Author

Aziz Matta

2014, جريدة النهار, مقالات

من العتمات إلى النور / السبت ١٢ نيسان ٢٠١٤

يا يسوع الناصري لماذا دخلت اليوم أورشليم الزانية؟ أأنت بشر وتبتهج لموتك؟ «ها نحن صاعدون إلى أورشليم». هناك سيتم الفرح كله بموت. حتى اذا تأملنا آلامك نفهم ان فيها كل التاريخ وكل الحياة. سمر يا سيد عيوننا على صليبك لتنجو الحياة. سننسى كل اتعابنا في هذه الأيام التي خصصناها لحيك. نحتاج إلى صلبك لنفهم الحب. علمنا ان ندرك ان الفرح بصليبك جاء إلى العالم وان الحياة انبلجت منذ علقك الأثمة على الخشبة. لا تحسبنا، رب، مع الأثمة. الوقت وقت ان تقول فينا ما ينشئنا في الحياة الجديدة التي انبعثت في الكون من الجلجلة. أورشليم، كيف نرى أورشليم والأثمة هناك؟ كيف تغتسل بضياء القيامة والموت من حولنا وفينا؟ تعال أيها الرب يسوع، تعال إلينا بالجسد والدم. بالروح القدس، بقيامتنا من الخطيئة.

ركبت على جحش ابن أتان لتدخل أورشليم قاتلة الأنبياء والمرسلين إليها، لتقتلك أورشليم ومعها نحن المدنسين بالخطيئة. يا رب كيف تحصينا مع تلاميذك ونحن أثمة. غير ان وقت نسيان خطايانا قد حضر لنقيم أمام عينيك فصحًا أبديًا.

«انهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد». اعطنا ان نشاهد ضياء وجهك في عمق خطايانا. سمر عيوننا على النور الذي انبلج من صليبك نقيم فيه إلى الأبد. لا تأخذنا مع الرافضين حبك. دع شفاهنا تتمتم اسمك في كل حين لئلا نموت. ضمنا إليك بالرحمة كل حين من أحايين الوجود حتى نفهم ما تسمح ان نفهمه ونسلك هكذا طريق المجد. نجنا يا رب من ميتة الخطيئة ومن إلحادنا بالإهمال. حرك شفاهنا لتلفظ اسمك لئلا تفنى شفاهنا.

اغمض عيوننا عن رؤية الشر لئلا نزول معه. لا تدع القلب يميل إلى غير وجهك. هاتِ يدك، نحن لا نعرف وحدنا ان نسير إليك. لا تدعنا في الجهالة انها لكثيرة. علمنا الا نستحب غير وجهك لأن كل ما سواه تيه. لا تمل قلبي إلى كلام الشر لئلا يتعلل بعلل الخطايا اذا سقط. لا تذقني يا رب مرارة الموت قبل ان أعود إليك. لن اطلب بعدك شيئا لأنك الملء لا تدعني اتردد لحظة بينك وبين العالم لئلا أتيه. لا تنزع أقوالك عن قلبي لكي استلذ أقوالك في كل حين.

يا رب أرسل روحك إلى قلبي لكي ينطق بالروح. لا ترضَ ان أقول ما لا تريده. لذلك علمني انجيلك.

أحبك حبا واحدا هو حب الهوى فهذا يرضيك. وهواك فيّ كل تعليم لي. ولكن هذا يعني ان انصرف إليك وحدك. اقمني اذا يا رب في المقام اللائق بي لأهواك. كثيرًا ما وقعت يا رب، لا تدعني أنكسر لئلا أجد من يضمد جراحي. لا تدعني أموت في خطيئتي. اعرف ان هذه اذا تملكت تنفيك. اطرد الشر عني منذ بدء اجتياحه. لا تدعني أخالط الخطيئة. لا تدعني أدعوها لأنها اذا دخلت أخشى ان تستقر. معنى هذا يا رب ان سلحني برضاك. اذا عرفت ان لي مكانا عندك بالرغم من خطاياي أتعزى وأتوب. لا تسمح بأن تمتلكني الخطيئة وان يسيطر علي استلذاذها قبل ان تجيء.

يا رب أنا ضعيف وأعزل. سلحني بسلاح البر ولا ترصفني مع الخطأة. لا تحقد علي يا رب ولا تعاملني حسب أفعالي لأنها سيئة. يا رب لا اتحمل ان تقيم علي خطيئة. انتشلني الآن من هفواتي، من كل هفواتي وألق علي ثوب العرس اتبرر به. ظللني يا رب بفيء رضاك لأعرف انك سيد حياتي. لا تطرحني من أمام وجهك لئلا اشابه الهابطين في الجب. رضاك يا رب، رضاك.

ضع أنت الدعاء على شفتي كل حين حتى لا أنطق بغير كلامك اذا أنقذت جسدي من الوجع تساعدني على الصلاة. لا يختلط شيء بكلامك اذا أنا قمت على صلاتي. لا تدع التراب يمتلك كياني حتى ترى أنت متى تجعلني وجها من نور.

يا رب لا تدع كلام الناس يدخل إلى أذني ولا تحاكمني باهوائي. انها كثيرة. حاكمني يا رب برحمتك ولا تحكم على أحد غيري. يا رب نج نفسي من ظلامها ومن وسوسات الشيطان. لا تدع هذا يقرع باب نفسي لئلا اصغي إليه. خذ اشواقي اليك يا سيدي ولا تدعها تتيه لأنها تكون قد دخلت الظلام.

يا رب نجّ نفسي من اهوائي كي تتحرك فقط بحبك. لا تدع نفسي ترى فسادا بعد ان ذقت حلاوتك. يا رب لا تحدرني إلى الجحيم السفلى لأعاين مجدك في كل حين.

يا رب أبعد عني الخطأة كي لا يعرقلوا رؤيتي اياك. لا تجعلني لحظة اتردد بينك وبين الخطأة فأنت الملء وحسبي الملء. لا تقم نفسي في ظلمات الخطيئة حتى اقدر ان اراك في كل حين. يا رب لا تدع جسدي ينهار لأتمكن من الصلاة كل حين. الصلاة، الصلاة يا رب. وحدها تنقذني من ثقتي بنفسي ومن ديجور الخطيئة.

يوم دخولك إلى أورشليم الذي نذكره غدا في مبرات الشعانين وأنت راكب على جحش ابن أتان اعددني لدخول أورشليم العليا. لا يمنعنا احتلال المدينة المقدسة من رؤية السلام آتيا منك الينا وإلى العالم. كل عيد يا معلم يعلمنا ان نذوق أبدية تعاليمك وبهاء مجدك. لا تدع شعاعا واحدا من وجهك يغيب عنا بسبب الخطيئة. ليس فينا بر الا هذا الذي تسكبه علينا بالرضاء. تعال أيها الرب يسوع، تعال ولا تدعنا في صحراء الوجود. تعال لننوجد، ليقوى ايماننا بك ولنحب الإخوة.

