Author

Aziz Matta

1999, مقالات, نشرة رعيتي

معنى مجلس الرعية/ الأحد 3 كانون الثاني 1999/ العدد 1

تشريع له قصد وله منفعة وله روح, وإذا مورس بلا قصد وبلا روح يصير أداة موت. هكذا “نظام المجالس في الكرسي الانطاكي”. غايته انه “هيئة تُعاوِن الكاهن بالتربية الكنسية وإنماء الحياة الروحية وتنمية موارد الرعية المالية”. لا بحث إذاً بإقصاء كاهن أكان من مواليد الضيعة أم من ضيعة أخرى. الكاهن خادم الله ولا شأن له بانتساب جغرافي. من أي شيء يخاف الذي لا يريد هذه الرئاسة؟ من بيع الأوقاف؟ هو لا سلطة له على ذلك, وليس لكل الرعية مجتمعة سلطان على ذلك. الغاية من المجلس أولاً التربية الدينية, وثانيا المال وجبايته. وهذا ما لم نصل إليه إلا قليلا وفي بعض الأماكن فقط.

سؤال آخر كيف يتم تشكيل هذا المجلس؟ جواب المادة 4 “بالتفاهم بين راعي الأبرشية المعينة”. كلا لا يحدد ما إذا كان على المطران أن يسأل عددا محددا من المؤمنين. يعود المطران إلى تقديره وحكمته. أي نحن أمام استمزاج ولسنا في انتخاب المؤمنين جميعا. اقترحنا في مقال سابق انتخابا ديمقراطيا وجاءنا الرفض من أمكنة عديدة. التشكيل إذاً تعيين يحمل مسؤوليته راعي الأبرشية. الخيار أن ينتخب الشعب كله أو أن يعيِّن المطران. إذاً يأتي كما يأتي. ويراقب مسيرته المطران والرعية  معا. فهناك شكوى من الناس وتنبيه من الراعي أو لوم. وعند الخطأ الكبير حلّ. لا شيء يمنعه, كما أن لا شيء يمنع إضافة أعضاء جدد. الحياة متحركة ولا سيما إذا الرعية راقبت وسألت عن سير الأعمال. بلا التلاقي الدائم بين المجلس والرعية لا تستقيم الأمور.

أما لماذا جيء بهذا ولم يؤتَ بذاك فلا يمكن أن يحشر الناس كلهم معا. ويمكن ألا يبرز هذا أو ذاك بين المصلّين (وهذا شرط) فلا ينتبه إليه الناس ولا يذكر اسمه. لا يمكننا أن نعرف, حقيقة, جميع المؤمنين. المهم أن يتم إجراء ما, تتشكّل بعده هيئة المجلس. التجديد هو روح القانون. ولذلك أحسنت المادة 10 القديمة بقولها: “تنتهي كل سنتين عضوية ثلث المجلس”. هذه المادة حتى بعد تعديلها (إذا صارت المدة 4 سنوات) تحمل فكر المجمع الذي لا يريد أن يبقى أحد مدة طويلة. السبب هو الآتي:

– إن يُشرك العدد الأكبر من الناس في الخدمة لتصبح المسؤولية متداولة. انطلاقنا أن السلطة تغري وتقود إلى الاستئثار بالرأي والتصلب. الوجوه الجديدة يمكن أن تحمل فكرا جديدا. والهيئة الجديدة بسبب تدقيق افضل يمكن أن تكون اكثر تنوعا. مجلس الرعية مكان للفهم والتدرب معا. لذلك لا بد فيه من عنصر الشباب بما فيه من حماسة.

لا يمكن أن تتجدد ألا بالاستغناء عن القدامى أو معظم القدامى. المشاركة الأكبر تقضي بذلك. قد يرى العضو نفسه مفيدا جدا وقد نراه كذلك. ولكن كل رعية صالحة فيها أخيار قادرون على الخدمة. وهذه ليست محصورة بهيئة المجلس. المجلس الفهيم الحي هو في حالة تشاور مع كل الفاهمين.

السؤال الأخير هو هل من تمثيل عائلات. المادة 5 تقول: “يتألف المجلس من ثلاثة أعضاء إلى 15 عضوا حسب النسبة العددية للرعية, ويحدد راعي الأبرشية عدد الأعضاء بقرار”. فإذا تعيّن فقط 3 أعضاء في قرية تعدد 5 أو 6 عائلات, يعني ذلك أن ليس عندك تمثيل عائلي. وإذا كان عندك 20 عائلة مع فروعها ولا تقدر أن تتجاوز 15 عضوا, معنى ذلك أن ليس عندك تمثيل عائلي. ثم لماذا لا يؤخذ 2 أو 3 من بيت واحد إذا كانوا عظاما؟ في العهد الجديد: “انتم جسد المسيح وأعضاؤه أفراداً” (بولس الرسول). ذِكْرُ العائلة أساسا للرعية لم يرد مرة في الإنجيل.

إذا لم نَبْْنِ على هذا الإنجيل نكون قد بَنَينا على الرمل.

Continue reading
1998, محاضرات

التوبة الوطنية في لبنان. أين نحن منها؟ / اللقاء اللبناني – تعنايل / السبت في 13 تشرين الأول 1998

التوبة الوطنية، بدءًا من قبول الآخر واختلافه، هي أن نعود معًا إلى لبنان واحدًا وكما ينبغي أن يصير في احيائه نفسه على طريق علوه بلا انقطاع. التوبة تبدأ بتمنيها ثم تصير جهدًا فإقامة في التطلع إلى الآتيات الممكنة أو المستحيلة لكون المستحيل يصنع الممكن والمنظور اليه يصنع الآن.

رؤية لبنان الواحد تجلت من محنة الحرب. بلورتها آلامنا واعتقادنا ان الآخر قدرنا. ولكن اي قدر؟ أهو الذي تحكي عنه الروحانية المسيحية الشرقية عندما تقول ان اهل النار كان الحكم الإلهي عليهم ان يكون ظهر احدهم إلى ظهر الآخر حتى لا يراه. هل بتنا عكس ذلك وجها إلى وجه في التعارف والتبادل والتحاب؟ لقد اسلم اللبنانيون في وثيقة الوفاق الوطني فالدستور بعد الثوابت الإسلامية لنهائية الوطن، بمعنى اللاذوبان في الكيانات الأخرى. وهذا في جوهره لا يبدو لي الا تعبيرا آخر عن ميثاق 1943. ربما استلهم ذلك من كون الفريق المسلم يتبوأ الحكم بهذه اللبنانية فيزيل امتياز الآخر ليستولي عليه. اظن ان المسيحيين هكذا فسروا الموقف في باطنهم. الموقع الامتيازي يحتله حزب أو يأخذه زوج في المجتمعات الذكورية. احد يسود احدا تلك كانت القاعدة. ولكن الزواج القسري له ان يتحول إلى زواج حب فيما بعد. ويكون المسلمون أشاحوا بسيادة طائفة ليقيموا سيادة اخرى فظلوا اذًا على لمنطق الطائفي. ومل الموارنة الحرب أو يئسوا منها فأعطوا إلى حين ما كان لهم على ان يستردوه عند تبدل الأزمان.

