Author

Aziz Matta

2011, نشرة رعيتي

شفاء المشلول/ الاحد 20 آذار 2011/ العدد 12

بعد تجوال للبشارة في الجليل، عاد يسوع الى كفرناحوم المدينة التي اتخذها مسكنًا له بعد الناصرة. «وسُمع انه في بيت» او في البيت. هل كان يسكن مع بطرس ام ان هذا كان بيتا استأجره. في هذا المكان أُتي إليه بمخلع، اي بمشلول كما نقول اليوم، يحمله أربعة رجال لم يتمكنوا من دخول المنزل بسبب ازدحام الناس عند الباب فصعدوا الى السطح وكشفوا السقف ونقبوه ودلّوا المحمل المُسمّى هنا سريرًا.

في فلسطين كما في جبل لبنان قبل زمن غير بعيد كان عندنا بيوت سقفها من تراب موضوع على خشب، وكنا نستعمل المحدلة لرصّ التراب منعا لتسرّب المطر.

كلام يسوع للمريض: «يا بنيّ، مغفورة لك خطاياك». جعل اليهود يعتبرون هذا الكلام تجديفا لأنه يتضمن أن بشريا جعل نفسه إلها إذ في نظرهم كان يسوع فقط إنسانا. ولم يشاهد بشر في العهد القديم -نبيا كان ام معلمًا للشريعة -يقول لإنسان آخر: مغفورة لك خطاياك.

عند تعجبهم قال لهم الرب: «ما الأيسر أأن يُقال مغفورة لك خطاياك، أم أن يُقال قم واحمل سريرك وامش». غير ان السيد أراد أن يثبت صحة كلامه فقال للمخلع: «لك أقول قم واحمل سريرك واذهب الى بيتك».

لماذا قال يسوع اولا: مغفورة لك خطاياك؟ الجواب لأن لغفران الخطايا أهمية أكثر من الشفاء، واليهود كانوا يعتقدون ان المرض نتيجة الخطيئة. العهد الجديد لا يقول هذا. ففي إنجيل المولود أعمى في يوحنا يقول عنه الرب: «لا هذا أخطأ ولا أبواه» ليولد أعمى.

تمّت الأعجوبة وشاهدها الجميع.

من العبر التي نقتبسها من المعجزة هذا: أن نقتنع ان الشفاء الروحي أهم من الشفاء الجسدي. فإذا اعترانا مرض، المهم اولا أن نطلب من الرب النجاة من الخطيئة وأن نتوب دائمًا أبدًا. هناك عبرة أخرى أن نذهب بكل خاطئ الى يسوع كما ذهب بالمشلول الأربعة الى السيد، وكما حملوه نحمل نحن الخاطئ بسلوكنا الجميل فيهتدي به او نهديه بالكلام الحسن ليترك خطيئته.

نحن لا نلوم الخاطئ فقط، لكن نعظه بالكلام الطيّب ونكشف له حسنات الفضيلة التي خالفها وذلك بروح الوداعة. فالخطر علينا أن نؤدبه بقسوة. القسوة فيها استعلاء. نؤدب من سقط بلطف شديد لئلا يبقى على خطيئته. نذكرُه كلَّ يوم أمام يسوع. نبكي من أجله ليتلقاه برحمته.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

رهبة الموت / السبت 19 آذار 2011

ما من رهبة تقارَن برهبة الموت لأنه العدو وان كان من عداوات اخرى فهي مهيئة له. ولعل شيئا من الخصومة بيننا وبينه ناتجة من كوننا لا نستطيع ان ننتظره اذ لا نعرف اليوم ولا اللحظة اللذين يحل فيهما. يأتيك مرض رهيب وتبقى في الوجود ولا يأتيك مثل هذا وتخفى.

أنسباء من مات وأصدقاؤه يحسون هذا الرحيل وكأنه قصاص ينسبونه الى الله. هذا يعبرون عنه بقولهم ان »الله يميت ويحيي« اذ لا بد ان يحل حدث كهذا بأمر من كان سببا لكل شيء. أليست وظيفة الخالق ان يكون مصدرا لكل شيء والشيء يعني الوجود كما يعني العدم. غير ان هذا الاعتقاد يعني ان لله خطة في الغاء الحياة كما له خطة في استمرارها. هذا يعني بصورة أبسط ان ربك منذ الأزل يمسك بدفتر سجل عليه اسمك وكتب عليه السؤال هو لماذا يهتم لك حتى تبلغ المئة او أكثر او لماذا يتخلى عنك كما تقول العامة. أليس الاقرار بالتخلي الالهي إقرار بتحيز الرب في هذا الأمر او ذاك.

في الحقيقة لسنا نعرف المقاصد الإلهية اذ تركنا في السر الكامل امام حدث لا مهرب منه. أعترف ان هذا مخيف ولكن كثافة الخوف تزداد عندنا اذا اعترفنا ان الرب سبب انخطافنا عن هذا الوجود وتتغير مواقفنا كليا اذا آمنا ان الله يحب استمرارنا في الوجود وليس له موقف اعتباطي ولا يملك دفترا يفتش فيه عن اسمك وزمان رحيلك لأنه ليس بمزاجي ويبقى على صعيد العاطفة البشرية الموت محجوبا سره عنا وقد ينكشف السر في اليوم الآخر.

#   #

#

في سورة الزمر، الآية 48: «الله يتوفى الأنفس حين موتها» تمييز بين فراق النفس عن الجسد والتوفي الذي يقوم به الله. هذا القسم من الآية يبدي اننا امام امرين: الأمر الاول: موت النفوس وتوفي الله النفوس التي فارقت. يستعيد الله من النفس وديعته. هذا هو عمله. اما بأي سبب تعود اليه من اصطفافها في الطبيعة فهذا سؤال لا يبدو ان ثمة جوابا عنه.

انا لا دخل لي في حديث القضاء والقدر. أتمسك بقراءة مستقلة تبين لي الفرق بين الوفاة وما يسميه الكتاب «موت الأنفس» لأقول ان النفوس تذهب الى الله كما تذهب ويتقبلها الله برحمته وكل شيء عند المؤمن هو هذا التقبل.