تعال يا رب إلى كنيستك المتكسرة في كل انحاء العالم. وحدك تستطيع ان تضمد جراحها وان تزيل عنها الحزن الذي اوقعتها فيه خطايانا. العالم يفتقدك. لا تدعه يسعى إلى شيء آخر فإنك الملء. لا تدعنا نعطش يا سيد ولا نجوع. انك خبز الحياة والماء النازل من السماء. لا تتركنا نتيه. لا يتسلط علينا الإثم ولا الباغي. لا تسمح يا رب بأن نسقط في جب الهلاك.

تراء لنا ونحن في الجب. اجعلنا نفهم انك المنقذ وان ليس هنا من ينقذنا. دعنا نحس بانك الحياة. ركزنا على هذه الرؤية في صميم عقولنا لئلا تغرينا رؤية أخرى. يا رب رحمتك. انها كافية. لا يختلط عندنا شيء بك. لا يضاف عليك شيء ولا شيء يعزي. تعال اسكن لئلا نذوق الفراغ.

كل شيء عندنا من فصحك الدائم يا سيد. شخصك هو العيد. لن نذهب إلى سواك، إلى شيء أنت لست فيه. منذ تعليم بولس والرسل الأطهرين نعرف انك الوجود والكون كله. علمنا الا ننسى هذا لأننا ان نسيناه لا تجد فينا شيئا.

يا رب أقبل العيد. لا تدع خطايانا تحجب نورك من أعيننا لئلا تموت. انسَ يا رب كل خطايانا لنتمكن من رؤيتك.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

حق الاختلاف / السبت ٥ نيسان ٢٠١٤

حق الاختلاف مرفوض من البدء. ان يقول آخر شيئا آخر هو ان يثبت نفسه، ان يقر بنفسه ذاتا، ان يقول انه شيء آخر عنك. هذه هي العداوة. والوحدة عند الناس التطابق وليست الاقتران. الاقتران يعني ان تقول ان الآخر آخر وهو موجود بذلك. الناس يريدون أمرًا وطاعة ولا يريدون وحدة في الاختلاف أي شيئًا قائمًا على الإرادة. في الوحدة لا ينصهر الآخر فيك، لا يذوب. يشتاق إليك ويبقى هو اياه على حبه. اذا ذبت في الآخر تفنى الاثنينية ولا يبقى حدّ. الحب يعني الاختلاف بالضرورة والا كان وحدانية أي ذوبانًا. أنت لا تقر بالآخر الا اذا أقررت بوجودك. الحب ثنائية قطعًا والا كان عبودية.

تختلف ولا تكره بحيث لا تكون محبًا ما لم تقر باستقلال الحبيب. أنت تريد ان يحبك آخر. هذا شرط ان يراك. فاذا كان هو أنت كيف يراك؟ لذلك الهوى بمعنى الإخضاع ينافي المحبة. المحبة شرطها الثنائية وهي تتحقق في الطور الثاني أي بعد التوق. قد ذكرنا الفيلسوف الدانمركي العظيم كيركيغار ان الله لما قال أحبب قريبك كنفسك أراد ان تحبه كنفسك. المحبة في الله ليست دائمًا تلقائية. هي واجب ولذلك هي مخلِّصة. والمحبة سلطة في نفسها. لا تستعبد أحدا ولكنها أقوى من الخضوع أو الإخضاع لأنها حركة الله في القلب. واذا كان الله سيد القلب فهو يريده محبا للقلوب الأخرى لا سيدًا عليها بالانفعال العاطفي.

والمحبة تتأسس في ان الآخر مثلك ومختلف. مثلك لأن الإنسان فقط يحب الإنسان ومختلف لأنك بالمحبة تعطي نفسك ولا تمتلك أي تخرج من ذاتك إلى الآخر لتكون معه وهو معك والله موحد لكما. لا وحدة الا في المشاركة أي في التباين لا في الانصهار. الانصهار كان دائمًا قتلاً لآخر. من أصعب الأشياء اتفاق الإرادات لأنها تعني اتفاق العقول وهذا مستحيل وغير مطلوب إلهيا في المطلق ولكنه مطلوب في الحب.

أنت في المواجهة تلحظ الاختلاف وهذا معطى الطبيعة والتربية وكل عوامل التاريخ. هذا من الحرية والحرية تكوين إلهي فينا. والتعايش ان تقبل الاختلاف ليس مرغما ولكن في اعتبارك ان الاختلاف يأتي من سماحة الله. لا أحد يعرف حكمة الله في هذا الأمر ولكنا نغلب اختلاف الآراء والأهواء بالمحبة. أي نتعايش في قبول الاختلاف على انه سر الله في خلقه. أنت لكونك لست خالقًا للآخر تقبله ان كنت مؤمنا على انه خليقة الله ورسول حكمته إليك وتتروض به ويقودك الاختلاف إلى حبه والحب أقوى من العقل.

الحب عند الأذكياء وجه أول من وجوهه ان تقبل بالآخر أي الا تقتله لإيمانك ان الاختلاف بينكما من حكمة الله فلا تسعى إلى سيطرة ولكن إلى اكتشاف الله عنده عن طريق الاختلاف. احترامك الحرية ليست مساواة بين الأفكار. انها تواضع أمام فكر الاخر المختلف لإيمانك بأن الله عنده ولو اختلف عنك.

احترام الحرية لأخيك ناتج في الحقيقة عن إيمانك بأن الله يوزع حقيقته على من شاء ويسمح باختلاف تعابيرها ويقول بضرورة التوحد الوجداني على اختلاف العقول.

وترى الاختلاف العقلي وتحب لأن الانسان أهم من عقله ولأن حبك له يحييه وتقوم بينكما وحدة تقوم على التقاء القلوب وهذا هو البلاغة عينها. ولك مؤمنا ان تفهم حرية الله في خلقه عقولا مختلفة وان تفهم حرية الإنسان في أحواله لعلمك ان وحدة البشر في وحدة قلوبهم لا في اتفاق آرائهم لأن القلب أعظم من الرأي ولأن الله أعظم من القلوب.

ليس للبشر عقل واحد ولن يكون ولكن يمكن ان يحبوا بعضهم بعضًا ولا يتفاهموا ذهنيا. حرية المذاهب في الدين لا تنفي وحدة الحب والأديان كلها تقبل التعدد في ما ليس هو من الجوهر.

