يقال له في اليونانية المجد الفارغ لكون صاحبه يظن ان عنده شيئا وليس فيه شيء. عند المصابين بهذه الشهوة مركز وجودهم هو الانا. اما المتحرر فلا يحسب ان هذه الدنيا تغنيه لكن الهه يغنيه. الواقع في هذا الهوى الكبير. يستعلي مما يملك. اما الحر من عبودية الملك وعبودية الافتخار فيرى نفسه فقيرا. الذي ملكته الارض يحسب انه مالك الارض وسيدها ويسعى الى سلطان على البشر. ورغبته في ان يراه الناس ويعجبوا به ويقدروه ويمدحوه. ويعجب من عدم انبهارهم به.

الحسناء تظن انها تملك حسنها والثري ان له حقا في الثراء وقد يذهب المثقف الى ان ثقافته عظمة له. الانيق والانيقة قد يحسبان ان الاناقة توجب على الناس الافتتان بهما ويذهلان انهم لم يفتتنوا. لا يعرفون ان هندامهم وعطورهم وما يتبرجون به ليست هي اياهم ولكنها اشياؤهم. وقد لاحظ القديس مكسيموس المعترف ان هناك جدلية بين المال والفخار. الذي يمجد نفسه يسعى الى المال والمال ينشئ فينا المجد الباطل. وهذا كله يجلب الترف والبذخ. فأنت باذخ بسبب من زهوك. وقد تسعى الى وظيفة او مكانة لتبقي الزهو. غير ان المال ليس فساده فيه ولكنه وسيلة الى السلطة وعشقها. المال ذروة فساده انه يبعث فيك حب التسلط. ولكونك وحدك موجودا يهمك ان ترى الناس عبيدا لك. “انا ربكم فاعبدوني”. ولهذا تقضي حياتك في التفتيش عن عبادة لك.

وقد لا يكون المال وحده سبيل اغراء الاخرين بك. فكثيرا ما يفخر القوم بما يعرفون. بشهاداتهم العليا، بجمال خطابهم او ما يكتبون. اذ المال لا يكفي صاحبه. بعد كثافة من الثروة تنشئ صحيفة ليقال انك مثقف او تجمع مكتبة لا تقرأها لأنك في داخلك تحس ان كثرة من الناس لا تسكرهم ثروتك ولكن ما من انسان لا يهتز للثقافة. تتظاهر بها او يظنونك عليها اذا عقدت حولك مجلسا من العلماء او الشعراء او حضرت حفلة موسيقى كلاسيكية لا تفهم منها شيئا ولا تذوقها.

ومن الناس من ليس عندهم مال او تغلبوا على شهوته. وعندهم فضائل حقيقية. تجربة الشيطان اياهم ان يفخروا بفضائلهم لكونهم نسوا انها من الله وان ليس لهم فيها شيء. هذا النوع من الفخار يقع فيه من صار لهم في الفضيلة معراج واقتنوا الكثير منها واوغلوا بالنزاهة في محيط قليل النزاهة او تشددوا بالعفة حيث يكثر هاتكوها. ان ترى نفسك فاضلا مع حفنة قليلة من الفاضلين من شأنه ان يوحي اليك انك من الاعزة المقربين الى الله وينسيك انك صرت الى البهاء فقط برحمة من ربك. وفي هذا قال السيد: “كيف لكم ان تؤمنوا وانتم تتلقون المجد بعضكم من بعض واما المجد الذي يأتي من الله وحده فلا تطلبون” (يوحنا 5:44).

هناك اذاً مجد حقيقي يأتي من الله، هذا هو الهابط على المتواضعين. ولكونك احتجبت دون نزول هذا المجد عليك تذهب الى مصادر المجد البشرية. وقد قال الرب لهؤلاء: “انكم لا تستطيعون ان تؤمنوا”، ذلك ان ايمانك تعطاه من الله وليس لك فيه شيء. فالله اذا مجدك يمجد نفسه فيك. هؤلاء لا يقدرون ان يؤمنوا لأن الايمان، لغة، ان تجعل الله مأمنك، وهذا يعني ان ترى النور فيه. واذا ارتفعت عيناك الى وجهه يمحي وجهك في عينيه.

من الصعوبة بمكان ان نتنزه عن المجد الباطل. انه يلاحقنا من كل صوب. فالانيق مثلا اذا لبس ثوبا جديدا يعتز به. واذا اهمله وارتدى ثوبا غير باهظ الثمن يفتخر بأنه تواضع. ومن يقول كلاما جميلا يفتخر ومن صمت عنه يفتخر. عند آبائنا النساك ان هذا المرض يشبه البصلة. فكلما نزعت عنها قشرة تظهر قشرة اخرى. لكن نباهة النفس تكشف لك حقيقة قول الرسول: “من افتخر فليفتخر بالرب” (2كورنثوس 10:17) لذلك كان من سعى الى ان يظهر يمدح مادحيه لكونهم يغذون فيه الحياة التي اصطنعها لنفسه.