ولا يتعزى المؤمن اذا شرحت له السبب البيولوجي للحدث . انه على فهم نسيبه او صديقه ذلك، الحزن حزن وفي الحقيقة ان المعرفة البيولوجية للفراق ترجيح والترجيح العلمي لا يعزي لأن حبيبك قد ذهب وما كنت تريده ان يذهب.

القصة كلها انك لا تحب الغياب. الألم ان من كان في عينيك أمسى خارجا عن النظر وكل شيء هو اللقاء الدائم في العيون وفي باقي الحواس. الوجود هو في اللصوق. لا أحد يصالح الغياب ويبقى الانفجار على مقدار الحب ولا يقوم الكون على قاعدة الفهم العقلي والبكاء تسجيل لعدم الفهم.

اذا جعلت ميتك في حالة انحسار عن ناظريك وذاكرتك يكون هذا بدء تحررك من صورة له قابضة عليك ولا ينفع ان تنقله من بصرك الى بصيرتك اذ يبقى هذا انكماشا لك فيه ويختزن عناصر موات فيك. انت عليك ان تتحرر من الأموات لأن حياتك فقط في الله. اذا جعلت المائتين في رعاية الرب اي في حقيقة محبته تكون قد رفعتهم الى الحق. لقد سمعنا كثيرا في مآسي الحرب: هذا الشهيد او ذاك فينا. اذا كان هذا القتيل او ذاك حيا فيك فأنت عبده. انت مدعو الى الحرية من كل الأموات واللقاء بينكم هو فقط في الصلاة اي في حركة دفعك اياه الى ربك اذ لا يحتاج هو اليك ولكن الى انعطاف الله عليه.

ما يسميه المسيحيون شركة القديسين لا علاقة له بتذكر الأحياء للذين ذهبوا. هي المشاركة في القداسة فقط. الكنائس التي تؤمن بالاستشفاع ليس فيها ارتكاز على الانفعال العاطفي. انه الارتكاز على الروح القدس الذي يطهر الأرواح كلها ويؤلف منها كنيسة واحدة.

الجهد الذي لا بد من بذله تأسيسا على ما قيل هو ان نرى الميت الذي نعز متكئا على صدر المعلّم فإن العشاء السري مستمر وفي انسلاخنا عن هذا العالم نستمع الى قلب السيد ويبدأ الفهم ويصعدنا الى الآب الذي في حضرته نتكئ على الرحمة التي هي مجالنا عنده. في الملكوت نذوق القيامة شيئا فشيئا. القيامة ليست زمنا. هي حنان واذا كنا نرجو هنا الغفران فإنه ينزل علينا مذ ارتحال النفس عن الجسد اذ لا يمكن عند الافتراق ان نكون امام العدم. منذ اللحظة الأولى نحن في الرؤية تأكلنا القيامة بحيث نبدأ الدخول الى الفصح.

فصحيتنا ليست مرجأة ولكن الفصح الواحد المشترك يعلن في القيامة الأخيرة ليسطع حب الله علينا وحبنا له.

من هذا المنظار المجد ليس مجزأ. انه سعة متسعة. من قدر ان يعيش هذا بقناعة تامة لا يموت.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

أحدُ الأُرثوذكسيّة/ الأحد 13 آذار 2011 / العدد 11

بعد أن باشرنا الصوم الأحد الماضي ومارسنا شيئا من التقشف والإمساك، وبعد أن كثّفنا صلواتنا، رأت الكنيسة أن تُخصّص هذا الأحد لتذكيرنا بأننا نصوم ليقوى إيماننا، فسمّت هذا الأحد أحد الأرثوذكسية وهي كلمة يونانية تعني استقامة الرأي. فإن لم يكن اعتقادك بالله مستقيما يكون صومك باطلا.

وذكرت في رسالة اليوم قديسين من العهد القديم، وذكّرتنا بآلامهم (توتير الأعضاء، الضرب… الهزء، الجلد، السجن، الرجم، الموت بحد السيف). وقالت الرسالة انهم كلهم مشهود لهم بالإيمان.

الى هذا وضعت الكنيسة في الأحد الثاني من الصوم ذكرى للقديس غريغوريوس بالاماس (القرن الرابع عشر) الذي أَوضح الإيمان الأرثوذكسي بصورة قوية في تعليمه عن النعمة الإلهية غير المخلوقة.

اما الفصل الإنجيلي فيتضمّن دعوة الرسل كما رواها يوحنا. المذكور أولاً بينهم هو فيليبّس الذي كان من بيت صيدا (وهي غير صيدا اللبنانية). من هذه هذه المدينة كان أندراوس وأخوه بطرس. الرسول يجد شخصا آخر يضمّه يسوع الى من صاروا اثني عشر. من آمن يبث الإيمان الى آخر. رابع المدعوّين كان نثنائيل الذي رفض أن يأتي نبي من الناصرة.

غير أن يسوع قبله. كشف السيد نفسه لهذا الذي شكّ فيه فاعترف به: «انت ابنُ الله، انت ملكُ إسرائيل». فكان تعليق السيد: «الحق الحق أقول لكم انكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن البشر».

المسيح جامع السماء والارض وهو وحده الوسيط بين الله والناس. هذا هو إيماننا. الأُرثوذكسية تُلخّص بهذا الكلام.

آباء العهد القديم نظروا الى المسيح فآمنوا بالآتي. أما نحن فقد آمنّا أنه أتى. هذا إيمان واحد. غير أن الأقدمين «لم ينالوا الموعد لأن الله سبق فنظر لنا شيئا أفضل أن لا يكمُلوا بدوننا». إذ لا يخلُص احد قبل رؤيته الصليب والقيامة. آباء العهد القديم شاهدوا المسيح عن طريق النبوءة. نحن شاهدناه بإنجيله اي بما تحقّق.

الرسل والإخوة رأوه بعيونهم. نحن لم نره بالعين. قبلناه بسبب الرسل الذين بشّرونا به بالإنجيل وآمنّا به بالكنيسة التي يحتضنها هو وتنقله هي بالبشارة والأسرار المقدسة.

