Author

Aziz Matta

2000, مقالات, نشرة رعيتي

الصلاة من أجل الوحدة/ 16 كانون الثاني 2000/ العدد 3

الكنيسة الأرثوذكسية صلّت دائما وتصلّي من أجل الوحدة. تقول في قداس باسيليوس: «أَخمِدْ شقاقاتِ الكنائس». ولما نشب الخلاف بين البطريركية المسكونية وبطريركية رومية السنة الـ 1054، كتب البطريرك ميخائيل القسطنطيني إلى البطريرك الأنطاكي بطرس الثالث عن خلافه (أي ميخائيل) مع اللاتين مُتشكّيًا من بعض عاداتهم فأجابه الأنطاكي: «دع الخلاف داخل الكنيسة» بمعنى الا تتعجل أمر الانقسام مع رومية حتى نبقى على مناقشة أخوية في ما بيننا.

ثم مرّت القرون وحاولنا أن نعيدَ الوحدة في مجمع فيراري-فلورنسا السنة الـ1438، فلم تنجح مساعي الوحدة، حتى أطلقَ البطريرك المسكوني السنـة الـ 1920 رسالة دعا فيها إلى حل المشكلات، وكانت النتيجة تأسيس مجلس الكنائس العالمي، وفي هذه المنطقة مجلس كنائس الشرق الأوسط، للتقارب والتعاون التماسا لوحدةٍ، الله وحده واهبها في أوان رضاه.

منذ خمسين سنة ظهرت حركة تدعو إلى الصلاة من اجل الوحدة خُصِصَ لها أسبوع دُعِيَ أسبوع الصلاة من أجل الوحدة يقع بين 18 و 25 كانون الثاني من كل سنة نلتقي فيه لرفع أدعية طلبا لهذه الوحدة: فما يبدو صعوبة كبرى على صعيد العقل قد تذلّله أدعية الأتقياء.

غير ان الوحدة تعني إزالة الحواجز على مستوى العقيدة. قلت مستوى العقيدة لأن العادات الطقسية تبقى حرة إذا لم تكن تُناقض الإيمان. فالطقس اللاتيني يبقى كما يبقى الطقس البيزنطي. ولا يبدو اليوم ان اللاهوتيين يطرحون مسائل قديمة مثل شكل المعمودية (رش أو تغطيس) أو شكل المناولة (خبز فطير أو خمير). هناك تفاهم على ان التقاليد الإقليمية ليست حواجز.

الاختلاف الحقيقي باعتراف جميع الفرقاء هو حول مفهومنا للكنيسة. هل هي شركة إيمان وأسرار في هيكلية تتساوى فيها الكنائس فيكون لكل منها استقلال ينفتح بالمحبة فلا تكون الكنائس منصهرة على شكل هرمي أي لا يكون رأس تنفيذي يُصدِرُ الأمرَ لكل المؤمنين والأساقفة بناء على تفويض إلهي. هذه هي باختصار الرؤية الأرثوذكسية وفيها ان أسقف رومية هو أول بين إخوة متساوين، يرئس اجتماع البطاركة، وقد يلعب دورا تنسيقيا ويكون رمزًا للوحدة العالمية بيننا، ولكنه ليس «أسقفا عالميا». هذه العبارة التي لا يستسيغها كثير من اللاهوتيين اللاتين يستعملها البابا الحالي باستمرار. يبارك البطاركة والمطارنة. ما يحسّه كل متتبع للوضع الحالي في الكنائس ان الكنيسة الغربية، مع كونها قالت بالكنيسة المحلية (الإقليمية)، ومع كونها أَوْلَت الأسقف المحلّي أهمية وتكلمت عن جماعة أسقفية، إلا انها تعيش نوعا من التناقض بين الكنيسة المحلية والكنيسة العالمية. لم تستطع ان تبني هيكلية تنسجم فيها الكنيسة المحلية وكنيسة العالم. فكيف تكون كنيسة فرنسا أو ألمانيا أو الولايات المتحدة محلية ولا تستطيع ان تنتخب أساقفتها؟ أي إنه يُعترَف ببعض جوانب الاستقلالية المحلية ولا يُعترف بجوانب أخرى.

