Author

Aziz Matta

2012, مقالات, نشرة رعيتي

الناموس القديم والإيمان/ الأحد 9 كانون الأول 2012/ العدد 50

همّ بولس الكبير في الرسالة الى أهل غلاطية أن نثبُت في الحرية التي حرّرنا المسيح بها ولا نبقى مرتبطين بناموس موسى لكوننا وصلنا الى الإيمان. وتوضيحًا لقيامنا بالمسيح بالإيمان وأننا تبرّرنا به، يوضح الرسول أننا لا نخلص بطاعة المسيح، ويأتينا بكلام يدل على ان اليهود الذين رفضوا المسيح هم عبيد مع مدينة اورشليم، ويقول ان المسيحيين أكانوا من الأمم أصلا ام من اليهود هم مواطنو اورشليم السماوية.

الدليل الأساسي على النعمة والحرية هي الخبرة المسيحية لحياة جديدة في المسيح. ويحثّ كل الذين كانوا تحت الناموس المقروء في المجامع أن يفحصوا نتائج اتخاذ الناموس عوضا عن النعمة كطريق خلاص.

توضيحًا لموقفه يدخل الرسول في تأويل وضع إسماعيل ووضع إسحق ابني إبراهيم. أُمّ إسماعيل هاجر كانت عبدة لسارة أُمّ إسحق الذي هو ابن الموعد. ابن الجارية مولود حسب الجسد. كان لسارة تسعون سنة لما وُلد منها إسحق. هنا يؤكد بولس أن الأمر صار ممكنا بسبب الإيمان. هذا ما سمّاه الموعد. إسماعيل ظهر بلا موعد دون غاية روحية معينة وليس له مساهمة في تاريخ البشرية. اما فرع إسحق فأعطى المسيح.

ويوضح بولس أن هاتين سارة وهاجر يرمزان الى عهدين، أحدهما من طور سينا وهو جبل في ديار العرب ويناسب اورشليم الحالية، وفي الواقع ان طور سينا المعروف الى اليوم بهذا الاسم هو في ديار العرب (وليس من مصر). اورشليم التي لم تصل الى حرية أبناء الله اي التي بقيت على عبوديتها اليهودية هي عاقر ولم تلد أحدا بالروح اي بقيت على الجحود اليهودي. اما نحن المولودين من اورشليم الحُرّة فأولاد الموعد سواء انحدرنا من إسحق في الجسد أَم لم ننحدر لأننا بالإيمان أبناء إبراهيم. الذين لم يؤمنوا بالمسيح وُلدوا حسب الجسد في شهوات هذا العالم، وهؤلاء يضطهدون الذين وُلدوا حسب الروح اي في الروح القدس بالمعمودية.

ماذا يستنتج بولس من صورة سيناء وصورة اورشليم الحرة. يريد أن الذين بقوا بلا مسيح هم أبناء الجارية ولا يرثون مع ابن الحرة. يصل بولس بعد هذا الى القول اننا لسنا اولاد الجارية بل أولاد الحرة. نحن تَحرّرنا من النظام الموسوي القديم وبتنا أولاد الحرية. «لقد دُعيتم الى الحرية» التي حررنا فيها المسيح ليس فقط من الخطيئة ولكن من الناموس ايضا وجعلنا أبناء المحبة التي صارت الناموس الجديد الذي نحيا فيه. لهذا تغلّبنا على عبودية الخطيئة وعبودية الناموس وباتت علاقتنا مباشرة مع الله في دم المسيح وفي قيامته.

أنتَ اذا تحررتَ من الخطيئة تصير قائمًا في البر الذي يأتيك من الإيمان بيسوع. وهذا يفرض عليك قانون المحبة الذي ليس فوقه قانون. بهذا تأتي من أعماق المسيح وتُلازمها وتُلازمك ما دُمت في سلوكك ابنًا لله.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

قداسة أم قديسون؟ / السبت 8 كانون الأول 2012

«قدوس واحد، رب واحد، يسوع المسيح». نأخذ من هذا ان القداسة اذا نُسبت الى انسان نسبية قليلا او كثيرا ولا يمكن ان تكون كاملة في مخلوق. القديسون المطوبون انفسهم رأينا عندهم إشعاعات إلهية ومواهب وإطلالات على البر او برّا كبيرا ولكن لم نر فيهم برا مطلقا. كان لهم في دنياهم مقدار من القربى الى الله كبير. فإذا خاطبناهم في صلاتنا كما ترى الكنائس القديمة فهذا لشعورنا انهم يشاركوننا توجهنا الي الله وتوبتنا اليه. ولكن اذا سمينا عظماءنا مسحاء فهذا على سبيل رؤيتنا اليهم مقربين ومجالسين إياه بقدر ما فيهم من النعمة والحق.

فإذا سميناهم وسطاء لا ننسى ان «الوسيط الوحيد بين الله والناس» (1تيموثاوس2: 5) هو السيد المبارك الذي جعل في نفسه اللاهوت والناسوت وان من سميناهم قديسين يتوسطون من ضمن الوساطة الوحيدة التي ليسوع المسيح.

لذلك لا مكانة إطلاقا لهذا القول الشعبي المغلوط اننا نتوسط البقديسين لكونهم بشرا أقرب الينا من السيد فمن رأى الى المسيح وجد عنده الطبيعة البشرية الكاملة في طهارتها.

الى هذا يدلك الباحثون على الضعف الذي كان عليه على الأرض هذا او ذاك من الذين نستشفعهم. وحدهم الشهداء مقبولون في المجد الكامل. هم لا يقيمون في الغبطة الكاملة قبل القيامة العامة والدينونة وان سطع فيهم نور فهذا نورالثالوث. ليس لمخلوق نور من ذاته وانت لا تطلب من انسان سماوي نعمة من عنده. كل نعمة تحل في انسان أبقي في حدود جسده ام انتقل نزلت عليه. انه اقتبسها من إلهه اذا كان ربه قد استبقاه على الأرض ام نقله اليه.

لذلك لما اختلف بعض من المسيحين في أمر بعض من القديسين المحبوبين اليهم وفاضلوا بين باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم وغريغوريوس اللاهوتي أقامت الكنيسة عيد الثلاثة الأقمار في يوم واحد لتوحي لهم ان تقييم القديسين امر احتفظ به الله لنفسه وان هذا يظهر فقط في اليوم الأخير.