يرفض الموارنة انهم كانوا قبلا يريدون امتيازات. قالوا ضمانات. ولكن من يضمنهم بعد ان يئسوا من الحمايات؟ ثم ماذا يضمن لهم؟ تصوري ان الهاجس الحقيقي يبقى عند اللبنانيين السلطة التنفيذية وتاليا التفوق السياسي. الإشكالية تبدو اشكالية حكم وتنازع عليه. لعل هذا آتٍ من تخيل المسيحيين انهم في قبول الاولية للمسلمين يحسون بأنهم غرقوا في البحر الإسلامي أو العربي الذي لا يدل شيء فيه على ان المجتمعات تصنع الحكم وكل فيه يشير إلى ان الدولة تصنع كل شيء. يضاف إلى هذا ان الصحوة الإسلامية أو الأصولية فيها هذا الصدق الذي يجعلها تقول انها تسعى إلى تطبيق الشريعة وتاليا إلى إقامة الحدود بحق اهل الكتاب كما تقيمها بحق المسلمين. المسيحيون يحسون بخطر الظلامية وتاليا بخطر الهجرة.

البعبع الحقيقي عند المسيحيين في اقتناعهم بأن عددهم قلّ وقد لا يكون هذا صحيحا إلى حد مريع. الطرفان في إشكالية التسابق وفي إشكالية الدولة اكثر بكثير مما هما في البحث عن التلاقي الاجتماعي الائتلافي. قلت هنا وهناك اننا لسنا مجتمعا منصهرا واننا مجتمع مؤتلف. الدولة في المساق الحضاري تأتي ثانية. قلت مجتمعا مؤتلفا في دولة واحدة ممكنة الاهتزاز لكوننا لونين روحيين ولو عشنا في ظل الثقافة العربية المنفتحة في إطلالتها الدائمة على العالم.

ما بقينا متباينيين على صعيد العلم أو التعليم فقد خطا المسلمون فيه خطوات جبارة منذ 40 أو خمسين عاما. أجل نحن مجتمع متعدد أو مجتمعات متعددة. مع هذا لا يشبه تعددُنا أو تنوعنا التنوع السويسري أو البلجيكي. اختلاف الاثنيات أو اللغات يعرقل سير الدولة إلى حد كبير أو صغير ولكن الاختلاف الكبير القائم بين المسيحية والإسلام يجعل كثيرا من رؤانا الانسانية والخلقية والدينية الأصيلة على كثير من الخلاف. اين يقف الخلاف ليصبح مجرد اختلاف؟

المحاولة الايديولوجية قومية كانت أم اشتراكية أو علمانية حاولت ان تحجب التباين لتقيم أرضية اخرى نقف عليها معا. نتجاهل الانتماء الديني ويبقى الاندماج في مكان تبيناه أو اصطنعناه لنقول وحدتنا فيه. في تأملي ان القومية العربية لم تبق فاعلة أو جامعة وليس من إمارة تشير إلى بعثها في المنظور القريب. وهي تعني وعيا قوميا دائما ورقيا مجتمعيا وتكنولوجيا وحرية ونقدا دينيا أو ارتضاء النسبية التاريخية في قراءة النصوص المنزلة وإدراك انسانوية على النسق الاوربي وفصل الدين عن الدولة ما يجعل القومية العربية بعيدة المنال وتستهلك جهودها اسرائيل أو تعرقل نهوضها بحيث انطوت العروبة بمعناها السياسي ولو بقيت أو اردناها ان تبقى ثقافة.

ولا إخالني مضطرا ان انعي سقوط الشيوعية أو انحجابها كلها على اختلاف فصائلها فهذا هو الواقع العالمي. ونحن نذهب إلى الحج بعد عودة الناس منه. كذلك لا احسب باننا ادركنا العلمانية مجتمعا ونفسيا وان كان لا بد من السعي اليها في تركيبة الدولة. الآتي هو العولمة التي نقدناها في غير مطرح وخوفي علينا منها انها آتية لا محال وانها سوف تكون محل تذييلنا للإعلام والمعلوماتية وتفريقنا ان لم نقاوم من شخصيتنا الوطنية. اخشى انها آتية وانها تأتينا بحلول قد تكون هي انتقالنا من مشاكلنا الحالية.

قبل هذا المتوقع نحن مضطرون ان نواجه مسألتنا الانسانية بصورة جدية وليس عندي وصفة لهذه المواجهة. اظن اننا كنا سطحيين في عصر النهضة لما قلنا اننا نقيم ارضا جديدة ليست الإسلام ولا المسيحية في تبنينا شعار “الدين لله والوطن للجميع” غير عارفين ان علاقتك بالله أو صورة علاقتك به وبأهل دينك من الأشياء التي تحدد العلائق في الوطن. العلمانية حل اداري لمشاكل الدولة وليست حلا فلسفيا. تجاهل الموجود الفاعل في النفوس لا يقيم مجتمعا واحدا.

على ضوء هذا لا يغري المسلمين ان يتوبوا إلى المسيحيين كما هم المسيحيون. ليس علي ان اقول اذا كان المسلمون هم كما هم لا ينبغي ان نتوب اليهم. الهزالة الروحية التي عليها المسيحيون، انغلاقيتهم في الطائفية والمجد الباطل القائمة عليه برجوازيتهم وانحدارهم الثقافي الحقيقي لا يجعلهم ساحرين. المسيحي لم يولد بعد في هذه البلاد ما خلا قلة طاهرة فهيمة مُحبة. ما القوى الروحية القائمة في الإسلام اللبناني؟ هل من احياء روحي فيه، هل من ثورة تفسيرية حقيقية لا تجتر الشريعة والفقه. هل من إبداع، هل من تأليه ما خلا المتقين البسطاء. على المسلمين ان يجيبوا اذا امتحنوا قلوبهم وما ينتجون. عند ذاك يلتقي المألوه بالمألوه ايا كان المعتقد. السيرورة الخلاقة هي إلى مسيحية متصوفة وإلى اسلام متصوف. اما النظم الدينية والعمل الفقهي والتفسيري المحض وعلم الكلام التقليدي في الإسلام والكنيسة في انشقاقاتها واكليروسيتها المغالية وزواجها بقبليتها وآحادية التراث في هذا المذهب أو ذاك وانطواؤها التاريخي كل هذا لا يجعلنا في الحرية المبدعة والحق المحرر والقدرة على لقاء المسلمين في اعماق الحب.

