Author

Aziz Matta

2002, مقالات, نشرة رعيتي

المرأة المنحنية/ الأحد 8 كانون الاول 2002 / العدد 49

قبل حادثة الشفاء للمرأة المنحنية بفترة لم يعد يسوع يعلّم في مجامع اليهود في الجليل. ربما يعود ذلك الى كون الفريسيين كانوا قد رفضوه. ربما كان هذا خياره ليبقى ملتصقا بالشعب مباشرة. ولكنه في هذه المرة وهو في اليهودية (الجنوب) عاد الى المجمع (الكنيس) للمرة الأخيرة ليعلّم.

          كلمة “المنحنية” الموصوفة بها هذه المرأة تعني انه كان عندها انحناء في العمود الفقري. لما رآها السيد قال لها: “انت مُطْلَقة من مرضك”. عندئذ وضع يده عليها فاستقامت واخذت تمجد الله. كان المفروض ان يفرح جميع الحضور. غير ان رئيس الكنيس كان مغتاظا لأن الشفاء حصل يوم سبت. هذه المسألة (هل يجوز الشفاء في السبت) كانت موضوع جدل عند اليهود. احتج رئيس المجمع الذي كانت وظيفته ان يشرف على الصلاة والوعظ. توجه بنقده لا الى يسوع ولكن الى الشعب كله: لا يجوز الشفاء في السبت. المؤسسة كانت عنده اهم من البشر.

          عند هذا الاعتراض جابه المعلم رئيس المجمع ونعته بالمرائي، بالمنافق وقال: “الا يحل كل واحد منكم في السبت ثوره او حماره من المذود ويمضي به ويسقيه؟”، من باب اولى يجب شفاء الإنسان. المرأة كانت أتت الى المجمع لتصلي. ان شيئا في الشريعة لم يكن يمنع صانع عجائب ان يتمم اعجوبته ولكن الفريسيين اخترعوا تقاليد بشرية وادعوا استنتاجها من شريعة موسى. غير ان السيد علم “ان السبت للإنسان وليس الإنسان للسبت”.

          موقف يسوع أخجل خصومه. خجلوا لأن يسوع أفحمهم. وازداد خجلهم لأن الشعب كان مع يسوع. هؤلاء المعاندون للمعلم كانوا يطلبون المجد الباطل وقواعد بالية. اما الشعب الذي كان قلبه مع الله ففرح.

          هذه الأعجوبة شبيهة بشفاء السيد للرجل الذي كانت يده يابسة، الشفاء الذي ورد ذكره عند مرقس. “فصاروا يراقبونه هل يشفيه في السبت لكي يشتكوا عليه”. فبعد ان شفا الرب المريض “قال لهم هل يحل في السبت فعل الخير او فعل الشر، تخليص نفس او قتل”. وبسبب من هذه المعجزة “خرج الفريسيون للوقت مع الهيرودوسيين وتشاوروا عليه لكي يهلكوه”.

          هذا التفسير الخاطئ للسبت كان بداءة الموآمرة على المسيح. عبارة “تشاوروا عليه ليهلكوه” تتكرر في الآلام هكذا عند متى: “ولما كان الصباح تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع حتى يقتلوه”. كذلك مرقس يستعمل عبارة “تشاور رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع كله”.

          في الحياة الدينية في كل دين يخترع الناس قواعد ليست من الدين ليكبلوا حرية المؤمنين. ما ورثوه من تقاليد شعبية فولكلورية يريدون فرضه على الجميع. ان يؤتى بصورة الميت في قداس الأربعين او السنة يعتبرونه مقدَّسا (كيف كانوا يعملون قبل دخول التصوير الشمسي الى بلادنا؟). ان يقرع الجرس بعد نهاية القداس هي عندهم عادة مقدسة مع ان وظيفة الجرس ان يذكّر المؤمنين باقتراب موعد الذبيحة. ان يمروا تحت نعش المسيح عادة متأصلة ولا علاقة لها بطقوسنا. ان يذكر الكاهن اسماء الأحياء والأموات في الدورة الكبرى شيء مخالف لعباداتنا اذ يذكرهم الكاهن في الهيكل عند إعداد الذبيحة. تقليد وثني، كامل الوثنية استعمال المفرقعات صباح الفصح. مع ذلك يصعب في كثير من الأماكن ان تردّ الناس عن ذلك. ثوب مار انطونيوس او مار الياس للأطفال عادة غير موجودة في الارثوذكسية، ويطلبون منك ان تبارك الثوب ونحن لا نبارك القماش.