أحد الأرثوذكسية يجمع بين من رأوه جسديا والذين لم يروه جسديا. نرجو أن يحفظنا الرب في الإيمان المستقيم ويمنع عنا البدعة والشذوذ والسقوط في الفكر المنحرف. وهذا يحتاج الى جهاد المحافظة على القراءة الدينية المستمرّة وعلى مشاركتنا الخدم الإلهية والصلاة ولاسيما في هذا الموسم المبارك الذي نتهيأ فيه للفصح المجيد.

اذًا دعوتُنا هي الى الصيام الطيّب والمطالعة التي تُقدّس النفس وتُجدّد فيها النباهة. يرضى الله عنا إذا صُمنا كإخوة مع كل الكنيسة لنسير معا الى القيامة.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الكلمة والروح / السبت 12 آذار 2011

النفس البشرية ميدان التوتر بين القيام والسقوط. هي في طريق القيام وفي طريق السقوط. ليس للخير وجه يساير وجه الشر. انهما يتصادمان. هناك نزف لا نعرف كيف يتفجر وانت مفطور على الخيرات ولا يسكنك الا الله. ما من ذات اخرى تنثني فيك. هناك انبثاث الهي يتسرب اليك وانبثاث ابليسي او وساوس شيطان يوما بعد يوم وتتشرب بثا بعد بث حتى ساعة شفاء.

ليست القضية قضية ميزان بين نوازع خير ونوازع شر في النفس. ليس ثمة كفة ترجح وما في الأمر حساب. السؤال هو ما في عمقك. سؤال ربك في الأخير هو هل انت معي. في اللحظة الأخيرة، في الدينونة السؤال هو هل انت معي في كثافة وجودك البادي أمامي. الإنسان لحظة، وجود أمام الوجود الإلهي. فليست المسألة ان يفحصك ربك في الوصايا العشر التي أعطاها الله موسى. هذه اشارات، جملة وتفصيلا، الى كونك صديق الله او عدوه.

انت في هذه الدنيا لا تخرج بالتوبة من رذيلة الى فضيلة. هذا يحدث مرات بالتوبات العظمى. ما يحدث، هو نقلة من سوء وضعك الى وجه الله، من انحجابك عنه الى انكشافه لك. المكشوف وجهه للناس بحسناتهم يقول لهم «تريدون وجه الله» (سورة الروم، 38). فمن بعد سيئة لا يحول عملك الى حسنة الا اذا أردت وجه الله ذاته اي اذا دخلت في حبه. بسبب من ذاته وبذاته يمحو خطاياك. ليس السؤال ماذا تطلب ولكن من تطلب. واذا كانت اللغة تقول لك انت تطلب الرحمة او الغفران او الاحسان وما اليها تكون في الواقع طالبا الله اذ لا تمتلئ النفس الا به. انه هو المالئ الكل بكل جمالاته. «ومن ملئه نحن جميعا أخذنا. ونعمة فوق نعمة» (يوحنا 1: 16). هناك اذًا نعمة تختلف عن نعمة ولكنها جميعا صادرة عن الملء الإلهي. ليس غلوا تاليا ان أقول ان الخاطئ ينتقل من مقاطعة ربه الى معاشرته. بلا هذه المعاشرة لا نرث شيئا ولا نرى شيئا.

هذه القربى تلاشي البعد بين القدرة الإلهية وما تستطيعه انت. قد تصل القربى الى حد اللصوق. ما الفرق بين اللصوق والوحدة؟ بينك وبينه فسحة في الجوهر اذ هناك هوة بين الخالق والمخلوق لئلا تزول الخالقية او تزول عبادة المخلوق للخالق. على ذلك هناك وحدة ما حتى نتمكن من الكلام عن صلة. بلا صلة حقيقية انت مشلوح في الخلق شلحا. لا بد اذًا من بث إلهي في الإنسان او من فعل إلهي أزلي في الإنسان يتم به الخلاص.

ينزل الله اليك بالحب الالهي حقيقة. بينك وبينه تواصل او ليس من شيء. كل مواجهة تواصل. ان يكون وجهك الى وجه آخر في المحبة. يوحدهما. ولو بقيتما على استقلال. الذات تقابل الذات ولكنها لا تتباعدان حتى الانفصال اذ تبطل، اذ ذاك، المواجهة. اذا استطعت ان تؤمن تنوجد في هذا اللقاء بينك وبينه.

#   #

#

هل ينطبق مفهوم الحوار في علاقتك مع الرب؟ الحوار يتضمّن مساواة ما بين شخصين. في اللامساواة القائمة بينك وبين الله ليس من حوار الا اذا تنازل الله بمشيئته ان يجعلك بمحبته متصلا به حتى الوصال. في المسيحية هذا ممكن بسبب التجسد الإلهي. يلبس فيه ربك التساوي. ليس ذلك تصنعا او اصطناعا ولكنه عمل تنازل على مستوى المشيئة الإلهية. يقابل ذلك منك تصاعدا بشريا. هذا ما يمكن تسميته حوارا بين الله والإنسان. في الحقيقة هو انضمام منك اليه والخضوع لكلمته.

ماذا لا يتضمّنه الحوار؟ اذا أنت أغرتك الخطيئة -وهذا ما نسميه التجربة- لا يناقشك الله. هو يأمرك أمرًا. أمرك ان تسكت الإغراء، ان تقول لا للخطيئة في اول ظهورها في ذهنك. انت لا تناقش الشيطان. ترفضه رفضا منذ البدء. لا تتردد في الكلام معه. ترده بحدة. تنكفئ في كلمة الله. تمتلئ منها كثيرا في خزانة قلبك حتى تنسكب فيك وتواجه الإغراء بشدة حتى لا تقيم مع الإغراء حوارا.

تجذبك لذة الخطيئة. فقط نور القيامة اذا نزل عليك ينتشلك من جاذبية اللذة الى فرحك بمعاشرة المسيح. «لا تترك لذة الا لذة أعظم» (باسكال). عندما يشدك فرح الرب اليه يهون خيارك. افرح في الرب كل حين حتى يقوى فرحك في أوان الضيق اي حتى يصبح ينبوع مقاومة منك. لك ان تألف الرب حتى يصبح مأواك وفي هذا المأوى تتشدد.