افهم ان تقولوا ان المجتمع يسوس الناس كما هم الناس. عند ذاك لا مهرب لنا من انسانوية علمانية وليبرالية واليوم يرى الناس اختناق الانسانوية اللاإلهية وانسداد الطرق امام الليبرالية الجديدة حتى بت اتساءل اذا صح تحليلي لسقوطنا الروحي العام ان كنا ايضا امام ازمة حضارية رهيبة تهدد الكبار قبل الصغار. التأزم الاقتصادي الكبير في العالم وتهافت العقائديات كلها لا يجعلاننا بمنأى عن كل هذه الأخطار. لذلك لست اومن الا بانبعاث روحي عظيم يجمل كل وجه فاذا بلبنان ملتقى الوجوه الحية المتجددة نبضارتها.

هذا يعني ان مشروعنا هو الناس لا الدولة وان صراع الطوائف فيها مرتبط بخشونة الطوائف أو ركاكتها كما هو عليه عنصرها الانساني اليوم.

امام هذا السؤال الباقي هو اننا هنا واننا نتعامل والنسيج اللبناني كما نلمسه. ماذا نعمل ببابل هذه أو بهذه البعثرة الرهيبة؟ هل يهب الروح في هذه العظام وينضم اليها لحمها كما يقول حزقيال النبي. افهم ان الوطن ليس ديرا وان السياسة فن تعاطيك لهذا الفتات. غير اني مدرك ايضا ان السياسة بلا ثقافة تفه كبير وان الثقافة بلا اخلاق فذلكة مترفة وانك تاليا امام مشروع حركة دائمة بين الدولة والمجتمع ذهابا وإيابا وانك في حركة تصاعد إلى الله وإلى رؤيته حتى تنزل منه إلى الانسان الآخر وانك في حركة صدق وتنزه عن الظرف وعن الموروث واستقلال عن جماعتك وحرية من تاريخك ورهبة امام الآتي واستشراف راجٍ له حتى تكون تمتمة الحروف الاولى من التوبة.

مع ذلك لا مفر لنا من ان نحيا معا. العيش المشترك ليس فقط قدرنا ودونه الانتحار ولكنه خيارنا الراجي. البلد يتوحد في اقتحامه الواحد للانسان على ضعفاته وإخفاقاته المتكررة. هذا ليس مجرد براغمية. البراغمية مراس لا بد من الكثير منه في السياسة. ولكنها ليست فلسفة. هي تحل لنا تطبيقا لأن البلد، كل بلد مريض. خطأ اللبنانيين اعتقادهم ان المريض يعالج اولا بالسياسة. لا، السياسة ليست اكسيرا. هي واحد من الأدوية. والعيش الواحد نحياه كثيرًا في الوطن الصغير. الفنون الجميلة والأدب الرفيع والتهذيب الذي ألفته كل مجموعاتنا بما فيه الذوق المشرقي الذي يجعلنا على رهافة كبيرة وهو عميم عائلاتنا الروحية لا ينبغي ان نستهين بها موحّدة. ارجو الا تجتاحنا الفردية الغربية التي قتلت مجتمعاتهم وأعمت بصائرهم عن المشترك وعن القيم الثوابت. ارجو الا تجتاحنا لئلا تفنى العائلة والضيعة والحي والتقاليد الانسانية في الفرح والترح وحرارة التلاقي.

على هذه القاعدة ينبغي ان نبني مشروع المجتمع المؤتلف اذا قبلتم هذا الاصطلاح أو المجتمع القائمة فيها عناصر ائتلاف وعناصر انصهار مثل التي ذكرت في عيشنا المتوحد. نحن في نمطنا الشرقي العربي على توبة مقيمة ولكني ناديت بالتوبة الدائمة التي الله مجريها ومرسيها. اني اومن ان لا إله الا الله واذا عكست الشهادة على ارضنا انا اومن بالإله فيك وبالإله فيّ كائنة ما كانت كتبي وكتبك لأن الرب اذا هيمن أو اردته ان يهيمن يقيمنا في ذلك الإسلام الذي تكلم عنه القرآن أو -اذا شئتم لغة اخرى- يعمدنا جميعا بروحه. كنيستنا الواحدة لبنانيين هي قدسية الانسان المتصاعد ابدا إلى فوق والتواق إلى الانسان الآخر في دعوته وبكارته.

غير ان التوبة الحق ليست مني إلى كتلتك التاريخية الجامدة أو منك أنت إلى كتلتي الجامدة. هي توبتنا جميعا إلى الفقير. مجتمعنا صار بالحرب مجتمع طبقات أكثر مما كان. واتسعت الهوة بين أهل الثراء الكبير والفقر الكبير. ودولتنا غافلة أكثر مما مضى عن المحرومين لظنها انهم ينتعشون آليا اذا اقامت هي بنية تحتية. ليس صحيحا ان الناس يفيدون على التساوي من الطرقات والجسور والمجارير والكهرباء وما اليها. ان السياسة الاقتصادية النيوليبرالية من شأنها ان تثري الغني والطفيليين الذين حوله ولا تحل مشكلة الطعام والمسكن والطبابة والمدرسة.