          في بعض الرعايا ان يخلع العريس بعض ثيابه قبل ذهابه الى الكنيسة تقليد بشري لم تأت كتبنا على ذكره. ان يمسح المؤمن الايقونة بيده ثم يقبّل يده شيء يؤذي الايقونة على مر السنين، والكنيسة تقول انت تقبل الايقونة تقبيلا. عادة وثنية تماما في رعايا قليلة تقبيل باب الكنيسة قبل الدخول.

          هناك ديانة شعبية يقوم بها بعض الناس ويظنونها كنسية. هي تخالف التقاليد الرسولية ولا بد من التنقيح. هذه كلها اليهود تقتل معرفتنا الحقيقية للمسيح.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

اعمى أريحا/ الأحد 1 كانون الاول 2002 / العدد 48

في انجيل اليوم اجتاز يسوع نهر الأردن الى اليهودية. كان معه مرافقون: التلاميذ بلا ريب وبعض أتباعه. الى غرب النهر قامت اريحا القديمة وقليلا بعدها اريحا الجديدة الرومانية. بين هذين القسمين من المدينة كان اعمى يستعطي. هذا المرض يعرض الفقراء المصابين به الى الاستعطاء. مرقس يذكر الحادثة ويسمي الأعمى ابن طيماوس.

          سأل الرجل ما هذا الجمع فلما أخبر بأن يسوع الناصري عابر صرخ “يا ابن داود ارحمني”. ما من شك ان الأعمى كان قد سمع ان الرب شفى عميانا او مرضى بعامة. نداؤه ليسوع يدل على انه كان يعتبره المسيح الآتي. صرخ لأنه لم يكن يعلم مكان يسوع في كل هذا الجمهور. الذين كانوا في الخط الأمامي زجروا الرجل. لشدة تأثره وتوقعه للأعجوبة بقي يصرخ.

          عندئذ يقف يسوع ويأمر بأن يؤتى بالرجل اليه. سأله يسوع: ماذا تريد ان اصنع لك؟ طبعا كان المعلم يعرف ان هذا كان طلب الشحاذ. ولكن المعلم اراده ان يسأل ليؤمن الرجل فيما بعد بالمصدر الذي جاء منه  الشفاء. اذ ذاك قال هذا “ان أبصر” وفي النص اليوناني الأصلي “ان أرى من جديد”. كان يعرف جمال الدنيا وصعوبة العيش عند المكفوف وذل الاستعطاء.

          جواب يسوع: “أبصر” كما ترجمناها تعني “رَ من جديد توا”. اما قول المخلص: “ايمانك خلصك” فلها ان تعني: كن معافىً الآن كليا وباستمرار او تعني الخلاص الروحي او كليهما. يسوع يتجاوز الموضوع الصحي البحت: “ايمانك قد خلصك”.

          الموضوع ليس انتظار الأعجوبة. الانتظار انتظار الشفاء وتخيله والشوق اليه هو مجرد اختلاج نفسي ويستحيل ان يعيد البصر. لا يشفي عطلا عضويا. ما يعنينا قول الكتاب: “آمن بالرب يسوع فتخلص انت واهل بيتك”. النفس تتحرك نحو المسيح ولا تخلص بحركتها. سبب الشفاء هو المسيح لا النفس البشرية. اجل النفس تقبل نعمة الله ولكن “نعمة الله هي المخلصة لجميع الناس”. تعليم كنيستنا عن الخلاص بمعناه الروحي هو ان هناك موآزرة بيننا وبين الله. نحن لسنا علة خلاصنا. نحن نتقبل خلاصا أتمه الله مرة واحدة بيسوع المسيح. انت تنال ما هو موجود او تُقبل على ما هو موجود.

          ثم اذا التمست شفاعة قديس فأنت لا تشفى بقوة منه. انت تشفى فقط بقوة المسيح. القديس يتشفع من اجلك فيلبي الرب نداءه. ليس لأحد في السماء او في الأرض قوة مستقلة عن قوة السيد. لا مانع من الكلام الدارج: هذا شفاه مار جرجس او مار انطونيوس او سواهما على ان نعرف في قلبنا وعقلنا ان القديسين هم شركاؤنا في الصلاة وان من نطلب منه هو يسوع نفسه.