#   #

#

هذا لا يمنع الباحثين ان يتبينوا جوانب البر المختلفة عند السماويين كما لا ينفع احدا ان يقترب بالمعرفة من هذا اكثر من اقترابه من ذاك. هذه أذواق روحية مسموح بها اما قول بعض الناس ان من اهل السماء من اختص بهذا النوع من العطف او ذاك او يلجأ اليه في هذا الظرف او ذاك فهذا لم يكشفه الله لأحد.

لا ينفعك في شيء ان تقارن بين القديسين. ما ينفعك كثيرا ان تتشبه بهم وان تعرفهم. المصيبة اننا نعرف القليل او لا نسعى الى المعرفة. في هذا الباب لفتني ان الكثيرين عندنا قريبون عاطفيا من ايليا النبي. يستشفعونه كثيرا ويبنون الكنائس على اسمه ويخاطبونه بالأدعية اذا مرض اولادهم. ويقيني انهم لا يعرفون غير وجاهته عند الرب. ولكن من من المؤمنين العاديين يعرف انه من العهد القديم؟ من يعرف شيئا يسيرا عن سيرته وعن مخاصمته للملك آخاب وللملكة إيزابيل؟ من يتقدس بهذه المعرفة؟ تصدمني هذه الديانة الشعبية الفارغة من المضمون.

لست أدين ديانة احد ضمن استقامة الرأي التي ينتمي اليها نظريا هذا المؤمن او ذاك ولكن يصدمني ان موقف الكثيرين من القديسين لا علاقة له أحيانًا باستقامة الفكر والعقيدة مما يوحي ان هناك كنيسة شعبية قائمة على خيال الناس ولا علاقة لها بالكنيسة الحقيقية التي أسسها يسوع المسيح.

ويحزنني على صعيد الرعاية اننا نعرف هذه الانحرافات في شعبنا ويقول بعض الأعلين: «اتركوا الشعب على إيمانه». هذا كلام مرفوض كليا لأن ما وصفناه آيمانًا ليس بإيمان. انه الخرافة عينها ونحن علينا ان نضرب الخرافات كما ضرب الأقدمون الأصنام. الصنم كثيرا ما كان في العقل والنفس وانت لا يحق لك ان تحافظ في الكنيسة على عبدة الأصنام.

#   #

#

ليست الكنيسة طائفة البشر الذي يسمون انفسهم مسيحيين. انها مجموعة الذي استقام رأيهم فقالوا بكلام الله كما صدر عنه وكما فسره أكابر الإيمان واللاهوت عندنا. انت تؤمن بالوحي فقط واذا آمنت ترجو وتحب.

انت تتوق الى القداسة التي هي صفة الله الكاملة وانت وصحبك سماكم الله آلهة وقال: «كونوا قديسين كما انا قدوس». انت وان وطئت قدماك هذه الأرض جالس في السماويات اذا صار عقلك سماويا. الله يصفك في سجل الحياة انسانا مألوها وانسانا ساعيا. لعل القداسة سعي الى القداسة.

انت تبتغي ان تكون رفيق المسيح في كمال انسانيته. لا ترتضي ان تصبو الى ما كان أقل من المسيح لأن ما كان اقل منه هو من العالم وأنت تجاوزت العالم لتسكن السماء. انه هو ردم الهوة التي أقامتها الخطيئة بين هذا العالم والعالم الآخر. يدفعك هذا الى ان تنتمي منذ الآن بالرجاء الى العالم الآتي فالمسيح أتى ويأتي الآن وسوف يأتي.

انت في كل تحركاته لأنك له. الخطيئة هي ان ترتضي ان تلبس ضعفك بعد ان قال الرسول: «يا جميع الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم».

هذه هي القداسة الا يفرق شيء بين كيانك وثوبك الذي هو المسيح. المسيح يرتضي ان يجعلك انت ثوبه بعد ان قبلت ان يصير هو ثوبك.

القداسة ان ترفض ان تجعل لنفسك حيزا غير المسيح. ان تقيم فيه هو ان يجعلك اياه. اذ ذاك وجهك وجهه وجسمك جسمه وعيناك عيناه وتبصر بعينيه كل الوجود.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

الحياة في النُّور/ الأحد 2 كانون الأول 2012 / العدد 49

بعد أن أنهى بولس الرسول كلامه اللاهوتي العظيم في الرسالة الى أهل أفسس، وصل الى الناحية السلوكية وحذّر المؤمنين من الكلام الباطل حتى وصل الى القول ان المسيحيين هم نور في الرب وحثّهم على أن يسلكوا كأولاد النور وأوضح أنهم يصيرون هكذا اذا امتلأوا من الروح القدس مصدر كل صلاح وبرّ وحق.

ينتج من توصيته هذه أن يختبروا ما هو مرضيّ للرب بتركهم أعمال الظلمة، وليس فقط هذا بل يحضّهم على أن يوبّخوا هذه الأعمال عند إخوتهم المسيحيين لتكون الكنيسة كلها جميلة. الأعمال المظلمة نميل الى إخفائها. لذلك يحثّ بولس المؤمنين أن يُظهروا أعمال النور.

وبعد تأكيده النور، يستشهد بنشيد كان يُستعمل في العبادة وهو «استيقِظْ ايها النائم وقُم من بين الأموات فيضيء لك المسيح». يستنتج مِن كون المسيح نور العالم فيدعو الرسول المسيحيين أن يسلكوا لا كجهلاء بل حكماء لأن الأيام شريرة.

هذه كانت التوصية العامة أن تتمسكوا بحكمة الله («كونوا حكماء كالحيّات»، هذا كان قول الرب). ولكن أن نسلك كما يريد الرب يتطلب أن نفهم ما مشيئة الرب. مشيئته هي أن نحفظ وصاياه، أن نتشبّه به، أن نسعى أن نكون مثله.

هنا يعطي مثلا عن السلوك المسيحيّ لا يتضمن كل شيء ولكن يُقاس عليه فيقول: «لا تسكروا بالخمر التي فيها الدعارة»، والمقصود أن السُكر يوصل الى رفض العفّة، وهذا ما يسمّيه الرسول هنا الدعارة. والقاعدة في موضوع الخمر هي أن يتخذها الانسان باعتدال. ففي كثير من حضارات الشعوب المسيحية هي شراب عاديّ، ولكن اذا وقع الإنسان في السُكر يكون قد خالف الوصية. «السكّيرون لا يرثون ملكوت الله» (1كورنثوس 6: 10). إن هدوء العقل الذي يفقده السكّير أساسيّ عند المؤمنين. الشراهة والسُكر واحد.