لأن الإيمان ليس قسريا، لأن الله لا يريد عقله ان يستعبدك تقبل الآخر أي تقبل الاختلاف وان الله يسمح به. والمؤمن يقبل ان يعايش غير المؤمن على الاختلاف لأنه يعرفه حبيب الله ولا يفرض عليه قراءته لله. المؤمن الحقيقي يقبل اختلاف قراآتنا لله ويقبل الكفر تسامحا أو تنازلا من الله. نحن في المسيحية نقول انه عليك ان تدافع عن حرية الكفار. عندنا ان «من آمن يخلص ومن لا يؤمن يدان» ولكن ليس عندنا ان أهل الدين يقتلون من لا يؤمن بدينهم. نحن الأرثوذكسيين لا نقول بقتل الهراطقة (أو الكفار) وما قتلتهم كنيستنا مرة. السلطات السياسية شيء آخر وهذه لا تسأل السلطات الروحية رأيها. الهرطقة وفي العربية البدعة ليست اليوم شذوذا سياسيا. هي فكر.

ينبغي ان نتروض على اختلاف الناس في عقولها وتاليا في دياناتها وان الله ليس إلها مستبدا يفرض عليك دينه بحد السيف. الله ليس عنده سيف ولم يفوض أحدا بحمله. انه لا يعاقب المنحرف دينيا بقتله. العقاب بسبب انحراف عن الدين ولى في الشعوب المتحضرة. المؤمن يمكن ان يكون صديقًا لكافر. هذا من المحبة أي من الله. المحبة لا تشترط عقيدة في من تحب.

ينبغي ان نخدم المنشقين والكفرة لأنهم ابناء الله شاؤوا أم أبوا. انهم ابناؤه بمشيئته ولا يسوغ لنا ان نؤثر عليهم المؤمنين بالحب. نحن مع المؤمنين بوحدة الإيمان والفكر ولكنا خادمون للناس جميعًا بعطاء القلب والعمل.

والانسانية ستبقى برج بابل إلى الأبد وأنت يريدك ربك ان تعيش بالمحبة مع من غايرك في الفكر. والله المؤمن والكافر ولدان له وفي كتبنا ان الرب يرحم الخطأة والرحمة من الرحم أي انه يضمهم إليه كأم.

اذا أردت الحرية للناس وهذا أمر إلهي لا ترغمهم على شيء. اذًا هم عبيد. أنت تحب الإنسان ولو كان على اختلاف معك. لا تحبه بالضرورة بسبب من الانسجام. أنت أمرك الله بحبه أي ان تكون في خدمته لتخلص نفسك بهذه المحبة.

الناس ليسوا قوالب ولا يرغمهم ربهم ان يتقولبوا بكلمته. يرعاهم اذا اطاعوا ويرعاهم اذا رفضوه. فقابلوه والرافضون ابناؤه على السواء. يحب محبيه ويرضى برافضيه ولهم جميعا رعايته إلى ان يهتدوا.

ان نقبل مخالفينا في الرأي هو ان نقبل كيانهم لا ان نقبل فكرهم والهداية ممكنة وواجبة ويهتدي من يشاء ويضل من يشاء وأنت تعيش في عالم واحد مع خصومك على شيء من التلاقي أي الإقرار بحقهم في الاختلاف بلا عداء في القلوب. وقد انقضى عصر التكفير حتى الموت. لماذا يرضى الله بحق الكفار والقتلة بالحياة وأنت لا ترضى؟ من أقامك على حياة الناس؟ من قال ان الكفرة ليسوا أحبة عند الله؟ من قال انه عليك ان تبغض الكفار؟ أنت تبغض الكفر فقط. من فوضك أية سلطة لتقتل الكفار؟ أليس من المعيب ان يدعو إلى الحرية أهل الكفر ولا يدعو إلى الحرية المؤمنون؟

نحن المؤمنين وغير المؤمنين لن نكون واحدًا ولكن لا ينبغي ان نتقاتل. هناك تعايش مبتغى معقول ان قلنا جميعا بالحرية. البشر ليسوا قوالب ليقولوا قولا واحدا. ولكن لهم مع الاختلاف ان يقبل كل فريق منهم حرية الآخر بسلام.

«لا تقتل». هذه هي الوصية الوحيدة التي عليها نعيش. المطلوب ان نتعايش مع الخطأة ومع المختلفين عنا وان نقيم مجتمعا ليست أية عقيدة دينية شرطا فيه فالإنسان هو المقدس ونحن هنا إلى الحقيقة في مسعى إلى ان يقول الله كلمته في اليوم الأخير.

حياة الإنسان ملك لربه. ليست لسلطة دينية أية كانت ولم يقم الله على الناس سلطانا دينيا له ان يقتل. ليس من وكيل لله على أجساد الناس لم يفوض الله أحدا بقتل الخطأة ولا الكافرين إلى ان يجيء المسيح ثانية. للكفرة حق الوجود وحق التعليم.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

في مبرات الصيام / السبت ٢٩ آذار ٢٠١٤

تجوع قليلاً في الصيام من الإمساك لتتروض على اشتهاء ما هو أعظم من الطعام، لتقتنع ان الرب خبزنا الدائم. لا يمكن ان تكون لك حياة روحية بلا جوع، بلا فقدان شيء من جسدك لكي تتلقى من ربك طعامًا غير منظور. الشبع استغناء عن الله. كل قصة الصيام انه فراغ تملأه بالله. ما لم تفهم هذا تكون بدلت نظاما طعاميا بنظام طعامي آخر أي تكون بقيت في حدود الجسد. هل أنت جائع إلى الله معطي الحياة ومعطيها بكثرة حتى تصل إلى فهم انه كل الحياة؟

الضعفاء في الحياة الروحية يستهزئون بالصيام لادعاء روحانية عالية عنهم تقول ان هذا أمر جسدي. من قال لك يا أخي ان الأمور المتصلة بالجسد لا علاقة لها بأمر إلهي؟ أليس الله مطلا على الأرض، ساكنا في الأرض؟ احتقار الجسد نسك كاذب. ما كان من تعليم نساكنا. لكوننا نحن الصوامين نرى إلى الجسد جديا نروضه في الإمساك على رؤية وجه الله والإخوة. بهذا المعنى ما كان الصوم حرمانا. هو امتداد إلى اعتبار الرب خبز حياة ورؤية انفسنا شركاء للفقراء. لا يقصينا الصوم عن الجسد. يقصينا عن شهوته. الصوام يعرف طريقه وغاية طريقه وهو عالم بمشاركة الجسد والروح في ابتغاء الحياة التي في الله. الجاهل للحياة الروحية يستهزئ بالعلاقة الصميمية القائمة بين الجسد والروح. عندنا نحن اتباع يسوع الناصري الكلمة الذي صار جسدا وسكن بيننا وعند حلوله فينل رأينا مجده ورأينا الله مطلا به. واذا نزلنا إلى قاع الجوع وحرمان الطيبات نرى إلى الله خبزا سماويا. انت لا تشبع الا من الله.