#   #

#

هنا يأتي السؤال عن تقوية الإرادة. ما من شك انك في كل مرة تقول للإغراء لا تتقوى وتستقوي بالروح الإلهي. الإرادة فيها رياضة روحية وفيها ما يهيئ دروب النعمة. غير اننا نلاحظ ان اباءنا لم يتكلّموا كثيرا عن ترويض الإرادة. انهم تكلّموا بخاصة عن الصوم والنسك وقراءة الكلمة والصلاة. هذه كانت عندهم وسائل ترويض الروح البشرية، ترويض الكيان الكامل.

التعفف عن الطعام والشراب واللهو وكل ما كان غير نافع في الأوان الذي نحن فيه، هذا التعفف بناء كامل يهيئنا لاستقبال النعمة. وان نتخطر في النعمة ونصبح بذا كلمة إلهية يجعلنا نرد ما كان يصدم الكلمة ويحولنا في كل مشاعرنا وأفكارنا عقلا الهيا ومسكنا لله بالروح.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الغفران / الأحد 6 آذار 2011 / العدد 10

غدًا الاثنين نرجو الله أن يدخلنا الصيام بنعمته إذ لا يصوم الإنسان إلا بقوّتها فيذكّرنا بولس بأن «قد تناهى الليل واقترب النهار». النور في أسابيع الجهاد الآتي سينسكب علينا ونسير خطوة خطوة الى ضياء الفصح ونتجلّى بالرضاء في حضرة الله. في الرسالة يدعونا بولس الى مكافحة الشهوات المؤذية، وفي الإنجيل حديث أول عن الغفران وحديث آخر عن مكافحة شهوة المال الرهيبة.

لماذا الكلام عن الغفران؟ لأنك تصوم مع الآخر ومن أجل الآخر. ليس موضوع الصيام في حقيقته أن تأكل أو لا تأكل. الموضوع أن تحب. دائما الآخر قبلك. انت متطهّر من أجله. فإذا أنت غفرت له ما أساء إليك يندفع الى محبة الرب له فيقبل الرب وربما يقبلك ايضا في غفران مماثل. مرادك أن تشفي الذي أساء اليك وألا تنتقم.

إن أساء إليك أخوك يكون منتقما لإساءة أصابته. يحسّ أنه يدفع عن نفسه جرحا جرحه. إذا لم تغفر للآخر تكون حافظا عليه شرّه ومتمسكا بكبريائك المصدومة. اما إذا غفرت تكون قد تجاوزت هذه الصدمة. اترك كل شيء لله فهو يشفيك ويشفي الآخر.

هكذا تكون حرا من نفسك ومن وطأة البغض عليك. كذلك أنت حرّ من صومك اذ لا ينبغي أن تُحسّ أنك كسبت على الله حقا يسجله لصالحك. لذلك يقول لك السيد: «إذا صُمت فادهن رأسك واغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفية وأبوك الذي في الخفية يجازيك علانية». العلاقة بينك وبين الله كلها في القلب وفيه بدايات السماوات، والعالم الخارجي السطحي ليس بشيء. الإمساك مجرّد ترويض لنفس تطلب وحدتها مع الرب.

الوحدة العميقة مع الرب يرى إنجيل متى أنها الحرية من وطأة المال علينا اذ يقول: «لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض… لكن اكنزوا لكم كنوزا في السماء». لا شيء يجرّدنا من حريتنا الداخلية كما يجرّدنا المال: الطعام ايضا يملكنا حتى الاستعباد. ماذا ينفعك الصيام اذا استولت عليك شهوة الملك؟

وينتهي الفصل الإنجيلي بقول يسوع: «حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم». سيادة الله على القلب لا تتّفق مع سيادة المال عليه. اسعَ اذًا ألاّ يكون كنزُك في المال اذ يكون عندئذ سيدا على قلبك.

ادخلْ اذًا صيامك ولا تشبع لأن الطعام ولو صياميا لا يكون حياتك. العفة هي قناعتك أنه يُستغنى عن كل شيء. التحرر من كل ما تحسبه ضروريا هو الخطوة الأولى الى صعودك سُلّم الفضائل. اذ ذاك، تكون قد قبلت سيادة الله عليك. صلِّ كثيرا حتى لا يسيطر عليك شيء. هذا أول تمرين لك في هذا الصيام العظيم.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الصوم آتٍ / السبت 5 آذار 2011

بعد غدٍ تدخل كنائس الشرق معا باب الصيام لإيمانها انه طريقها الى الفصح. والفصح وعد العبور من الظلمة الى النور. وإبادة الظلام تحققت مرة واحدة لما قام مسيح الله من بين الأموات وبتنا نذوق الحياة الجديدة بانبعاثه. ليس لنا في المسيحية ان نعرف غير هذا اذ لم ينزل علينا سر آخر ولا تفقهنا بمضمون تعليمي آخر. كيف تتقن ما نزل عليك، كيف تصيره؟ كيف ما كان في عمق الله وسلوك ابنه يتصور فيك ويصبح مسيرتك حتى يبطل التفريق بين ما هو وحده لله وما هو لك. يبطل السؤال اذا عرفت انك تكتمل بدنوك من الرب وان هذا في الحقيقة دنوه منك. هذا هو توقك وتوقه. توقك هدية نفسه اليك هو ليس عنده غير ذاته يهديك. قد رأى ربك انك ان تحسست هديته او تحسسته هدية تنمو به اليه.

