Author

Aziz Matta

2013, جريدة النهار, مقالات

العيد / السبت ١٤ كانون الاول ٢٠١٣

قبل الميلاد تتوالى أعياد تهيئ له كأن الإنسان يريد ان يستبق الذكرى الكبيرة بإحتفالات جزئية هروبًا من رتيب أيامه ليذوق شيئًا من الأبدية قبل ان تحل اذ يبدو للكنيسة ان من نعيد لهم قبل الميلاد يذيقوننا بعضًا من ميلاد يكثر فينا الفرح. أليس العيد تنطحا لتجاوز الزمان في إحلال شيء من الأبدية؟ هذا هو الرجاء الذي يحيينا. العيد قائم على ان الحقيقة التي تجلت في الماضي لا ينبغي ان تزول اذ نزلت فينا ولنا ان نحييها على الرجاء.

الإنسان يتوق إلى امتداد في الحقيقة. لذلك يريد ان يكسر الزمان على رجاء الأفضل. يظن ان جديده هو الأفضل. لذلك يخلق شيئًا جديدًا هو العيد وهو ليس كالأيام لأنه يحمل الذكرى وينقلها. والذكرى ليست استعادة الماضي اذ لا يستعاد. انها تذكر الدائم، توق إلى الأبدي. العيد اعتراف بأن الحقيقة التي أتى بها الماضي لا تزول. لذلك كانت الأعياد. قناعة الإنسان ان الحقيقة التي حملها الماضي المبارك قائمة ويمكن احضارها في الآن. هذا ما يعنيه التذكر.

يظن الانسان انه يكسر رتيب الماضي. المهم الا يرى نفسه سجين ما انقضى من أيام أو ما يعيشه من أيام. المهم ان يلتقي بما هو دائم، بما هو أبدي. يضجر المرء من زمانه لأن كل زمان متعب ويخيل إليه ان العيد ليس من زمان، انه من الحقيقة. العيد اذًا حرية، انعتاق مما يتكرر لاقتبال الثابت الإلهي. واذا آمنا بثابت إلهي لا تهمنا أوجاعنا وهمومنا اذا حل العيد لأنه هذه ليست منه اذ هو ينزل علينا من فوق. يؤرخ للعيد في التقويم ولكن أحدًا لا يحس انه يأخذه من التقويم. أنت لا يهمك ان يحل الفصح في هذا التاريخ أو ذاك. يهمك معناه. الزمان مركبة للمعنى الإلهي فقط. لذلك كان من السخف الاقتتال حول تاريخ العيد اذ كنا واقفين في العيد لتلقي معناه. طبيعي ان يتجلى الفصح في يوم واحد اذ الناس يعيشون في الزمان ولكن الأجمل ان يتربى الناس على المعنى الفصحي، ان يكونوا هم فصحيين.

والأجمل من كل ذلك ان نصبح قياميين كل يوم، رافضين للموت، لكل أنواع الميتات لتصير القيامة فرح الكل. أليست توبتك قيامة؟ ربما كان هم المسيحيين الأول الفرح. لذلك ما كانوا يرتدون السواد في موت عزيز. فاذا رأيتهم في ثياب بيض تعرف ان أحدًا من عائلتهم أو أعزتهم قد توفى. كان الموت يعلن لهم القيامة. بالإيمان فقط أنت تخلص من حزن حلّ فيك. الخيال ينطفئ بعد لحظات. طوبى لذلك الذي اختبر ان الإيمان ليس من الخيال.

عندما ينزل عليك ما يعزيك اعلم ان الرب افتقدك. الله عنده رسائل. اصغ إليها لتفرح وقد تحس بأن الله التمسك ويرجو ان تلتمسه. عندما تضع الكنيسة في كل يوم ذكرى لقديس أو أكثر تريد ان تقول لك ان القديسين عشراؤك وانك لست وحدك في الكون. هي توحي ان اليوم الذي أنت فيه انما انسكبت فيه الأبدية وانك تحررت من وطأة الزمان ان كنت نبيها. من هذه الزاوية أنت تحيا زمانك مليئًا بالأبدية. لذلك تربيك الكنيسة كل يوم فيما تلقته من الأبد وترميك في كثافة الأبد. تنتشلك من وطأة المألوف والرتيب لتجعلك في المذهل. أنت في الكنيسة مقيم في الزمان والأبد معًا وتعلّم أهل زمانك ما نزل عليك من فوق. كل مؤمن رسول إلى زمانه اذ يقول ما سمع من السماء.

العيد ينزل من السماء ويشق حجب الكون ويأتي إليه بما هو فوقه. لذلك ما كان المؤمنون من الأرض وحدها. يحلون عليها ما جاءهم من نعمة ربهم. المؤمنون لا يحتلهم شأن الأرض. انهم ينتمون إلى عالمين، إلى ما يرى وما لا يرى فإذا رأيتهم وسمعتهم في العيد تحس انهم يخاطبونك بلغة الملائكة.

فإذا امتاز العيد عن مألوف الأيام تكون أنت خارج أيامك.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

اللبّ والقشور/الأحد 8 كانون الأول 2013 / العدد 49

إنجيل اليوم يُحدّثنا عن شفاء قام به السيد يوم السبت. وقضيةُ حِفظ السبت لعبت دورًا هاما جدا في حياة السيد. فمؤامرة اليهود لقتله ابتدأت عندما شفى يسوع الرجُل ذا اليد اليابسة يوم السبت (إنجيل متى 12: 10-13).