الجسد يروض بتمارين الجسد والنفس بتمارين النفس. الذي يحرم نفسه طعاما ولا يبتعد عن الخطيئة لم يفعل شيئا. انت لن تكون صواما حقيقيا ان لم تحب الله. فلسفة الصيام في كنيستنا تقوم على الاتباط الصميمي بين النفس والجسد. ليس عندنا روحانية لا تقوم على مراقبة فكرنا الإلهي لجسدنا. لكن هذا ليس قهرا له. هذا تطويع له. ليس الجسد دون النفس قيمة. كلاهما معا في المخلوقية وكلاهما معا إلى الله. نحن لا نقول ان النفس اهم من الجسد. كلاهما معا في الطريق إلى الله.

غير ان الأهم في الصيام المسيحي ليس في الإمساك. الصيام فوق تعابيره الظاهرة. انه طريق إلى القيامة اذ لا يمكن ان ترى المسيح ان كنت ممتلئا من غير المسيح. لذلك كان الصوم تفريغا اولا. بعد هذا يجيء الملء. من هذا القبيل ما كان الصوم الا استعدادا لقبول الحب الإلهي ينزل عليك. ولا ينزل الحب الا على من اشتاقه. نحن في إمساكنا نقول للمسيح اننا اشتقناه. لذلك نحاول ان نتحرر مما عداه اذا استطعنا ان نؤمن ان المعلم الإلهي كان كل شيء. قدرنا ان نفهم انك لا تزيد شيئا على الله وان وجودنا كله ترويض النفس لتصل إلى هذا الفهم. والذي لم يدرك هذا لا يكون بصومه دخل إلى الرؤية. كل ما نقوم به تطويع للنفس كي ترى. نحن لا نحرم انفسنا شيئا من طيبات هذه الدنيا الا لأننا استلذذنا ما كان فوق الدنيا. الصوامون يدركون انهم بهذا الكيان الصائم يصلون إلى الرؤية ويستلذونها قبل ان تجيء. لذلك يطوعون النفس لكي ترى.

كل رحلتنا في الامساك ترويض على الرؤية. الجسد لا يبقى جسدا محضا. يصبح مكانا للرؤية. الروحانية التراثية اي الوارثة للقديسين تعرف ان ما تروض نفسك عليه يستدعي نزول النعمة. الصوم ليس إمساكا عن طعام وحسب. انه محاولة للرؤية، للاتصال بالرب. نحن الذين ادركنا القديسين نعرف ان كل شيء رؤية ولكن بعد ترويض. وميزة الكنيسة التراثية انها فهمت ان الجسد والنفس واحد بعد ان نزل علينا التجسد الالهي ليس من صيام قائم بذاته. كل شيء إلى الرؤية، رؤية المخلص قائما من الموت. ولكن المؤمن المتواضع يرى نفسه في حاجة إلى الترويض.

سطحيا يكون من فكر ان الكنيسة جعلت الصيام مجرد ترويض على التقوى. في الحقيقة ان كان من أمكنة التقوى لأنه ارادة لحب الله عندنا. يخطئ الذين يظنون ان المسيحية في الفكر وحده. هي ايضا في تطويع الجسد لأن هذا من الانسان. نحن لا نسعى إلى التحرر من الجسد. هو ليس دون النفس قيمة لأنه رفيقها على دروب الرب. هؤلاء المسيحيون الذين يحتقرون الصيام لا يقيمون مكانة للجسد. المسيح لبس جسدا وسكن فينا بجسده.

غير ان الصيام يبقى مجرد طعامي ان لم نأخذه إلى رؤية قيامة المسيح. كل شيء في هذه القيامة. ونحن نستعد لها بالحرمان لأنها هي الطعام السماوي. الإله المسيحي يؤكل اي انه نزل من العلى إلى الواقع الانساني ليقول لنا انه في المسيح صار معنا.

الصيام يعلمنا ان الانسان نفس وجسد نحن الذين حسبنا ان المسيحية من مملكة الروح فقط. نحن نعرف ان ابن الله صار جسدا اي كائنا ساكنا في الناس ليجعلنا ساكنين مجده. ونحرم هذا الجسد شيئا من حقه لنتعلم اننا فقراء إلى الله وحده. الرياضة في المسيحية شيء هام لأنها درب إلى الرؤية. والرؤية الكاملة تنزل علينا بعد قيامة اجسادنا وتنزل قليلا في النسك هنا. المبتغى وجه الله والصيام مسلك من المسالك اليه حتى يتم الكل.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

الصوم رؤية / السبت في 22 آذار 2014

لن تفهم شيئا من الصوم ان ظننته إمساكًا فحسب. تفهمه اذا شعرت انه اتحاد. قال أسلافنا الصيام لله. الإمساك بدء منتهاه الانضمام. ولكن الله يتروض الانسان من أجله. بلا رياضة ليس من رؤية. انه ليس إماتة لهذا الجسد العظيم الذي يقول بعض من آبائنا ان الله اذا خلقنا على صورته ومثاله لا يريد النفس المجردة فقط بل يريد الانسان كله بما فيه الكيان الجسدي.

يخطئ من ظن ان الصيام مجرد جهد بشري اذ ليس من جهد لا تنشئه فيك النعمة. أنت لا تمسك الا لأنك تحب. فليس من ألم عند المحبين. المحب يطرد ما يؤذي الحبيب. أنت تطرد عن الله ما ليس يرضيه، ما ليس وجهه. لقد نزل الرب اليك قبل ان تباشر الإمساك. أنت لا تسير خطوة إلى الله بلا الله. هو رفيقك في دربك اليه. كل حركة تقديسك لنفسك هي منه إلى يوم يستردك اليه.

لذلك ليس من حركة هي الامساك ثم الرؤية. الإمساك نفسه يبدأ بالرؤية. كل شيء عندنا حب وليس من خطوة إلى الله ليس هو حاضرا في مبادرتها. الله فيك يتمم صيامك. ليس عندك اية حركة اليه مستقلة عن روحه. والحب عندنا في البدء وفي المنتهى. كل رياضة روحية منطلقها رؤيتنا للحب الإلهي ومنتهاها ارتماؤنا في الحب الإلهي. والله هو الذي يحب فينا اذا أحببنا. كل ما حسبناه رياضة هو حضوره. لذلك صدق قول الرب انه البداءة والنهاية. أي انه هو رفيق الدرب وهو الدرب إلى ان ينتهي كل شيء إلى وجهه.

هو الوجه والويل لك ان حسبت ان ثمة وجوها اخرى.

ان رأيت هذا فإنك في ضلال مبين. ليس من شرعية لجمال مخلوق ان لم تحسبه انعكاسا للجمال الإلهي. لا يضاف جمال على الجمال غير المخلوق.