انت لا تخرج من نفسك اليه لأن لقاءكما يتم فيك. ان توغل في نفسك لاستقباله وتقبله لا يختلف عن تقبله اياك في أنواره وهذا التحاقك به ووحدتك فيه. هذا هو التوحيد ان شئت البصيرة والا يكون قابعا في فوقيته وانت في دونيتك ولا يغدو احد منكما قد اجتاز الهوة. ردم الهوة تنازله اليك وتصاعدك اليه في اللامدى، في اللازمان، في ارتباط شاءه وأنعم به عليك، ارتباط لا يتروض هو عليه في سماء كماله وتتروض انت عليه بسبب من مخلوقيتك. ينبغي ان تنمو بشريتك فيك وينبغي ان يسر هو بها ليجعلك ابنا محبوبا. الصوم محاولة من محاولات نموك يراه هو عطاء منه وتلمسه انت التماسا للنعمة. هذا كله تروض فيك وبه اي خروج جهاد اليه ولكن من جهته هو ضمك اليه وهو ليس فيه جهاد. انه حنانه المسكوب يسهل لك الدرب اذ قلت له: «سهل خطواتي حسب قولك ولا يتسلط عليّ إثم. نجني من بغي الناس فأحفظ وصاياك».

#     #

#

كل قصة الصوم ان تحفظ وصاياه. «من أحبني يحفظ وصاياي». الصوم إذًا رياضة عميقة الجذور، أمتن من أن تكون مجرد إمساك او نظام طعام «الطعام لا يقدمنا الى الله لأننا إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص» (١كورنثوس 8: 8). الصوم لا يستغرقه إمساك على نمط معيّن. وفيه أنظمة مختلفة حسب الحضارات الدينية. فيها كلها انقطاع عن الطعام في فترة محددة نفهم منها ان هذا الانقطاع ضبط للرغبات ومراقبة لها، نوع من التسلط على الجسد ابتغاء لحرية النفس وانعتاقها من الشراهة.وقد استفاض آباؤنا النساك في الحديث عن هذه الرذيلة وجعلوا التحرر منها شرطًا للتحرر من الشهوات الاخرى. هذا اختبار الروحانيين ومن مارس الصوم طويلا مع شرط الصلاة المكثفة ومطالعات الكلمة الإلهية التي ترسخنا في معرفة الله.

الصلاة والصوم يبدوان في الكتاب القيم مجتمعين حتى التداخل او التلازم حسب إيقاع زمني يحدده هذا الدين او ذاك، هذا المذهب او ذاك. هناك قواعد روحية او نفسية الإخلال بها مؤذٍ، مرتبطة بالتراث أحيانًا كثيرة. على سبيل المثال قوة الصلاة والاستعداد للفصح او لقداس الأحد أمست أسسا ارتبطت بها نفس المصلي حتى يعسر عليك ان ترميها وتحافظ على سلامة توازن داخلي.

اهتزاز القواعد الموروثة من خبرة القديسين يعرض النفس الى خطر والى اعتبار الحياة الروحية غير متصلة بالجسد. هذا الجسد أساسي في تكويننا وفي حمله الروح التائبة. هذه الوحدة بينهما منعشة لكل منهما وتجعلهما في مسالمة تصل الى حد المصالحة.

#     #

#

اقتران الصوم بالصلاة ناتج من كون تفريغ الجسد من بعض طعام يستدعي ملء الكيان بالكلمة الإلهية لئلا نصل الى الفراغ الكامل. الروح ينادي الروح. بكلام آخر، الله اذا سكب نفسه فيك يخاطب ذاته وترتفع. غير ان ثمة جانبا عظيمًا في كل مواسم الصيام انك تصوم مع الاخوة. كلكم سائرون معا الى الفصح. كلكم تتنقون معا على مقدار النعمة التي تنسكب على الكنيسة، اذ ذاك تصبح الكنيسة كائنا فصحيا واحدا. شاهدا على انها تخلي ذاتها من ترابيتها لتصبح ضياء المسيح.

في حقيقة هذا الجهاد تسعى الكنيسة موحدة به ان تصبح عروس المسيح. الفصح، حقيقته لا العيد فقط. ان نخطب للسيد في عرس أبدي. هذا يتطلب ان نكون للآخرين إمساكا واستعطافا وافتقارا الى الله الذي يحبنا بوحدانيته. الله الأحد قادر وحده ان يجمعنا اليه وبعضنا الى بعض كي لا نتشرذم ونتماسك امام وجهه ونتدرج اليه فنتعلم الفقر اليه وانه هو الحاجة الوحيدة.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الدينونة / الأحد 27 شباط 2011/العدد 9

قبل دخولنا الصيام يجب أن نمتحن قلوبنا فإن كانت ملوثة لا ينفعنا الصيام. ستكون دينونة علينا يتحدّث عنها إنجيل اليوم الذي يكشف فيه المسيح نفسه ديانا، وصورة الدينونة أن هناك تمييزا بين الذين عملوا الصالحات والذين عملوا السيئات، والصالحون يسمّيهم السيد مبارَكين، ولمّا عرف الرب بسابق معرفته أنهم سيعملون الصالحات أَعدّ لهم المُلك قبل إنشاء العالم أي انهم سيملكون مع المسيح. إنهم عرفوه في حياتهم هنا. كيف وهم لم يروه؟ والأشرار جهلوه في حياتهم هنا. كيف وهم لم يروه؟

يقول الرب يسوع للصالحين «جعتُ فأطعمتموني وعطشتُ فسقيتموني»، ثم يذكر احوالا أُخرى يقول انه كان فيها مع أنه لم يمرّ شخصيا في كل هذه الأحوال، فيردّون عليه «متى كنت جائعا أو عريانا أو محبوسا فلم نسعفك؟». يردّ عليهم بقوله: «بما أنكم فعلتم ذلك بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه». المعنى أنه كان جائعا في الجائع وغريبا في الغريب ومريضا في المريض أي انه وحّد نفسه بكل محتاج. «الله لم يره أحد قط»، أنت تراه في الجائع والمحبوس والمريض.

اذا لم تحبّ أخًا محتاجا لا تكون قد أَحببت المسيح، واذا أحببته تكون قد أحببت المسيح بحب. في المبدأ اذا أَعطيتَ الجائع والمريض بزيارته والسجين بزيارته أيضا تكون قد أَعطيت المسيح.