ان فقر الفقراء في حالة تقاعس الحكم هو الذي يدفعهم إلى اللجوء إلى طوائفهم ملاجئ انسانية رؤوفة ويحجب المجتمع الواحد. انا مؤمن بالأسرة الروحية مطرحا من مطارح الدفء البشري وقد دلت تجربة الضمانات الاجتماعية المختلفة في اوربة انها لا تغني عن الحرارة التي يجدها الانسان في عائلته الجسدية وعائلته الروحية. ولذلك لست ارى ان مؤسسات الدولة هي بالضرورة بديل عن المؤسسات الدينية المنفتحة التي تحب وترعى انطلاقا من إيمانها. انه غير صحيح ان المجموعات الدينية انها تغذي بالضرورة الانغلاق. لقد اثبتت معظم مدارسنا الخاصة انها تعامل طلابها في احترام كبير وانها قلما مارست الاقتناص الديني. المدرسة ذات اللون الروحي افضل من مدرسة لا لون فيها وفي كثرة من الأحيان عطاؤها اجدى من عطاء موظفين رسميين لا رسالية فيهم. الصراع عندنا لا يقوم بين المدرسة الخاصة والمدرسة العامة هذا اذا اعطي التعليم الديني بلا تشنج ولا تأكيد على كفر الآخر واذا كانت المدرسة وطنية. أنا لم اشاهد المدارس تزرع التفرقة والعصبية. الكثير من صداقاتنا قام في هذه المعاهد حتى في أيام الانتداب. ولكن البون الذي كنا نلمسه فيها هو البون بين ابناء العائلات المدعوة العريقة والعائلات الشعبية إلى اي دين أو مذهب انتمت.

مكافحة الفقر هو المشروع الوطني الأكبر. دونكم هذه القصة. كان البطريرك غريغوريوس حداد قائما على إعاشة دمشق في الحرب العالمية الأولى وكان يوزع الحنطة بالإضافة إلى ذلك في البطريركية الأرثوذكسية. مرة جاء اليه واحد من طائفته محتجا على المساواة في المعاملة بين المسلم والمسيحي. قال له البطريرك: أرني رغيفا فأتاه برغيف. سأله البطريرك هل تقرأ على هذا الخبز كلمة مسيحي أو كلمة مسلم. قال: لا. قال البطريق: أعطه اذًا لكل من سألك خبزا.

ان تجندنا في سبيل المحرومين هو طريقنا إلى مستقبل الانسان. الانسان الجائع يسكن فيه المسيح حسب قوله المبارك: “كنت جائعًا فاطعمتوني”.

لست ارى مخرجا من التفتت المجتمعي ومن التساؤل عن هويتنا الطائفية وعظمتنا المزعومة الا بإقرار هوية اخرى لست أقول انها خارجة عن المسيحية والإسلام ولكنها هوية الآخر. مسيحي هو الآخر. في هذا العطاء يرقى المعتقد الديني إلى صبغته الإنسانية. لا يصبح ذريعة للتقاتل. كم من مرة غطيت الحاجة بصراعات طائفية كانت وهمية.

تريدون أرضا واحده نجتمع عليها وننطلق منها. انها ليست الايديولوجية التي نحاول بها لغة أخرى. فاللغة موجودة. هي لغة المحبة التي لا خطابة فيها ولا انشاء. ان سحر لغتنا العربية يلهينا عن التخاطب الحق واللقاء الحق بين المحروم والمحروم حتى يمن الله على الأغنياء بلغة الرحمة.

إذا وجدنا هذه اللغة نكون قد تبنا أحدنا إلى الآخر ونكون قد شرعنا ببناء الوطن الذي ينشئك وينشئ الآخر. الصراع العقائدي الديني كما الصراع الطائفي يحيله الله إلى سر الحب. واذا قال القرآن: “وللآخرة خير لك من الأولى” ففي ادراكي لعمق الآية أقول: ان لك آخرة هنا وهي الآخر في سر فرادته وسر بهائه.

Continue reading
1998, مقالات, نشرة رعيتي

إنكار الأنا/ الأحد 20 أيلول 1998 / العدد 38

الكثير من مواقف الانسان عندنا يتلخص بهذا: انا قلتُ هذا وأبقى عنده، واذا خالفْتَني أَتشدد وأتمسك بما قلتُه، والشخصان يصبحان حزبين. ازاء هذا شكْلُ الصليب المؤلَّف من خشبة عمودية وخشبة أفقية. عموديا، المسيح ممدود الى الله ابيه وأفقيا يضم الناس الى صدره. انت اذا لم تمتد الى الحقيقة، وهي ذات الله وكلامه وفعله، لا تكون قابلاً أحدا من الناس إطلاقا. ان لم تقل لصديقك او خصمك إن كان على حق: انا اقتنعتُ بما تقول وأَتركُ فكري،  تكون خارجا عن طريق المسيح، هذا الذي لا يعرف الا الحق مقرا لك، وهو القائل: “وتعرفون الحقَّ، والحقُّ يحرركم”.

          هذا ما اراده يسوع في إنجيل اليوم: “مَن اراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. في الحقيقة مجرد تنازلك عما تقوله -اذا تبين لك انه خطأ- وأن تجهر بفكر آخر أصح هو نفسه حَمْلك للصليب. ان تكون انسان الحق هذا يعني اتباعك ليسوع لأن يسوع هو الحق.

          في هذا المنحى يقول السيد: “ماذا ينتفع الانسان لو ربـح العالم وخسر نفسـه”. يمكن ان تـربح مـال الدنيا والنفـوذ والوجاهـة، ولكن اذا كانت نفسك معاندة للحق ومتشبّثة بالباطل يكون كل ما عنـدك وما فيك باطلا. لا يمكن ان تدخل الملكوت اذا كنت معاندا للحق. لا شيء يعادل بقاء روحك في حقيقة الله والصدق والنقاوة. لهذا قال: “ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه؟”.

          الانسان هـو القلب وليس المال الذي في جيبه او مصرفه. ان تكـون انت مرجعيـة الحق بحيث لا يرقى الباطل الى فمـك وسلوكـك ونيتك يجعـلك اقوى انسان في الوجود. يكون ملكـوت الله قد نزل عليك منذ الآن.

          السؤال الأساسي عند من اعتنق ديانة الصليب هو: هل أَقبلُ انا ان اكون مصلوبا كما طلبَتْ مني معموديتي؟ هل انا مستعد أن أُسمّر شهواتي لأحيا مع المسيح؟ فإني ان لم افعل هذا يصبح الصليب مجرد شكل من خشب او ذهب معلق بعنقي، اي رمزا بلا مرموز اليه. دعوتنا نحن ان نذهب من الرمز الى معناه، والمعنى هنا الحياة الجديدة. واول شهوة تُصْلَب هي عبادة الشخص لذاته، لآرائه. هذه هي الكبرياء بالذات، والمتكبر ساقط لأنه يتصرف كأنه يعتبر نفسه إلها ولا يرى اخاه، الانسان الآخر، ولا يعانقه. انه يعبد ما يقول والمواقف التي وقفها. والدنيا تأتي من ترتيبه هو ومما يقرره هو، والناس يجب ان يندرجوا في تصميمه. انه لا يقبل ان يُكسَر له تصميم.