منذ ذلك الحين، يقول لنا الإنجيل، تشاوروا ليقتلوه لأنهم اعتبروا انه ليس فقط يخالف الشريعة كما شرحوها هم، ولكنه ينسف الكيان السياسي اليهودي. اذا أردنا ان نفتش عن السبب الحقيقي لمقتل يسوع في أذهان اليهود ورؤسائهم، لوجدنا أن السبب هو أن يسوع أراد ان يمدّ حدود شعب الله الى خارج اسرائيل، أن يُدخل الأمم في العهد القائم بين الله والناس، أن يُمتّع البشر جميعًا بحلاوة الله وبركات الله، وبالنتيجة أن يكسر هذه القوقعة التي كان اليهود مُرتمين فيها، وأن يضرب هذا الشعور بالتفوّق الذي كان لهم.

السبت كان رمزًا لهذا الانغلاق اليهودي، للعصبية اليهودية. ولهذا وقف اليهود ضد السيد هذا الموقف الصلب بسبب ما ظنّوه تجاوزًا للشريعة. جاء السيد وأراد أن يتخطى الشعبُ هذا العناد الذي كانوا فيه. أراد أن يُبيّن لهم أن السبت جُعل للإنسان وأن كل قانون وُضع لخدمة الإنسان. لم يُخلق الانسان للقانون. الشريعة مُسخَّرة في سبيل الانسان، في سبيل نموّه ومعرفته للرب. ولهذا أتى يسوع بشيء جديد في تاريخ البشرية وهو أنّه علّمنا ان الإنسان ومصالحه وقلبه وروحه أفضل من كل قانون، واننا قد نتجاوز القانون في سبيل هذا الانسان.

المهم أن تكون علاقتنا مع الله علاقة الروح مع الروح، علاقة القلب الانساني مع القلب الإلهي، لا علاقة عبيد خاضعين لقانون خارجي، ولا علاقة أطفال صغار بأبٍ متعسّف صارم بل علاقة الندّ بالندّ. المهم ان نُحوّل الوصية من شريعة مفروضة الى شريعة محبوبة. المهم أن نحبّ الوصية.

لا تسرق، لا تزنِ، أكرم أباك وأُمك… هذه تبتدئ كوصايا خارجيّة يتعلّمها الانسان تعلّمًا ويشعر أحيانًا أنها كابوس عليه لأنه يحسب اللهَ بعيدًا وخارجًا عنه وضاربًا إياه. أما المؤمن، فإذا عرف الله أبًا له وأدرك نفسه ابنًا لله، صار يُدرك ان هذه الوصية ليست كابوسًا يُفرض وليست كسبت اليهود، ولكنها أمرٌ محبوب وإشارة للخلاص. بهذا ينتقل من ديانة الطفولة، من ديانة الصبيان الصغار، الى ديانة الراشدين.

في المسيح يسوع انتقلنا من الخوف الى الحياة، الى الرجاء، الى الثقة. ولهذا فيما نحن سالكون فترة الميلاد هذه، جدير بنا أن لا نعتبر المسيحية شيئًا خارجًا عنا، مجرّد طقوس وعادات اجتماعية مثل سبت اليهود. لا نرتبكَنّ في إقامة مغارة الميلاد تحت شجرة العيد، بل فلنسعَ ليتحوّل قلبنا الى مغارة تستقبل المسيح. هكذا نجعل إيماننا في القلب رؤية للمسيح، التصاقًا به وحبّا لكي يولد المسيحُ فينا ينبوعَ خير وعطاء ويصبح ربنا كل شيء في حياتنا. هكذا نزداد في محبة يسوع حتى يقول المسيح في نفسه: كل بيت في هذه الأبرشية بيت لي وكأني أُولَد فيه وفي قلوب أبنائه كل يوم.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

القارئ / السبت ٧ كانون الاول ٢٠١٣

القارئ ينتظر الكاتب، الكاتب الحق. انه لا ينتظر منه ما كان أقل من الحياة. يعتقد انه يتكون بمقدار، قل او كثر، ممن كتب لأن هذا له علاقة بالفكر اي بالحقيقة. القارئ يحس ـ هذا ما قالوه له ـ انه يتكون من الكاتب لأن هذا يعيش من أجله. اجل، يكتب من كتب لمد الآخرين بما يحسبه الحقيقة. الكاتب الكبير انسان يحب الحقيقة اي انه يكتب ليخلص القارئ. الكتابة عند كبار الكتاب عملية خلاص لهم ولمن يقرأهم. والقارئ يحسب انه يتكون بما يقرأ اي انه يجيء من الصالحين لأن المعرفة موصولة.

انت تقرأ لكونك تحسب انك ترث الحقيقة، لأنك تلتمس الله بفكره وفكر الذين عرفوه. بهذا المعنى كان القارئ متواضعًا. الفكر تواصل بين أهل الحقيقة. ذلك أن هذه تتجلى بأشخاص انتدبهم ربهم ليعرّفوا الناس به. تقرأ العظام لأن هؤلاء كانوا مختارين. والعظام يعرفون أن الرب صانعهم ولذلك لا يستكبرون.