ضد السُكر يقدّم بولس الامتلاء بالروح القدس الذي شرطه العفّة. فاذا امتلأتم من الروح القدس تصبحون قادرين أن «تُكلّموا بعضُكم بعضًا بمزامير وتسابيح وأغاني روحية». هنا نفهم أن العبادة المسيحية (الطقوس) في عهد بولس كانت تتضمن أناشيد وليس فقط قراءات.

هناك مَن اعترض من الرهبان بعد زمن بولس على الترنيم باستعمال الألحان. ولكن الكنيسة لم تُعِرْ هذا الاعتراض على الموسيقى أهمية، وثبتت الموسيقى في الشرق دائما وفي الغرب حتى القرن الثاني عشر بلا أدوات موسيقية، ورأت الكنيسة الشرقية أن الترنيم بالصوت البشريّ كافٍ ليرفع النفس الى الله.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

عناد الله / السبت أول كانون الأول 2012

انت لم تخلق الناس ورماك الرب في أيديهم فانه ما نجاك من الوحوش وهي بطبيعتها كاسرة وانت في غابة ولو اشتهيت ان تعيش مع حملان. ولو شاء ربك ان تحيا في هناء دائم لجعل لك مجتمعا على هواك قائماً على الهوى ولم يفعل وتسربت الخطيئة الى تعاريج دماغك وتفاصيل فكرك وثنايا قلبك وستبقى كذلك لأن البشر لا يتوبون أو التائبون قلة ولهم من معاصيهم منافع لأن الكثيرين منا عبدة مال وعبدة سلطان وقتال وهم لا يؤمنون ذلك الايمان الذي قذفه الله في النفس. لا يؤمنون ولو مارسوا فإن الدنيا أفقهم والآخرة تفرض عليهم تكاليف وتعبا كثيرا وصدامات مع أهل الأولى ولا يتعب أهل الأولى الصدام.

وليس لك أن تخرج من الدنيا ولو رغبت ويريد أهلها أن تلازمها حتى يسيطروا عليك فهم بالسيطرة يسكرون ويجعلون معاشك متعبا جدا ويحاولون كسبك الى ضلالاتهم ليهنأ لهم العيش فيها وهو متنفسهم إذ يحسبون أن الفضيلة مختنقهم ليس أنها لا تجذبهم أحيانا فالفضيلة جذابة كالرذيلة وإذا جذبت الانسان يذوقها ذوقا كثيرا.

أن تسبر غور الخطيئة هو أن تسبر كثافة العتمات وفي العتمة المكثفة تأبى النهوض وقد لا تخامرك فكرة النهوض لأن هذا يعني أن تعيش في النور لئلا تعيش نفسك كما آلت اليه أي وكرا للأفاعي وإذا تآكلت الافاعي أو عضتك الواحدة تلو الاخرى تحسب أن شفاءك يأتي بإعجوبة وتفهم أن غير ذلك تكاثر الذنوب.

والعالم كله تحت الشرير لأن كل ما في العالم «شهوة العين وشهوة الجسد وكبرياء الوجود». الذين استغرقوا فيه، احبوا شهواته، صار مضمونهم. خلاصهم يبدأ إذا استلذوه. يريدون الحياة الجديدة. «ماذا اعمل لأرث الحياة الأبدية؟». احيانا تلمس عند كبار العصاة شوقا الى الحياة الجديدة النازلة من الرب والقادرة أن تجعل الانسان جديداً وكأن الذنوب لم تلمسه او كأنها لم تعشش فيه. الانسان لا يستطيع أن يستخرج من ذاته حياة جديدة. انه ميت. لا يقدر أن يحيي نفسه. يجب أن يحييه آخر. يجب أن يقيمه آخر من بين الاموات. ووسوسة
الشيطان الكبرى أن يقول له: أرجئ هذا فحياتك في أن تكره الحياة الابدية، في الا تشتهيها. انها تكلفك جهدا كبيرا لا لذة فيه تشبه اللذات التي كنت تسبح فيها.

#   #

#

النهوض من الموت الروحي الى حياة مشكلة. بعد أن اسودت صورة الله فينا. من يمحو هذا السواد؟ كيف؟ الكيف أن يعود الله نفسه الى الانسان فيبيد الموت. المسيح قام من بين الاموات لأنه عاد هو نفسه أي حياته التي لا تفنى الى جسده الذائق الموت. هذا اعجوبة. لا يحيا الانسان من جديد الا باعجوبة والاعجوبة تعني تحديدا هذا الشيء الذي لا يأتي منك. الذي ينزل عليك. ولهذا كانت التوبة خلقا جديدا. انت لا تصنع التوبة. تهبط عليك نعمة. تتقبلها وتعترف انها نعمة فإذا ظننت انك فاعلها تموت بكبريائك.

ما تقدر عليه أن تستقبلها. انها هي التي تفتح نفسك لتحل فيها. يحدث فيك خلق جديد. تغدو خليقة جديدة. هذا ما قاله بولس لأنه هو القائل: «بالنعمة انتم مخلَّصون». أنت كنت لا شيء وما أحييت نفسك. الروح القدس هو وحده المحيي.

إذا سقطت في الذنوب مرة أخرى السؤال هو كيف تستنير. لم يوضح الرسول كيف يكون النهوض. اضطرب لهذا اضطراباً كثيرا. خشي الا يبقى لنا سبيل الى الخلاص. ما كان عنده الا ان يلتمس النعمة، الى أن ينادي الروح القدس ليحل من جديد في النفس البشرية. عند بولس حيرة وجودية امام مشكلة النهوض بعد السقطة. لم يكن ليفهم حقيقة كيف يعيش الانسان خارج المسيح. كيف يبقى المسيح عائشا فيك بمعمودية واحدة؟ أين تذهب المعمودية بعد أن سقطت؟ كيف تحيا من جديد في قيامة المخلص؟ هل لك من وجود خارج الاقامة في المسيح؟ أسئلة تعاش في الألم. فإذا كانت لك أعجوبة الخلاص لا يكون لك تفسير للأعجوبة. يبقى لك فقط تلقيها.