          ان صليب المسيح يبقى اغنية جميلة إنْ لم نؤمن أنّ وضعنا الشخصي وضع مصلوبية، حالة نكران للذات وإصغاء للآخر واحترام له وأن يجعل القلب يحس بآلام الناس وحاجاتهم. الصليب هو ضَمّي الناسَ الى قلبي، وصعودنا معا الى المسيح الجامع.

Continue reading
1998, مقالات, نشرة رعيتي

سكنى الكلمة فينا/ الأحد 29 آذار 1998/ العدد 13

نسمع كلمة الشهوة فينا. تصرخ فينا، تضج، تخاطبنا أن اتبَعوني. وإذا أطعناها نقتنع بها أو نُقنع نفسنا بها. المسكر يقول لك امشِ ورائي. وإذا أدمنتَ كثيرا تفكر ان الأمر جيد. وإذا أدمنتَ السلطةَ وتحكمتَ بالناس وعرفتَ مكانتك، تذوق لذة السلطة وتصير الى التفكير بأن هذا جيد. تتكون فيك مجموعة قناعات، شبكة قناعات تصل الى وقت تدينُ انت بذلك، واذا كنتَ صادقا يصير هذا دينك الحقيقي.

          عبثا تحاول ان تُسكت صوت الشهوة فيك إن لم تؤمن انها ضارة. ولا يسعك ان تصل الى هذا الاقتناع الا اذا لمست ان هناك ما هو انفع من الشهوة المؤذية وأبقى. ولكن من هو الذي يقول لك ان الصدق انفع لك من الكذب بمعنى انه ينجيك حقيقة؟ لعلك تعترض عليّ وتقول كيف ينجيني صدقٌ أخسر به وظيفتي ونجاحي في الدنيا؟ لا يمكنك ان تقتنع بضرورة الصدق الا اذا شعرت انك بالكذب تؤذي آخرين أو أقله انك تخسر شجاعتك وتتقزم. إن أحسستَ ان موقف صدق يصل بك الى انتعاش داخلي والى سلام، تدخل فيه طريق الصدق.

          يجب ان يظهر مـن يقول لك ان هـذه الفضيلـة او تلك تحيي هذا الجانب او ذاك من شخصيتك. يجب ان يـرشدك الى ذلك كائن مقنع، كائن لا يخطئ بكلامه، لك فيـه مـلء الثقة لأنك موقـن انه يعرف وانـه فهيم وانـه يحبك.

          هـذا الكائن الفريد مـن نوعه هو المسيح. هـذا تكلم مرة واحدة ونهائية في الإنجيل. وهـو يخاطب فيه شخصَكَ كما أنت في كل ضعفاتك ليجعل منـك انسانا عجبا. فإن شئتَ أن تتخلص مما يـؤذيـك تُسْلِم لـه لِعلـمك بأنـه يحب لك ما لا تحبه لنـفسك وانـه يعرف مصلحتك الحقيقية وانت لا تعرفها. كيـف تسأله عـن مصلحتك؟ هـو قال لك في إنجيلـه وفي كلام رسلـه ما يجعـل منـك انسانا سويّا. قال لك انـه يجب ان تترك ما يعرقل وصولك الى حياة صالحة كما قال لبطرس وأنـدراوس أن يتركا شباكهـما ويـلحقـاه وكما قال ليعـقـوب بـن زبـدى وأخيه يوحنا ان يتركا شباكهما وأباهما ليتبعاه.

          هناك دائما انسلاخ عما كان يبدو لك من لذة، عن عشق المال الذي يعرقل بناء شخصية لك مستقلة، سائدة على المال. يقول لك اترُكْ عشق السلطة وتواضَعْ وانت في السلطة لأن فيها عشقا لنفسك يكبّلك. ويقول لك أن اترك الجنس الذي خارج الزواج مهما بدا لك مغريا لأنه يدمرك ويزيل حريتك.

          المسيح فيك هو كلمته فيك. وهذه تؤتاها انت من الإنجيل ان قرأته كل يوم وجعلت عقلك يتكيف به. ولهذا قال بولس: “فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع” (فيليبي 2: 5). جهادك ان تترك الفكر الذي كوّنَتْهُ فيك الخطيئة وجعلتك تنطق به. فكر المسيح اذا نزل في قلبك يُصيّر عقلك مثل عقل المسيح. ولهذا قيل: “خبأتُ كلامك في قلبي لكيلا أخطئ اليك” (مزمور 118: 11).

          هذا هو مفتاح التوبة أن تختزن فيك كلمات الرب كي تَرُدَّ بها الكلام الذي يريدك الشيطان ان تسمعه. فإذا قال السيد ان الإنسان يحيا بكل كلمة تخرج من فم الله (متى 4: 4) يريد أن هذه الحياة الجديدة فيك تجعلك ترفض توّاً كلمات الموت التي يوحي لك الشرير بها. أن تسكن فيك كلمة المسيح تلك هي التوبة اليه.

Continue reading
1997, مقالات, نشرة رعيتي

محبة الوصايا/ الأحد 7 أيلول 1997/ العدد 36

أول خطوة الى عمل الصلاح ان تؤمن باللّه وعلى ان ما قاله في الكتاب المقدس هو الحق، اي ان تبتر كل علاقة بنزواتك وشهواتك وما هي توحي اليك. ففِكرُ الإنسان كثيرا ما أتى من أفعاله ولا سيما تلك التي يكرر. فإن مارستَ الكذب طويلا وظننت انه نجَّاك، تميل الى الاعتقاد ان الكذب خير وشطارة، وكذلك ان مارست الاحتيال والسرقة فتعمى عن الحقيقة الإلهية. خطاياك تصير مصدرا لفكرك. ولكون الانسان يميل الى الشر وأن يحوّل الشر الى فكر، تكلم الله ليستأصل التفكير الخاطئ من قلوبنا. الكلمة الإلهية قائمة لأننا غير قادرين بعقلنا وحده على الموقف الصائب أو لأن العقل وحده يزلّ لأن الشرّ يكون قد شوّهه.

          من اجل ذلك كانت الكلمة المقود، واليها نحتكم ومنها نأتي. عندئذ نصير في الحق او نصير الحق. ولكن عليك أن تألف الكلمة، ألاّ تنقطع عنها اذ سرعان ما تنتصب كلماتك انت في عقلك ويجيء تصرفك من هذا. لا كلمتك انت ولكن كلمة الكتاب التي تعرف الصالح لك اكثر مما تعرفه انت. وإذ جعلت إلفة بينك وبين الكلمة وأقامت فيك فارتاحت نفسك اليها، تلجأ اليها وتجعلها على لسانك وفي أذنيك. فإذا جاءك الشرير ليجربك تصدّه بما صار فيك حقا وتَقَوْلَبَتْ نفسُك به وتكون هي الدرع والسيف والخوذة والسلاح الكامل.