          ثم في حال اوجاعنا الجسدية قد يلبينا الرب وقد لا يلبي حسب مقاصد حكمته. هو في كل حال يلبينا روحيا بمعنى انه يمنحنا التوبة ويطهرنا من خطايانا. وهذا اهم بكثير من عافية الجسد. قد لا نتربى الا بالآلام. قد لا نتوب الا بالوجع. الرب يعرف ما يفيدنا.

          السؤال الشرعي الوحيد عندما يتحدثون، هنا وثمة، عن معجزات هو ان نعرف اذا كان حدث الشفاء قاد الى الله وطاعته. فاذا كان الأهم في امر اعمى اريحا انه نال شفاء نفسه يبقى ان اعظم ما نطلبه ان ترى نفسنا بهاء المسيح.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الحياة الأبدية/ الأحد 24 تشرين الثاني 2002 / العدد 47

الذي دنا الى يسوع في إنجيل اليوم سمي رئيسا في ترجمة عربية او احد الرؤساء او احد الوجهاء. خاطب السيد بقوله: ايها المعلم الصالح. لفظة المعلم تعني ان هذا الرجل كان يعتبر يسوع من الربانيين (يحسبه حاخامًا). غير ان المعّلم في اسرائيل القديم لم يكن احد يسميه صالحا. هذا نعت كان عندهم يطلق على الله وحده. اذا قصد هذا الشاب استعمال هذه الصفة مجاملة فيسوع يرفض المجاملة. لا يعني جواب السيد رفضه ان يُنعَت بالصالح، ولكنه لفت محدثه الى انه اذا سماه صالحا فإنما هذا يجب ان يعني ان يسوع هو عنده اكثر من انسان.

          ماذا يجب ان أعمل تعني هل من عمل معيّن، محدد يجب ان اقوم به. يسوع يحيله الى الوصايا التي سُلمت الى موسى. يجيب الشاب: “كل هذا حفظته منذ صبائي”. هذا تربى على الفضيلة واستمسك بها. انسان ممتاز ولكنه غير كامل. الكمال يتطلب ان يتجرد عن التعلق بأي شيء. رمز ذلك ان يعطي كل شيء: “بع كل شيء ووزعه على المساكين”. هذا تعبير على انك لا تشتهي شيئا في الدنيا. ولكن البوذيين ايضا يفعلون ذلك. فليس الفقر بشيء ولا الغنى. كلام يسوع كان: بع كل شيء وتعال اتبعني. انت لا تتحرر بالفقر ولا تتكبل، ضوروةً، بالغنى. لا تنال الحرية بتوزيع ثروتك ولكن اذا اتبعت يسوع. حبك ليسوع يجعلك تحب من سمّاهم إخوته الصغار اي المساكين. فاذا اكتشفت الرب بحيث تراه ثروتك الوحيدة تستغني عن ثروتك المادية وتنسلخ عن جمالك الجسدي وبهائك العقلي. كل هذه قد تحجب عنك وجه المخلّص الدامي.

          اذا فهمت ان غناك لا شيء وفقرك لا شيء او انك بما تراه في نفسك من فضائل انت ايضا لا شيء، تكون قد اقتربت من الرؤية الكبرى وهي ان الله المحب البشر قد اغناك بابنه وانك صرت حبيبه بالصليب. اما الذين يتمسكون بما عندهم من ثروة وجمال وعلم وذوق ولا يعتبرونها عطايا من الله فإنما نحتوا لأنفسهم صنما يعبدونه. من هنا قول المعلم: “انه لأسهل ان يدخل الجمل في ثقب الإبرة من ان يدخل غني ملكوت الله”.

          هو يريد انك غني بكل هذه اذا استغنيت بها عن الله. انا لست اقول انه يجب ان تحتقر الأشياء المخلوقة او التي يستعملها الإنسان كالمال، ولكن ان ترتفع بها الى الله وان تذهب بها الى الإخوة. المال تعطي منه الكثير ان كان كثيرا وتعطي القدر الذي يجعلك لا تتعلق به ان لم تكن على كثرة منه. الجمال لا تتباهى به ولا تزيده رونقا بصورة فاحشة او متغاوية ولا تجعله وسيلة للتسلط. والذكاء لا تتباهى به ولا تظن انه يعطيك اية ميزة عند الرب.

          اذا كنت انسانا حرا تصبح رقيقا كالخيط كأنك قادر ان تعبر ثقب الإبرة.

          لذلك لا داعي لاعتقاد بعض ان الرب يسوع يبالغ في صعوبة دخول الأغنياء ملكوت السموات. المقصود ذلك الحيوان المسمى الجمل وليس شيئا آخر لتخفيف الصعوبة.