طبعا لا بد من معالجة هذه الأمور بالتلاقي بيننا. الاجتماع الرسمي الأعلى بين الكنيستين سيُعقد في بالتيمور (أميركا) في تموز المقبل. سيبدأ بمعالجة هذه القضية على ما أتصور.

تبقى العقليات والمشاعر وما نشأ الناس عليه. قد يتفق اللاهوتيون على معظم الأمور ولا تماشيهم الشعوب. ولكن نحن نحيا على رجاء «هبوب ريح عاصفة» تكون لنا بمثابة عنصرة تجعلنا بشرا جددا.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

عيد الظهور الآتي/ 2 كانون الثاني 2000 العدد 1/

عيد الظهور الإلهي الذي هو ذكرى معمودية السيد كان يتضمن ايضا تذكار الميلاد، ففصلهما في الشرق القديس يوحنا الذهبي الفم لأسباب تربوية ورعائية ليتضمن يوم 6 كانون الثاني فقط ذكرى المعمودية التي يقال لها في العامية الغطاس المأخوذ من غَطَس لأن السيد عَمَّده المعمدان غطسا في الماء.

          فبعد انفصال العيدين احدهما عن الآخر بنَت الكنيسة كل عيد مثل الآخر تماما فجعلت «بارامون» اي وقفة لكل من العيدين مع قداس، وأقامت الأحد اللاحق لكل عيد مرتبطا بالعيد. ولكل منهما ايام تهيئ له وتذكر معانيه. العيدان متوازيان اذًا والهيكلية واحدة. وقبل الغزو الثقافي الغربي الذي ركّز على الميلاد وأحاطه بزينة وأضواء، لم يكن الميلاد شعبيا مميزا عندنا. فحتى مطلع شبابي لم يكن بيت ارثوذكسي يقيم الشجرة أو المغارة، وما كان الأهل يوزعون هدايا. عيد يتم في الكنيسة فقط، ثم يتبادل المؤمنون الزيارات. كان الارثوذكسيون قبل خمسين او ستين سنة يحتفلون بزخم واحد وابتهاج واحد بالعيدين حتى قضت الدولة اللبنانية على الغطاس رسميا، ودفعت المسيحيين إلى الميلاد حصرا.

          ولم نحتفظ شعبيا بشيء من رونق العيد سوى ان الكاهن يطوف على البيوت لينضحها بالماء المقدس بعد صلاة العيد. رتبة تقديس الماء تتم مرتين حسب الأصول، مرة في البارامون قبل القداس، ومرة في العيد قبل القداس ايضا اي بعد المجدلة الكبرى. ذلك انك لا تصنع رتبة اذا انتهى القداس. اما تقديسنا الماء اليوم بعد القداس الإلهي فمردّه، على ما اظن، إلى ان المؤمنين يصلون متأخرين.

          اللافت في تقديس المياه أنّ عندنا حركتين: إحداهما نضح المؤمنين بالماء وشربهم منه، وثانيهما تبريك البيوت. تقديس الماء هنا ليس ليصبح ماء المعمودية، وفي الأصول لا يُستعمل ماء الغطاس للمعموديات. الماء المقدس يعني ان كل شيء حيّ -والحي يحيا بالماء- بات مخصصا لله. والبيوت اذا رُشت تصير بدورها مُلْكا لله اذ يقدّسها الماء الحامل النعمة.

          مما لا ريب فيه ان تحسينًا يجب ان يدخل على زيارة الكاهن للبيوت. فليقف اولا ويقم بطلبة لكل اعضاء البيت بأسمائهم. هذا من شأنه ان يقضي على ما قد يُشعَر به على انه عملية آلية.

          فليكن هذا الموسم تذكيرا لكل واحد منا بمعموديته. فليجدد نفسه بالروح القدس. اجل نحن نؤمن بمعمودية واحدة لكونها اتخاذا لموت الرب وقيامته. ولكن المعمودية مفتاح لحياة البر، والبر نجدده في كل حين.