#  #

#

الى هذا عندنا تراث من باسكال القائل اركع وصلّ (ان احسست بشعور ديني أم لم تحس). لم اجد كلاما كهذا في تراث الشرق النسكي ولكنه رعائيا مفيد او معقول أو قابل للتجربة. اطلب من المتحير ايمانيا او من كفر بالله ان يرافقك الى الكنيسة. قد يسمع صوتا جديدا او يلمس نعمة نزلت عليه.
بعض الذين كفروا يحدثون من تحول حدث معهم وما كانوا ملتفتين الى الله. في الحقيقة هو الذي يلتفت اليك ويتخذ الوسائل التي تحلو له. تروض على تقبل النعمة. لا يعني هذا انك تأمر الله ان ينزلها عليك ولكن تروض ما استطعت.

آباؤك قالوا ينبغي ان تفهم كل كلمة من كلمات الصلاة. غير ان هذا لا يعني بالضرورة تحس بالكلمات. قلها قد تكون «آمرا» الله أن يأتي اليك. إرم نفسك عليه. إرتمِ في احضانه. ربما لمّك واحتضنك. انه دائما يشعر ببنوتك. دائماً الرب يخترع وسائل لتقترب انت اليه. وإذا رآك من بعيد وكان عارفا أنك ابن ضال ينسى ضلالتك لأنه متأكد أنك ان انضممت الى صدره تسمع نبضات قلبه وتفهم ان قلبه ينبض من اجلك. انه متعطش الى رجوع قلبك.

يحركه بطريقة عجائبية لم يدلك عليها مسبقا. هو دائما صانع العجائب. «عجيب في قديسيه» نقول. عجيب في خطأته أقول. الخطأة هم له وقال هذا بقبوله أن يعلق الخطأة مسيحه على الخشبة. وإذا قبلوا دمه خلاصا يذهب عنهم عنادهم ليحل «عناده» هو أي المحبة.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

التبرير بالإيمان/ الأحد 25 تشرين الثاني 2012/ العدد 48

«قبْل أن يأتي الإيمان كنّا محفوظين تحت الناموس». معنى بولس أن الإيمان هو الإيمان بيسوع المسيح. هذا عنده هو الإيمان الكامل. قبل ذلك كان الناموس اي شريعة موسى. في ظلّها كان مغلقًا علينا بانتظار الإيمان بيسوع. هنا استعار بولس صورة المؤدّب ويعني بها الخادم الذي كان يرافق الطفل الى المدرسة. قبل الإيمان بالمسيح كان فقط هذا الخادم (الناموس) الذي كان يسوقنا الى المسيح.

الآن صرنا «أبناء الله بالإيمان بيسوع المسيح». هنا يعطي بولس للإيمان صورة الثوب الملتصق بنا اي الذي صرنا واحدًا معه وواحدًا به فيقول: «انتم الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم». لا يوجد شيء آخر سواه، ولهذا زال الافتراق بين اليهودي واليوناني (ويقصد هنا الوثني) وزال الافتراق بين العبد والحر (وفي عهد بولس كان المواطنون الرومان يُقسمون الى عبيد وأحرار، والعبد ليست له شخصية قانونية). ليس المهم ان يكون الانسان عبدًا او حرًّا، وليس المهم ان يكون ذكرًا او أُنثى.

يبقى كل منّا (العبد او الحر، الذكر او الأنثى) على حاله على المستوى القانوني. تزول الفوارق الاجتماعية او تلك المتعلقة بالجنس «لأنكم جميعكم واحد في المسيح يسوع».

قبل التصاقنا بالمسيح كنا كالأطفال الذين هم «تحت الأوصياء والوكلاء، متعبّدين تحت أركان العالم» اي خارجين عن الإيمان. «فلما حان ملء الزمان (اي هذا الذي يتحقق فيه مشروع الله، المشروع الكامل)، أَرسل اللهُ ابنه مولودا تحت الناموس (الشريعة اليهودية)، مولودًا من امرأة ليفتدي الذين تحت الناموس» وهم اليهود ولكنهم لا يُفتدَون وحدهم. غير أن كلمة الخلاص أُرسلت اليهم بدءا. وغاية الافتداء أن ننال التبني.

في عقل بولس الرسول كنا أبناء الغضب بسبب من الخطيئة أي ما كنا مدركين اننا أبناء الله في خطة الله. جعلنا الرب أبناء بفضل بنوّة المسيح للآب وشراكتنا للمسيح. فنحن إخوة له. وكما أن الابن هو ابن الله في الجوهر صرنا أبناء الله بالنعمة. بنوّتنا لله مكتسبة، أمّا بنوّة المسيح لأبيه فجوهرية سابقة للزمان.

بنوّتنا لله فضل إلهيّ وليست ثمرة جهد لنا. ولكننا نستطيع بالنعمة أن نسلك كأبناء عارفين أن الله بمحبته لنا جعلنا أبناء. نحن لا نصنع بنوّتنا لله. نُدركها. ثم نسلك بها في طاعتنا للرب. نُحقق بنوّتنا في محبتنا للرب وطاعته. ندخل في عائلة الآب ونعي انتماءنا لله. نصير إلهيين كما صار الابن بشرا. الإنسان بمعنى التبنّي يصير ابنًا وجالسًا مع الابن على يمين الآب.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

محبّة الله ومحبّتنا / السبت 24 تشرين الثاني 2012

الدنيا خيبات ان كنت تتوقّع ان ترد لمحبّتك محبّات. ما طلب الله في كتابه ان تسعى إلى ان يحبّك احد. أمرك أنت ان تحبّ كما أحبّ ابنه حتى الموت. أنت، زارعًا تزرع على الرجاء ولكن ما قال الرب في هذا المجال انك تزرع لنفسك. انه هو الحصاد للخير الذي أنت تعطيه. قد لا يرد احد لك جميلا وليس عليك ان تنتظر ذلك. أنت تتعزّى بما تعطي لا بما تنتظر اذ قد يرد لطاعتك رفض.

أنت تعطي مجانا وترجو ان يرد المعطى له شكرًا لله. لا ينبغي ان يكون سعيك ان يرد لك احد جميلا. أنت تعطي الآخر ليحسّن علاقته بالله. تعطيه لخلاصه وهذا يزيد نصيبك بالخلاص. أنت تنتظر من عطائك خلاصًا لك ولمن أعطيت وهذا يأتيك من مجانية الهبة الإلهيّة التي نزلت عليك وأوحت لك ان تحب.