الرب يلهم من يشاء ويلهم أحيانًا الذين لم يطلعوا على التراث. أما أسلوبه الطبيعي في أنه يروضنا بمن سبقنا فيلد بعضنا من بعض. هذه طريقته في تكوين التراث. هكذا يظهر فكر الله كي لا يستكبر أحد. كل منا يتكون من أسلافه. يقرر من هم أسلافه لأن السلف هو من اخترت أن تحبه. القارئ يعرف نفسه مولودًا. والكاتب العظيم كذلك. في الكتابة ليس في الحقيقة من إبداع. الإبداع أسلوب. انت تحب وتأتي بصيغة. في البدء لم يكن إبداع بشري. كان الكلمة. وكما فهمها افلاطون والانجيلي يوحنا هي كلمة الله اي هو نفسه. انت، كاتبًا، ان شئت ان تعطي ما هو دون الله تكون خائنًا له إذ لا يزاد على الله شيء.

قارئًا، فرادتك ان تختار ما تحب أن تتمثله. تجيء من السلف ولكنك تنجب ايضًا. الإبداع هو بين الاستمداد والعطاء. ما تقرأه يصير انت. هكذا يجيء منك من قرأك ولكن مولودك ليس انت. فيه خلقه.

الجاهل القراءة يحسب انه يجيء من نفسه، أن آحدًا لم يسبقه أو أنه لا يحتاج الى أحد. المقبل على المطالعة في نهم يحس أنه يتكون من الذين فكروا، اننا نحيا بمن سبقنا في التأمل، في أن الأنسانية واحدة والزمان واحد وأننا نشتق بعضنا من بعض. لذلك كان العالمون هم المرجع. والعاديون يحسبون أن العارفين ملمون بكل شيء. القارئ الحق متواضع لاحتسابه انه يتكون من الأجيال التي فكرت وأنه جاهل بمقدار. قصته أنه كلما ابتلع الكتب يحس بجهله إذ يدرك جمال ما لم يكن يعرفه.

عذاب المثقف الحقيقي أنه كلما اطلع ينبسط أمامه مدى جهله. لذلك كان العالم الحقيقي متواضعًا. أظن أن بعض ما يجذب المطالعين الكبار هو اتساع الفكر البشري وآنهم لا يزالون جهلة. غير أن جمال المثقف ليس في سعة عقله ولكن في إداركه أنه صغير أمام سعة الدنيا وبهاء الذين سبقوه في مضمار العقل. يدرك في متسع من الوقت ان العقل هو الذي يجعلنا نستوعب الآخرين وفرادتهم وحقهم في التفرد. وحدة العقل لا تتناقض وتعدد العقول.

مشكلة المثقف إذا ينام ولم يتح له في نهاره أن يقرأ صفحة واحدة. يشعر، عند ذاك، أنه جاء فقط من نفسه ولم يأت من التراث. فكما أن الجائع لا ينام كذلك يطمئن ذاك. ذاك الذي انكب على المعرفة وأهملها في يوم من أيامه.

القراءة في تعدد ما تطالعه وفي تنوع مصادره. هي شغف بالفكر الحق انى توجهت ركائبه. هي أن تواجه قريبك في القناعات. هي أن تجيء دائمًا من الآخر، من كبار الآخرين. هؤلاء يجب أن تعرفهم قبل أن تقتني كتابًا لأن التفاهات كثيرة. اقرأ اولا من كان مع الحقيقة إذ لا بد في طريقك ان تلقى الطالحين. انت يكونك اهل الحق. اذا تلقيته من الأسلاف يثمر فيك بإبداعك أو طاعتك له. المهم الا تنحاز مع كل هوى، ان يكون قلبك قد اختار قلب الله ليفهم. امتلئ من الكثير وافهم مختارًا الصالحات. ردد الصالحات ان كنت لست من المبدعين. في هذا تواضع مفيد إذ يكون أفضل من جهل المدعين. لا تقل يا نفس كيف أكون عظيمًا. اسألها أن تطيع الحق. إذا كررت هذا في قوالبه يكون أفضل من أن تبتدع تعابير تظنها شيئًا لأنها حديثة وهي خالية المضمون.

لا يكن همك أن تكون مبدع التعبير والقول. همك الوحيد أن تصبح تلميذ الحقيقة التي تنجي وحدها. لا تسأل عن جمال القول ان كنت كاتبًا أو خطيبًا. افحص نفسك ان ثبتت مع الحقيقة. هذه وحدها تنجي وهي تملي عليك ما يجب ان تقول. لا تقلق ان لم يتوفر لك جمال التعبير. اقلق فقط ان أحسست أنك لا تزال جاهلاً ما لا يسوغ جهله. لا تعرف ما يظهرك جميل القول. اعرف ما يجعل سامعك جميلاً عند ربه. اللغة وحدها صنيعة. ان كنت تقول الحق لا تهمك اللغة.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

هل القداس طويل؟/ الأحد 1 كانون الأول ٢٠١٣ / العدد 48

كثيرا ما نسمع هذا السؤال في أوساطنا: لماذا لا تقصّرون القداس الذي يطول ثلاث ساعات؟ الحقيقة ان القداس يبدأ من إعلان الكاهن: مباركة مملكة الآب والابن والروح القدس، وانه في إداء صحيح، لا يدوم أكثر من ساعة بما فيه العظة، وقد يمتد بضع دقائق لو كثرت المناولات. فإذا جاء الترتيل بلا إطالة مستهجنة بالتأدية المألوفة عندنا لا تستغرق الخدمة أكثر من ذلك. ولو حضر المؤمن صلاة السَحَر من أوّلها يكون رقم ثلاث ساعات أيضًا مبالغًا فيه.