          هذا ما يشير اليه الإفشين (الصلاة) الذي نقدس به طبيعة المياه لتصبح حاملة الحياة الجديدة. الكاهن في مَطالع الصلاة يقول: «أضئني انا عبدك… أَنِرْ عينَي عقلي». ذلك انه يلتمس تقديسه من حيث ذاته ومن حيث انه يحمل الشعب. يتوب الكاهن اذ يخشى ان تَحُوْل خطاياه دون حلول الروح القدس (هذا ايضا في قداس باسيليوس). وصاحب الصلاة قديس يرى نفسه خاطئا. هو صفرونيوس الدمشقي المولد الذي صار بطريرك اورشليم قبل ان يفتحها العرب بسنتين.

          يشهد لإيمانه الثالوثي ثم يمتد إلى إشراك الكون جميعا بفرح العيد. «اليوم القمر يتلألأ مع العالم بالأشعة الساطعة». لا يقول ان القمر يستمد نوره من الشمس. النور الحقيقي الآن هو المسيح شمس العدل كما سمّيناه في الميلاد. «اليوم نجونا من الظلمة» بفضل ظهور الرب الذي يُفعم السماء والأرض فرحا واحدا.

          القسم الكثيف لاهوتيا ينتهي بما كان اكثره افشين تقديس الماء في سر المعمودية حتى يبلغ اخيرا استدعاء الروح القدس: «انت الآن ايها السيد قدّس هذا الماء بروحك القدوس». لا يقول كما في القداس «محوّلا اياه». ليس عندنا هنا استحالة ولكن توظيف الماء في عمل تقديسيّ للناس والمنازل والحقول.

          إلى جانب هذه الصلاة العظيمة ألِفنا في بعض الكنائس -وقد صارت قليلة- ان نقيم التقديس الصغير للماء في اول كل شهر فيأتي المؤمنون ويستقون منه. وفي المنازل التقية في اليونان يُحفظ هذا في وعاء يدلّى من السقف او ربما من الجدار فيتناول منه المؤمن ملعقة كل صباح.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

2000/ الأحد 26 كانون الأول 1999 / العدد 52

حتى انتهاء العام نبقى مع ذكر الميلاد وبركاته, ونركز اليوم بالذات على والدة الإله الرفيقة الأولى لهذا الحدث والنموذج لكل نفس عذراء تطلق السيّد في العالم كما يقول مكسيموس المعترف. “المسيح الرب” هذا هو الذي أعلنته السماء للرعاة المتنقلين من مرعى إلى مرعى حتى وجدوا يسوع.

كل منا متنقل, متحير حتى يجد مقره في السيد. عندئذ يمشي حيث يشاء ويحمل يسوعه معه ويرجو أن يمدّ الناس بهذا المسيح الذي يحمل, بالشهادة. إذا استمر فرحنا بالعيد فأي فرح هذا؟ هل هو موسم مخصّص للهدايا, للأطفال, للمعايدات حتى نخرج من حياة رتيبة؟ ولكن نخرج إلى أين, إلى من؟ هل هو حقا فرح بأن إيماننا هو أن المسيح هو أبداً جديد يزيل عنا ما أمسى في النفس عتيقا, مهترئا؟ هل صار يسوع في الواقع ذلك الشيء الجميل الذي هو أثمن من نسائنا وأولادنا وأملاكنا وقلوبنا فنعطي كل شيء لنقتنيه؟

بعد ستة أيام من اليوم ستحل الألفية الثالثة وتستقبلها البشر بالأضواء والألعاب في عواصم العالم وعلى مدى بلدان. وقد أُنفقت ملايين من الدولارات في فرنسا أي مجموعة مليارات في أوربا لأن الناس تأمل شيئا جديدا لنفسها. ربما استردّوا هذه الأموال بما ينفقه السواح. ولكن الفقراء في رأس السنة القادمة ستبقى جائعة.

ليس أحد يعرف ما تخبئه الألفية لنفرح بها. هناك أشياء نعرف أنها ستصير. تقدم كبير في عالم المعلوماتية, انفتاح الأسواق بعضها على بعض في ما يسمى العولمة, وصول الأخبار, كل الأخبار إلى من كان عنده وسائل لالتقاط الصور (تلفزيون وسواه), تقدم للجراحة والطب, قضاء أكيد على سرطان الدم وربما كل سرطان.