مقابل الاهتمام بالآخر خطيئة الغفلة وهي التغاضي عن الآخر والبخل بالعاطفة. ليس البخل فقط ألاّ تعطي المحتاج مالا، ولكن ألاّ تعطيه محبة، أن تترك المريض في عزلته والمحبوس في عزلته. أنت تعرف أن المعزول أو المتروك ينتعش بقبول الآخرين، يحسّ بنفسه موجودا. المرض ليس فقط الوجع إو الحمّى، ولكنه الإحساس بفرقة الآخرين.

المسيح يسمّي كل هؤلاء المتروكين إخوته الصغار أي الذين يستصغرهم الناس. اذا أَغفلنا الشفقة والتقرّب من الضعفاء ورفْعهم بتواضعنا أمامهم الى أعلى منزلة، نكون قد أَغفلنا الرب نفسه وانعزلنا عنه. لذلك نذهب الى عذاب أبديّ.

ليس معنى هذا فقط أن جهنّم تنتظرنا من بعد القيامة، ولكنا نُرمى في عذاب الضمير في هذا العالم. نكون متروكين من المسيح. أما إذا اقتربنا من المحتاجين نشعر بأن الرب يسوع قد اقترب إلينا.

السماء مشاركة ليس فقط مع الله ولكنها مشاركة مع الذين أحببناهم هنا ورفعناهم بالمحبة الى ربهم. السماء هي شركة القديسين. في الملكوت يفنى كل حزن ونسكُن في الفرح ويُساكن أحدُنا الآخر ويرى وجهه طافحًا في الفرح. أما في جهنم فيقول آباؤنا ان أحدا لا يرى وجه أحد بل يكون كل واحد مكبّلا الى ظهر الآخر.

هذه صورة تقول ان ليس في جهنّم مشاركة، وليس أحد أَخًا لأحد. في مشاعر الإخاء نلج باب الصيام وفيه انقطاع في سبيل الفقراء وتعزيز لهم حتى يحلّ الفصح علينا جميعا بالفرح وقوة المشاركة.

Continue reading
2011, جريدة النهار

الدينونة والصوم / السبت في 26 شباط 2011

كلمتان لا يبدو توا كيف نجمعهما. غدا في كنيستي يقرأ ما نسمّيه في تراثنا إنجيل الدينونة الوارد في متى وفيه يتحدث يسوع عن مجيئه الثاني في مجده ليدين الأمم كلها مع انه في انجيل آخر قال انه ما أتى ليدين العالم بل ليخلص به العالم. ويظهر من الفصل الذي نحن في صدده انه يفصل في اليوم الأخير بين أحبائه واولئك المعدين للعذاب الأبدي.

كل فكر الكتاب ان الدينونة في اليوم الآخر، في انقضاء الأزمنة. ما العلاقة بيننا وبين الرب قبل انتهاء الدهور؟ ما معنى انتهاء الدهور؟ لن أغوص على هذا الآن اذ ليس من انقطاع زمني بيننا وبين الألوهة. ليس من انقطاع بيننا قبل الموت. ونحن في مواجهة دائمة. لن أبحث اذًا في الأزمنة. زمان الرب حضوره. الله يفحصنا في كل حين ويفرق عن الذهب المعادن في البوتقة الذي يجعلها على نار تمحيصه.

هذه الرؤية الإلهية الخارجة عن الزمان تريدنا الكنيسة ان نكون فيها قبل ولوجنا نطاق الصوم المطل علينا بحب إلهي كبير والحب هذا يمحصنا ابتغاء النقاوة اذا قبلناها.

المواجهة مع الله استنطاق وحكم. والسؤال الوحيد على لسان الرب هو هذا: «ماذا فعلت بأخيك»؟ هل أحببته؟ هل قتلته؟ ألا يقول الله لك: هل اذا قتلت أخاك تكون قتلتني واذا أحببت أخاك تكون أحببتني.

يقول لك الرب: «اني جعت فأطعمتموني وعطشت فسقيتموني» الى ما هناك من أسئلة متشابهات. علاقتك بي علاقتك بالآخر. أنت لا تعطيني شيئا. انا معطيك. وأنت لا تؤذيني إذ لا يعنريني فساد ولا تنقص مني شيئا ان أهملتني. لا تسربلني حلة ضياء ولا تنشر علي ظلالك فأنا نور الى أبد الآبدين. لا تميتني وانا القيامة والحياة. انت ان أعطيت الآخر تعطيني به. انا في مخلوقاتي. كلي في مخلوقاتي.

يقول السيد لكل منا: لما انصرفت عنكم الى الآب تركت لك اخوتك الذين هم إخوتي. وجه كل واحد منكم صورتي. اذا اعتبرت هذه الصورة جميلة تراني انا جميلا واذا استقبحتها تكون قد استقبحتني.

#    #

#

لا تقدر ان ترجئ توبتك حتى ساعة موتك لأن التوبة لا تتحكم بها ساعتك ولا ييسرها لك أحد وليس فيها إنجاز. قد ينقض عليك الموت وانت سلمت نفسك للبشاعات الروحية الكثيرة والكثيفة.

واذا صرفت نظرك عن الموت وعشت لحظة بعد لحظة يدينك الله متى لقيك اي في كل حين وقد تبيد برؤيته وانت لا تستطيع ان تحجب عنه ذاتك لأنه فيك مهما فعلت وهو لا يحتاج الى عرش من ذهب يستوي عليه ليفحصك. لأنه يخشى عليك مصيرك يستبق الدينونة الأخيرة وتعذبك رؤيته ويحل فيك الخوف من عدم انعطافه ويخفي عنك قلبه وقلبه سره الكامل.

الله ديان في كل حين لأن وجهه في كل حين اليك ويريد المحاكمة مرة ومرتين ومرات حتى لا تغنج ولا تتكل على مرات قد لا تعود. هو لا يقبل اجتماع الذهب والمعادن غير الثمينة لأنه يريد الثمين الخالص. وهذا ما سماه هو الكمال وتلمسا للكمال خطوة خطوة رتبت الكنيسة الصيام موسما للتقشف وضبط الرغبات والانقطاع عن استلذاذ الدنيا طلبا للفرح الالهي.