          هل يعني ذلك استحالة الخلاص للأغنياء؟ عندما يقول السيد “ما لا يستطاع عند الناس مستطاع عند الله” لا يعني ان الله قد يخطر بباله ان يخلص الأغنياء ولو بقوا على عشق مالهم. المقصود ان عليهم ان يغيّروا ليس فقط ذهنيتهم ولكن سلوكهم بمحبة الفقراء.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الغني بالله/ الأحد 17 تشرين الثاني 2002 / العدد 46

إنجيل اليوم فحواه مثل من امثال يسوع التي يصم بعضٌ أذنيه عند سماعها لكونه منشغلا بنفسه عن الملكوت، ويفتح بعض اذنيه لسماعها حتى يخلص بها. قصة اليوم ان مزارعا كبيرا أخصبت أرضه قصة مألوفة وان يتأمل بجميع ما فاض عنده من الحبوب في مخازن قمح اعظم مما كان لديه هي رغبة طبيعية جدا. هكذا توظف الأموال. والمال لا بد من توظيفه.

            وان يأمل بعد هذا بشيء من البحبوحة وان يأكل ويشرب على منوال لم يكن لديه فيما قبل فطبيعي جدا. لماذا يسميه الله جاهلا؟ الا يبدو هذا ان الرب ضد توظيف الأموال وضد الادخار؟ “هذه التي اعددتها لمن تكون؟”. الجواب الطبيعي انها تكون لأولادي. غير ان الرب يكمل حديثه مع الرجل اذ يقول: “هكذا من يدخر لنفسه ولا يستغني بالله”.

            الذي الله يلومه هو من يُراكم الأموال ويشعر ان قوته في هذه الدنيا او استمراره هو بها. ربما لما كان هذا الرجل مزارعا صغيرا كان يتكل على الله. السؤال هو هذا: هل يقدر مثل هذا ان يصبح مزارعا كبيرا ويبقى اتكاله على الله؟ مبدئيا هذا ممكن اذا لم يغير نقطة اتكاله. اما اذا سحرته امواله الجديدة وتعلق بها ولم يعد يرى لنفسه غنى آخر، غنى روحيا، يكون هذا الازدياد أفسده.

            اجل لوقا الذي اورد هذا المثل يعطي مكانة كبرى للمساكين. غير انه هنا لا يقول لصاحب الأرض: راوح مكانك ولا تستغل ارضك ولا توسع اهراءك او مخازنك. يقول لا تنسَ ان ثروتك هذه الجديدة لا ترفع شأنك وانك تخطئ اذا انت فقدت اتكالك على الله لتتكل على مال هذه الدنيا.

            القضية قضية قلب. ماذا يملأه؟ هذا يبدو السؤال. غير ان سؤالا آخر يصاحبه: هل من شرط حتى يصير الله صاحب قلبك حقا؟ على صعيد الثروة لا يعني شيئا ان تقول له: انا احبك اذ يجب ان تحب الإخوة. محبة الله لا تكون باللسان. المحبة يمتحنها الله فيك. والامتحان ان تحب المساكين فعليا، بالعمل. كان بإمكان هذا الفلاح الا يحتفظ لنفسه بكل ما ربحه. كان عليه ان يحتفظ لصغار المزارعين الذين كان منهم بحصة من الحنطة تنفعهم للزرع القادم. ولكنه “داخ” بماله المتكاثر ونسي معا الله والأنسباء واهل الضيعة المحتاجين.

            ان نذكر الله ذكرا كثيرا لا تنتهي بأن نسأله حاجتنا او ان نشكره شكرا طيبا. ان نذكر الله هو ان نقيم مشاركة بيننا وبين الآخرين. الذي عنده ليعطِ الذي ليس عنده او يهتم له، واذا استطاع ان يساعده بواسطة اصدقائه حتى يجد لنفسه عملا، هذا هو التعاضد الذي يمكن ان نقوم به بمقدار قوتنا ومقدار نفوذنا. ان تحس ان الآخر من لحمك ومن عظامك وان تتوجع انت اذا توجع وتعمل لرفع ظلم هذه الحياة عنه هو المبتغى.