هذه بعض الأشياء التي نعرف أننا واصلون إليها. ولكن لا نعرف بعد إذا كانت الأحقاد بين الإثنيات أو الأعراف أو الشعوب ستقلّ, لا نعرف شيئا عن الحروب الأهلية التي كثرت في كل أنحاء الدنيا بعد الحرب العالمية الثانية. ماذا عن حرب الحضارات؟ هل ستنفجر؟ ماذا عن العداء بين الطوائف؟ الكثير مما ينتظرنا مجهول.

غير أن المعلوم إيماننا. هذا ثابت إن شئنا أن يثبت لأن الله يريده أن يبقى. إيماننا هو الحصن لقلوبنا, لمبادئنا لا الألفية الثالثة. هذه كالوعاء يمكن أن يبقى فارغا أو أن تملأه بعطر. العالم المقبل بعد أيام وكذلك القرن القادم سيكونان عطية الله إذا الناس بذلوا جهودهم ليكون الدهر كذلك.

أنت لا تتلقى إذاً لا العام ولا القرن أو ما تيسّر لك أن تعيش من القرن. أنت تعبئ نفسك من المسيح وترحل في العام والسنوات التي ييسرها لك ربك. أنت سفير المسيح, والسفير يمثل بلده. هل أنت, في أقوالك وسلوكك, مندوب المسيح؟

لا عبرة عند المؤمن للأزمنة تنقضي لأن “ألف سنة في عينيكَ كيوم أمس الذي عَبَر”. يمكن أن يكون يوم واحد عندك مليئا بالرضاء والبركات أكثر من سنوات. الزمان لا شيء. املأه أنت نعمة ولطفا حنانا. املأه هدوءاً. “وعلى الأرض السلام في أناسِ المسرة” أي الذين رضى الله عنهم. يرضى الله عنك إذا أنت استرضيته. كيف تسترضيه؟ بالإيمان. لماذا الناس لا يؤمنون؟ لأنهم يطلبون مجدا بعضهم من بعض. إذا ابتعدت عن شهوة السلطة تقبل الآخر, تهدأ, تلقاه اليوم وغداً. أنت وإياه ستكون معا في السنين القادمة. هذه المعية هي الفرح.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

2000/ الأحد 26 كانون الأول 1999 / العدد 52

حتى انتهاء العام نبقى مع ذكر الميلاد وبركاته, ونركز اليوم بالذات على والدة الإله الرفيقة الأولى لهذا الحدث والنموذج لكل نفس عذراء تطلق السيّد في العالم كما يقول مكسيموس المعترف. “المسيح الرب” هذا هو الذي أعلنته السماء للرعاة المتنقلين من مرعى إلى مرعى حتى وجدوا يسوع.

كل منا متنقل, متحير حتى يجد مقره في السيد. عندئذ يمشي حيث يشاء ويحمل يسوعه معه ويرجو أن يمدّ الناس بهذا المسيح الذي يحمل, بالشهادة. إذا استمر فرحنا بالعيد فأي فرح هذا؟ هل هو موسم مخصّص للهدايا, للأطفال, للمعايدات حتى نخرج من حياة رتيبة؟ ولكن نخرج إلى أين, إلى من؟ هل هو حقا فرح بأن إيماننا هو أن المسيح هو أبداً جديد يزيل عنا ما أمسى في النفس عتيقا, مهترئا؟ هل صار يسوع في الواقع ذلك الشيء الجميل الذي هو أثمن من نسائنا وأولادنا وأملاكنا وقلوبنا فنعطي كل شيء لنقتنيه؟

بعد ستة أيام من اليوم ستحل الألفية الثالثة وتستقبلها البشر بالأضواء والألعاب في عواصم العالم وعلى مدى بلدان. وقد أُنفقت ملايين من الدولارات في فرنسا أي مجموعة مليارات في أوربا لأن الناس تأمل شيئا جديدا لنفسها. ربما استردّوا هذه الأموال بما ينفقه السواح. ولكن الفقراء في رأس السنة القادمة ستبقى جائعة.