أنت تفهم من كل هذا انك فقير إلى الله وحده لأن احدا لا يستطيع ان يعطيك الا ما عنده وقد لا يكون عنده الا القليل. ما قاله يسوع الناصري ان المحبّة فيها تبادل. هو تكلّم عن أجر لك في السماء بمعنى انه هو الذي أخذ ما ظننت انك تعطيه بشرا ورأى ربّك انه هو الآخذ.

ان لم تبقَ فقيرا إلى الله تغرق في الخيبات. الناس يعطون، حقيقة، في حالة واحدة اذا أحسّوا انهم معطون ربّهم في ما يعطونك. أنت لست غنيا بحد نفسك. أنت تستغني بالله فتبدد نعمته على الآخرين. مَن وهبك ولم يحسب انه يهب الله أو لم يحسب انه يوزع لك الثروة التي اقتناها من ربّه يصبح مستعبِدك. ليس لأحد شيء ليبدّده. انه مؤتمن على ما استودعه ربّه. الانسان يلتمس غنى ربّه فاذا جاءه يشرك الناس فيه وعلى من قدّم للناس عطايا ان يشعرهم بأنه وكيل الله لتوزيع هباته وان ينقلهم إلى شكر الله حتى اذا شكروه. مَن بذل من ماله أو فكره أو حبه مجرد جسر بين الله ومن افتقدهم. الشعور الوحيد الذي لنا الحق فيه ان نذهب بمن نسكب عليهم حنانا إلى ربّهم الذي يعاد إليه بالشكر ما نقدّمه للناس بسبب من محبّته لهم ولنا.

#   #

#

ما لم نبق فقراء إلى الله لا نستطيع ان نأخذ منه شيئا. لذلك كانت علاقاتنا بالآخرين ترجمة لعلاقتنا بالله.

غير ان ارتباطنا بالله لا نمتحن حقيقته أو صدقه الا اذا ارتبطنا بالبشر. انهم هم وجه الله الينا. فإن ارتضيناهم نكون قد ارتضيناه وان رفضناهم نكون قد رفضناه. لذلك أهل الطقوس ليسوا بالضرورة أهل الله. أجل كل حب الهيا كان أو بشريا يتطلّب تعابير وتعبيرنا لله عن محبّتنا له تلبس تعبيرنا عن محبتنا للناس. عندهم نلتقيه. انهم مذبح عبادتنا الحقيقيّة له. هذا المذبح يقول يوحنا الذهبي الفم أهمّ من المذبح الذي قدّمنا عليه القرابين. الحب هو القربان.

#   #

#

حب البشر للبشر يمكن ان ينعكس فيه حب الله لنا. فاذا ارتقيت أنت على معارج حبك لربّك أمكنك ان تحبّ الناس في صفاء تؤتاه من فوق وفي تجرّد عمّا يمكنك ان تكسبه منهم. اذا صارت مودّتك لهم صورة عن مودّة الله لخلائقه تكون مودّتك لهم غير مختلطة بمنافع لك أو استلذاذ بمشاعرك.

محبة البشر للبشر ان كانت إلهيّة يمكن ان يخامرها تأثّر عاطفي. ليس باطلا ان تطهّرت. والمحبة المبذولة منك إلهيا لإنسان دون ان ترجو منه ما يقابلها كثيرا ما خالطها لهب بشريّ. ليس هذا بمحرم. فاذا احببنا الهيا يمتزج هذا بالبشرة ولا أذى من ذلك. ليس الحب الالهي النفحات فينا لبشر لحميّ الاندفاع فقط. ان التلاقي بين الألوهة فينا واللحم سرّ من أسرار الوجود. علينا ان نحاول ان نجعله على صورة التلاقي بين الألوهة والبشرية في المسيح. التلاحم بيننا وبين الربوبية الكامنة فينا يبقى سرا نتلقاه ولا نفسره. ولكني أيقنت اني أستطيع ان استخدم لفظة التلاحم التي تشير، لغة، إلى لقاء اللحم واللحم. هكذا يكون تداخل الألوهية المتأنسنة فينا والبشرية في ارتقائها إلى هذه الإلهية القابعة فينا.

هذه هي خبرة القديسين التي حاولت في رؤيتي لها من بعيد ان أترجمها لنفسي وللقارئ بلغة البشر. يا ليت ربي يهب كلاّ منّا ان يتلقاها في نفسه كما تريد له النعمة ذلك. مَن حاول يذيقه، بمقدار صدقه، ربه شيئا من ذلك.

في هذا نستقر اذا اردنا ان نفهم. القديسون يستعملون لغة العقل بعد ان رأوا الرؤية. ان العقل الا مجرّد ترجمة لخبرة القديسين الا في المجالات التي تخصّه وحده.

من صار إلى هذه الرؤية لا تحجبها بالضرورة عن أبصاره خطيئاته ولكن ان تكشفت هذه تذهب عنه الرؤية ويعود بشرا من تراب والتراب لا يرى شيئا. والرؤية مسكوبة على من سعى وجاهد نفسه جهادا شرعيا طويلا حتى لا يبقى فيها الا الله أثرا.

هذا المسعى ليس الاعتزال قوته. أنت لا ترى الله الا اذا رأيت الإخوة وضممتهم إلى صدر المسيح ليسمعوا نبضات قلبه والكلمات التي لا يسوغ النطق بها. واذا انضمّ الناس إلى صدره يأخذون إخوتهم إليه حتى يبدأ الملكوت على الأرض ونفرح به معا. اذ ليس الملكوت مرجأ لأن الملكوت هو المَلك وقد جاء ليبشّرنا بأن الله محبّة وان المطلوب ان نقرأ محبّته لنا وان نستمدّها ليقرأ الناس ربّهم اذا انحنى عليهم وأذاقهم حنانه فإنه بهذا يظهر غناه وانحناؤه لنا.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

هيكل الله / الأحد 18 تشرين الثاني 2012 / العدد 47

عندما قال بولس: «إن المسيح هو سلامُنا» تابعها بقوله: «هو جعل الإثنين واحدًا» وأراد بالاثنين اليهود والأمم، وكان اليهود يُبغضون الشعوب الوثنية عملا بقول الكتاب: «سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتُبغض عدوّك» (متى 5: 43) والمفهوم أن قريبك هو اليهوديّ فقط، والغريب هو العدوّ.