          لقد انتبه صاحب المزامير الى هذا في المزمور ال 118، المُرَقم في الطبعات المتداولة 119، فحدَّثَنا عن محبتنا للوصية. قبل نضجنا الروحي، عندما كنّا نتصرف كأولاد في الحياة المسيحية، نكون كأولاد المدرسة. نحس ان الله مثل معلم الصف، يعطي الأوامر، وتكون لذّتنا بمخالفة الأوامر. الإنسان لأول وهلة يجعل عداوة بينه وبين الوصية، وقد يرى انها تقلق حريته. انه هو إله لنفسه. يريد أن تأتي قراراته منه لا من سلطة بشرية كانت ام إلهية. ولكن يأتي يوم ينضج التلميذ فيه ويفهم ان في مصلحته ان يطيع، وان المعلم هو الذي يقرر المعارف التي يجب ان يلقنها لتلميذه.

          الثقة بالله -وهذا هو الإيمان تحديدًا- توحي الينا ليس فقط ان نقتنع بالوصية، ولكن ان نحبها ليقيننا بأن النفس تصح بها وتتجمل، وان ما عدا الوصية إغراء. ولذلك قال داود في هذا المزمور العظيم: “أَخفيتُ كلامَكَ في قلبي لكي لا أخطئ إليك”. ليس فقط قرأته مرّة أو مرات، ولكني أكلته أكلا. استدخال الكلمة الإلهية الى ثنايا القلب حتى تطرد منه الخطيئة لو حاولَتْ ان تتسلل.

          ويتحدث النبي المرنم عن الحب الذي نقتبل فيه الكلمة فيقول: “اشتاقت نفسي الى اشتهاء أحكامك”. قابل بين هذا القول وما نفعله عادة. نحن نشتاق الى الخطايا. داود يشتاق الى وصايا الله اشتياقا.

          ومن بعد التوق الودّ. وهنا يقول: “رفعتُ يدي الى وصاياك التي وددت”. ينتقل بهذا الود الى العمل حيث يقول: “انه وقت يُعْمَل فيه للرب وقد نقضوا شريعتك. لأجل هذا أحببت وصاياك أفضل من الذهب والجوهر”. كلمتك سلاح أحارب به الأشرار. ولن يكون في يدي سلاح ضدهم وقوة كافية لمحاربتهم الا اذا أحببت وصاياك فجذبَتْني وحركَتْني لأخوض معركتك في الكون.

Continue reading
1997, مقالات, نشرة رعيتي

الكتمان/ الأحد في 17 آب 1997/ العدد 33

قـول سائر عندنا: “المجالس في الأمانات” اي انك لا تذيع امرا تسلمْتَـه في مجلس اصدقاء وأَسَرُّوا لك به لأنهم اطمأنوا الى كونك تحفظ الأسرار. ما من شك ان كثيرا من الأخبار يتعلـق بأمور الناس الشخصيـة ويـؤذيهم أن تُعرَف. ما يمتّ بصِلـة الى الحياة العائلية والى أتعاب الناس او ما يواجههم من صعوبات في حياتهم المهنيـة تُكشف لك لكـونك قادرا على النصيحة او من باب بث الشكـوى او وصلت اليك لكون الناس يتسلَّون بما يحلّ بالناس.

         قد تعـرف تفاصيل ائتُمنتَ عليها لتساعد على حلها. إن نقلتـها لمن كان الكلام عنـه وسَمَّيتَ من نقلها اليك تجعل خلافا بين من حدَّثك ومن انت تحدثـه، ولهذا قال الكتاب: “الساعي بالوشايـة يفشي السر، والأمين الروح يكتم الأمر” (امثال 11: 13). قد لا تقصد الوشاية ولكنها الثـرثـرة ساقتـك الى الحكي.

         عنـدما تشعر بجـو حار وأنّ كبيـرا في القــوم روى لك شيئا عن كبير آخر فامتنعْ عن روايـة هذا الكـلام حتى تبـقى موضوعَ ثقـةٍ وحتى يجتنب الكبيران الخصام. اذا أَسَرَّوا لك بأمر وأحسستَ انك قادر ان تساعد  فاستعمل من هذا الكلام ما يفيد وما لا يُدخل التشنـج الى النفـوس.

         ليس الكاهن وحده مرتبطا بسرّيـة الاعتراف. كل منا مقيَّد بكتم ما عَلِمَ به الا اذا آذى سلامة الدولة او كان فيه تخريب للكنيسة. لا ينبغي مثلا ان يحدث صِدام كبير في الرعية دون ان يعلم به المطران حتى لا تتصدع وحدة المؤمنين. غير هذا يكون من باب الثرثرة. كل إفشاء لمتاعب الناس وخطاياهم نميمة. النميمة خبر صحيح لا تجوز روايتـه.

         النقد البنّاء يجري بينك وبين من تريد إصلاحه. احيانا يجوز لك ان تحلل كلام الناس من حيث انه كلام أُذيعَ، وان تنقده موضوعيا، ولكن لا يجوز لك ان تذم قائلـه. ربما ساغ لك احيانا ان تحلل تصرفا بات مكشوفا او مواقف عُرفَتْ، ولكن لا تدع الناس يحزنـون بسببٍ من انتـقاد لاذع كثيرا ما أخفى حقدا.

         المجتمع الكنسي مليء بالأخبار الباطلـة.  وعند الفحص يتبين لك ان الكثير الكثير عارٍ من الصحة. لماذا مَن عَرَفَ خبرا عن اكليريكي لا يذهب اليـه ويعاتبه بدل ان ينشر الخبر في مجالس الثرثارين؟ هذا باع وهذا تَمَلَّـك باسمه الشخصي. كيف تثبت هذا؟ القال والقيل تجعل النفـس في حزن، وكثيرا ما كان الحزن شديدا.

         الخلاص في الصمت. “ان كان احد فيكم يظن انه دَيِّنٌ وهـو ليس يلجم لسانـه بل يخدع قلبـه فديانـة هذا باطلـة” (يعقوب 1: 26). وقمـة القـول: “اللسان نار. عالم الإثم. هكذا جُعل في اعضائنا اللسان الذي يدنس الجسم كلـه ويضرم دائرة الكون ويُضرَم من جهنم” (3: 6).