ليس أحد يعرف ما تخبئه الألفية لنفرح بها. هناك أشياء نعرف أنها ستصير. تقدم كبير في عالم المعلوماتية, انفتاح الأسواق بعضها على بعض في ما يسمى العولمة, وصول الأخبار, كل الأخبار إلى من كان عنده وسائل لالتقاط الصور (تلفزيون وسواه), تقدم للجراحة والطب, قضاء أكيد على سرطان الدم وربما كل سرطان.

هذه بعض الأشياء التي نعرف أننا واصلون إليها. ولكن لا نعرف بعد إذا كانت الأحقاد بين الإثنيات أو الأعراف أو الشعوب ستقلّ, لا نعرف شيئا عن الحروب الأهلية التي كثرت في كل أنحاء الدنيا بعد الحرب العالمية الثانية. ماذا عن حرب الحضارات؟ هل ستنفجر؟ ماذا عن العداء بين الطوائف؟ الكثير مما ينتظرنا مجهول.

غير أن المعلوم إيماننا. هذا ثابت إن شئنا أن يثبت لأن الله يريده أن يبقى. إيماننا هو الحصن لقلوبنا, لمبادئنا لا الألفية الثالثة. هذه كالوعاء يمكن أن يبقى فارغا أو أن تملأه بعطر. العالم المقبل بعد أيام وكذلك القرن القادم سيكونان عطية الله إذا الناس بذلوا جهودهم ليكون الدهر كذلك.

أنت لا تتلقى إذاً لا العام ولا القرن أو ما تيسّر لك أن تعيش من القرن. أنت تعبئ نفسك من المسيح وترحل في العام والسنوات التي ييسرها لك ربك. أنت سفير المسيح, والسفير يمثل بلده. هل أنت, في أقوالك وسلوكك, مندوب المسيح؟

لا عبرة عند المؤمن للأزمنة تنقضي لأن “ألف سنة في عينيكَ كيوم أمس الذي عَبَر”. يمكن أن يكون يوم واحد عندك مليئا بالرضاء والبركات أكثر من سنوات. الزمان لا شيء. املأه أنت نعمة ولطفا حنانا. املأه هدوءاً. “وعلى الأرض السلام في أناسِ المسرة” أي الذين رضى الله عنهم. يرضى الله عنك إذا أنت استرضيته. كيف تسترضيه؟ بالإيمان. لماذا الناس لا يؤمنون؟ لأنهم يطلبون مجدا بعضهم من بعض. إذا ابتعدت عن شهوة السلطة تقبل الآخر, تهدأ, تلقاه اليوم وغداً. أنت وإياه ستكون معا في السنين القادمة. هذه المعية هي الفرح.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

أحد النسبة/ الأحد 19 كانون الأول 1999 / العدد 51

يدعى هذا الأحد هكذا إذ نقرأ فيه أسماء السلالة التي انحدر منها المسيح حسب الجسد. فهو ابن إبراهيم وابن داود وابن مريم, من هذه الأجيال التي كانت وحدها تعبد الله الواحد وتنتظر المخلّص حسب الوعد الذي قطعه الله لشعبه على لسان الأنبياء.

ومن قرأ أسماء الأجداد لا يراهم على الكمال الخلقي المرجو كما نعرف سيرتهم من العهد القديم, فإن المخلّص يجيء من هذه الطينة البشرية كما هي وآباؤه لا يولونه شرفا. إنه هو الذي شرّفهم بالخلاص. أما جدّات السيد فمنهن راعوث الوثنية ومنهن ثامار وراحاب وكلتاهما تعاطى البغاء. هذا ليقول الإنجيل أن مقاصد الله تخترق أوضاع الناس على شقائهم, وليقول أيضا أن طهارة يسوع هي من فوق.

النسب عند متى يبدأ بإبراهيم أبي المؤمنين. نحن إذاً مع المسيح في اكتمال التخطيط الإلهي القديم. النسب عند لوقا يصعد إلى آدم ليقول أن يسوع مخلّص الجنس البشري كله وليس مرتجى اليهود وحدهم, ليقول أيضا أنه ملك الإنسانية المتوّجة به.