وأوضح الرسول بُطلان هذا الموقف بقوله ان المخلّص نقض في جسده اي في موته حائط السياج الذي كان يُفرّق اليهود عن الأمم، وأبان يسوع أنه خلق الاثنين اي اليهود والأمم في نفسه، ويعني هنا ايضا بموته، جعلهما معا «انسانا واحدا جديدا» بعد أن كانا اثنين متخاصمين إذ أجرى السلام بينهما بدمه وصالحهما كليهما في جسد واحد بعد أن صارا معا بإيمانهما بيسوع جسدًا واحدًا مع الله.

اتحدا بالصليب اذ كانا معا في المسيح ولم يبقَ من بعيد. صرتم قادرين أن تُصلّوا معًا الى الآب الذي هو منتهى كل شيء، والجامع بينكما هو الروح القدس الذي أرسله المخلّص اليكم بعد صعوده الى السماء.

ثم يتابع بولس فكره بقوله: «فلستم غرباء بعد ونزلاء بل مُواطني القديسين وأهل بيت الله». قبل معموديتكم كنتم غرباء وما كنتم أهل بيت الله، والآن صرتم مُواطني القديسين وواحدا مع المؤمنين. الكنيسة صارت لكم الوطن العُلوي النازل من السماء.

«وقد بُنيتم على أساس الرسل والأنبياء» ويعني بالرسل تلاميذ يسوع الاثني عشر، وبالأنبياء يعني كتب أنبياء العهد القديم وهم الأربعة الكبار (إشعياء، إرميا، دانيال، حزقيال) والأنبياء المعروفين بالصغار الذين وضعوا أسفارا في العهد القديم، كذلك يريد الأنبياء الذين لم يضعوا اسفارا.

ويريد بولس بالبناء بناء العقد الذي نبنيه في الشرق وهو مؤلّف من حجارة ملاصقة بعضها ببعض وليس بينها مادة كالكلس او ما يُشبهه، ويجمعها ما يُسمّيه الرسول «حجر الزاوية» ونُسمّيه بالعامّية اللبنانية «حجر الغلق». وفي هذا البناء يستند الحجر الى الحجر وتلتقي الحجارة كلها بحجر واحد هو حجر الغلق.

بهذا الحجر يشبّه بولسُ يسوعَ المسيح الذي به ينسق البنيان كله (وهذا ما عندنا في البناية الشرقية) فينمو البناء الذي صرتُموه «هيكلا مؤسسًا في الرب وفيه أنتم أيضًا تُبنَون معًا مسكنًا لله في الروح». هيكل مقدس في الرب يرادفه مسكن الله في الروح اي في الروح القدس الحالّ فيكم. عندنا هيكل غير منظور وهو الكنيسة جعلها الله مسكنًا له، وأنتم هذا المسكن بالروح القدس الذي يحلّ على كل واحد بالمعمودية والميرون.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

البغض / السبت 17 تشرين الثاني 2012

«انهم أبغضوني بلا سبب» (مزمور 29: 15) وفي ترجمة حديثة «بحماسة يبغضونني». هل كان صاحب لسان العرب واعيا وعيا عميقا لما عرّفه على انه نقيض الحب. أليس هو أسوأ من ذلك بكثير؟ فإن للحب مراتب او كثافات. اما البغض فهو العداء بالذات بحيث لا تبقى عند المبغض ذرّة واحدة من المحبة.

انه بدءًا، فصل الآخر عن نفسك وعيشك موته فيك ولو كنت لا تريد إماتته الجسديّة خوفا من عواقبها في دنيا الجزاء او لكونك لم توهب شجاعة الإبادة للآخر. ولكن شهوة القتل قائمة فيك. ليس هناك نصف بغض او ربع بغض. هناك ذوق قتل انت خائف من اتمامه. الذات فيك اعني أعمق كيانك نافرة من ذاته ولا تلتقيان في الخيال لأنك في خياله غير موجود. المقولة الداخلية فيك هي محو الآخر.

هناك نفوس مبغضة. لا تتأثر بالمحبة المسكوبة عليها. هناك مطويون على الكراهية ونفوس منفتحة على الحب. هذا سر الإثم كما يقول بولس ولا نعرف كيف انغلق ناس على عتمات نفوسهم ولماذا رحّبوا بالظلام. نلاحظ احيانا ان بعضا تأذّوا من كلام او معاملة ولم يقدروا على تحمّلها. كأن الآخر قتلهم او قرأوا معاملته قتلا فوضعوا في وجوده سلبية رهيبة فهموها انها تلغيهم.

في هذه الحال سبب ولكن المسبب ضخم جدا لا يفهم بخلل نفساني على ما أرى ولكنه يفهم بأهواء كثيرة معششة انفجرت بلا معادلة بين من آذى ومن تأذّى، هناك خروج عن العقل الطبيعي او المألوف للدخول في عواصف لا نفهمها بالتحليل بحيث لا نستطيع ان نلمس صلة بين الضربة التي حدثت وردّة الفعل عليها. عند غياب الصلة بين ما قام به المعتدي وما قام المعتدى عليه لكوننا قد خرجنا عن المألوف من المعقول ودخلنا في عالم الجنون.

نحن في انعدام المحاكمة، في غياب العقل، في الانفعال الكامل، ولذا قال الكتاب: «انهم أبغضوني بلا سبب» وتضخم السبب الى حجم يزيد كثيرا عن سبب انفعالي حتى صحّ قول المزامير «انهم ابغضوني بلا سبب».

#   #   #

ما المسيرة التي توصل الى البغض؟ في هذا يسعفني القديس دوروثيوس الغزاوي وكان ناسكا من غزة في القرن السادس للميلاد. هذا يقول: الضغينة شيء والبغض شيئ آخر ثم السخط واخيرا الكدر. نساكنا كانوا يعرفون الخطيئة في جزئياتها. جاؤوا الى ما يشبه علم النفس من علمهم بالخطيئة.

في العهد القديم الغضب والبغض متلاقيان او متلازمان وكأن الغضب تعبير خارجي للبغض. الغضب يشبه بالنار. يحرق صاحبه وقد يحرق من انصبّ عليه. هناك ايضا حديث عن غضب الله وهذا من باب التشبيه. على هذا هناك رجاء على ان يعبّر الغضب. ما من شك عند الأبرار ان ثمّة إمكانا للتحرّر من الشهوات والبغض في قراءتي شهوة رهيبة لا تضربها الا عاصفة من المحبة تنزل برضاء الرب فقط لأن القلب على طبيعته يقصفه البغض قصفًا شديدا.