ما الصوم الا تمرينا على تذوق الوجه الإلهي. المهم هذا الوجه إلى ان تنتهي كل الطرق إلى الله مع هذه الدنيا ولا يبقى غير وجهه ذي الجلال والإكرام. يلفتك قول المسيح المبارك: «أنا هو الطريق والحق والحياة» كلام فيه مفارقة يعني بها انه هو الطريق وغاية الطريق. هو وحده سبيل إلى ذاته وليس يسبقه أحد.

أجل يمكنك ان تنتقل الى الله توا بالحب. لكن الوسائل يتنزل اليها الحب اذ لا يمكنك ان تحب الله الا اذا وضع فيك لهفة اليه. سره انه هو المبدئ والمنهي لتبقى في الحنين. صح ان الرب نهاية المطاف ولكنه هو أيضا الحنين. الرب هو الطريق الى ذاته. هو الملهم والمنهي ومن تذهب انت اليه. وهذا هو معنى قوله انه البداءة والنهاية.

آخر قولة عن الله انه هو المحبة اذا فهمنا ان المحبة هي ذاته. المحبة وجه. صحيح ان الله قائم بذاته من حيث الجوهر ولكنه قائم في الحركة، في الانعطاف وانت تعرفه بعد ان صرت حبيبه. كلمك وناداك فرأيته فيك. تدركه بالتعاطف. واذا ازداد التعاطف تحس بنفسك مندمجا. صحيح ان لكما وجهين ولكنك تحس انك تجيء منه.

في الكنيسة وسائل، ورياضات للتقرب من الله ورجائي الا نبدل الله بالوسائل. واسم الله المحبة. هي ذاته. ولكن لا ينبغي ان نهمل الرياضات إلى الرب لئلا نقع في الشاعرية. الحب فيه تمارين. ينبغي الا نهمل التمارين والتمارين على المحبة تضمن ديمومتها.

العواطف لا تصل بك إلى المحبة. المحبة تقوم على الطاعات، على دقائق الطاعة. «من أحبني يحفظ وصاياي» تنبيه مستمر على ان قولك للرب انك تحبه قد تعني شوقا وقد لا تعني التزاما. لا محك للمحبة الا الطاعة.

اغراء المؤمن مجرد الشعور. «من احبني يحفظ وصاياي». مجرد الاختلاج الروحي ليس طاعة. المبتغى تطويع النفس بكل ما فيها من ميول. فالمهم ان تطلب إلى الله ان يحول محبتك إلى ميول دائمة فيك فتتربى على الله لتذكره على الدوام.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

الصوم / السبت ١٥ آذار ٢٠١٤

كل الديانات الكبرى التوحيدية وغير التوحيدية مارست الصوم واعتبرته تقربًا من الله. أظن ان الفكرة في هذا ان محبتك للخالق تقتضي ابتعادك عن الكون المخلوق وأساسه عند الإنسان الطعام. تريد ان تصبح أنت طعامًا لله اذ تبتغي الاتحاد والابتعاد عن طعام الجسد يبدو للإنسان اقترابًا من طعام الروح ووسيلتان الصلاة والصوم. فإن كنا في الصلاة نطلب الله يبدو لنا اننا لا نستطيع ان نطلب شيئًا آخر. وبما ان الطعام تربية لهذا الموجود فينا الذي نسميه الجسد نمسك عنه للانصراف إلى ما هو فوق الجسد ومن هذا الفوق إلى الله.

المسيحية قالت بأن المؤمن يأكل جسد المسيح ويشرب دمه لأن الجسد والدم عند العبران هما مظهر الكيان أو بعض منه. أحبب الرب إلهك من كل قلبك جاء في العهد الجديد بعدها ان تأكل جسد ابن الله ولكن هذا الجسد هو في السماء ولا وصول لك إليه.  ان تأكل جسد المسيح أسلوب عبراني يعني ان تأكل المسيح نفسه المنقول إليك في دنياك بوجهين: كلمته والقربان الذي هو نوع من الكلمة.

ان تمسك في هذا الموسم عن طعام هو ان تمثل الموت وتاليًا ان تبتغي الحياة والحياة هي المسيح. فالإمساك عن طعام من أجل المسيح لا يغنيك عن هذا الذي قال: «أنا خبز الحياة». في أعماق نفسك أنت لا تأكل خبزًا، أنت تأكل المسيح اذ المبتغى ان تصبح مسيحًا وهذا ليس عن طريق التشبة ولكن عن طريق الاندماج. الأرثوذكسيون لا يقولون أنت تصبح إلهيًّا. يقولون أنت تصبح إلهًا. ولكن من تلك الألوهة التي ليست منفصلة عن ألوهية السيد. ليس ثمة ألوهيتان. يجب ان تقرأ الروح لتفهم هذا. نحن أهل الروح لنا لغتنا ويجب ان تصبح من الروح لتفهمنا.

واذا صمت تصبح من مملكة الروح ولو بدوت جسدًا. المهم ان تعرف انك تجيء من فوق. الذي نزل يبقى من مملكة الرؤية ويتكلم بلغة السماويين. المهم الا يشدك الجسد إلى أسفل. تبقى في الجسد مستقلاً عنه لأن قلبك في الله والله في قلبك. تصوم لتقتنع بكلام الذي قال: «أنا هو الخبز النازل من السماء». واذا أخذت شيئًا من غير السماويين تكون ابتلعت الأرض. كل القضية ان نفهم في العمق ان الرب هو ما تأكل وتشرب وان كل شيء آخر رمز.

الصوم تاليًا تدريب على ان الرب هو مأكلك ومشربك أي انه اذا أخذته هو يكونك ويجعلك بشرًا سويًا. تتروض في الصوم ان تعرف انك لا تتكون مما تأخذ ولكن بما تعطي. وبهذا المعنى أأمسكت أم لم تمسك أنت صائم الدهر. أي المؤمن ان الله وحده هو الذي يندمج بك وانك تصبحه. لذلك كان هو في العمق الحبيب الوحيد.

أنت صائم الدهر اذا أدركت وأحسست انك لا تدخل الا الله إلى نفسك. هذه هي مرتبة الحب التي تفوق كل معرفة. كيف تصير إلهيًا وأنت بشر هذا هو السؤال الوحيد إلى ان يخطفك ربك إليه في اليوم الأخير ولا ترى الا وجهه.

كل ترويض الصوم يعني شيئًا واحدًا ان ترى وجه الله وحده. هذا هو الحب الأخير. عند ذاك لا تسأل عما هو لك وعما هو له. أنت وما عندك وما فيك له. فقط اذا أدركت ذلك تكون صائم الدهر.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

نحن قياميون / السبت في ٨ آذار ٢٠١٤

ولجنا أبواب الصيام منذ أيام ناظرين إلى القيامة. والقيامة رؤية الحياة الجديدة وتواصل بالصالحات التماسًا لغفران الخطيئة، والإمساك رمز لتعهد البر وسلوك طرقه. أنت تعف لتكون مؤهلاً لاقتبال النور.