وأخيرا يقول الكتاب في متى أن السيد مولود لعذراء ليوحي بأنه ليس مدينا بظهوره لأحد من البشر فإنه مبعوث الآب. المسيح يأتي من ابنة لداود. يؤكد ذلك بولس في رسالته إلى أهل رومية(1: 3). فما من شك على أن المعلّم اتخذ جسده من العبرانيين. وكل محاولة أخرى لجعله من الأمم لا أساس لها في النصوص وتقطع الصلة بينه وبين الكلمة الإلهية التي انسكبت على شعب واحد. المسيح “ملء الزمان” يحقق وعود قطعها الله على نفسه قديما. المسيح نهاية تهيئة. لم يخرج من عدم تاريخي. ولعل ذكر من كان قبل إبراهيم في رواية لوقا هو تأكيد على أن السيد ابن الوثنيين أيضا. أي أنه مصبّ الأمم جميعا ومصبّ خيراتها.

وأخيرا كان لا بد أن نشير إلى القولة:”ولم يعرفها حتى وَلدتْ ابنها”. طبعا لا شيء في اللغة يؤكد على أن فعل “عرف” يدل على العلاقات الجنسية. فقد تعني الآية أن يوسف لم يعرف قدرها أو قيمتها قبل مولدها. ولكن “عرف” قد يدل على العلاقات الجنسية كما ورد ذلك في استعمال سفر التكوين لهذا الفعل. عندئذ يكون المعنى أن يوسف لم يتصل بها قبل مولدها. بعد المولد لا يقول شيئا لأن متى غير معني في كتابه بوضع سيرة لمريم ويوسف. يهمل هذا الأمر ولا يؤرخ له.

في اللغة, الآية تعني الانقطاع الكامل للصلة بين يوسف والبتول ولا تعني بدء صلة بعد المولد. على سبيل المثال إذ سألتني: ماذا كنت تعمل أمس قبل الظهر؟ أجيبك مثلا: قبل الظهر كنت في بيتي. هذا لا يعني أني غادرت بيتي بعد الظهر. ولكن أنت كان اهتمامك بهذه الفترة من النهار.

 موضوع أمومة مريم لأولاد آخرين مبحث مستقل لا علاقة له بسرد حادثة الميلاد في إنجيل متى. وكل نص ينبغي أن يفسَّر على ضوء تحديد المجمع المسكوني الخامس من أنها دائمة البتولية وتكرار عباداتنا لذلك.

في عباداتنا وعند آبائنا أن الميلاد عيد النور. هو ليس تجديد الذكرى لمولد على طريقة البشر الذين يعيّدون كل سنة لمولدهم. ما عيّد له المسيحيون الأولون ليس حدث المولد من بيت لحم, ولكن معنى المولد, أي أنهم فرحوا لانبثاق النور في تاريخ الناس, وأكدوا على أنهم يعاهدون النور.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

إلى سيدة حمّاطورة/ الأحد 12 كانون الأول 1999/ العدد 50

صباح الاثنين في الثلاثين من الشهر الماضي قادني الرب في وعورة للطريق كبيرة إلى دير سيدة حمّاطورة الرابض في أعالي وادي قاديشا، وهو واحد فقط من المعالم الأرثوذكسية التي كانت حيّة في وادي القديسين باتجاه الشرق (كنيسة مار مخائيل القريبة، مغارة بيزنطية الرسوم درسها حسان سركيس, دير القديسين بطرس وبولس القائم حتى اليوم على النهر, دير مار جرجس فوق رأس كيفا). تصعد إليه من النهر الجاري تحت كوسبا، والدير يعلوها بقليل. في المدوّنات، آخر مطران على الجبل (وكان آنذاك مع بيروت) زار الدير هو السيد غفرئيل (شاتيلا) أي في القرن الماضي. منه كان يخاطب أبرشيته برسل يجيئون ويذهبون على متن الخيل.