وحتى لا يظن المؤمن انك قادر ان تنكب على الله دون انكبابك على الانسان جعلت محبتك للقريب مقياسا لطاعتك للرب فارتضى المسيح ان يتماهى مع الانسان تماهيا كليا فاذا أحببت هذا تكون أحببت ذاك ولا يفصل في كيانك اللاهوت المتنازل عن الناسوت المتصاعد ليتكامل في نفسك لاهوتك وناسوتك على صورة ما هو الحاصل في المسيح.

اختلاطك بالآخر دنوك من المسيح والآب في الروح القدس لتحل السماء على الأرض بحلول النعمة عليك ولا تقيم الهوة بينك وبين المخلوق الآخر لئلا تتيه. التماسا لهذا التلاقي بين الناسوت واللاهوت اسهر دائما على الانسان الآخر فيحس المسيح انك له.

#    #

#

الى هذا لا تقع في خطيئة الغفلة. لا يحاسبك الرب فقط على ما تقترف ولكنه يحاسبك على الغفلة، على الإهمال. ان لقيت جائعا فاطعمه لأنك تكون قد أطعمت المسيح. وان رأيته عريانا فاكسه اذ تكون قد كسوت المسيح وان لم تفعل تكون قد تركت المخلص عاريا.

إهمال الآخر يستفظعه الرب كاقتراف خطيئة. انتبه دائما الى أخيك ولا ترجئ الانتباه. قد يكون في حاجة اليك في الآن الحاضر وليس في الآن الآتي. هكذا الصوم. لا نصوم اليوم ونهمل صيامنا في الايام المقبلة. شيء من خلاصنا قائم على الاستمرار. ليس من انقطاع بين الصالحات. الدوام على الخير جانب من جوانب المحبة.

ادخل الصيام بإقبال وتجنح وهمة حتى لا تحسب بين الكسالى ولا تدان الهنيهة بعد الهنيهة. السماء، اذ ذاك، تهبط عليك حتى تعلنها القيامة مفتوحة.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

الابن الشاطر/ الأحد 20 شباط 2011/ العدد 8

حكى يسوع كثيرًا عن التوبة صراحة. هنا يؤلف حكاية تُصوّر هذا التعليم تصويرا. وتدور الحكاية او المثل هكذا: انسان كان له ابنان، الصغير أراد ان يأخذ مسبقًا حصته من الإرث وأن يفترق عن بيت الأهل، والآخر لم يرد القسمة بل أراد البقاء في البيت. الصغير أخذ كل أمتعته وعاش في بلد بعيد على هواه عائشا في الخلاعة. أنفق كل شيء إذ حدثت في الغربة مجاعة وحاول أن يعيش بمال قليل يجنيه من عمله ولكن كسبه كان قليلا.

فكر بالعودة الى بيت العائلة وأن يقول لأبيه انه ابنه أي أن يعترف بخطاياه. فيما هو غير بعيد عن البيت رآه أبوه. هل كان الرجل على شرفة او على سطح مطلّ على آخر طريق العودة؟ هل انه لم ييأس من عودة ابنه؟ هل كان يتوقّع أن يقع الشاب في خسارة اقتصادية لكونه ذهب لينفق لا ليجمع ثروة؟

«رآه أبوه فتحنّن عليه وأسرع وألقى بنفسه على عنقه وقبّله». لم يوبّخه، لم يلُمه، لم يقل له ان السلوك الحَسن كان أفضل من السلوك السيء. اكتفى بأن يعانقه وان يعطيه الحلة الاولى ويلبسه فقد كان ممزَّق الثياب ككل انسان جاع وما كان عنده ان يشتري ثوبا. وذبح له العجل المُسّمن وقال للخدّام: «ان ابني كان ميتًا فعاش وكان ضالا فوُجد». سمّاه ابنه اي لم يقطع العلاقة به.

وكان في الحاشية غناء ورقص، وتعجب من هذا الابن الذي بقي حرا وغضب لكونه اعتبر ان أباه كان ظالمًا ففصل نفسه روحيا عن العائلة ولم يُرد أن يدخل، وأخذ يُمنن أباه واعتبر نفسه بارّا. كيف يُعامل الأزعر مثل الطاهر؟ كيف يفضّل الولد الساقط على الذي لم يسقط؟ هذا ما كان يدور في فكره. أيكون جزاء الزاني أن يعامل مثل الذي بقي طاهرًا؟

منطق الآب كان منطقًا آخر. البار أُعامله كصاحب البيت. يأكل ويشرب ويتنعم بكل ما في البيت. تنعّم الى الحدّ الأقصى وليس من حقّه أن يُعاقب أخاه. والمال للأب وهو حرّ به. ولم يمنع عن الكبير شيئًا. لم يحرمه شيئًا. العجل المُسمّن له والخاتم والحذاء، وله الحق أن يعطيها كلها لمَن شذّ ومرق.

كان قلب الوالد همّه أن يخلص ابنه المتمرّد وأن يقول له انه لا يزال يحبّه، وأحسّ الوالد بأن ابنه الصغير كان كالميت وسمّاه الإنجيل ميتًا.

هذا المثل الذي سُمّي «مثل الابن الشاطر» في تراثنا هو في الحقيقة، اذا اعتبرنا الولدين، «مثل الوالد الحنون» الذي غفَر للولد المُتمرّد وعامل بالعدل الولد الأكبر. عامل كل واحد بأسلوب ولكن بالمحبّة الواحدة. يسوع جاء ليخلّص الخطأة، وإذا ميّزهم فلكي يحسّوا ويتوبوا ويعودوا الى وجه الآب السماوي.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الخاطئ / السبت 19 شباط 2011

ان سألت أي انسان عن الخطيئة يجيبك انها تعدي الوصية. يؤتى الجواب من اعتقاده ان الله آمر ناه. هذه صورة الله الشارع والقاضي. والرب هكذا لأنه يواجه الإنسان. بما في الخالق من جوهر وما في الإنسان من جوهر بمعنى انه لا يأمر اعتباطا ولا ينهى اعتباطا ولكنه ينطلق من ذاته ليقول واذا بدا لك قاضيا فلكونه يمدّك بصفات هي فيه. انه يقاضيك لأنه يريدك على صورته، لأنه جعل بينك وبينه مجانسة. انت تخطئ لأنك اخترقت هذه الوحدة الأولى، المنشئة اياك التي جعلها الله شبها بينك وبينه.

