا هل المشهد الشيعي أعظم إيلاما بسبب من كربلائيّته ولا سيّما في العراق؟

اما المشهد المسيحيّ فغاية في السوء حتى ولو بلغ الميت شيخوخة طاعنة. لا شك أن التفجّع في هذه الحالة أقل حدّة. مع ذلك الاضطراب عميم وحقيقيّ، ولست أظن أن ثمة تمسرحا دائما او تمسرحا كبيرا. المرأة لا تطيق الموت ولا يطغى عليها الّا تهذيب للنفس فعال.

أظن أن التفجّع واحد عند المسيحيات في لبنان في كل الطوائف، في الساحل والجبل، ولا فرق هنا بين مؤمنات يلتزمن عمل الله ويُمارسن الصلاة وربّات منازل لا يعرفن الصلاة الا قليلا، فلا قضاء الله في العقول ولا تأثر بمعزّين يَذكرون أن هذه مشيئة الرب، ولكن عند المعزّين كلمات استسلام. كلام من اللغة لا ينفذ الى القلوب كأن هناك طقس نوح وعويل. هذا هو الندب القديم على تمّوز. هذا هو الدين الفينيقيّ الذي يُفترض أن تكون المسيحية محته في سطوع ندائها الفصحيّ. هناك نسيان وجوديّ يحكم النفس حكما مريرا، ومواجهة صدامية بين الحياة والموت لا تغلّب فيها للحياة.

قبل بلوغي المسيحية في هذه الأسطر لفتني في القرآن ما جاء في سورة الزمّر 43: «الله يتوفّى الأنفس حين موتها». هذا يعطف على قوله في آية أخرى: «ربي الذي يُحيي ويُميت»، وهذا مِثْله في العهد القديم. الموت هو ما يحدث في الإنسان بأمر من الله ويستعيد الله النفس اليه، وهذا ما يسمّى الوفاة.

يقول الإمام الرازي في تفسيره ان الله «فوّض في عالم الأسباب كل نوع من أنواع الأعمال الى ملك من الملائكة ففوّض قبض الأرواح الى ملك الموت» (المجلّد الثالث عشر ص 280). دون نكران هذا التفويض الإلهي الذي هو السبب الأول اي الله ألا يسوغ أن ننظر الى الأسباب الثانية القائمة في علم البيولوجية فيكون الموت من الطبيعة بأسبابه المباشرة وليس لعلماء البيولوجية أن يبحثوا في ما يتجاوز مراقبتهم للطبيعة.

السؤال الذي يطرح نفسه هو هل سنّ الله نواميس الطبيعة. الفكر الأرثوذكسي يقول ان الله وضعها بعد السقوط وهي الآن تحكم الكون. هناك تمييز واضح عند كل المسيحيين الآن أن هناك فرقًا بين سابق المعرفة الإلهية وبين إرادته. فالله يعرف ما سيكون، ولكن هذا لا يعني أنه قرره منذ الأزل وجعل له وقتا في زمان الناس. يأتي اذًا موتي من الدورة الكونية ثم يتوفّاني الله اي يقبضني اليه.

اذا ذهب مسيحيّ عربيّ عند مسيحيّ ليعزّيه عن عزيز يقول له: »هذه مشيئة الله« اي انه لا يفرّق بين معرفة الله السابقة وبين إرادته إذ بقي وريث العهد القديم من هذه الزاوية وورث الإسلام في القضاء والقدر. ويهوّن على نفس أصدقائه الألم ولكنه لا يمنع التساؤل: لماذا كانت المشيئة الإلهية هكذا، او بتعبير آخر: لماذا أراد الله عذابي وتمزيق قلبي، او لماذا هذا التصادم بين الحكمة الإلهية والمعقولية البشرية؟ وهل نحن منتزعون شيئا من القدرة العلوية وتقويض النواميس الطبيعية التي تدور في آليتها؟

أما بعد فالمسيحية كل مضمونها قيامة المخلّص التي أبطلت فاجعيّة الموت والمسافة بين الأحياء والأموات. لقد قال يسوع عن نفسه: «انا هو خبز الحياة»، وتوسّع بهذا حتى قال: «انا هو الخبز الذي نزل من السماء. من أكل من هذا الخبز يحيا الى الأبد» (إنجيل يوحنا). يحيا فعل مستمر من الحاضر الى الآتي. الحياة الأبدية تساقطت علينا منذ موت السيد ولازمتنا أفي هذا العالم كنا أم في العالم الذي انتقلنا اليه بالموت. لذلك نسمّي الموت في عباداتنا رقادا بمعنى أنك ترقد في المسيح الحيّ اليوم وغدا والى دهر الداهرين. قيامة البشر جميعا في اليوم الأخير مستمدّة من قيامة السيد. لذلك نقول في واقعية روحية كاملة ان المسيح أبطل الموت.

السماء عندنا ليست حالة كلية الجدة. هي «كمال ملكوت السموات» الذي أُوتيناه لما «صار الكلمة جسدا وحَلّ فينا». ليست السماء مدى. انها هي المسيح ومعه أحباؤه. «قام المسيح وليس من ميت في القبور» (يوحنا الذهبي الفم). لذلك تستنير أجسادنا المدفونة في الأرض عند بعثها بالنور نفسه الذي تسربل المسيح به عند انبعاثه وتبطل نواميس الطبيعة الساقطة. هذا الجسم الذي تبدو عليه في الملكوت جسم روحانيّ.