          الدير بعضه صخر وبعضه بناء. وهو آخذ بالتوسع بعد أن أُعيدت إليه حياة النسك منذ خمس سنين. عندنا فيه الآن عشرة رهبان شبان كلهم. استغرق الصعود إليهم ساعة وبعض الساعة على هذا الطريق المليء بالحصى والتراب وبعض إسمنت. ولكن جمال الدير وجواره مذهل، وكأنك في فردوس عدن.

          استقبلني الرهبان عند مدخل الدير بالإنجيل والصلبان فأقمنا صلاة الشكر في الكنيسة وحدّثتُهم طويلا عن الحياة مع المسيح. أُخذنا بالزيارة. شاهدنا الجداريّات القائمة منذ القرن الثاني عشر ولعل بعضها أقدم وهذه كانت مخفية خلال قرون تحت الطلاء أو «الورقة» الذي سقط بنتيجة حريق قبل تأسيس الجماعة الرهبانية الحالية. وقد أخذ العلماء يدرسون هذه الرسوم. معظم الوجوه بيزنطية مع تأثير محلي في الثياب. بعض الوجوه خلاب.

          ما يلفت هو الأثر البيزنطي والأثر الفرنجي في الصلبان على الحجر. بعد ذلك تخبرنا المخطوطات عن اقتحام المماليك للدير وإبادتهم خمسين راهبا فيه. بين القرن الخامس عشر والسابع عشر عندنا أثر لوجود حياة رهبان فيه وأسقف في السابع عشر. بعد هذا لا يترك لنا التاريخ –بانتظار جلاء المخطوطات– حياة شركة قبل أن تنشأ الجماعة الحالية.

          اللافت أن الرهبان يصعدون وينزلون على الطريق وكأنهم طيور إذ لا بد لهم من سوق كوسبا وغيرها ليشتروا معظم حاجاتهم. يقضون أوقاتهم في الصلاة والعمل اليدوي والدراسة وأخذوا يرسمون الأيقونات. وللارشمندريت بندلايمون رئيس الأخوية نشاط رسالي من وقت إلى آخر. تقرأ اليونانية في المكتبة إلى جانب لغات أخرى.

          من إشعاع الدير أن فريقا صغيرا من أهل كوسبا يقصد الدير كل أحد صيف شتاء وإن جمعية خاصة في تلك البلدة –ولها امتداد في أوستراليا– تدعم الدير ماليا ولا سيما أن البناء القديم لم يكن ليتسع للرهبان الحاليين وللعمال. وبعض البناء الجديد يقوم به شبان متطوعون لا بد أن يقيموا في هذا الموضع أثناء قيامهم بمخيمات العمل. إن هناك تداخل صلاة وحب قائم بين أبرشية طرابلس وأبرشيتنا.

          إن المؤمنين الذين كانوا يحجون إلى الدير كانوا يطلبون والدة الإله. كانت تستقبلهم وحدها. اليوم تقام معهم الخدمة الإلهية كاملة ويستقبلهم إخوة مع بعض إرشاد وفي شيء من الدفء، وارجو أن يكون ذلك في العافية.

          الشهادة التي تؤدى أن ثمة قوما يحاولون أن يحيوا في إلفة العريس الإلهي. ومن هذه الإلفة تأتي محبتهم, وأرجو أن يأتي تطهرهم على ما يخامر البشر جميعا من ضعف.

          لقد بوركت هذه الأبرشية بخمسين راهبا وراهبة يسعون في حدود أجسادهم ونفوسهم بلا ادعاء ولا استعلاء, وأرجو ألا يظن أحد منهم إنه أفضل من الذين يحيون في العالم. إن الأدب النسكي يحذرنا كثيرا من هذه الخطيئة.