كثيرا ما وقع علينا بغض المبغضين من حسدهم بلا كلمة جارحة. فهناك من لا يريدك موهوبا او ناجحا او جميلا او فصيحا او طاهرا او متقدسا. لذلك يصبّ عليك كل المساوئ بعد ان يخترعها اختراعا ليقتلك ادبيا. وكثيرا ما استعمل النميمة لكي يلطّخ سمعتك فيجعلك سارقًا وناهبا او كذوبا ولا تعجب ان قال هذا ولم يكن فيك شيء منه. هناك ناس عندهم رغبة التحطيم وقد لا تنتشر الكذبة انتشارا رهيبا. من يرد الكذب والناس بسطاء او أغبياء وتلصق بك التهمة عشرات من السنين ولا يقطعها احد.

كثرة من الصادقين لا يصدقهم احد لأن الآهون ان يصدّق الكاذبون. احيانا كثيرة انت ذبيح الى الأبد ويراك الله وحده وهو وحده يزكيك، وقد لا يعرف هذا ابدا في هذه الحياة الدنيا. ويجب ان تكون مكتفيا بتزكية الله حتى لا تحزن فتبكي وحدك والرب وحده يمسح كل دمعة عن عينيك.

#   #   #

انت تحمل مبغضك بقوتك الوحيدة التي هي الغفران. لا شيء يؤكّد ان الغفران يشفي العدو ولكن لا حيلة لك فقد كتب: «احبّوا أعداءكم. باركوا لاعينيكم. أحسنوا الى مبغضيكم… لأنكم ان احببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم» (متى 5: 44-46).

رجاؤنا شفاء المبغضين حتى يستقيم العالم. «العالم واقع كلّه تحت الشرور» (1يوحنا 5: 19). هذا لا يقودنا الى اليأس ولكن قد يقودنا الى ألم شديد اذا كنا نحب خلاص الناس.

خلاص العالم سعي من المتقدسين وصلاة لهم لا تنقطع. المحبة في الأخير تنتصر ولكن قد لا نعرف في حياتنا نصرها. الرجاء هو ايضا سعي. ونحن مخلّصون على الرجاء.

لا ينبغي ان تذهب نفوسنا ضدّ الخطأة. لا نكرههم. نكره خطاياهم. ولا نبغض المبغضين. لا نيأس من توبتهم واذا عادوا الى ربّهم لا شيء يفرحنا مثل توبتهم لأنها وحدها تنقذ نفوسهم من شرورها. متى يصبح المبغض قياميا؟

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

من قريبي؟/ الأحد 11 تشرين الثاني 2012 / العدد 46

الناموسيّ الذي أراد أن يختبر المعلّم طرح عليه سؤلا لاهوتيا: «ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟».

لم يجب السيد هذا الرجل، ولكنه ردّ على سؤاله بسؤال: ماذا كُتب في شريعة موسى؟ فأجاب هذا الرجل: «أَحبب الرب إلهك…». هذه هي الوصية الأولى التي اقتبسها لوقا من سفر التثنية 6: 5، والوصية الثانية: (تحبّ) قريبك مثل نفسك، موجودة في سفر اللاويين 19: 18.

هذا الرجل الذي طرح السؤال على يسوع ليجرّبه قال له يسوع: إفعل هذا فتحيا. إذ ذاك سأل هذا يسوع: «من هو قريبي؟». هذا سؤال ليس سهلا على اليهود لأنهم ما كانوا يحبّون الغرباء.

أجاب يسوع عن هذا السؤال بمَثَل أي بحكاية من عنده وكلّمه عن إنسان يهوديّ كان نازلا من أورشليم الى أريحا فوقع بين لصوص ضربوه. «وتركوه بين حيّ وميت».

مرّ بهذه الطريق يهوديّان آخران أَحدُهما كاهن وآخر لاويّ. اللاويّون سُمّوا كذلك لأنهم من نسل لاوي بن يعقوب. كان من واجباتهم أن يحملوا خيمة الاجتماع إذا رحلوا وينصبوها إذا حلّوا. هذان عبرا عن الجريح حتى جاء سامريّ غريب الجنس والدِين. هذا تحنن على هذا المرميّ على الطريق.

كان السؤال المطروح على يسوع: من هو قريبي؟ لم يُجب الرب. أجاب بسؤال: «أيّ هؤلاء الثلاثة تُرى صار قريبًا للذي وقع بين اللصوص؟». لم يدلّ يسوع على قريب هذا الجريح، بل سأل من هو الذي صار قريبًا له؟ المعنى أنك أنت بالمحبة تجعل ايّ انسان تخدمه قريبًا لك.

أنت إذا صنعت الرحمة مع أحد الناس تصير قريبَه. ردّ يسوع السؤال «من هو قريبي؟». وصار السؤال: مَن أَجعلُه قريبًا لي؟ هذا يعود بنا الى كلام الرب: «أحبب قريبك كنفسك».

بالانتباه الى الآخر، بخدمته ومحبته تجعل الآخر قريبًا لك. لا تفتّش عن قريبك في النسيب او ابن ضيعتك. ليس انسان مخلوقا قريبا لك. أنتَ تجعله كذلك اذا ذهبت اليه وقدّمت له ما يحتاج إليه.

كلام يسوع مفادُه أنْ صِرْ قريبًا لمن وجدتَه على طريق حياتك بانصرافك الى حاجاته.

القربى الروحية تنشأ بين القلوب من خلال العمل في سبيل الآخر.