         القاعدة في هذا ان تمـدح الناس في غيابهم وان تكتم ذنـوبهم حتى يحجب الله عن عينيه ذنوبك. لا تَقُلْ إلا ما هـو نافع للبنيان. واذا لم يُفشَ ما قلتـَهُ في الخفاء فأقلُّـه انـه يعثّر. اذا عَرفـتَ شيئا من هذا القبيـل فانسَهُ لئلا يصيبـك انت قنـوط وتقع بواقعيـة مريرة وتهـمل رجاءك. اذا تأكد لك خطأُ واحدٍ من الناس فاذكر هذا الأخ في دعائك وانسَ الخطيئة، لأنك ان أَقمتَ على احد خطيئتَهُ فالخشية ان تقع انت فيها. لا تذكر سيئـة ولا تحاسب عن سيئـة لأن هذا باب للحقد.

Continue reading
1997, مقالات, نشرة رعيتي

سلام المسيح/ الأحد في 3 آب 1997/ العدد 31

تبدأ الطلبة السلامية الكبرى في القداس الإلهي والخِدَم الأخرى بقول الشماس: “بسلام إلى الرب نطلب”، اي نرجو ان نكون في سلام مع الله لنتمكن من الصلاة. ثم نقول “من اجل سلام كل العالم”. وهنا يبدو للسامع اننا نطلب السلم العالمي بين الدول، ولكنه سرعان ما يفسر: “من اجل السلام الذي من العلى وخلاص نفوسنا”. وهنا يتضح انه ان كان صلح بيننا وبين الرب نتمكن من إشاعة الهدوء حولنا في العلاقات الشخصية، في العائلة وفي المجتمع. السلام الذي لا يتصدع بمصالح الدول والأفراد والخصومات ضمن العيلة او الرعية هو الذي ينزل عليك من فوق.

          المؤلم ان في الدنيا صالحين في كل الشعوب ولكن السياسة ليست في ايديهم. والفاهمون كثيرون، وما السياسة في أيديهم “والإنسان ذئب للإنسان”. وسوف تبقى الحروب بين الشعوب القوية والشعوب الضعيفة ما لم تتحول الشعوب في رقي اخلاقي عظيم وتنمية وازدهار لتفهم ان مصالحها هي في ان تنمو جميعا وتنمو معا ويظل كل شعب على فرادته وأصالته وحقه في الاختلاف. ان نؤمن بحرية الآخرين شرطا للسلام، واكتمالا لسلامنا نحن، هذه قمة في حياة الشعوب.

          وهنا يبدو من المعقول ان تبقى مجموعة بلدان فيما بينها في سلام موطد بعد ان تكون اكتشفت أن الحرب يدمرها جميعا ولا يبني شيئا ولا يؤمّن سيطرة وأن من تستبعده سوف يثور عليك ليستعبدك. هكذا اخذت تتجلى – بعد مخاض عسير- ان الطمأنينة عبر الحدود ممكنة لأن القيم الانسانية صارت اقوى في النفوس من التوحش. ربما كانت المجموعة الاوربية مثالا على ذلك. سعي الى تعاون وربما الى توحُّد نتج عندها من كونهم ذاقوا مرارة حروب وتبنّوا مبادئ من الإنجيل ترجموها قِيَما اجتماعية عندهم. طبعا هناك قناعات اساسية ذات مصدر ديني تتشبع بها المجتمعات وتتحول سياسة.

          في الأساس ما حاولَتْ هيئة الأمم ان تعمله سلام مؤسَّس على حقوق الإنسان التي صارت عند اهل الغرب قيما مقبولة، موضوعة في تعبير بشري، دنيوي دونما صلة ظاهرة مع الإنجيل ولكنها آتية من الإنجيل ما في ذلك ريب.

          هل نحلم بسلام عالمي؟ هذا كله متوقف على الصدق وليس في معظم الدول صدق. والصدق بدوره ناتج من التعفف عن العنصرية وشهوة التوسع والسيطرة الاقتصادية. اجل، سيبقى على عشرات بل مئات من السنين امرا ضبابيا.

          نحن إلحاحنا على العدل. لا سلام بلا عدل للجميع. قد يُفرَض السِلم ولكنه لا يبقى. بطريقة او اخرى، إن لم يكن “سلاما من العلى” لا يستقر في الأرض. هذا هو معنى البشارة عند مولد يسوع. “المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام”. إن تَنزَّلَ نزل عليك شيء من فوق تنشره هنا سلاما.

Continue reading
1997, مقالات, نشرة رعيتي

فضيلة الصبر/ الأحد في 27 تموز 1997 / العدد 30

هذه فضيلة ناتجة من اعتقادنا ان الله يترك الحرية للإنسان ويصبر عليه حتى يتوب. يدع له مجالا للخطيئة ولا يقهره على البر. ينتظره ليقبل النعمة النازلة عليه. الله يطلب محبة الإنسان له ولا يرغمه ان يحبه. الله توجعه خطايا الناس.

          على هذه الصورة نصبر على الآخرين حتى يعودوا الى رشدهم وهدوئهم. لا نغضب عليهم ولا نتأفف. ونبقى على وداعتنا والتواضع على الآخرين يتروضون على الوداعة والتواضع. ننتظرهم حتي آخر رمق فيهم او فينا. صَبْرُنا على الناس يأتي من صبر الله على الناس.

          عندما قال الرب: “لا تقاوموا الشر بالشر” كان يعرف ان صَدَّ الغضب بالغضب لا يشفي الغاضب ولا المغضوب عليه. لا يمكنك ان توقف الانفعال اذا وقعتَ انت في الانفعال. انت يُطلب اليك ان تشفيه، ولا شفاء للآخر الا اذا سكنك السلام. واذا استقر فيك السلام ينتهي انفعال الآخر.

           هذا لا يعني انك تهرب وانك تعتزل. الهروب لا يحل مشكلة والاعتزال لا يحل مشكلة. انت لا تتفرج على الخطيئة. تعالجها. لا يمكنك ان تحيا بمنأى عن الناس. تزج نفسك في مشاكلهم وانت حر من هذه المشاكل. تزج نفسك فيها بمداواة من كان مصابا بها. تداويه بالمحبة، بالتأني، بالحلم. الصبر فيه صلاة، انتقال الى الله. واذا انت ارتفعت ورحمت، تزيد حظ الآخرين بالارتفاع. اذا انت تغيرت، يقوى حظ الآخرين بالتغير. التغيير لا يكون بقتال الآخرين. تصير انت انسانا جديدا فيتجدد الآخرون.