يبدأ الصيام انقطاعًا حتى يتحول القلب إلى طلب الصالحات. الكلام على ما يؤكل وما لا يؤكل بدء كلام والسؤال الأخير هو هل تريد ان تعاين وجه الله في ما تأكل وتشرب وتكتب وتعمل وتقول وتصمت والعاشقون لا يكتفون بأن ينطووا في صيامهم. انهم دائما إلى وجه الحبيب. أنت تحل حيث حل الحبيب وتتبعه إلى حيث ذهب والسير إليه مهما طال السير.

الصوم ما كان رياضة الا لأننا أردناه التماسا لوجه الله. الرياضة الروحية على أشكالها طلب لوجه وما قبل الوجه كلام. أنت تعف لإدراك الوجه والبقاء على معاينته لأنه الوجود.

أنت تقول لجسدك في جوانب الفناء الذي هو عليه لئن كنت متكأ لست كل شيء. تعال معي إلى حيث ينتهي السراب. حسب الإنسان ان يفهم انه لا يقوم بالطعام والشراب وان التماس قلبه يفوق كل هذا. الذي لا يشعر انه يوجد بما يفوق جسده وما له لم يبلغ الفهم. ما قال أحد انه ينبغي ان نهمل الجسد. انه عطاء الله. قلنا لا بد من تطويعه.

إماتة الجسد كلمة ملتبسة. انها تعني عندنا إماتة الشهوات. الجسد من حيث هو بدن خليقة الله وحسن. اما الكلمة فتعني أحيانا الشهوات المؤذية وليست كل الشهوات مؤذية.

نحن فوق إماتة الشهوات. نحن إلى وجه يسوع. هذا الوجه هو مجد الله. ان آلام السيد كانت طريقه إلى القيامة. اما نحن فانتصارنا على الخطيئة بدء اتحادنا بالسيد والاتحاد ويأتي من هبه لنا. نعاين الصليب دومًا لأنه محل القيامة. تبدأ قوتها عنده إلى ان تتجلى كاملة في الفصح. بالصليب «قد أتى الفرح لكل العالم». الصليب ليس إعدامًا للجسد. هو بدء التجلي. لذلك كان المسيحيون الأولون يقيمون بقوة واحدة أيام الجمعة وسبت النور والفصح. كل هذا الموسم موسم انتصار. كل شيء يأتي من الفصح حتى يأخذنا الرب إليه.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

الإله المتجسد / السبت في 1 آذار 2014

جاء المسيح ليقضي على الخطيئة، ليقدم عرضه هذا على الإنسان لأن المسيح لا يريد اقتحام الإنسان. هو مخلص ولكن لا يخلص إلا من ارتضى الخلاص واعتنقه وابتهج به. الله لا يقتحمك، لا يغتصبك، يعرض نفسه عليك فيصبح الخلاص حقا نتيجة حوار بينك وبينه. يتنازل الله إليك ليصير محدثك. لعل كل سموه انه جعل نفسه على سوية واحدة معنا. قبل ان يجعل اتصاله بنا حديثًا معنا. يتواضع الله ويبقى الله.

ان يقضي المسيح على الخطيئة هو ان يفتح لنا باب البر. البر ليس انتصارًا على الخطيئة فحسب. انه دخول الله إلى ذاتك وتجديده إياك ودعوتك إلى رتبة الألوهة وأنت على بشريتك. الله فوق ويصير إلينا بتواضعه. أنت تصير إلى فوق برضاه مع تطوعك. قضاء الله على الخطيئة يتطلب قبول الإنسان لهذا القضاء لكن الإنسان يحب خطيئته ويفعلها استلذاذًا. الإنسان قبيح. ولا يقضي على الخطيئة الا البر تستطيبه. هذا لا ينحصر في الحسرة. البر فيه الفرح وإيثاره عقليًا على الدنس وليس فقط تمنيًا أي يجب ان تحب البر لتفعله. هكذا يصبح برك بر الله.

اذا قلت ان المسيح جاء ليقضي على الخطيئة أكون قد قلت ان القضاء عليها من حبك لله أي ان تراه أبهى من ملذاتك. اللذة مستطابة فإن لم تؤثر الله عليها تغلبك. اذا قوي فرحك بالله على كل لذة يجذبك. لذلك يجب ان تغذي فرحك به لأن الإقامة ان لم تكن عنده فهي عند الشرير.

الموت عدو كما قال الرسول لأن «أجرة الخطيئة هي الموت»، لأن الحياة مع المسيح هي الحياة. المسيح أتى بالحياة الجديدة التي لم نكن عليها.

عندما نقول ان يسوع جاء ليقضي على الخطيئة نكون راجين ما هو أبعد من هذا. نكون راجين فرح البر وهو معايشة الله. لا يكفي ان نرجو القضاء على الخطيئة والمكوث في الخطيئة. المهم ان نكون مع وجه الرب. ليس المهم التماس البر من حيث هو بر. المهم التماس وجه الرب لأن كل الوجود في وجهه.

المكوث عند المسيح شعور يجب ان يكون أقوى من التحرر من الخطيئة. التحرر من الخطيئة هو بدء الفرح. أما الفرح الكامل فمعاينتنا وجه يسوع.

يمكن ان تقول أنا اكتفي بوجه المسيح اذا فهمت ان هذا الوجه يقودك إلى وجه الآب. المنتهى ليس المسيح في الجسد. المنتهى الآب حسب تأكيد السيد: «من رآني فقد رأى الآب».

من كان مسيحيًا يفهم ان المسيح هو الوسيط بينه وبين الله. نحن لا نكتفي بذكر الله مفصولاً عن مسيحه. «لا أحد يأتي إلى الآب إلا بي». ان لم تذكر المسيح في كلامك عن الله تكون من أهل العهد القديم. المسيحية هي هذا ان ترى الله في مسيحه.

اذا شدك الله إليه أطلب ان يكشف لك وجه مسيحه. وان رأيت هذا الوجه لا تنسَ الآب. كل شيء يصبّ في الآب. لا تنسَ انه هو المنتهى وان مسيحه يحيا به إلى ان يخطفنا وجه الآب في منتهى الدهور.

يسوع هو الذي سكن فينا وأسكننا مع الآب. داخلية المخلص فينا شرط سيرنا معه إلى الآب. واذا رأينا وجهه تبدأ المسيرة.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

هل الله يكتب؟ / السبت في 22 شباط 2014

لماذا أكتب؟ هل أنا أكتب أم الله يكتب أحيانًا بي أو فيّ. ان كان الله لا يكتب فيك فلست بشيء ويجب ان تكف. الكاتب خادم الحقيقة وليس بمزخرف. الحقيقة ان احتدمت فيه ورفعته هي وحدها التي تجعله كاتبًا والا كان مقلدًا تافهًا.