طبعا هناك إصلاح للطقوس مرغوب فيه، لكن المشكلة ليست في الطول والقصر ولكنها في الفهم او عدمه. فالانتباه متعلق باستيعابنا للخدمة الإلهية ونحن لا نستوعبها لأننا لم ندرسها ولم نطّلع على تفسيرها. فإذا أدركنا المعاني إدراكًا جيدًا لا يظهر الزمان لنا ممدودًا بلا نهاية. ان نصل الى المعنى ونستحبه هذا هو المطلوب. والوصول الى لب الصلاة يفترض مسبقًا تحصيل التعليم المسيحي الذي بُنيت عليه الخدمة. كذلك فهم الرسالة والإنجيل تسبقه مطالعة للعهد الجديد في البيت. اذ ذاك تأتي القراءتان تذكيرا بما نحن نعرف، فلا نتيه عن المعنى لو ضاعت بعض الكلمات في التنغيم. واذا كشف لنا الترتيم عقيدة من عقائد الإيمان تكون أذهاننا مؤتلفة مع هذه العقيدة.

شرح القداس أساسي حتى نفهم تتابع أجزائه واتصالها ببعضها. فإذا أنت وقفت على هيكلية النص لا يمكن ان تضجر كما لو كنت غير واع لهذه الهيكلية. ففي حالة جهلك للبنية كلها تحس بتراكم الكلمات والأناشيد والأفاشين فيتعبك التراكم. ولكن اذا عرفت الارتباط بين هذه الأقسام يسوقك كل جزء الى الجزء الآخر فتتكامل البناية عند الختام وتحس انك أدركت النهاية بانسجام.

ولذلك لا بد أن تسعى الى تلك الكتب او النشرات او الحلقات التي تشرح لك القداس الإلهي، ونحن نحاول مع المحاولين لنجعل هذا بمتناول يدك. ولعلنا فاعلون هذا في “رعيتي”.

غير ان الصعوبة الكبرى التي نحاول ان نذللها آتية من ان القداس لا يمكنك تحمّله ما لم تكن انسانا مصليا خارج القداس. فإذا قمت على صلاتك صباح مساء واعيًا، خاشعًا، تقودك صلاتك الفردية هذه الى صلاة الجماعة. دعاؤك في بيتك والشارع والسيارة يحملك الى الكنيسة التي هي ملتقى الداعين والمدعوين باسم الرب. النفس تميل الى المسيح في تعابيره. والقداس هو التعبير الأسمى عن السيد.

التقِ المعلم الإلهي في كل يوم تلقه صباح الأحد ايضًا بين أصحابه في بيعته. اذا كنتَ مع يسوع في عشرة طيبة على الدوام كيف تتجاهله اذا ظهر لك في أطيب ظهور له اي في الذبيحة؟

واذا انكشف لك سر المودة بينك وبينه وتراءى لك ان تحيا مع المسيح عشقًا لا يوصف، يبطل كل سؤال عن طول الوقت وقصره. اذا كنت من الذين يلتمسون وجهه لتحيا به، تندم على قلة الوقت ويزول كل بحث في الأوقات.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

إن أردت أنْ تكون كاملاً/ الأحد 24 تشرين الثاني 2013/ العدد 47

لا شك ان هذا الإنجيل صعب جدا. السيد يقول عن الأغنياء ان دخولهم إلى ملكوت السموات عسير، بل انه يعسره إلى حد انه يقول: “ان دخول الجمل ثقب الابرة لأسهل من دخول غني ملكوت الله”.

بالطبع حاول المفسرون المتساهلون ان يهينوا الأمور على الناس وان يقولوا ان “ثقب الابرة” ليس بالفعل ثقب الإبرة، ولكن المقصود باب في أورشليم، وبالتالي ان الجمل كان يستطيع ان ينحني وان يدخل الباب المدعو “ثقب الابرة”، الى ما هنالك من تأويلات عاطفية ارادها الأغنياء لأنفسهم ليسهلوا الأمور على سواهم.

ولكن هذا لم يكن المقصود من النص الالهي لأن كل سياق البحث وكل الحديث الذي جرى كان يعني ان دخول الغني الى الملكوت امر صعب للغاية، وانه لا يستطاع عند الناس. ومع ذلك استثنى السيد بقوله: “ان ما كان غير مستطاع لدى الناس مستطاع لدى الله”. فكيف تكون اعجوبة الله وكيف يدخل غني ملكوت السموات؟ لم يقل الكتاب انه يدخل ويبقى غنيا. ولكن ذاك الذي كان غنيا يستطيع الله بجهد منه ان يُدخله باب الملكوت. وماذا يبقى من غنى الغني؟ أيبقى هذا الغنى واسعا، كبيرا، ضخما ولا يتغير شيء في سلوك هذا الانسان، ومع ذلك يقحمه الله في ثقب الابرة؟ هذا طبعا لم يقله الكتاب، ولذا يجب ان نفتش عن طريقة اخرى.

لا يبدو ان الكتاب، والله المتكلم فيه، لا يبدو ان الكتاب اعطى للأغنياء وسادات حريرية ينامون عليها. لم يكن المسيح حريريا. انه كان لطيفا وكان حازما وشديدا بآن، وكانت تعابيره دقيقة للغاية.