فكر بولس الرسول يتجاوب وفكر يوحنا الإنجيلي فهو القائل: «الحقيقة هي أن المسيح قام من بين الأموات وهو بكر من قام من رقاد الموت… وكما يموت جميع الناس في آدم، فكذلك هم في المسيح سيحيون… الإنسان الأول من التراب فهو أرضي، والإنسان الآخر من السماء… وكما لبسنا صورة الأرضيّ، فكذلك نلبس صورة السماويّ… فأين نصرك يا موت؟ وأين يا موت شوكتك» (1كورنثوس 15).

امام هذه الأقوال اذا استوعبناها، أين مطرح التفجّع اذا رحل عنا قريب او صديق او جار؟ كيف نسمح للأعصاب أن تثور. لنا أن نبكي كما بكى يسوع على صديقه لعازر. ولكن ليس لنا أن نقع في اضطراب وجود. لنا أن ندمع كمن لهم رجاء.

المسيحيون الأوائل كانوا يرتدون ثيابا بيضاء عند موت. من أين أتت الثياب السوداء وهذا اللطم للوجوه؟ هل ظللنا على الديانة الفينيقيّة ولم يعبر المسيح الحيّ الى قلوبنا؟ الفصح يا إخوة ليس عيدا وحسب. انه حياة جديدة تُقيمنا في السلام فإن المسيح سلامنا. انه هو طبيعتنا الجديدة ونورنا والهدوء.

عند وفاة واحد منا نقرأ عليه المزامير في البيت حتى نقيم جنازة كلها رجاء. كيف نُبيّن أننا أولاد الفرح.

أيقوم رجل مقدام مؤمن بالقيامة ليُقنع أفراد عائلته بأنهم مدعوّون أن يعيشوا قياميا ويلتزموا السلام وهدأة التصرف عند حدوث موت. اذا تصرفت إحدى العائلات هذا التصرّف ويتبعها العاقلون.


Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

خطاب بولس الى الكهنة/ الأحد 16 أيار 2010 / العدد 20

بولس، في رحلته الأخيرة الى فلسطين آتيا من أوربا، اشتهى أن يصل الى اورشليم قبل العنصرة اليهودية، وكان راكبا البحر، وكان بإمكانه أن يجعل أفسس محطة له. لكنه آثر أن يتوقف في ميليتس أي الى جنوب أفسس.

وهناك استدعى قسوس الكنيسة التي في أفسس. هؤلاء كانوا كهنة على الأقل. ولكنه سمّاهم في خطابه اليهم «أساقفة» لأن الكلمتين قسّ وأسقف كانتا مترادفتين. هذا لا يعني أن الكنيسة لم يكن عليها أسقف بالمعنى الذي أخذ ينكشف لنا في أواخر القرن الأول. الوظائف كانت مختلفة ولو كان القسّ يُسمّى أحيانًا أُسقفًا كما في هذا الموضع من أعمال الرسل.

عندما اجتمعوا اليه حذّرهم من القائمين بأمور ملتوية. فتلك المنطقة كان فيها يهود خطرون، وكان فيها أصحاب ما نسميه الغنوصة (العُرفان بالعربية) يُشوّهون التعاليم المسيحية ويحاولون غزو الفكر المسيحي، وبعضٌ من هؤلاء كانوا أعضاء في الكنيسة. من تعمّد لم يكن ليتحرر بسهولة من الفكر المغلوط الذي يسبّ فيه. اليوم تجد مسيحيين عندهم أفكار تناقض دستور الإيمان. اذا سألتم ناسا عما اذا كان المسيح إلهًا وإنسان معا اي قائما في الوجود قبل ان يولد من مريم قد لا يكون جوابهم واضحًا.

السهر على كنيسة الله عنى في هذا الخطاب محاربة البدع (الهرطقات) وحفظ الناس في استقامة الرأي. هذه تبقى وظيفة الكهنة وتنقضُ وجود كهنةٍ غير متعلمين اللاهوت الأساسي.

ذكّر الرسول كهنة أفسس انه اهتم برعيّتهم ثلاث سنين. كان إنسانا لا يتعب من البشارة ولا يملّ. ثم ذكرهم أنه «لم يشتهِ فضة أحدٍ او ذهبه» وأنه كان يؤمن دخْله من عمل الخيام بيديه. يعطي الكلمة ولا يأخذ شيئا في المقابل، وهمّه أن يساعد الضعفاء بالقليل الذي كان يكسبه، وكان يذكر دائما بواجب المشاركة. المحبة المسيحية تعبر عن نفسها بالعطاء المادّي، والذي لا يقوم به تبدو محبته كلاما.

وعلى هذا الأساس ذكرَ كلمةً للرب يسوع غير واردة في الأناجيل: «العطاء هو مغبوط أكثر من الأخذ». من يأخذ قد يعرفُ أن المعطي يحبّه بسبب يسوع وقد لا يعرف. ولكن مَن أعطى صادقا وتواضَعَ يُحبّ الذين يعطيهم بالمسيح. ثم الا يعني المال شيئا للكاهن أساسي لرسالته.

«ولما قال هذا جثا على ركبتيه». لا شك أنه شكر لله لقاءه بأهل أفسس وأهل ميليتس، وطلب الى الرب أن يُثبّتهم بالإيمان وأن يحفظهم من الشرير. وعرف أنه ذاهب الى الآلام في فلسطين، وهناك صدر الحُكم بسجنه، واستأنفه إلى قيصر.

إنه هو الذي كَتَبَ: «فإنْ عِشْنا فللرب نَحيا، وإنْ مُتْنا فللرب نموت، فإن عشنا او متنا فللرب نحن».

Continue reading