            ليس المطلوب ان تقوى وحدك ولكن ان يقوى الآخر من اجل كرامته ومن اجل اولاده حتى يجتنب الذل ويتحرر من الفاقة والمرض. اذكر دائما قول السيد: “كنت جائعا فأطعمتموني، عريانا فكسوتموني”. اذكر اننا بعضنا الى بعض جسد المسيح. في هذا الجسد لا يمكنك ان تقول لواحد: انت أخي. أظهر له هذه الأخوة بصورة ملموسة حتى يثق بكلامك ثم يمجد الآب الذي في السموات. اذا شاركته يمكن ان يحس للمرة الاولى انه أمسى ابنا للملكوت.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

رفات القديسين/ الأحد 10 تشرين الثاني 2002 / العدد 45

هنا وهناك في القديم كانت الذبيحة الإلهية تقام على أضرحة الشهداء لكون الشهداء يقيمون في المجد الإلهي والقداس الإلهي احتفال بالقيامة الآتية. الشهداء يشددونا الى القيامة الأخيرة. ثم اندفع المسيحيون من هذا التكريم الى تكريم القديسين الآخرين الذين كنا نعتبرهم شهداء بيضا (اي بلا سفك دم) اذ أماتوا شهواتهم على الأرض. وفي الواقع احتفظ المسيحيون، هنا وثمة، بالهياكل العظمية لبعض القديسين مثل امبروسيوس اسقف ميلانو والقديس نيقولاوس اسقف ميرا الموضوعة رفاته في باري (ايطاليا).

         وما يميز هذه الهياكل او جزءا منها كالجمجمة او اجزاء من الذراع وسواها ان هذه العظام يفوح منها رائحة زكية كالعطور. أضف الى هذا اننا في حفلة تكريس كنيسة نضع في صلب المائدة المقدسة ذخائر من الشهداء وهذا استمرار لعادة اقامة القداس على قبور الشهداء.

         الفكرة الأساسية هي ان هذه الرفات تنطق بالقيامة المرجوة وتشير اليها. ولكن بسبب الضعف البشري ممكن ان ينشأ الاعتقاد ان هذه الرفات لها فعل في ذاتها كقول بعضهم انا احمل الذخيرة الفلانية (تخيرة بالعامية) وهي تحمينا من كل أذى. هي لا تحميك بلا ايمانك وتوبتك. الخطر تاليا ان نجعل لهذا الإكرام مركزا ممتازا يحِّولنا عن العبادة بالروح والحق.

         هذا في خط الإكرام العام الذي يليق بالقديسين. ومن الواضح عندنا ان كنيستنا تكرّم الذين طوبتهم هي بعد انفصال الكنيستين احداهما عن الأخرى كما تطوب قديسي الألفية الاولى. ذلك لأننا على علاقة روحية مع اولئك الذين كانوا على الايمان الارثوذكسي او استقامة الرأي. ايقونات هؤلاء نقيمها في كنائسنا ومزارات هؤلاء نزور. وهذا لا يمنعك ان تكون معجبا بالجمال الروحي الذي عند المسيحيين الآخرين وان تطلع على سيرته ويكون لك كفرد علاقة به لأن كل إعجاب نوع من العلاقة. غير انه من الثابت ان الانشقاق يجعلنا من حيث الإكرام الجماعي مرتبطين بالذين كانوا على ايماننا.

         غير ان الأهم ان يكون إكرامنا الفردي للقديسين خاضعا لعبادتنا الثالوث المقدس. وهذا التوازن تجده في الطقوس فلا يطغى ذكر مخلوق مهما سما على المسيح المبارك الى الأبد. المسيح هو وحده حياتنا. والقديسون شركاؤنا في الصلاة اليه.

         رُوِي لي مؤخرا ان فلانا يقول: انا اطلب شفاعة قديس ليساعدني على الكلام الى السيد لأن السيد بعيد. هذا يجري في الحكومة حيث تتوسط شخصا نافذا لتصل الى وزير. اما في المجال الروحي فيسوع اقرب اليك من مخلوقاته. انت لا تتوسط القديس بالمعنى الدنيوي. انت تقف معه في الصلاة امام وجه السيد الوحيد.

         المهم في كل هذا ألاّ نعتبر القديسين أنصاف آلهة واقفين على درجات منتصبة بيننا وبين الله وألاّ نعتبر ان شيئا ماديا (ايقونة، ذخائر) يحتوي بحد نفسه قدرة على الشفاء. الحركة هي من الله الى القلب بالنعمة ثم من القلب الى الله بالدعاء وذلك في شراكة الذين يحبوننا بالمسيح وعلى رأسهم اولئك الذين بلغوا وجهه.

Continue reading