لست مهتمًا هنا بظاهرة الكتابة ولكن بالحقيقة التي تكشفها الكتابة مبدأ وأساسا. أنت لست كاتبًا بالمعنى الصناعي أصلاً. أنت مبلّغ. الكاتب ليس خالقًا إلاّ اذا أراد ان يلعب لعبة الأسلوب. هو ناقل الحقيقة التي نزلت عليه.

الكاتب الكبير لا يقول إلا ما يملى عليه. هو زائف اذا أراد ان ينقل ما يعتبره له. الكاتب يجيء من غيره، يجيء من الله أو هو صانع كلمات. ان أحسست انك تؤتي الناس من عنديات بيت أبيك أو ما يشبه أباك فأنت خائن للكلمة لأن هذه كانت في البدء. لك ان تحس أحيانًا ان في أحشائك كلمات ولكن ان عرفت انها ليست من الله فأبصقها.

ان عرفت ان في فمك كلمات ليست من الله اخرس. فاذا لم يضع كلماته فيك يكون الشيطان واضع كلماتك. صمت الطاهرين أفعل من كل الكلمات المصطنعة. لا يسوغ لفمك ان ينطق بكلمة لم تنزل عليه من الله. الكلمة ليست مبدعًا. هذه نقولها من أجل الجماليات. الله يكتب بيدك أو ليست يدك شيئا. ان نسبت إلى نفسك قوة كلماتك تكون حليف الشيطان. لا كلام إلاّ كلام الله ونحن مبلغون. ان كنت ممعنًا في الكلمة الإلهية لك ان تعرف ما هو على لسانك من الله ومشتهاك ألاّ تقول إلاّ ما قاله مرة وإلى الأبد.

ان تكتب أتاك من وكالة إلهية إن كنت كاتبًا مؤمنًا. وإن لم تكن مؤمنًا تأتي من نزواتك أي من كبريائك وليس لنا شأن بها. الكاتب المؤمن قد يُسمّى مبدعًا. هو لا يهمّه الأمر. يرى نفسه رسولا لكلمة الله في الصناعة التي هو قادر عليها. ومن اصطفاه الله وحده يبلغ. الباقون أبواق فكر بشري قد يحمل جمالات وأنت تخترق الجمال البشري لترى إلى بهاء الرب.

أنت كالوالدة تفرح لأنها وضعت ولا يكون وليدك عظيمًا ما لم يكن ابنًا لله. أنت لا يجوز لك ان تكتب ما لم يرغمك الله على ذلك. المؤمنون ينتظرون منك كلمة إلهية لا أقوالاً مصنوعة. دائمًا في البشرية من يتقن الزخرف. القليل من الكتبة ينقلون الله. الكلمة البشرية غلاف للكلمة الإلهية وإلاّ كانت من النزوات. فمك فم الله وإلاّ كنت تافهًا. الابداع لا تصطنعه ان كنت عظيما. تتناوله من فوق ويحس الناس ان فمك صار فم الله.

الكلام البشري ناسخًا لكلام الله يعني لي شيئًا. أنا ما قلت ردد كلمة الله كما تقرأ قصيدة. ليست عظمتك ان تكون فريدًا في الصياغة. هي ان يكون عقلك منسوخًا من عقل الله بالكلمات التي تحسنها. الكاتب الكبير الكبير هو من عرفه الله انه بوقه. غير هذا هذيان بشري.

Continue reading
2014, مجلة النور, مقالات

الكنيسة العذراء / مجلة النور – العدد 4 – سنة 2014

الفتاة العذراء من لم يمسها رجل. الكنيسة العذراء هي المعطاة للمسيح فقط. لا تشركه بآخر. الكنيسة كما هي في هذه الدنيا معطاة كأنها تعيش في الآخرة أي لا مصلحة لها في الجاه والمال ولا تبغض ولا تقبح ولا تظن السؤ ولا تتحزب وتحب من هم خارجها مثلما تحب أهل الداخل. تحب كل الناس وهي عروس المسيح وتسلم له وحده. لا قيمة عندها للمال الا لتوزعه. لا يسحرها اقتناء الأوقاف ولو اقتنت لتخدم. يسحرها فقرها ان قبلته والكلمة إذا قالتها.

الكنيسة متصلة بالفكر بما هو من الدنيا لأنها تخاطب الدنيا. هي تعطي كلمة الله للعقول التي أمامها أي تحاول بث الله في قلوب البشر. هذا فيه لمس لهذا العالم. وما من عطاء للإنجيل الا ببث الفكر الإلهي في العقول البشرية. وهذا يتطلب منك استلهام الله أي الدخول إلى حياته. وإذا جاء إلى النفس إلهها وحده تبقى عذراء وعند ذاك فقط تنقل الله ببساطته وقوته.

بكلام أدق ولكنه أصعب لا تنقل الله الا بقوته وأريد بذلك اذا حلت فيك قوته لكي تكون هي لا أنت الفاعلة. ليس اذا علمت أشياء عن ربك تقوله ولكن اذا أحببته تنقله لأن القضية انسكاب قلبه فيك وانسكاب قلب لك في الآخرين بعد ان صار إلهيا. هذه هي النقاوة الا تجمع في ذاتك ما هو لله وما هو لأضداد الله. ان يكون ما في قلبه داخل قلبك هو وحده وجودك. هنا يعني ان تخلع عنك كل ثوب عتيق وان تلبس المسيح لتستحق قول الرسول: «يا جميع الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم». ومعنى ذلك ان تتحد بالمسيح كما يتحد الثوب بالجسم.

ان تتحد بيسوع هو ان تنكر الآلهة الكذبة، الا تحالف فكرة تضاده، ان تأتي منه لمحبة الناس، ان تنظر إليهم من خلاله، ان تقدر ان تحبهم لكونك تحبه اذ لا يمكن ان تكون خادمًا لهم ان لم تكن خادمه. لا يمكنك اطلاقًا ان تترك خطيئة ما لم تتحد به وحده. خضوعك له وحده شرط محبة عندك للبشر خالصة. اذا بقيت فيك محبة للدنيا فليس فيك أثر لمحبة المسيح. هو حبيبك الوحيد بالمعنى الكامل والعميق واذا حل هو فيك تتقبل المحبات الأخرى بلا زغل واختلاط.

نفسك، اذ ذاك، عذراء. لا يمكن ان تكون عروسًا له ومختلطة بسواه. ضم المسيح اياك إلى نفسه لا يحتمل الشرك. لا مكان لآخر. تحب الآخرين بإخلاص كامل اذا انعكس حب المسيح اياك فيهم.