          لا يحقق أي دير في العالم السماء قبل أن يخطفنا الله إلى ملكوته. إنه مكان لبشر ابتغوا السماء بانكسار وجهد وفقر ومحاولة حرية داخلية. هكذا أعطاني الله أن افهم في رعاية عذراء حمّاطورة مع تغريد الرهبان – العصافير.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

الثرثار/ الأحد 5 كانون الأول 1999/ العدد 49

انقُدِ الإنسانَ في وجهه إذا كنتما معا وحدكما طلبًا لرقيّه وحسنه بتهذيب كامل لا تشفّي فيه ولا انفعال. لا تنتقده في غيابه في حضرة من لا يستفيد من هذا النقد إلا إذا كنت قادرا على التحليل الصافي الذي لا بغض فيه ولا هدم. وفي كل حال لا تكشف عوراته لأنك لا تخلو أنت من عورة. فغالبا ما تقع في المعصية التي تنسبها إليه أو تكون قد وقعت ولا تشاء أن تتوب فتلصقها بالآخر. ولعل من أسوأ ما يحصل بعد ذلك أنك تُبعد الناس عن هذا الذي ارتكبت بحقه النميمة إذ تدفعهم إلى اليأس إذا سمعوا أن هذا وذاك قد ارتكب فاحشة أو سرقة أو ما إليهما.

فإذا كان الشر عميمًا كما أنت صوّرته, فمن يرجو ومن يثبت على الخير؟ أنا لم أقل أنك يجب أن تتوهم أن كل الناس أبرار. إن الكتاب يعلّمنا أنهم جميعا اخطأوا ويعوزهم مجد الله (رومية 3: 23). ولكن لا تكشف الخطايا لئلا يعثر الساعون إلى البر والأطفال الذين يزيّن لهم أن الكثرة من الناس قديسون. الويل ليس فقط لمن تأتي عن يده العثرات, ولكن الويل لمن يحكي العثرات. الله يقول: «استرنا يا الله بستر جناحيك» (مزمور 27: 5). على مثاله ينبغي علينا أن نستر ذنوب الآخرين. أنت أيضا لا تفضح نفسك. فليس في هذا منفعة لأحد. اكشف نفسك أمام الرب بالاعتراف. وإذا باح لك أحد بمعصية، فلا تقل أنك ترتكب مثلها. هذا يؤذي.

لا تقل إلا ما ينفع الآخرين ويشدّهم إلى فوق, إلى رؤية الخير ورؤية المحبة الإلهية تشملهم. اطلع أنت إلى الجبال العالية تأخذ الآخرين معك. وفي هذا التسلق لا تحتاج إلا إلى إيمانك بهذا الجالس فوق. كلّم الناس عن الرب ليزول حزنهم وينقطع يأسهم بأنفسهم. إذ ذاك يستعيدون إيمانهم بأنهم قادرون على الصلاح.

اذكر هذا: «إن كان أحد لا يعثر في الكلام فذاك رجل قادر أن يلجم كل الجسد (يقصد بذلك الكيان البشري) أيضا… فاللسان نار, عالم الإثم. هكذا جُعل في أعضائنا اللسان الذي يدنس الجسد كله ويُضرِم دائرة الكون ويُضرَم من جهنّم». هذا في رسالة يعقوب في الإصحاح الثالث. اقرأ المقطع كله وتأمله واعلم أن الصمت في كثير من الأحيان أفضل من الكلام. الصمت يروّض النفس على ألا تكون ثرثارة. فالثرثرة عاصفة داخلية ينجرّ فيها اللسان انجرارًا.

عفة اللسان من شأنها أن تقودك إلى كل وجه من وجوه العفة. ليس في الحقيقة من زلة لسان. الزلة كانت عندك في الغضب الداخلي أو البغض أو رغبة التلذذ الكلامي بالفواحش. وفي حالة الكراهية تكون الثرثرة أسلوبا من أساليب القتل.

إنه لقتل حقيقي أن تجعل للآخرين صيتا سيئا. فقد تتسبب بطردهم من أعمالهم أو تتسبب بفسخ زواج أو بقتل. فإذا جعلت صيت الآخرين سيئا فقد يكلفهم جهد استعادتهم لصيتٍ حَسَن سنين كثيرة. من تقتله يموت مرة واحدة. من تسيء إلى سمعته تقتله كل يوم. من بعد هذا قد تصدّق ما قلته وتيأس أنت لظنك أن الشر عميم. إذا عف لسانك كليا تمشي على طريق الرجاء.

Continue reading