المأساة هي هذه ان من انتفخ هكذا واستكبر لا يعرف تفه الاشياء التي يسبح فيها ولكنه يحسب المتواضعين اغبياء. يعطي قيمة لما ليس بقيمة ووجودا لما ليس بوجود. لا يرى هشاشة ما بين يديه ولا يرى المتعلم المنتفخ انه قد يجن ولا ترى الجميلة ان اي مرض او حادثة تنهي جمالها. المشكلة عند هؤلاء ان ما يراه الصالحون وهْمًا يراه هؤلاء حقيقة وما يراه الخيرون حقيقة يمسي في نظر اولئك وهْما. هذا هو الهذيان عينه. واذا كان الجنون تحديدا ان نخرج من عالم الواقع لبناء واقع فعاشق المجد يحيا في عالم الاستيهام. انه استيهام، المصاب فيه لا يرى من حوله ان متملقيه كاذبون مستفيدون وانهم يهزأون به في سرهم او مجالسهم. انهم يعرفون ان المصاب بهذا الداء يتقسى قلبه ويحتقر من يستعملهم. ولكونهم يريدون العيش به او منه يسكنون المدح. وكثيرا ما يعرف هذا ان مادحيه كاذبون ولكنه لا يريد ان يواجه حقيقته وقد يمدهم برواتب او هدايا ليتحلقوا حوله. لقد غدا في حاجة الى فراغه اذ لا يستطيع ان يشاهد الاسمى.

هذا المجد الباطل المحدق بنا جميعا لا شفاء منه الا بفكر الرب الذي يريدنا ان نذكر الموت لنشاهد باطل حاضرنا. وللرب اساليب لأنه “حط المقتدرين عن الكراسي”. قد لا يتوب انسان كهذا الا اذا ضربه الرب بجسده. المشكلة ان البشر لا يأخذون عبرة من موت الآخرين. هناك من لا يعتقد حقا انه يموت اذ يتصرف بهذه الدنيا وكأنها جالسة عنده الى الابد. لا يشفى من هذا المرض الا اذا ادرك ان العالم الذي اصطنعه لنفسه انما هو الوهم عينه. قد يفهم اذا رأى سعادة الفقراء وسعادة المرضى الصابرين. المشكلة ان المصابين بهذا الداء يعاشرون فقط من يتجانسون واياه لأن بين هؤلاء جميعا تسابقا على المجد وتسابقا على النفوذ والاثراء.

المهم ان نهرب من كل ما من شأنه ان يرفعنا في رؤية العظماء. لقد اوصانا باسيليوس الكبير ان نسكت الذي يمدحنا. الابرار لا يطلبون مقاما يعظمون فيه. واذا بلغوه فليعرفوا انه خدمة فقط. هناك ترويض للنفس كبير ان لم نتكلم على انجازاتنا وان نهرب من النجومية، الا نتحدث عن قدرتنا واللغات التي نجيد والفساتين المشتراة في باريس، الا نسأل اصحابنا عما اذا كانوا قد قرأوا ما كتبناه، الا نفاضل بيننا وبين الآخرين، الا نذكر احسانا قمنا به وان نسعى الى صنع الخير في الخفاء.

واذا وصلنا الى مقام يضطر الناس فيه الى ان يحتكوا بنا وينبهروا فلنفكر ان المقام مطرح للخدمة فقط ما يجعلنا نقول مع الرسول عن عمل اوكل اليه: “اذا كنت افعله ملزما، فذلك بحكم وكالة عهدت اليّ” (1كورنثوس 9: 17).

في هذا المنصب قد يذلنا الناس. حسن ان نقبل الذل صامتين. الذي أذلك او شتمك او اهانك رسول الله اليك. اعتبره طبيبا لك يؤدبك الله به. ليس مثل نكران الجميل وانتقاص حقوقنا او ازدراء مكانتنا يعلمنا التواضع. كم من مرة شاهدت من اوبخه امام الجماعة يثأر لما يسميه كرامته. انه لا يعرف ان البشر لا يعطونه كرامة. الكبير في الحياة الروحية يخفي عن عينيه حسن خصاله ولا يذكرها للآخرين. واذا وعى خطاياه فيذبل امامه المال والجاه والتشريف الذي يحاط به.

انها لقاعدة لا تخطئ انك ان رأيت لنفسك مجدا في دنياك لا يراك ربك ذا مجد. المهم ان يراك الله فهو وحده مرجعك. ذلك انك ان ابصرت مجده فيك وفي الآخرين تكره التمجيد الذي يأتي من الناس وتدخل في دائرة التواضع الذي اذا ادركته يهبك الحرية كاملة.