ماذا كان في حديث الشاب والمعلم؟ شاب كامل في الظاهر، تمم الوصايا جميعها من دون ان يفتخر. قال فقط: انا أطبّق هذه الوصايا منذ صباي، ماذا ينقصني بعد؟ جاء ليتعلم، جاء ليصنع احسن من الوصايا. وقال له يسوع: “ان اردت ان تكون كاملا، فبع كل ما لك وأعطه للمساكين وتعال اتبعني”.

وهنا ايضا جاء المفسرون المرتزقة الذين يعتاشون من وجهاء الارض وقالوا: لماذا تريد ان تكون كاملا؟ ليس من الضروري ان يكون كل انسان كاملا. فنحن يكفينا ان نصنع الوصايا، وهذا الكمال انما هو للرهبان وليس لنا. لا. يسوع لم يتكلم عن الأديرة ولا عن الاسقفيات ولا عن شيء من ذلك. قال لهذا الشاب الغني الذي امامه: “تستطيع ان تكون كاملا”. لم يقل له: “اترك وضعك لتذهب الى وضع آخر، لتعيش في مكان آخر”. قال له: انت تعيش في هذه الدنيا، هذه التي تريدها. هنا يمكن ان تكون كاملا. لم يوصِ يسوع بالكمال بل أمر به. فقد قال: “كونوا كاملين كما ان أباكم السماوي كامل”.

إن اردت ان تكون كاملا فاتبعني. ان اردت ان تنتقل من العهد القديم الى العهد الجديد الذي هو عهد كمال، فبذر اموالك. أليس مكتوبا عند داود النبي: بدد، أعطى المساكين فيكون ذكره مؤبدا (مزمور 111: 3). العهد القديم نفسه يشير الى تبديد الاموال، الى عطاء كامل.

أنت لست بما لك. انت وكيل. أُعطيت ما أُعطيت فاستلمه الى ان أجيء. الله فوضك بأمور الدنيا وانت تستلمها كوكيل امين لمصلحة الله، لمصلحة الذي سلمك اياها.

وكيف تحافظ على اموال الله؟ لمصلحة من ترعى؟ المهم ان يكون المال بين يديك وديعة وليس ملكية مطلقة قدسية. القدسية للانسان فقط. انت وكيل وعليك ان تجعل المحرومين اسيادا عليك. اي يجب ان تشعر بالجوع الذي يشعرون هم به. القضية كلها قضية محبة: تعطي وتشعر مع الآخر. تخرج اليه في جوعه وعريه وحرمانه. هذا يعني معاناة شخصية وانسلاخا عن الذات. العطاء الحق هو بالدرجة الاولى ألم الانسلاخ عن الذات والالتصاق بالمسيح الذي في كل انسان. بهذا نعترف بالحقيقة ان ابن الله كان انسانا وانه في الانسان المحروم سيد علينا.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

صوم الميلاد/ الأحد 17 تشرين الثاني 2013 /العدد 46

منذ ثمانية قرون تبنّى الكرسي الأنطاكي صوم الميلاد الذي بدأناه منذ يومين في ١٥ تشرين الثاني. وروحه كروح الصوم الأربعينين، أعني رياضة النفس وتجميلها لاستقبال المسيح، فمن أساسات الصيام أن نوفّر ثمن طعام ونعطيه للمساكين.

كل صوم هو مشاركة. يصوم الانسان من أجل الآخرين. فمن قسا قلبه يبطُل صيامه. ومن أبغض أخاه يبطُل صيامه. كل شيء قلب وتليين قلب. الإمساك وسيلة إن نحن أَعطينا. فإن كنت ممدودًا الى الآخرين يجيء الله اليك بالرحمة. من أمسك عن طعام يعرف انه ممسك في سبيل الله فيساعده ذلك على ان يكون مع الآخرين كما أمره الله ان يكون.

في حديث واحد، في العظة على الجبل (الإصحاح السادس من متى) يتكلّم السيد عن الصدقة والصوم، ويُنهي كلامه بقوله: “لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض”. ألا يُشتَمّ من هذا التتابع أن هذه أشياء مترابطة، فكيف نفكّ نحن ما جمعه الرب في فكره؟

وإن أردنا ان نزداد تعمقـًا فلا ننسين أن الانسـان غارق في جسده عن طريق اللّذّات وأن الصوم طـريـق ليتـحـرر مـن أَسـر اللـذّة. كيـف نهـرب من سجـن الحـواسّ الطـاغيـة؟ أليسـت إحـدى الطـرق أن نحُدّ من التمتـّع؟ فإذا كثـر التـمتـع على كـل صعيـد، يصبح لنا ساحـرا ومفـرّقـا، فلا فكر لنا الا فيه ولا شـوق لنا الا اليه. وماذا بعد؟ اللذّة البهيميّة، اذا انقضت، تولّد الخيبة، والخيبة تدفعك الى لذّة اخرى فتبقى هكذا في الدوّامة.