في اللغة من أخطأ الطريق عَدَلَ عنه ومن أخطأ الغرض لم يصبه. في المصطلح الديني انت تريد شيئا أمر الله به ولا تفعله او تفعل شيئا لم ترده وانت قاصد هدفًا ولم تبلغه واذا كان الله الهدف ولم تصل اليه او لم تفلح في الوصول اليه فأنت خاطئ او آثم او مذنب لأنك سهوت عن البلوغ. انت اذًا غير منشغل بالله، غير مخطوف اليه. واذا كان حب الله هو القوة للثبات فيه فأنت ما سعيت الى المكث فيه. فلا فرق عندك بين ان تلازمه او تجانبه او لا فرق بين ان تتصل وتنفصل. فاذا قررت الانفصال او ارتضيته تحسب انك قائم بنفسك، ما لك لذاتك. لذلك كان الآثم ملحدا وضح عنده هذا ام لم يتضح. الخطيئة أقسى كثيرا مما نتصوّر. لا تأتي عرضا. هي فعل كينوني في غاية العمق والاجتراء.

الخطيئة قاسية لأن الله يتقبل بالخطيئة صفعة من الانسان اذ يقول هذا لربه بتركيب لفظي او غير تركيب انا الله. كانت العلاقة بينهما قبل سقطة آدم علاقة اشتياق. والله أمين لشوقه. اما الإنسان فانقطع عنده الاشتياق اذ «دخلت الخطئة الى العالم وبالخطيئة الموت» و «خوفا من الموت بتنا جميعا كل حياتنا تحت العبودية» اي اننا نخطئ خشية من الموت ظنا ان ما يحرّك فينا الإثم حياة لا بعدها حياة وكلما تعددت وتنوّعت وجوه الإغراء ننأى عن وجه الله فيمحى او يكاد.

#     #

#

كل إثم غرور لأنه شبع الاستكبار. في كل أحواله قتل للأنا المحبة او تجريح للآخر. الذنوب اذا خرجت تصل الى كل آفاق الكون فيهتز بامتدادها حتى التصدّع. «العالم كله تحت الشرير». والصلاة التي علّمنا اياها يسوع تقول: «نجّنا من الشرير» وكأن الرب يوحي انا في حاجة الى صلاة لا تنقطع حتى لا يسيطر علينا روح الشر ونبقى ملاصقين الرب لنعود الى الوجه الذي انفصلنا عنه بشهواتنا. المشكلة الوحيدة التي تواجهنا هي مشكلة الخطيئة. ليس المرض ولا الفقر ولا الاضطهاد شيئا تجاه وطأة ذنوبنا علينا.

ما يلفت في الإنسان الخاطئ تماسك الشهوات حسب طبيعتها فالحسد والغيرة والبغض والغضب انما هي اصول لذنوب متشابهة بحيث ان الواقع في ذنب من هذه الذنوب ينجر الى أخرى متلازمة. شهوة الشراهة ملتحمة بما هو قريب منها في الجسد بحيث ان من أخطأ الى جسده بتعبير ما يخطئ اليه بتعبير آخر. من هذا المنظار امكن القول ان الخاطئ كتلة من الخطايا او صار خطيئة.

كذلك الفضائل متماسكة فاللطف والوداعة والتواضع متلاحمة ويصعب الانفكاك الواحدة دون الانفكاك عن الأخرى واذا قوى الانسان الروحاني حسنة واحدة فيه يقوي الأخرى تشدد القوى الروحية مجتمعة قد يأتي من شدة فضيلة واحدة.

هذا قد يقود الى مسؤوليتنا في تقوية الإرادة. فيما تقرأه عند الآباء. النساك لا نرى تشديدا على ما يسمى الإرادة كما نرى ذلك في الإرشاد العصري. نرى كلاما على الجهاد الروحي اي تقديس الروح بالصلاة وقراءة الكلمة.

الإلهية والصيام اذ القضية عودة وجوهنا الى وجه الآب بعد ان تحولنا عنه. ما نفتش عنه هو تجديد الكيان البشري كله بالكيان الإلهي. فالصوم مثلا يوجّهنا الى التسامي عن الشراهة وتاليا عما يتعلّق بشهوة الجسد وعشقنا للمال المتصل بشهوات عديدة نبتعد عنه بالكرم ومحبة الفقراء.

هذه الفضائل تعود اليك اذا كشف الله وجهه اليك. وضم كيانك كله اليك وأنزل عليك جمالاته مجتمعة فتكون فيك مجتمعة اي يصير كيانك شبيها بكيان الله.

#     #

#

هنا تعترضنا فكرة الندم. التوبة اقوى من الندم او من الحسرة اذ لا ينبغي ان نفكر كثيرا في ما مضى الحزن الشديد على الخطيئة اذا مضت والتركيز عليه كثيرا يعيدنا الى الخطيئة. اما التوبة الحقيقيّة فهي انطلاقة دائمة نحو وجه الله ونقاوته من جهة ونحو المستقبل الذي نطلب ان نتجدد فيه بالنعمة.

التوبة التي هي تجديد فكرنا وقيمنا تجعل لنا سلوكا قويمًا يهبط علينا من علُ. سرها قول الرسول: «صلّوا بلا انقطاع» اي استردوا افكاركم الى الله بتبني فكر المسيح وهذا يحصل باكتساب الكلمة واستنزالها وعودتها الى الرب بكلماتنا التي يضعها فينا بالروح القدس.

المبتغى الا نصالح الخطيئة، اي خطيئة من اي فئة. ان نبقى يقظين لئلا يتسرب الينا ضعف. كل شيء ما عدا بهاء الله استعداد للضعفات اذا اخذنا هذا المجد نكون ذائقين لبر الملكوت منذ الآن وقائمين في الفرح.

Continue reading