تبدأ الطلبة السلامية الكبرى في القداس الإلهي والخِدَم الأخرى بقول الشماس: “بسلام إلى الرب نطلب”، اي نرجو ان نكون في سلام مع الله لنتمكن من الصلاة. ثم نقول “من اجل سلام كل العالم”. وهنا يبدو للسامع اننا نطلب السلم العالمي بين الدول، ولكنه سرعان ما يفسر: “من اجل السلام الذي من العلى وخلاص نفوسنا”. وهنا يتضح انه ان كان صلح بيننا وبين الرب نتمكن من إشاعة الهدوء حولنا في العلاقات الشخصية، في العائلة وفي المجتمع. السلام الذي لا يتصدع بمصالح الدول والأفراد والخصومات ضمن العيلة او الرعية هو الذي ينزل عليك من فوق.

          المؤلم ان في الدنيا صالحين في كل الشعوب ولكن السياسة ليست في ايديهم. والفاهمون كثيرون، وما السياسة في أيديهم “والإنسان ذئب للإنسان”. وسوف تبقى الحروب بين الشعوب القوية والشعوب الضعيفة ما لم تتحول الشعوب في رقي اخلاقي عظيم وتنمية وازدهار لتفهم ان مصالحها هي في ان تنمو جميعا وتنمو معا ويظل كل شعب على فرادته وأصالته وحقه في الاختلاف. ان نؤمن بحرية الآخرين شرطا للسلام، واكتمالا لسلامنا نحن، هذه قمة في حياة الشعوب.

          وهنا يبدو من المعقول ان تبقى مجموعة بلدان فيما بينها في سلام موطد بعد ان تكون اكتشفت أن الحرب يدمرها جميعا ولا يبني شيئا ولا يؤمّن سيطرة وأن من تستبعده سوف يثور عليك ليستعبدك. هكذا اخذت تتجلى – بعد مخاض عسير- ان الطمأنينة عبر الحدود ممكنة لأن القيم الانسانية صارت اقوى في النفوس من التوحش. ربما كانت المجموعة الاوربية مثالا على ذلك. سعي الى تعاون وربما الى توحُّد نتج عندها من كونهم ذاقوا مرارة حروب وتبنّوا مبادئ من الإنجيل ترجموها قِيَما اجتماعية عندهم. طبعا هناك قناعات اساسية ذات مصدر ديني تتشبع بها المجتمعات وتتحول سياسة.

          في الأساس ما حاولَتْ هيئة الأمم ان تعمله سلام مؤسَّس على حقوق الإنسان التي صارت عند اهل الغرب قيما مقبولة، موضوعة في تعبير بشري، دنيوي دونما صلة ظاهرة مع الإنجيل ولكنها آتية من الإنجيل ما في ذلك ريب.

          هل نحلم بسلام عالمي؟ هذا كله متوقف على الصدق وليس في معظم الدول صدق. والصدق بدوره ناتج من التعفف عن العنصرية وشهوة التوسع والسيطرة الاقتصادية. اجل، سيبقى على عشرات بل مئات من السنين امرا ضبابيا.

          نحن إلحاحنا على العدل. لا سلام بلا عدل للجميع. قد يُفرَض السِلم ولكنه لا يبقى. بطريقة او اخرى، إن لم يكن “سلاما من العلى” لا يستقر في الأرض. هذا هو معنى البشارة عند مولد يسوع. “المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام”. إن تَنزَّلَ نزل عليك شيء من فوق تنشره هنا سلاما.