ثم انت تهـرب من الألـم باللذة. تهـرب من الألم لأنه يُشعرك بشيء من الموت وانت تخشى الموت. والخـائـف المـوت خاضع للعبوديـة (عبرانيين ٢: ١٥)، لعبـودية اللذّة التي يدفع بها عنه الموت وعبـوديـة ذاتـه. المـال والمجد والجنس (او الجسد على العمـوم)، هذه هي التي نريد اقتنـاءها لظنّنـا أننـا بهـا نغـلب المـوت. هـذه تعطينـا قـوّة فـنشعـر مـؤقتـا -ما دمنـا تحـت سيطرتها- أننا أحياء بها لأننا لـم نُـدرك بعـد أن الحيـاة الحقيقية هي المسيـح نفسـه حسـب قـولـه المبـارك: “أنـا القيـامـة والحيـاة” (يوحنا ١١: ٢٥).

فمـن بـركـات الصيـام انـه بالصَدَقة يَجعلنـا أَقـلّ تعبـّدًا للمال، وبالخلـوة التي لنا مع يسوع الحبيب أكثر بعدا عن المجـد، وبالإمساك أقل تبعيّـة للشهوة، رياضة من رياضات التقرّب، طريق الى الاتّكال عليه.

فلندخل في الأيام التي تفصلنا عن العيد في هذا اللون من ألوان التقشف عسى ألا نقع عشيّة العيد في التخمة.

الصاحون روحيا، المتهيئون بالتعفّف وحدهم يستقبلون السيد مولودا من أجل خلاص العالم.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

المحبة كمال الرجاء / السبت في ١٦ تشرين الثاني ٢٠١٣

«بنانا الذين يحبوننا» (فرنسوا مورياك)

الذين يلتقون يلتقون بالمحبة التي أعطوها أو تلك التي تلقوها. ما طال عمري فهمت أن الذي قيل في المحبة هو الثابت. هناك أقوال حفرت على صخرة قلوبنا وهي الباقية إلى الأبد.

كان المؤمنون في أفسس (آسيا الصغرى) يقولون ليوحنا الإنجيلي الذي كان أسقفهم: «لماذا تردد علينا عبارة أحبوا بعضكم بعضًا» وكان يجيب: «لم أتعلم شيئًا آخر لما كنت أضع رأسي على صدر المعلم». تعليم على هذا العمق عليك أن تردده بلا تفسير لأنه يدخل القلوب. واللافت أن المسيحية تدعوك إلى أن تحب وما قالت لك أن يحبك الآخرون. ربما افترض الأوائل أنك إن أحببت يرد اليك هذا. أنت تبقى على المحبة تعطيها بمجانية كاملة.

إنك لا ترجو لنفسك شيئًا من المحبة. وإن كنت من الكاملين لا تتوقع من الفضيلة مكافأة على الأرض ولا في السماء. أنت تصنع الخير بالمحبة التي فيك وهي كمال بنفسها. ما وعد المسيح بشيء من الدنيا الذين يحبون إذ يعلمون أن لا شيء يزاد إلى المسيح.

أنت تحب لأن الله ساكن فيك. هو يخرج من قلبك إلى قلوب الآخرين فتحيا بهذا ويحيون. لا ينزل ربك من سماء. يخرج إلى الناس من قلبك لأن قلبك عرشه. اشتر نفسك مما تعطيه وابق فقيرًا لأنك إن استغنيت تستلذ نفسك وترفض رضاء الله. يبدأ خلاصك باعتبار نفسك لا شيء واعتبار ربك غناك. في الحياة الروحية الزهد باللذات شرط الطعام الروحي. لا تشته شيئًا حتى يشتهيك الله. حسبك الله لأنه لا يزاد عليه شيء إذ لا يقاس به شيء. إذا فهمت انه يكفيك تشبع منه إلى الأبد ولا يسعك أن تشتهي شيئا آخر. إذا حل الله فيك تكون السماء نزلت على دنياك وصارت لك كل شيء.

الله لا يصعد اليه. هو فيك او ليس فيك. ليس هو في مدى. وإذا حل فيك لا يبقى لك مكان خاص لك. أنت في الطاعة تفهم أن ربك يعلوك وفي الحب تفهم أنه اليك ويصير فيك ان أدركت العشق إذ ذاك لك أن تقول «أنا من أهوى ومن أهوى أنا». اتحادك بربك في الحب يجعلك تدرك ذلك. ليس بعد هذا شيء.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

البيت الرعية/ الأحد 10 تشرين الثاني 2013 / العدد 45

كل منا دعاه الله أن يكون راعيا لمن هم حوله، الأقربين اليه بالمسكن والعمل. ومسؤوليتنا تأتي من هذه المحبة الصادرة من القلب والشافية لمن لامسته فاستدفأ بها. والمحبة أوّلا انتباه ثم خدمة فاستمرار خدمة ليظهر صدقها ونحسّ من خلالها أن الرب ذاته يفتقدنا بها من خلال الوجوه التي تحنو علينا.

ولا شك أن الخليّة الاولى التي نمارس فيها العيش الواحد مع الناس هي العائلة وهي المكان الطبيعي لنموّنا العاطفي والطمأنينة المتّكلة على هذا النمو. تبدأ بالرجل وزوجته اولا، وينشأ البيت من حبّهما، من ذلك الذي قال عنه السيد: “ليس حُبّ أعظم من هذا أن يبذل الإنسان نفسه فدية عن أحبائه” (يوحنا ١٥: ١٣). وهذا المعنى أكّده بولس الرسول في رسالة الإكليل لمّا قال: “أيها الرجال أَحبّوا نساءكم كما أَحبّ المسيحُ الكنيسة وبذل نفسه عنها” (أفسس ٥: ٢٥).