هي فوق كل قربى جسدية وفوق كل مصلحة. هي عطاء كامل بلا حساب. أنت لا تنتظر شيئا ممن تحب. تحبه لكي يقرب من ربّه.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الجمال / السبت 10 تشرين الثاني 2012

الجمال قائم بذاته وانت تحس به موضوعا خارجا عن عينيك او أذنيك فتلتقطه. يصبح فيك بعد ان كان موضوعا في الكون. لماذا يصبح لك ثم فيك ولا يدركه آخر؟ واذا لم يدركه آخر وكان هذا فيك ممكنا معنى هذا انه كان بينك وبين الموضوع افتراق. لماذا شيء فيك أحدث هذا الافتراق؟ أادراك الجمال محتوم عليك ان كنت سويا واذا اختلفت مع القادرين على تأمّله فبمَ تفسّر هذا الاختلاف؟

اذا اخذت رائعة ليوناردو دافنتشي الجوكوندا يتفق الناس كلّهم على جمالها. قد لا يرون جميعا انها الأجود في مصنوعاته ولكن لم أقرأ أن احدًا رفض اعتبارها تحفة من تحف الدهر. فيها اذًا سطوع يفرض نفسه عليك الا اذا كنت اميا في مجال الفن. بهاؤها يفرض نفسه لأنه قائم فيها ولا مجال للتأويل او التفسير ولا سيما انها ثابتة او غير متحركة بمعنى انها هي التي تأتي اليك وانت تتلقاها وليس لك في ذلك تحيّر او تردد.

هذا يعني ان للجمال الكلاسيكي قواعد استنبطها علماء الجماليات لكونهم شاهدوها في الموضوع الذي تأمّلوه وتحرّكهم العاطفي او الانفعالي بالموضوع كان قليلا وتمسكوا بالأسس التي اتفق عليها اهل الفن او اهل تفسير الفن هذا اذا تبنينا قول ارسطو ان الفن يقلد الطبيعة.

من هذا المنظار اظنّ انه يصح اعتبار ان مثقفي الفن الكلاسيكي والجاهلين به ليسوا بعيدين بعضهم عن بعض في تقديرهم. انهم يقيسون العمل الفني بالطبيعة التي يعرفون وقبولهم بالطابع الجمالي للمنتج يفرض نفسه عليهم. اجل إحساس العارفين أقوى من إحساس غير المتدربين على الرسم وهذا ما يوحي لهم تفسيرا غير وارد عند العامة. هناك درجات من القبول او تفاوت في كثافة الحس ولكن الفنّ الكلاسيكي يفرض نفسه كالطبيعة التي جاء منها.

اما الفن المعاصر لكونه مفلسفا منذ الانطباعيين فليس امامه الناس واحدا. ذلك ان الناس مختلفو الفلسفة وتاليا مختلفو الأذواق. الفن المعاصر وراءه كلام او يترجم كلاما او خيارا فلسفيا.

هذا لا يمنع المختارين ان يخترقوه لاقتناعهم بالفكر الذي جاء به او لقدرتهم على تحسس الطاقات عند الفنان المعاصر او تحسس نفسه الذي يقول هو انها تمخضت بالمنتج الفني، اذا استطعت انت ان تصل الى ما كان في نفس المبدعين اذا ابدعوا يقال انك التقطت الرسالة. هذا لا يعني انك فهمت. فالفن الحديث يستغني عن الإدراك العقلي. يجب ان يدخل الفن اليك دخولا فيه من التلمّس الداخلي، الوجداني ما لا يفرض تماسا عقلانيا.

#   #   #

مناصرو الفن الحديث وذائقوه لا يرون ضرورة ان يتصور بعض الجمال بالعقل او ان يعبر به. لا يقلقهم ان يرسموا قامة بلا رأس. يريدون ان ترى قامة ما التي نعرفها بعيوننا. يريدون ان ينقلوا احساسهم اليك كما تكون في نفوسهم بحيث تتحسس القطعة الفنية كما تستطيع وتخرجها لوحة كما تعرف بلا قاعدة فتأتي القطعة من تحسس غامض عند صانع الشيء فينتقل منه اليك ما ينتقل وليس همّ الفنان ان تكون متفقًا معه بما يمكن تفسيره وهو لا يناقشك بما تحس ولكنه يريدك ان تقبل.

الفن لم يبقَ لغة متفقا على مكوناتها، لغة قابلة للتفسير. المتأمّل فيه يعترف لك انه اقتبل شيئا او لم يتقبل. بعض من الناس مَن يرى ان هذا الفنّ لغة تواصل. هل من تواصل بالإحساس فقط بلا واسطة العقل اي خارجا عن الوضوح؟ يبقى انسجام الألوان الذي هو نوع من الموسيقى ولكن لا موضوع.

المدى الجمالي عند المعاصرين خارج عن المدى الفكري اي عن الكل الانساني المتماسك. قد لا يحس الانسان الحالي بضرورة الترابط بين العقل والشعور ويقبل ان يعيش بتفاعلات عاطفية او غريزيّة لا يشرف عليها الوجدان البشري المطهر.

#   #   #

لقد أخذنا عن افلاطون ان الكيان البشري كما كيان المدينة قائم على الجمال والخير والحق وهذا ثالوث غير قابل للتجزئة. فانهزام العقل امام الجمال هو انهزام الخير الذي ينقينا وانهزام الحق الذي لولاه لما قامت انسانيتنا اذ نكون قد اصبحنا عواصف داخلية تجعلنا في تخبّط داخلي غير قابل للتهدئة.

الجمال مرتبط بالأحاسيس مصدرا وتلقيا، هذا اذا أردنا الا نتحدث عن الجمال الروحي الذي هو في مدى القداسة. هذا يجعل التقاطنا للجمال معرضا للهشاشة او مختلطا بأهوائنا. الجمال عند وصوله الينا بالفهم والحس في حاجة دائما الى تنقية في وجداناتنا حتى لا يخامره عنصر ضدّ الخير او ضدّ الحق. وهذا طبعا دقيق جدا.

بكلام آخر اذا سعينا الى قبول الجمال فينا علينا ان نسعى معه الى دعوة الخير والحق الى قلوبنا فاذا انقسم الثالوث الذي اشرنا اليه وتبعثر الجمال والخير والحق نصبح على غير هدى. بلا التناسق الوجداني بين هذه العناصر الثلاثة يفنى التوازن البشري فينا ونقع في هذه المغالطة الرهيبة القائلة بإمكان فصل الجمال عن الخير والحق.

عبادة الجمال بدعة رهيبة اذا استقل عمّا يلازمه في الوجدان النقي اعني اللصوق بالخير والحقيقة. دون هاتين القوتين فينا يصبح الجمال إبادة للنفس فتصير هذه مقبرة للجمال نفسه.

القيامة من موت النفس هي في الجمع بين الوحدة بين الجمال والحقيقة والخير، هذا هو الثالوث الذي رآه الإغريق قبل ان يسكن الإنجيل قلوب البشر.

Continue reading