          الصورة هي هذه انك تصعد الى الله وتنزل من الله الى الآخر بحيث يكون الآخر في علاقة ثالوثية وهي هذه: انت والله والآخر. هكذا يتم خلاصك بالله، ويتم خلاص الآخر بالله. هذه المسيرة تتطلب الرفق. اذا انت رفقت يحس الآخر انه محبوب. لا تلهيك معصية الآخر عن الآخر. تذهب اليه في معصيته. تضمه اليك ولا تضم معصيته. اذا احسّ انه محبوب يترك معصيته ويرى نفسه في حضرة الله، ويتحول، اذ ذاك، الى وجهه المبارك.

          بأي مقدار تصبر، الى اي حد؟ “انت تصبر على كل شيء” (2تيموثاوس 2: 10) لأن الناس، كل الناس قادرون على كل هفوة، على كل جرم. انت تتوقع كل خطيئة من كل انسان ولا تقاطع احدا. الخاطئ في ايامنا لا يحتمل اي غضب واي عزل. الكنيسة في ايامنا لا تمارس الحرم، وأظن انها لا تستطيع لأن الروح الدينية صارت ضعيفة والتماسك ضعيف. والحرم لا ينجح الا في كنيسة قوية، يعرف الخاطئ فيها انها تؤدبه لمنفعته ويخشى اذا حرمَتْه ان يفقد حقا رضاء المسيح عليه. الواقع ان كنيسة اليوم فيها مؤمنون ضعاف ومؤمنون اقوياء. ويحس من تحرمه انك غاضب عليه وانك لا تحبه. من هنا اننا بتنا اليوم في الكنيسة احوج الى الصبر على كل الناس مما كنا في الماضي. من تقصيه يفقد صبره، ولا يقبل احد ان تُخرجه عن الطائفة. يحس انك تعمل هذا اعتباطيا، كرها به. المحروم في الأزمنة الاولى كان يحس -اذا أقصيتهُ من الجماعة- انك تقصيه لكونك تريد تأديبه بالعزل، حتى اذا صار خارجا يشعر بضرورة العودة.

          ان في كنيستنا من يكره الكاهن والأسقف ويريد ان يتسلط عليه. لا يمكن الرئيس الروحي ان يزعل المؤمن لئلا يهج. يأخذه بالرأفة والتأني والأبوة ليرى ابوة الله.

          نحتاج الى امتحان كبير، الى ترويض كبير، الى آلام لنتعلم الصبر الذي يريده المسيح منا. واذا نشأ فينا هذا القدْر من الصبر ينقل لطف الله لى القلوب.

Continue reading
1997, مقالات, نشرة رعيتي

الكذب/ الأحد في 20 تموز 1997/ العدد 29

أَحصيتُ 178 آية ضد الكذب في العهدين القديم والجديد هذا يدل اولا على انتشاره والكتاب ينطلق من ان الله لا يكذب وان الشيطان كذوب وابو الكذاب (يوحنا 8: 41)، وكأنه يقول ان صدق الله ينبغي ان ينعكس في صدق الإنسان، وان الذي يكذب ليس الله أبوه دائما يقيم الكتاب المقدس علاقة بين الكذاب والروح الشرير لذلك يقول: «ملأ الشيطان قلبك لتكذب» (اعمال 5: 3)

والكلمة الإلهية لا تكتفي بأن تعرِّف عن الكذب في انك تظهر عكس ما تضمر تذهب الى أعمق فتقول: «نكذب ولسنا نعمل الحق» (1يوحنا 1: 6) تتكلم عن طريق الكذب فهناك انسان ملتو، مغلوط في تصرفاته وليس فقط في كلامه هذا الإنسان لا يحب ان يقيم في حضرة الحق، في النور

الا ان العهد الجديد يتكلم عن الإلهام الروحي الذي ينزل علينا لنتسلح بالصدق فبعد ان يهدينا بولس على ان «نلبس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق»، يمكنه ان يدعونا الى طرح الكذب عنا «لأننا بعضنا اعضاء البعض» (افسس 4: 32-52).

المسألة اذاً انك ان تجددت بالمسيح يمكنك ان تَصدُق وفي تجددك تعلم انك عضو في جسد المسيح الذي هو الكنيسة، والصدق يجعلك موحَّدا بإخوتك، وهؤلاء يشفونك من خطاياك اذا لم تُخفِ عنهم شيئا أنت لست أخا لمن تكذب عليه الأُخوَّة تعني التواصل والتكاشف والعلاقة المباشرة التي لا مواربة فيها ولا لبس.

مرة سألتُ ابنا روحيا اذا كان يكذب قال ولكني لا اؤذي احدا قلت له افرض ان هذا صحيح الا انك تؤذي بالأقل واحدا قال: من هو؟ قلت انت لأنك تقزّم نفسك القوة في ان تعترف والقوة في ان تجبه لأنك تصير قويا باعترافك وقويا بصدقك.

ما من علاقة ممكنة، سليمة الا اذا اتكل الآخر على ما تقول، وأقام معك اتصاله بناء على ما تقول، فإنه يقرر اموره استنادا على ما سمع منك.

قد تظن انك ترتب اشياءك اذا اخفيت بعض الحقائق قد تنجّي نفسك من الورطة مرة او مرتين، ولكن سرعان ما تفتضح فيحتقرك الناس ويعاملونك بحذر او يُبْطِلون التعامل واياك يكذب الكثيرون ولكنهم لا يحبون الكاذب الآخر تدخل اذاً في وحلة الخروج منها في كذبة جديدة.

انا أفهم ان ما يدفعك الى الالتواء قسوة الناس ولهذا لا علاج للكذب في الكنيسة الا اذا قبِلْنا بعضنا بعضا ورحمنا الخاطئ. فمَن عَرَفَ انه يبقى محبوبا مهما ارتكب يتجاسر على الصدق يتكل مسبقا على انه محضون المحب لا يحاسِب احدا على ضعفاته يُخَطِّئه في وقت مناسب في روح الوداعة ولكنه لا يراه اسوأ الناس.

اذا شاهدنا صورة الله في الخاطئ وأيقظناه ليراه،ا ورأيناه قاعدا في صبر الله عليه وصبرنا. لا بد له ان يتشجع ليبقى في نهار الحقيقة ونهار التعامل.

Continue reading