هذا الحب الزوجيّ مستمد من حب الله لخليقته، ولا يعرف الناس الخالق الا من خلال أُناس آخرين يحبّونهم. فإذا بدأت الحياة الزوجية سليمة، حُرّة، غير مقهورة ولا متسرعة، اذا قامت على اختيار راسخ في فضائل الشاب والشابة الخطيبين، تحمل خط الاستمرار وتُخصبُها نعمةُ الله. فإذا كانت متحررة من كل اعتبار مادّي عند نشوئها او كل شهوة جامحة، تأتي حقا متابعة لمشيئة الله في استمرار خلقه، وتمتدّ الى الأولاد حنوًا وعناية، فيتجلّى حنانُ الله من حنان الوالدين، وقوّته من قوّتهم. اذ ذاك، ليس فقط يربّي الأهلُ أولادهم، ولكن يتربّون ايضا هم بهم فيفرحون بنموّهم وبهائهم، وتأتي معا من الوالدين والأولاد ثمارُ جهود مشتركة يعرفونها لمجد الله، فلا أحد يمتلك الآخر او يغتصب إرادته، فلا استبداد في العائلة، فيحرص الوالدون على أن يُبلغوا إرادة الله فقط لا نزواتهم، ولا يُصرّون الا على الحق الذي يُنجّي وحده. ولا يطيع الأولاد ذويهم اذا ما أَدركوا انهم يؤمرون بطاعة غير كلمة الله.

فالوصية تقـول بالإكرام ولا تقول بالطاعـة العميـاء. والرسـول يأمـر أن لا نغيـظ أولادنـا لئـلا يفشلـوا (كولوسي ٣: ٢١). العلاقـة بين الإثنين ليسـت عـلاقـة ثنـائيـة، ولكنها علاقة ثلاثية، الله مبدأها ومنتهاها، تأتي من إرادته وتعود الى إرادته. فأولادنا ليسوا مُلكنا. لذلك نقودهم الى الرب الذي يحرّرهم وحده من وطأتنا وقسوتنا، ومن الطبيعي أن يتجنّحوا وأن يتحمّلوا مسؤولية أعمالهم واختياراتهم.وقد يُخالفوننا في نضوجهم، فتبقى علينا المشورة إذا بَلغوا. ويبقى صليبُ الخلاف قائمًا في العائلة. هذا ثمن الحرية. وهذا الثمن يدفعه الله باستمرار إذا الناس أخطأوا.

التجديد الروحيّ الكبير هو القادر وحده على أن يُحرّر العائلة من التشدّد القبليّ الذي يحكمها وعلى إعادتها كنيسة صغرى منطلقا الى الكنيسة الكبرى التي هي عائلة الآب.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

ميخائيل / السبت ٩ تشرين الثاني ٢٠١٣

إيل هو اسم الله في الآرامية، لغة شعوبنا قديما. للمفارقة سمي واحد من رؤساء الملائكة ميخائيل وتعني من مثل الله والفكرة انك تلتصق برئيس الملائكة الحامل هذا الاسم لتقول حقا انه لا يستحقه فإن احدا في الكون ليس مثل الله. الملاك يتأمل الله ولكنه ليس مثله. ليس احد مثله مع انه هو القائل في العهد القديم: «أنتم آلهة». التشبه بالله مطمع مسيحي. أنت ترى نفسك لا شيء ولكنك تطمح بأن تكون شبيها بالله. هذه هي المفارقة وهذا هو الإيمان انك تعرف نفسك لا شيء ولكنك تعرف انك مدعو إلى ان تتشبه بالمسيح بمعنى ان الآب قادر ان يجعلك مسيحا له أي على صورة ابنه والصورة شبيهة بالمثال ولكنها ليست هي المثال.

ميخائيل تحمل تضادا ككل اسم إلهي ليس بمعنى التناقض ولكن بمعنى ان الضد يظهر حسنه الضد. فاذا قلت: «من مثل الله» تؤكد شيئين متقابلين – وهذا معنى التضاد بالعربية – ولكنهما ليسا متناقضين أي ليسا متنافيين. تريد في الحقيقة القول اننا لسنا في الواقع مثل الله وتريد القول أيضا اننا مدعوون ان نصير مثله. فإن لم تكن هذه المثلية ممكنة ليس من مسألة. بأي معنى هي ممكنة وإلى أي حد؟ اللاهوت الارثوذكسي المتصل بالأصول دائما يقول اننا نؤلَّه (بفتح اللام وشدها). كيف نصير إياه ولا نكون من جوهره؟ هذا سؤال دقيق في اللاهوت. نأتي من اشعاعاته، من إطلالاته ومن هذه الزاوية نحن منه. هذا هو سر لاهوته وسر حبنا. الداخلون في هذا يفهمون حتى نبصر كل شيء في اليوم الأخير.

المسيحية على دعوتها إلى التواضع أمام الله لا ترضى الا ان نتشبه به. هي تقول بالفرق بين الله والانسان من حيث الجوهر ولكنها لا تبطل المعايشة بينهما. وما كان عندها أقل من المعايشة ليس بشيء. نحن في اللاهوت المسيحي لسنا فقط متشبهين بالله. نحن في حياته وان لم نكن من جوهره. هذا يجب تأكيده بصراحة لئلا نقع في الحلولية أي في اختلاط الجوهر الإلهي والجوهر البشري.