كذلك محبتك الآخرين عذراء أي لا اختلاط فيها للخبث والرياء. تحبهم لأنهم أحباء الله، لأنك تلتقط حب الله فيهم. واذا بادلوك المحبة فهذا يكرمهم ويعليهم. لذلك نقول انك تحب مجانًا ولا تنتظر من عطائك شيئًا. المحبة لا تجارة فيها. لا يحيا الإنسان الا اذا عرف نفسه محبوبًا. المهم ان يعرف في البدء انه حبيب الله والباقي يعطى له زيادة. أنت، مسيحيا، لا تسعى إلى تعزية. المحبة واجب أي انها أمر من الله للقلب. لك ان تفرح لمحبة تعطيها. هذا عزاء في الطبيعة. وهذا الفرح فيك ينشئ فرحا في الآخرين. الفرح بطبيعته ينبث.

الإنسان السوي يلقى الآخر. السليم لا ينغلق. يختنق الإنسان ان بقي وحده. نحن كنيسة لأن أحدا منا لا يعيش لنفسه. يحيا مع الآخرين، بالآخرين لئلا يموت. الحزن، الانغلاق موت. نحن نذهب إلى الآخرين لنحيا بهم ويحيوا بنا. هذه هي الكنيسة اننا موجودون مع الآخرين، في الآخرين.

الكنيسة نعرف فيها اننا محبوبون، ان أحدا منا غير مرفوض، ان له مكانة في القلوب وهذا ينبغي ان نظهره ليتعزى كل منا بالآخر. من يظن انه غير محبوب يموت. وإذا أحببنا أحدًا يجب ان نقول له هذا. يجب التعبير عن المحبة الأخوية في الكنيسة لئلا يحزن من أحس اننا لا نحبه.

الكنيسة العذراء أي المستمدة نفسها من المسيح وحده يجب ان تدرك دائما انها لا تنتظر عطية من سواه أي انها عارية من كل غنى أرضي ومن كل مجد هذه الدنيا. الكنيسة التي أخذت تظن انها آتية من الفلسفة أو من ثروتها أو من قوتها السياسية لم تبق في الحقيقة للمسيح. ظاهرها كنيسة ولكنها جمعية خيرية على أحسن حال.

هذا اغراء من الشيطان ان ندفع الكنيسة إلى مجد عالمي ظانين انها تقوى به. هي تقوى بفقرها إذا افتقرت من أجل الفقراء. هي لا مجد لها الا إذا تنكرت للمجد الباطل. هي تقوى إذا أحبت أهل كل العقائد في محافظتها على إيمانها. أجل هي في هذا العالم وتعرفه وتفهم فكره ولكن لها فكر المسيح الذي محا نفسه حبًا.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

فتات من السماء / السبت 15 شباط 2014

ليس بين يدي الا فتات من خبز السماء لأشبع منه ولا أموت. كل مأكل غير هذا الذي يعطيه ابن الإنسان صاحبه إلى الموت. كيف نحيا بك يا رب، كيف ننوجد؟ اذا أنت أوجدتنا نبدأ وتبدأ فينا الرؤية، رؤية وجهك فالوجوه. أنا رأيت، لذلك تكلمت. كل كلام بلا رؤية لغو. لذلك نحن الرائين نرتل.

ماذا يأكل من لا يأكل من خبز السماء؟ هل يؤكل غير الله؟ اذا أكلت من ثمار الأرض تصبح جسدك. أمّا ابن الله فقال: «من يأكل جسدي ويشرب دمي له حياة أبدية» لأن مأكله كان قبل البدء ويبقى بعد الأزل. نحن جياع اذا لم تنزل كل السماء فينا. ما جاء اليك من الأرض يبقى في الأرض. ما نزل عليك من السماء يرفعك إلى السماء. من ارتفع إليها يلازمها إلى الأبد. مع ذلك نتردد بين ما لها وما كان دونها وكأننا لا نزال من الأرض ونتذوقها دون السماء. متى يهبنا الله ان نصرخ إليه؟ هو ينتظر صراخًا نحيا نحن به. يقبل الله الأنين لأنه أثر حبه فينا. يتوجع لصراخ الألم فينا. مع ذلك يستلذ كل صوت منا. «يا رب إليك صرخت فاستمع لي». يقبل الصراخ كما يقبل الهتاف في حنين. المهم اتجاه القلب إليه.

أنت، مؤمنًا، تصرخ لأنك تعلم انه يصغي إلى الصراخ ويتقبل وجع قلبك. لعلك تصرخ اذا اشتد عليك شعورك بأنك الحبيب. هو لا يؤاخذك على الوجع. توجع ابنه فاستجاب له في ضيقه. هو يحالفك أولاً في الضيق. اذ ذاك فقط تنفرج وتفتح لك الأبواب وتدخل مدللاً.

الرب ينتظر عودتك منذ حصل سقوطك ويطرب في انتظار العودة اذ رأى انه يستلذ معايشتك عنده. هو يدعوك إلى مائدة أعدها لك منذ الأزل. “انزل علينا مائدة من السماء تكون عيدا لأولنا ولآخرنا”.

طاعة لكلماته اذًا لن اكتفي بالفتات. عندما قال: “من يأكل جسدي ويشرب دمي” استخدم تعبيرًا شرقيًا ليقول من يأخذني كلي إليه كلاً، هذا يثبت فيّ وأنا فيه. وحدة بلا انفصام مع بقاء التقابل بين لاهوت الرب وناسوتنا. الوحدة دائمًا في التقابل أي في بقاء الحبيبين.

لا تحيي الا السماء. ليس في الأرض ما يحيي. سنجوع إلى الله كله لا إلى فتات. ما كان دون الرب نفسه ليس الطعام الكامل. الرب هو خبز السماء. أنت قليل الإيمان اذا طلبت ما كان دون الله وتكون، اذ ذاك، جائعًا إلى الأبد.

نحن دائمًا في صحراء ما لم يهبط علينا المنُّ السماوي. نحن أبدًا جياع ان لم نذق الرب نفسه والرب يسوع سمى نفسه خبز السماء فلا تشبع اذًا ان لم تأكل جسده وتشرب دمه أي ان لم تأخذه كليًا إليك.

هو وحده طعامك الكامل. قبل ذلك أنت ضحية جوعك. وما من طعام آخر يشبعك أو شراب آخر يرويك. لازمه تحيَ لأنه هو الحياة. ليس لك طعام يضاف إليه الآن وفي حياة الأبد. اغتذِ من مسيحك ليعلم الناس انه غذاؤهم. ذكرهم لئلا ينسوا فيقتاتوا من طعام زائل.

Continue reading