نؤكد اننا غير الله. هذا كلام في جوهر الأشياء. ولكنا نؤكد انه فينا واننا فيه وهذا من الحب. وحبنا له موجود وليس فقط توقعا.

عندما نقول «من مثل الله» نؤكد شيئين متواجهين غير متناقضين نعبّر عنهما بأننا شبيهون به بالحب ولسنا مختلطين بالجوهر. هذا يعني ان الله يتحرك فينا واننا نتحرك فيه. نحن في حيثيته وان لم تكن امكانية. لا أحد يستطيع ان يوضح اكثر من ذلك. فإن لم تكن حيثية ما ليس من شيء. ليس أحد يستطيع ان يوضح عقليا اكثر من هذا. ولكن ان لم تقل انك في الله لا تكون قلت شيئا. تكون في الكلمات وليس في الوجود.

اذا تحدثت عن الله والانسان معا ولم تقصد صلة، تداخلا، تواصلا، ربطا لا تكون قلت شيئا. تعالي الله المطلق عن الانسان نفي لله والانسان معا. تعبير تجسد ابن الله في المسيحية لا ينحصر في انه اتخذ جسدا من العذراء. يعني تداخلا ما وهل في الحب اقل من تداخل؟ تخترق الهوة بين الخالق والمخلوق كيانيا؟ هذا مستحيل. ولكنك تخترقها بالمحبة التي هي الوجود الحقيقي.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

وحدة العائلة / الأحد 3 تشرين الثاني 2013/ العدد 44

التفاتة الكل الى الكل، هذه هي الوحدة. ولكن يلتفت الى الآخرين من التفت الله اليه، من عرف نفسه ابنا لله حبيبا. ينشئ الآخر بالرعاية، بدوام اللطف لأنه ذاق لطف الله. ومن خلال رعايته لنا، نعرف الله راعيا. يجب أن تذوق المرأة أن زوجها مُحبّ لأن هذا يُحييها، ولكن الأهم من كل ذلك أن تكتشف أن محبته هذه آتية من إيمانه وان لها استمراره، فتعرف من خلال زوجها وجه الله.

واذا الرجل زادته امرأته أُنسًا، فليس لكي تزداد في الحياة راحته -هذا طيّب- ولكنه يعرف أن ما يتلقّاه انما من الله يتلقّاه، وأن هذا أُنس في الوجود كله، وأن الله يجب ان يكون مشكورا.

يقدر على العطاء من استطاع أن يتّصل برب العطاء. الأشياء المادية التي تجمعنا بالآخرين تذهب وتأتي الخيبات. فالنضارة تفنى والمال يفنى. كل وحدة سطحيّة كنا نقيمها تتلاشى بظهور العيوب والانكماش الذي يعود اليه الانسان من بعد اضطراب. العائلة دائما مهددة بالعواصف تهبّ في كل شخص فيها. أن نتّخذ الآخر في مسؤوليتنا، في فهمه والعودة اليه بلا كبرياء مجروح وبلا نفاد صبر من أدق الأمور لأنها تطلب نضجًا يكاد ان يكون مستحيلا.

ولكن الحيـاة الـزوجيـة هي هـذه أنـك لم تبـقَ وحـدك ولا تتـصرف من أجـل لذّتـك. لا تكـون الأشياء لأنك انت تقـرر ما يحلو لك، ولكنك تُرضي الآخـر، لا بمعنـى أنك تلبّي كـل رغباتـه، فـليـس فـي الأمـر غنـج، وأن تكتفي شـرّه بالسكوت، وأن تُساوم على الحـق فإنك تـريـده في الحق. ولكنـك تُـرضيـه بـدوام الانـتبـاه والتـنبيـه الى ما يـوافقـه. لا تقـره على ما لا يـوافـق الله، فأنت في البـيـت لسـت تاجـرا تتـوافـق حسـب عقـود. انت تعـطي بلا حساب فإنك على الآخر ساهـر. ليس بينكما سوق. ليس بيـنـكما شـروط، ليس بينكما مال، ولا تـذكـُران الحقـوق بل كلّ يذكُر واجبه هذا الذي تكلم الله عنه، ويحبّ واجبه ويؤديه حتى ينشأ الآخر في دلال الله.

كذا الأولاد نحبّهم. ليس فقـط حسب العـاطفـة الطبيـعيـة، ولكن لأنهـم صاروا رعيـة الله. هم أبنـاؤنـا، ولكنهم ليسـوا ملكًا لنـا. نعطيهـم للـرب، لمعرفته، لنموّهم في العمل الصالح. واذا أَحبـّونـا فلكي يحبـّوا الله من خلالنـا، ليكتشفوا من خلال البنوة أن لهم ربّا أبًا واحدا وهو الذي في السمـوات. نحتجـب في الأخيـر لتظـهـر أُبـوّة اللـه.

عنصر الوحدة في العائلة ليست العواطف وهي هشة. الله وحده عنصر الوحدة. فإذا اتّحد كل منا به ونما في تقواه، يستمدّ منه الوحدة ويضعها في العائلة. اتحاد كل انسان بالرب هو وحده سر اتحاده بالآخرين. من صار مع الرب روحا واحدا يكون مع الكل روحا واحدا.

Continue reading